بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 20 فبراير، 2016

أطروحة دكتوراه حول العلاقة بين النقد والمنجز الفني-مكية الشرمي/ تونس ـ صفاقص: كلية الفنون التطبيقية


أطروحة دكتوراه حول العلاقة بين النقد  والمنجز الفني

أصول العلاقة بين التنظير و الإنجاز الفنّي في تجربتي كلّ من شوكت الربيعي و عادل كامل

مكية الشرمي/ تونس ـ صفاقص: كلية الفنون التطبيقية

تمهيد

        يظهر لكلّ متتّبع لمراحل تطوّر الفنّ التشكيلي العربي، أنّ نقطة الانطلاق الحقيقية للتجديد، بدأت مع بواكير العقد الأوّل من القرن العشرين المنصرم، وظهرت مع بدايات الفن الحديث ومع تطور التكنولوجية تطوراً معقداً وسريعاً معتمدة تقدم علوم الفيزياء الحديثة الالكترونية بالخصوص، وعلم البيولوجيا، وقد تبلورت ونضجت إبان فترة الثلاثينات والأربعينات، نتيجة لتأثيرات موضوعية و ثقافية و تحوّلات  اقتصادية.
 إذ كانت تلك الفترة التاريخية تمثّل أكثر المراحل نشاطا وحيوية وازدحاما بالمتغيّرات في بنية المجتمعات العربية، و لم يخلو ركن من أركانها من نداءات الاستقلال والحريّة، بالتخلّص من سيطرة الاستعمار، ليس في الجانب السياسي فقط، بل شمل أيضا محاولة التخلّص مما فرضته النظم المستعمرة على هذه الشعوب في كلّ المجالات الاجتماعية و الثقافية و التربوية، و التشكيلية.
فقد شهدت المحاولات الفنّية العربية منذ بداياتها نوعا من الاتساق من خلال دعم المؤسّسات العربية الذي كان مؤثّرا في نشوء حركة تشكيل جديدة، بل سببا في نموّها و تطوّرها، و لم تكن التجارب الفردية تؤثّر لوحدها في خلق مثل هذه الاتجاهات الفنّية  لتفرض قواعدها في عالم ثقافي تشكيلي جنيني، إلاّ أنّ معاودة فحص و تقلّب  ونقد أساسيات و طروحات و مسارات هذه الروافد الرائدة بظروف نشأتها  وتركيبتها، حاولت ربط الصلّة مع الذاكرة التشكيلية العربية منذ بداياتها وهي تدخل عصر الحداثة الذي تميّز بالتراكمات و بنوع من التضاد عبر مفاهيم تشكيلية مشحونة بأحاسيس حيّة بعيدة عن رتابة إيقاع الموروث الخامد، غير الجوهري، الذي اتّسم بالسكونية و التكرار و انحسار الابتكار، و ضمور المقدرة الخلاّقة عن الإبداع،  وشيوع حالات التقليد، الذي أدّى إلى الانحسار و رتابة المنتج الفنّي.مكية الشرمي/ تونس ـ صفاقص: كلية الفنون التطبيقية
لمتابعة الموضوع يرجى النقر على الرابط ادناه:

http://www.4shared.com/account/home.jsp#dir=EwCcFc6N

أختام*- عادل كامل












أختام*





 عادل كامل

[16] قيود
    يتصدى الكاتب العراقي عبد الرزاق الجبران، لإشكاليات لا تخفي المعنى المشفر (للسلطة)، ولا تتوقف عند نشوء النظام الهرمي، حيث الهرم/ الزقورة/ والمعابد بصورة عامة/ والحتميات التي قادت إلى نخب في الأعلى، وأخرى في القاع ـ وتحته ـ، حيث الأولى تتكفل بصياغة التصوّرات، وتشريعها، فوق الأرض، والثانية، لا تمتلك إلا الاستجابة ـ قهرا ً ـ وبقوة العادات، فحسب، بل لتجديد القدرة على إعادة تفكيك الموروث برمته، وصياغته برؤية تهدم التاريخ من أعلاه إلى أسفله. وهو غير راديكالي، ولا معارض عنيد، في نبش هذا المدفن ـ مقابر الحضارات ـ أو واقعنا الشرقي/ الإسلامي، والعراقي، مرورا ً بالأقاليم العربية، كي يكون معنى الموجود ـ في الوجود ـ هو العبور من أحكام النظام الهرمي، نحو تحرير القاع ـ المحيط، من ظلماته، وما أصابه من قهر، وخراب.
   فبدل أن تمنع كتبه، وبدل أن يطارد، ويستهدف، ويقام عليه الحد، لأي سبب من الأسباب، فان الحكيم السومري، قبل خمسة آلاف عام، وضع إجابة تقول إن الإله أعلى من أن يكون (عاليا ً) وان الإنسان موضعه الأرض وما تحتها، فهو من الوحل وإلى الوحل يعود. هذا التصور استثمرته المعتقدات الحديثة، ولكن، بوضع مسافة، لا لتحرير الإنسان، بل لتكبيله بقيود إضافية، بلغت حد برمجته كرقم. انه نظام العبودية القديم، الزراعي، والجماهيري في عصر الثورات الصناعية الأوربية، باستحداث مناهج التفكيك، في عصر العولمة ـ السوق الحر ـ وسيادة الأنظمة الشمولية، بأقنعة تماثل التصورات السابقة، للحفاظ على الهرم ـ وقاعدته، على نحو أكثر إحكاما ً، وجبرا ً. 
   وفي تصوري ( وأنا اجهل مدى تحرري من البرمجيات وأثرها في ّ)، إن الجبران، ككل الرموز التي استعان بها، قبل محمد، ومع علي وبلال والفارسي، وبعد ماركس، مع غاندي، يعيد البحث في مفهوم (العدالة) ولماذا مكثت لا تجد تطبيقا ً موضوعيا ً لها، الأمر الذي حتم ديمومة التعارض، والاختلاف، واستحالة وضع نهاية له مادامت مقدماته، في الأصل، لا تمتلك عللها، إلا بحدود أدواتنا، اللغة، مما جعلها نائية، كوجود الإله، لا يصح أن يلقى هذا الاهتمام، بأدوات ما هي إلا حجابات، أصلا ً، لأن المحدود، الممثل لرأس الهرم، سيمارس غوايته، وأقنعته، في تعزيز تصوّراته ـ وأوهامه، لا من اجل الذي هو خارج التصورات، والحجابات، والمسافات، بل من اجل حفظ النظام الهرمي ذاته.
    إن تصوّرات الجبران، اللاشعورية (وربما التي تعمل باليات اللاوعي التي تتحكم بها الأنظمة الجينية) جعلتني أعود وأتفحص أقدم سلطة تشبث بها الصياد، في كهفه المحصن، فهناك، في زمن سحيق، قبل مليوني عام، وصولا ً إلى المائة ألف الأخيرة، كان الكهف، هو الهرم الذي تتوفر فيه متطلبات قيادة المجموعات الأولى: السحر، مع النار، وأدوات القتل، ومخلفات المعادن، والدمى، والدفن، والرسومات فوق الجدران ..الخ، كأدوات للسيطرة، بما تمتلكه من مهارات أنتجتها الرهافة، الأصابع والقلب ولغز عمل القشرة العليا للدماغ ـ بما تمتلكه من مخلفات عصري: الثدييات، والزواحف، حيث، للمرة الأولى، تتبلور تصورات باذخة، مترفة، حساسة، ميزت هؤلاء الصيادين ـ المحترفين، بإنتاج افتراضات بحدود خبرتهم، وحدوسهم، بما فيها من مقدمات للمشاعر ذاتها التي سيمتلكها (الفنان)، إن كان موسيقيا ً، أو عالما ً، أو مستشرفا ً لكل ما هو في عالم المستقبل (الغيب)، أو اللا وجود، التي بلورت أكثر الأسئلة إحراجا ً: لماذا الموت؟ كي يقود قلق الموت، إلى لغز التكوين: الخصب، من ثم للعثور على معادلات يكمل فيها الليل النهار، والموت الميلاد، عبر تداخل الأضداد، عبر دورات محسوبة، أو عبر استقصاء مناطقها غير المكتشفة.
   كان ذلك الهاجس، هو، تحديدا ً، لخص فقدان (أقدم ملكية/ أقدم رأس مال) ـ الجسد ـ متمثلا ً بالمتراكمات، أي، ببساطة: السلطة، مما تطلب اختراع آليات لديمومة كل هذا الذي لا يمتلك إلا زمن زواله ـ وحتمية غيابه، عبر التحولات، أو الحلول، أو ـ بحسب كتاب الموتى المصري ـ الثواب والعقاب في العالم الآخر.
    ولم يكن بناء هذا المعمار إلا نتيجة مهارة استثمرت رهافة الحواس، وطاقات الدماغ، عبر الأخطاء، ومعالجتها بأدوات تطلبت التعديل، وصولا ً إلى إدراك إن الحرية، كمفهوم، ليست مطلقة، بل ما هي إلا أداة (بخزينها المركب للخبرات الافتراضية المتخيلة) لصياغة قيود، تتطلب الكسر، كي تمثل الحرية، هنا، سحرها، في مواجهة المستحيل: العدالة ـ أو المعنى الذي لا يتأسس على تاريخ يصبح الجميع ضحاياه.
    فالنماذج البشرية الأقل تعسفا ً، إن كانوا في مراكز السلطة، أو في القاع، كانوا قد أعلنوا عن تخليهم عن ممتلكاتهم، بل وعن أجسادهم، من سقراط إلى المسيح، والى الانتحاري الذي يعانق جلاده، وليس الإرهابي الذي يحتقر جسده، وأجساد الآخرين، كي يمتلكوا ذائقة المتصوف، بتخليه عن الجنة ذاتها، وذائقة الفنان المهموم بعالم اقل عشوائية، قبحا ً، وبهاجس المفكر ببناء منهجه النقدي ...الخ، فهنا تتبلور سمات (الرهافة) بالتعرف على عالم لا يمتلك إلا سلاسل من التحولات، التصادمات، والإنذارات. فالمستحيل، في الأخير، يواجه بالمستحيلات، مما يجعل العدالة، الجمال، والشفافية، مفاهيما ً ذهنية، نائية، كالذي لا تدركه الأبصار، ولا تدركه اعقد تقنيات الرصد.
    فإذا كان هؤلاء القلة من المهووسين بالعدالة، وبهدم نظام الهرم، مقارب للاشتراكية، بمعناها، وليس بأقنعتها، يمتلكون رهافات الفنان، فان مقترحاتهم، عمليا ً، ستواجه أما بإعادتها إلى النظام ذاته، الذي أنتجها، أو إلى الجحيم. فهي تصوّرات رقيقة، وباذخة أحيانا ً، لا تؤدي سوى ما تتطلبه الديمومة، وليس باستطاعتها أن تغادر قيودها، حتى بالموت.




تأملات أثناء العمل ـ وقد سبق أن نشرت حلقات من التجربة تحت عنوان: اختما معاصرة، وهو الختم السابع.


الجمعة، 19 فبراير، 2016

أنقذوا قشلة كركوك!- د. أحسان فتحي



أنقذوا قشلة كركوك!


     د. أحسان فتحي


علمت قبل أيام بانهيار جزء من مبنى قشلة كركوك التاريخية بلغ طوله 12 متر مما يهدد أيضا بانهيار أجزاء أخرى منها ما لم تتخذ إجراءات فورية لترميمها. ويرجع بناء هذه القشلة العسكرية الى الوالي نامق باشا في 1863 عندما كان واليا لبغداد. ويبدوان القشلة قد تعرضت الى تغييرات عديدة منذ تشييدها لان المبنى الحالي هو عبارة عن مبنى على شكل حرف (ال بالانجليزية) وليس على شكل بناية مربعة أو مستطيلة تحتوي على باحة داخلية مفتوحة كقشلة كويسنجق او المقدادية أو القشلات العثمانية المنتشرة في جميع المدن الرئيسة العراقية. وقد تعرض اغلبها الى الهدم المباشر من قبل السلطات البلدية الجاهلة ولم يتبق منها الى عدد قليل جدا.  اعتقد بان الجزء الشمالي وجزء من القسم الغربي قد زالا مع الزمن.
تبلغ المساحة المبنية حوالي 2000 متر مربع موزعة على طابقين فيهما حوالي 35 غرفة في كل طابق مع قاعات كبيرة بعرض 11 متر وطول 24 متر، ومدخل رئيس يقع في الواجهة الجنوبية المطلة على شارع الأوقاف في المدينة. وتتميز الجدران الخارجية بوجود عشرات الدعامات الحجرية المائلة الجبارة مما اضفى عليها طابعا قلاعيا منيعا. ام من الداخل فهناك رواق لكل طابق بأعمدة مربعة في الطابق الارضي ودائرية في الطابق العلوي، وأقواس مدببة مشيدة بنسب متقنة ومسقفة بعقود مدببة ايضا. وقد قامت المؤسسة العامة للاثار والتراث بترميمها وصيانتها في الفترة 1989-1990 واستعملت كمتحف للمدينة الا انها اهملت بعد 2003 وسبب هذا الاهمال والأمطار الغزيرة في انهيارها جزئيا. ان محافظة كركوك ووزارة الاثار والسياحة العراقية وكل الجهات المعنية الأخرى مطالبون باتخاذ ما يلزم لترميم هذا المبنى التراثي الهام وحتى اذا استوجب الأمر بتجميع التبرعات من أثرياء المدينة وتجارها وسياسيها الذين طالما شاهدناهم وهم يتباكون على مصير المدينة. إن الأمر لا يحتمل التأجيل فالترميم يجب ان يبدأ باسرع وقت ممكن.
لنرى، فهل ستتحرك الضمائر وتتفتح الجيوب السمينة؟  ام ان الحجة هي جاهزة مسبقا وهي عدم وجود التخصيصات؟

معماري متخصص في الحفاظ على التراث  *         


الأبيض إكسسوار الروح... والرقص انتشاؤها-- مؤيد داود البصام




الأبيض إكسسوار الروح... والرقص انتشاؤها

                                                -  مؤيد داود البصام 

  أسماء مصطفى.الممثلة والمخرجة .

       تعتبر الفنانة أسماء مصطفى، من الفنانين الذين لهم حضور على خشبة المسرح الأردني، وحازت على عدة جوائز لأدوارها، كان آخرها مسرحية ( صبح ومسا) للمخرج غنام، وهي وان عملت مع الفنان المخرج غنام غنام في أهم مسرحياته ، إلا أن لها شخصيتها المستقلة على صعيد الأداء، وإن أختلط الحلم بينهما فناً وحياتاً، وكانت أولى تجاربها لارتقاء خشبة المسرح مع الفنان العراقي المخرج سليم الجزائري،  في مسرحية ساحر أور، ثم قدمت أعمالاً إلى جانب تمثيلها في مسرحيات متعددة ومتميزة،  ففي عام 2009 أخرجت أول عمل مسرحي للأطفال،  وأخرجت عام 2010 أول مسرحية للكبار، وهي مسرحية (سلَيمى ) ، ولم يقتصر عملها على الإخراج،  بل قامت ببطولة المسرحية، وكتبت نصه الذي ولفته من ثلاثة نصوص،  وهي مسرحية (انتيجونا) لسوفكليس الإغريقي، وكتاب (نسيم الروح) للحلاج، ومن ديوان محمود درويش (حضر الغياب)، وخاصة قصيدة ( لاعب النرد )،  لتخرج بنص مسرحية (سليمى )، وهي موضوعنا .
  النص بتحولاته الثلاثة
       الخ.مسرحية انتيجونا لسوفكليس، مساحة واسعة في عروضها العالمية، وأعاد كتابتها الكاتب المسرحي الألماني برتولد بريخت، لتعبر عن وجهة نظره، وقدمت برؤى متعددة، ومثلت في سياق تأويل رؤية المخرج الذي يقدمها، ففي الأرجنتين عرضت لتعبر عن الآلام التي تعانيها الأمهات وثورتهن في ميدان ( دي مايو ) وهن يحملن صور أبنائهن الذين اختفوا على يد الحكومة الأرجنتينية المرتبطة بالمخابرات الأمريكية، وما قامت به من تعذيب وقتل واختفاء لأولادهن،  وبرزَ العمل نضال النساء الثائرات ضد الظلم والقوانين المتعسفة لقهر الشعب، فالمسرحية بما تحويه من أفكار تحمل الصرخات الإنسانية ضد الظلم بصوت انتيجونا،( ولدت لأحب لا لأبغض )، وهي قابلة لان تقدم هذا التفسير في حالة الثورة والتمرد على القوانين الجائرة، والحاكم الظالم في إي وقت وعصر،  فانتيجونا تحدت السلطات ورفضت إن تذعن لها بعدم دفن جثة أخيها، وضحت وذهبت مختارة للموت لإنقاذ روح أخيها، وقدمت المسرحية على خشبة اغلب المسارح العربية برؤى مختلفة، ومنهم من أخرجها كما هي حسب كلاسيكيات المسرح دون إضافة أو تأويل ومنهم من قدمها بتأويل وإخراج حدا ثوي، أما شهيد التصوف الإسلامي الحلاج، (كما سمته وخلدته الأدبيات)، الذي أكتسب شهرة واسعة لأنه حوكم جوراً ونفذ فيه حكم الموت بصورة بشعة، لموقفه من السلطة الحاكمة بصورتيها المدنية والدينية، فقد عبر في أشعاره أو أقواله، عن الوله في العشق الآلهي، والذوبان  شوقًاً للقاء المطلق، ومجد في أشعاره الحب والتوق لحياة الآخرة، مفضلا إياها على حياة الدنيا الفانية،  واقتبست أقواله من كتاب ( نسيم الريح ) ، وإذا جاء التوليف الثالث من أشعار محمود درويش الشاعر الذي شكل مراحل ومتغيرات متعددة في شعره على مدى عدة عقود من حياته الزاخرة بالعطاء، وروح التمرد التي حكمت شعره على كل ظلم، كان آخرها بما أتسمت أشعاره بالرؤية الفلسفية الوجودية للحياة، ومقارباته المبنية على الالتزام الإنساني للمصير البشري، وتجد في إشعاره إلى جانب الرؤية الفلسفية، لفكرة الحياة والموت والنصر والهزيمة، الإيحاءات والإدخالات  للموروث والتراث الشعبي والأساطير، وحسب رأي كاتبة النص والمخرجة فإنها وضعت رؤاها على أساس وحدة المصير الذي ارتبطت به نظرة الشخصيات الثلاث إلى  قضية الحياة والموت فتقول ( من هنا جاءت التوليفة بين تلك الشخصيات وما يربطها من قواسم في فلسفة الحب والحياة وعشق الموت، والثلاث ذهبوا باختيارهم لقدرهم )، وقد اختارت شخصية (سليمى) لتكون بديلا عن انتيجونا، وتنطق بما قاله الحلاج ودرويش، في ثنائيات إنسانية متعددة، الحياة والموت،  الحب والكره، العدل والظلم...الخ .
       الإخراج        
       اتكأت المخرجة في بناء فضاء العمل على التجريد، في محاولة لإعطاء إبعاد الرؤية الفكرية، لرؤى وفلسفة النصوص التي أخذت منها، وجرها على الواقع الذي نعيشه، ضمن مفهوم ( حياة المرء منذ خروجه من رحم الموت حتى رجوعه إليه مرة أخرى )، تبدأ المسرحية بمشهد بصري، يصور خروج الإنسان من الرحم،  (قبره الابتدائي)، وتنتهي بعودته إلى القبر بعد حياة حافلة بالعذابات والتساؤلات من جدوى الرحلة، تبدأ الحياة بصرخة الطفل خارجا من سجنه وتنتهي بصرخة الوداع، " من الموت إلى الموت " ، وبما أن النص يستند أساساً على نص للمرأة  قوة الحضور، اهتمت المخرجة بمنح المرأة هذا البعد الدلالي، الذي هو ثمرة الثقافة الحداثوية، فعالم المرأة عالم الخيال والسحر والأحاسيس الخفية، عالم تتوق فيه المرأة للتمرد على القيود التي تكبلها، فجاء متوازيا مع توق البشرية للتمرد على قيود الجسد للانطلاق نحو المطلق، فأخذت جسد الممثل التمثيلي لتدمجه بالحركة المليئة بالطاقة، كما تأخذ بها الطرق الصوفية وبالذات الطريقة الملوية، التي تجعل الراقص مركز العالم وكل شيء يدور من حوله، وليس كما نتصوره في دورانه، وكأنه هو الذي يدور حول الأشياء، ففي حركته يعزل الجسد، وتتحرك الروح للاتحاد  مع الكون فلا يعود للجاذبية حكم عليه، وفي هذه الرقصة التي تمثل ألتوق للانعتاق وتحقيق النشوة للوصول إلى المطلق، يمثل الرقص الدينامكية المحركة لهذا الشوق، وقد اعتمدت المخرجة هذا البناء في مسرحيتها، وجعلت الكلمة منفصلة تأتي من البعد المادي للمؤدين، وكأنها تأتي من عالم الروح الخارج عن سلطة الجسد، في محاولة لاستكمال العناصر الرمزية التي حاولت خلقها، فكان لحركة الجسد الفيزيائية أهمية كبيرة في خلق هذه الأجواء، كما أنها استخدمت الديكور المعبر عن الرحلة التجريدية للحياة، بان جعلت كل شيئا بسيطا، وأخذت اللون الأبيض لون الروح بشفافيتها ونقائها، لينسجم مع نشوة  الرقص، استطاعت المخرجة أن تقدم عملا ، تحرك فيه روح التساؤل والفعالية الجمالية، وظلت الأسئلة التي تؤرق الإنسان، هي المحور في العرض . أشترك معها في تقديم العمل، (تأليف موسيقي) مراد وجوزيف دمرجيان، موسيقى عبرت عن الفهم للروح الصوفية لحراك المسرحية، كما نجح محمد الرواشده في التواشك بين إشاعة روح النقاء بالبياض والإضاءة البسيطة ولم يغرق السنوغرافيا في ألوان السبوت لايت، وكان  الغناء بصوت مي حجارة، ومحمد طه إيقاعات مع سليمان الزواهرة، إضافة لمشاركة الفنان ياسر المصري الذي سجل إشعار درويش بصوته، حضور واضح في البناء التعبيري الذي عمل عليه الجهد الإخراجي، مع عموم السنوغرافيا .

وجهة النظر في النص والإخراج 
       إذا أخذنا النص بتوليفته بشكل عام، فهو محاولة للربط بين عصور مختلفة ولمجتمعات مختلفة، ولكنهم يشتركون في البحث بنظرة واحدة إلى قضية وجود الإنسان، في مسألة الحياة والموت التي أرقت البشرية ولم يصلوا بها  إلى حل، ولكننا إزاء اختلاف وجهات النظر في توظيف هذه الحقيقة بين كاتب وآخر، فإذا كان سوفكليس وظفها لأجل التضحية والإخلاص والتحدي، والوقوف ضد الظلم، مع صرخة انتيجونا "( ولدت لأحب لا لأبغض )، فان الحلاج نظر لها من زاوية مختلفة، هي انعتاق الروح من الجسد للوصول إلى المطلق، لأنه يرى الدنيا زائلة والآخرة باقية، لهذا فان أفعال الروح محكومة بإمكانية قوة الإرادة والإيمان وإلا وقعنا بالخطيئة إن لم نحسن التصرف، والحب الآلهي والتوحد معه هو الذي يجنبنا الانزلاق، وهذا التوحد يغمر الإنسان بفيض، لا يعود للأشياء المادية مكانا لها قي وجوده، حيث يقول " يانسيم الريح قل للرشا \ لم يزدني الورد إلا عطشا \ لي حبيب حبه وسط الحشا \ لو يشاء يمشي على خدي مشى ". في الوقت الذي تتمثل الرؤية الدرويشية المستقاة من وجهة النظر الفلسفية الوجودية للحياة، الفلسفة التي تمجد وجودية الإنسان الفرد، كونه المكون لمعنى وجوهر حياته، ويملك حريته الفردية في تقرير مصيره، وأكدت على قابلية الإنسان على الثورة، لأنه يعيش أزمة عصره، لوجوده في عالم القهر والاستلاب، ولعدم أمكانية أن يخرج من هذا الانغلاق الذي وضع فيه،  فان الثورة ولدت للرد على هذا القهر، ولتوكيد قدرة الإنسان على مقاومة العدم، وهو ما يوضحه الاستشهاد الذي أخذته من الجدارية لدرويش، " هذا البحر لي \ هذه الهواء لي \ لي جسدي المؤقت \ حاضرا أم غائبا \ متران من التراب يكفياني ألان \ التاريخ يسخر من ضحاياه ومن أبطاله \ يلقي عليهم نظرة ويمر" ،  إذن لدينا ثلاث وجهات نظر لمسالة واحدة، وأن كتب المفكر الراحل عبد الرحمن يدوي، بحثا في البرهان لإثبات إن الوجودية هي شكل من إشكال التصوف، بأنساقها التي ظهرت فيها على أكثر من صعيد ومنطق ومكان، وهو ما حاولت كاتبة النص توليفه ليعطي معناً واحداً، ولكن الرؤية المضببة في هذا التطابق،  لم يتحقق على صعيد النص، ولم يستطع النص أن يوصل لنا ما أرادته كاتبته، في قولها، " الحقيقة الوحيدة هي الموت " ، وهي مسلمة لا يختلف عليها اثنان، ولكن ما تعني في منظورها الآني، هل هي دعوة لاستمرار الثورة ضد الظلم، أم أطروحات الرأسماليين وقادة ما بعد الحداثة، بقلب الأمور وجعل نضال الشعوب والأمم إرهاب، وما تقدمه الدول الإرهابية وقادتها القتلة، هو الديمقراطية والحب والسلام تحت مظلة الرأسمالية، فجاءت العبارات متداخلة متباعدة المنطلق، ولم توضح الاتجاه الذي تصب فيه، وهو ما جعل العرض لا يمنحنا الغ الشكل، وهو ما حاولت المخرجة من سد هذه الثغرة بتكثيف حركة الجسد على العبارة المنطوقة وجعلت العبارة، تحاور الفكرة من خلال الأغنية والصوت الخارجي، ولكن البعد الدلالي للحركة الجسدية، حكمته انطلاقتان رؤية الحلاج الانعتاقية الروحانية، وفكرة الثورة ضد الوقائع الحسية لانتيجونا ودرويش، وعلى الرغم مما بذله الراقصين، حنين العوالي، أسامه المصري ,حنين طوالبه، ريما دعيبس، علاء السمان وعبد الله العلان، ألا إن هناك ضعفا في الانسجام في وحدة الحركة بين المجموعة، التي حاولت المخرجة أن تبرزها كنص يمثل وحدة الحال، أو كحركة لتثبت المعنى التعبيري الذي اشتغلت عليه، فعندما بدأت أغنية سُليمى في الدقيقة تقريبا الثلاثين، عادت الفرقة الراقصة إلى نقطة البداية في حركاتها ولم يتغير إلا حركة الممثلة الرئيسية، فما المعنى التعبيري الذي أراده الإخراج، إن لم يلخص لنا ما توصل إليه في نهاية الثلث الأخير للعمل، لفهم الرموز وتطابق المعاني للنصوص، فما هو المعنى الرمزي إذا عادت بالتعبير إلى نقطة البدء ؟ كما أن الممثلة الرئيسية استحوذت على المسرح وأضعفت الممثل المقابل لها (بلال الرنتيسي ) على الرغم مما بذله من جهد ليجاري الممثلة الرئيسية، فهي قدمت جهدا رائعا، ولكنها أخذت من مساحة زميلها .
الخلاصة 
      أن وجهة نظرنا في النص والإخراج، لا تحل محل الجهد الرائع الذي بذل في العمل من قبل الفنانة أسماء مصطفى وجميع العاملين في المسرحية، على صعيد النص أو الإخراج أو التمثيل أو الراقصين وبقية مكملات المسرحية، فالعمل جدير بالملاحظة والاهتمام، لان الفنانة أسماء مصطفى طرقت بابا ليس من السهل الولوج إلى داخله ، فالثلاثة الذين أخذت منهم،  يشكلون رؤى إشكالية على صعيد المعنى والرمز، على مدار قرون وعقود كفلسفة حياة، أو معاني رمزية، لوجود الإنسان وصيرورته، وهي النقطة التي يمكن أن تعطي أكثر من معنى ورمز، ومن الصعب حشرها في أفق ضيق، لان فيها أتساع لا محدود . 



أسماء مصطفى.الممثلة والمخرجة .


غالب المسعودي - صبّير هولندي

الأربعاء، 17 فبراير، 2016

جورج أورويل: لماذا أكتب؟

جورج أورويل: لماذا أكتب؟: خاص ( ثقافات ) منذ نعومة أظفاري، ربما منذ الخامسة أو السادسة من عمري، أدركت أنني عندما أكبر سأكون كاتباً، وبين السابعة عشرة والعشرين حاولت التخلي عن هذه الفكرة. فعلت ذلك وكأنني أعتدي على موهبتي الحقيقية، لكن أدركت، عاجلاً أو آجلاً أنني سأحقق حلم طفولتي وسأؤلف الكتب. كنت الطفل الأوسط لثلاثة أطفال، وكان الفارق بين طفل وآخر خمس سنوات،

الاثنين، 15 فبراير، 2016

غالب المسعودي - زيارة الى شارع المتنبي

فنانون دون مأوى ..-نبراس هاشم

فنانون دون مأوى ..

   



نبراس هاشم

      قد نسمع الكثير من المفردات ولكنها لا تليق لأذهاننا واعني استيعابنا .. كيف هي الصورة في مخيلتي عندما اسمع فنان دون مأوى هل هي مزحه أم ماذا يعني بالمأوى .. يقصد هنا لا مكان للعمل وليس للعيش .. طيب كيف يعيش إن لم يمتلك موقع عمل .. هذا ما نراه في يومنا هذا بالحقيقة المؤسفة .. وكيف يكون العمل الفني يحمل البصمات والتقنيات المبتكرة المبدعة المنفردة إن لم يحمل السكينة والاسترخاء الذاتي .. وكيف عليه أن يقدم منجز فني وهو محبط حائر بمأواه في الوجود .. كيف تكتمل العملية الإبداعية دون ارتكاز معنوي .. يفكر البعض بإنشاء قاعات للفن التشكيلي فقط للإقامة المعارض .. دون السؤال كيف سيكون المنجز التشكيلي بالمستوى الموازي للمنجز الثقافي العالمي وهل سيضيف ثيمة ثقافيه للوسط التشكيلي الذي أكله التراب .. لا أودّ أن أكون ( شوبنهاوريه) كما يسميني البعض ولكن سأهز رأسي لأبعد أفكاري واستدعي ما يتأمله نيتشه والآخرون ... هل قام احد الفنانين ( المسؤولين) كيف يعيش من يحمل هوية فنان تشكيلي هل يملك زاوية من جدارين فقط لينزوي بإملاء قماشه بيضاء أو أكساء شيش حديد بالطين أو ترقيع سطح خشبي بحبر أو ما يقارب هذه الأفكار الكلاسيكية .. لقد فضل الكثير كلمة (( اللهم الله )) أو هذه ليست مسؤوليتنا ... واسمحوا لي وكذلك نحن لا نريدكم مسؤولين علينا .

وداعا عادل العطار-1936-2016


الأحد، 14 فبراير، 2016

أختام*-عادل كامل

















أختام*


عادل كامل

[11] من الصخرة إلى الرأس: الدائرة ـ مثلثا ً
     قبل أن تأخذ السلطة علاماتها، كان الرمح، رأسه، قيد الاختبار. انه أداة الحفر عند الجسد: الرأس/ المثلث، عدا الأصل المحور عن الدائرة/ الصخرة/ القلب/ الكرة/ وقبضة اليد. انه ليس تحولا ً عفويا ً، جرى بمحض المصادفة، من الصخرة إلى المثلث، بل كان تدوينا ً لحقبة زمنية تحولت فيها أدوات الدفاع إلى أدوات: غزو. فالصخرة صقلت، كي تأخذ شكل الناب، نموذجا ً لرأس الشوكة، المنقار، فالعين في أصلها أداة استطلاع، وليست أداة قتل. على إنها ستبقى مزدوجة الأداء، كي تحافظ على مرونتها، وغايتها، ولغزها في الأخير.
    فما الذي حدث، وكأن سيناريو الموجودات يحدث ببرمجة لن تقبل الميلان: إن الأصابع راحت تصنع ـ إن لم اقل تجد كما كان يعثر ما يكل أنجلو على تماثيله مخبأة داخل الخامات ـ المثلث في الصخرة، وتستخرجه، حادا ً، كأنياب الذئب أو التمساح، ليؤدي الدور نفسه: دحر الآخر، كي تصبح الطريدة ضحية، وكي تتوارى في المثلث قواه الخفية.
   هكذا أصبحت السلطة هرما ً في مواجهة لا نهائية الصحراء، ولا نهائية الموت، وهكذا تحول القتل إلى: سلطة. فالهندسة عدلت العشوائية، ورأس الرمح، كالهرم، كلاهما ممر لعبور اللغز، تحديا ًبانتظار الذروة.

   ها أنا أعيد نحت المثلث، ولكن بمعنى أن المثلث يشهد دفنه، في مأوى مقيد، فهل استعرت ـ ضمنا ً ـ آليات عمل البذرة: لا يكمن لغز بعثها إلا بعد الدفن؟
    ولكن المثلث سيؤدي دور الصوت الجمعي، عندما يصيح هرما ً: لأن السلطة لم تعد رمزا ً للميت المبجل، الفرعون، كحاصل خبرات مركبة للطب، الفلسفة، الهندسة، والثروات، والقوة فحسب، بل تحديا ً للموت: علامة اكتملت بقصد تجاوز مفهوم سلاسل التحديات، كي يعادل الخلود نقيضه، باستحالة الفناء، ولكن بديمومة غير قابلة للدحض.
    ومع إن الهرم امتلك مقومات السلطة ومكوناتها، إلا أن الآخر ـ اللا ـ كل الذي بدا موتا ً أو فضاء ً أو زمنا ً ـ لن يدعه يتمتع إلا بمظهر المرور، مادام، في النهاية، يدخل في صميم عدمه.
   يا لرأس الرمح، الذي سكن الصخرة، أكان وسيلة لغاية، أم كان غاية استخدمت للمرور...، وقد أفضى إلى صناعة حكاية لم تدم أكثر من ديمومة صانعها، وقد سكن زوالها...؟
   أيا ً كان هذا الاختراع، وأسبابه، كالدواة قتل (من حافات أوراق النباتات الحادة إلى أسنان الذئاب، والى أسنان السلاحف، والجرذان، والبشر)، بوصفه رمزا ً للسلطة الهرمية، من الرأس إلى القاعدة، فانه سيعيد أداة الحفر، وهي أداة الكتابة أيضا ً، لإعادة دفن الملغز، داخل أشكاله، وعلاماته، من غير إضافات ذات شأن عدا التي تغذي ذهابه ابعد من حضوره الوجيز.


[12] فجوة
     كيف أستطيع أن أصل إلى نهاية أنا نفسي اعرف إنها بلا حافات...، بمعنى: ما القوة التي سمحت لي ـ وقد تحولت حجرتي إلى حبة رمل/ وإن عدد المجرات التي أراها اليوم هي أضعاف أضعاف حبات الرمال في سواحل محيطاتنا ـ أن أقع في غواية ما، واصدق ـ حتى لبرهة ـ إنها اللامبالاة الأجمل؟!
    هو ذا المشهد يكتمل: انك أما مع النهار ضد الليل، أو مع الليل ضد النهار، وليس لديك قدرة أخيار احدهما أو دحضه....؟ فانا أسير منفاي ـ مثلما الشكل أسير دوافعه وعناصره ـ وعندما لا امتلك إلا غواية اختيار هذا المنفى، وليس سواه، فان الاختيار ـ ذاته ـ ليس أخيارا ً، فأي سراب أغواني، ومنح أصابعي أن ترى ما لا يراه القلب، بعد أن تحولت الكلمات إلى حجابات، والى جدران معزولة داخل منفاها؟
   لقد أمضيت حياتي ابحث عن ملاذ...! فهل حقا ً أصبحت اصدق نفسي، بالسكن أم بالمتاهات...؟
[13] الفراغ ممتدا ً
   هناك مسافة ما (فجوة) بين ظهور الكلام ـ الكتابة، ونهايتهما: فجوة الكلام/ الكتابة التي اقترنت بالإنسان المخلوق الأرقى في الحفاظ على الجهد المبذول خارج وعيه ـ ووعيه طبعا ً، بمحاولة الحفاظ على كل ما يراه يذهب، مثلما ولد: منفيا ً وزائلا ً معا ً..؟ هذا هو ما أطلق عليه بالتاريخ، تصنيفاته، بحسب أدوات الإنتاج، ومنها: التصوّرات، المثل، الأفكار، والأنظمة الاجتماعية/ الثقافية، بمختلف صنوفها ـ وأشكالها.
    وها أنا أصل إلى الذروة: إنني لا امتلك حتى الحد الأدنى في دحض مثل هذا الاختيار، لكائن اشتبك في عراك مع الخارج، بحثا ً عن مأوى، لا امتلك حتى نفي قدري على النفي، فكيف أغري ـ اغوي ـ اخدع ـ إنني املك واحد بالمليار من الصدق؟
    وها أنا أصدع، اخدش، أشوش، مثل هذه القناعة، ومثل هذا الوهم، فأدرك إن هذه الحقبة لا تمتلك معيارا ً للحكم، وإن النسبية، برمتها، لا تختلف عن السراب، لكن الماء، في الأصل، تتوارى فيه أللغاز كلها، النائية إلا عبر وهمنا بالوصول إليها. لأن المشتغل في تفكيك الكتابة ـ الكلام،  لا يجد لغزا ً ما غير خاضع للتفكيك، كي تكون الخاتمة: إن شيئا ً ما وثب من حقبة ما قبل التاريخ ـ إلى حقبة ما بعده!
     يا لها من غواية اخترعت ممنوعاتها: تابواتها: ممنوع الموت، لكن ثمة مبررات لا تحصى للقتل. إنها حقبة الكتابة القائمة على إرادة لم يخترعها أحدا ً، بل استحدثها، وهي حقبة، قياسا ً بزمن الديناصورات أو السلاحف أو الحيتان أو الفيروسات، تعد، لحظة عبور من المجهول إلى ما هو ابعد منه.
   فما ـ هو ـ شأني بحياة أخرى لا علاقة لها بوجودي ـ بهذا الوعي ـ عندما لا امتلك إلا هذا الوهم: أما أن لا اقتل، وأما أن اقتل...؟!
     هل ثمة حضارة لا نجد في أسسها براءة لم تنتهك؟ أقول حضارة ـ وكان علي ّ أن أجد كلمة أخرى ـ  لأنها، تنتمي إلى الكتابة، تميزا ً، عن الأجناس ذاتها التي مصائرها قائمة على ديمومة كل هذا الذي لا ديمومة له.
    لم ْ نولد كي نؤسس حضارة، تلك قناعة فرويد، ولكن ماذا عن تاريخ التطور، عبر السياق ذاته، كي نرى، على نحو أدق، ما خلفته المعتقدات من مبررات لسفك الدماء، وبصياغة أقنعة تؤدي دوري الغواية/ التمويه، والخداع...؟
     ربما لا براءة لأحد إلا للذي لا وجود له في الأصل، وهذا ـ بحد ذاته ـ اعتراف  يؤكد استحالة وجود براءة أصلا ً! فعندما يغيب المعيار، ما معنى الحكم؟
    فهل استطيع التقدم في فراغ مشغول بمثل هذا العدم الممتد، وأنا كيان لغوي بين أنظمة لغوية بالكاد بدأت أفك الغاز دويها، وتصادماتها، السابقة على وجود (مجرتنا) و (مجموعتنا الشمسية) و (كوكبنا الأزرق)، وكياني ـ هذا الأقل من حبة رمل ـ في نهاية المطاف؟

[14] القلم
    على إن أداة الكتابة السومرية، كجزء لا يتجزأ من بنية الكتابة المسمارية، قبل 5 آلاف سنة، ترجعنا إلى عصور المغارات، وربما، بحسب الآثار الأقدم، إلى عصور أقدم. . فالقلم هو الأداة الأقدم لمشروع الانتقال من عصر الاقتصاد البري إلى عصر النار. وثبة دخلت فيها المعادن عنصرا ً للمشروع الذي مازالت تتوارى (غائياته)، إن كانت شبيهة بحدود تاريخ نوعنا، أو كلية، بما يخص الكل ـ باتجاه: استحالة تحديد غائياته.
   على إن أداة الكتابة ليست هبة؛ بل هي حصيلة اشتباك بالأيدي، وبالجسد، ضد الخطر المنظور، وصولا ً للعثور على مناطق اقل تعرضا للأذى، والتلف، والزوال: مناطق محصنة، لا مرئية، قائمة وراء الجدران، وكاتمة لأقدم فعاليات السر، والأسرار.
    كانت أداة الصيد، عمليا ً، قد استبدلت الطريدة بالإشارة، والصورة ـ بعناصرها الأولى: الخط/اللون ـ لبناء برنامجه السحري. فالفعل ليس مسليا ً إلا بحدود منحاه التوليدي: الهيمنة. فالرسومات الأولى ليست مشروعا ً فنيا ً، أو تعبيريا ً، أو جماليا ً إلا بوصفها تحديا ً للآخر، في مشروع الصراع ضد الغياب. فالجانب العملي حتم أن يذهب ابعد من الانتصار، على الضواري، وعنف الطبيعة، وضمنا ً، الجماعات البشرية في عراكها من اجل الموارد، والأرض.
   فتلك الأدوات الحادة، التي حفرت فوق العظام، والخامات الأخرى، وصولا ً إلى الطين، كانت شبيهة بالمسمار: رأس الحربة، الرمح، السكين...؛ أداة استبدلت تخصصها من القتل إلى النقش.   فهل تضمن ذلك خروجا ً عن الأصل، أم إخفاء ً له؟
    فإذا كانت تراتبية الأنظمة الجمعية، من القاعدة إلى القمة، لم تتغير إلا عبر أشكالها التمويهية (الأيديولوجية والافتراضية)، فان الكتابة لم تصر فنا ً مستقلا ً أو معزولا ً عن هذا البناء، بتعددية عوامل ديمومته، كصراع محكوم بزمن دورته، تاريخه، وليس نتيجة التصوّرات، الاحتمالات، والبناءات الشكلية.
   فهل ثمة كتابة من اجل الكتابة، تذهب ابعد من اقترانها بفلسفة: أبدية التحولات، لكنها واقعيا ً ليست خالصة. لأن الأشكال ليست قبلية حسب، بل لأنها تولد بنفيها. ولأن النسبية تدلنا على الاختلاف، فإنها لن تصبح مطلقا ً.
     فانا لا اعرف، ليس عدم معرفتي، بل أن أتوغل ـ كلما تعلمت وتقدمت في المعرفة ـ إن الذي اجهله وحده خارج أدواتي. فانا محكوم بعدم المعرفة، وما أنتجه ليس إلا درجة لن تقودني، بعملي الحثيث، إلا بما ينقلني من كائن أصله ينحدر من العفن، المجهريات، والاميبا ..الخ، ونظامه مازال مشفرا ً بالزواحف، والثدييات، فان كلماتي، ضمنا ً، تحجب عني رؤية هذا الذي أسعى لمعرفته. وحتى موتي، في هذا السياق، لن يستقل بذاته، ليس لأنه جزء من كل، بل لأن احتفاظي بهذا التوتر، علامة له.
    هكذا، ببساطة ستكون النقطة أول الدرب. وسيكون الألف، بتراكم النقاط، معيارا ً لباقي الحروف.

    فهل تخفي الكلمات، بنقاطها، حكاية الكائن الحي، وموته، أم أن هذا الذي لم يدمر، منذ تكون خلايا الخلق الأولى، يتحدث عن استجابة لتحديات شكلت لا إرادته المقّيدة بالكل، وليس بهذا الذي لا علاقة له بالتصورات ـ وعلاماتها، إن كانت مجسمات أو رسومات أو حروف أو فخار ....؟
   تحثنا العلوم؛ من الكيمياء إلى الفيزياء النووية، وتحثنا العلوم المثابرة على تحديد: اللا متوقع ـ والمكتشف توا ً، وعلوم البحث في اللا مرئيات، إلى عصر نهاية: الكتابة، ولكن ليس إلى عصر نهاية الحياة. ذلك لأن تطور الأدوات، يهدم الثوابت، مهما بدت محمية بنظامها الهرمي (ثروات/ أسلحة/ أيديولوجيات) فلا احد يمتلك قدرة ماذا سيقال عنا، مثلما لا نمتلك قدرة تحديد لغز نظام الخلية، ومعناها بمعزل عن نسبية أدواتنا، ومعاييرنا، في نهاية المطاف.
    فالأدوات البكر للنقش، الحفر، الحز، لم تغادر مشروعها بالحفاظ على كل ما نراه ينحدر، مع ماضيه، عندما استطيع أن أشاهد، ما لا يحصى من المجرات، وأنا لا امتلك إلا أن أغذي فضولي باليات أنظمتها. ألا  تتشكل لحظة التفّكر، والأمل في مشاهدة هذا الكل المرئي، بما يخفي من امتدادات، دحضا ً لقيود تاريخنا المشترك؛ من المجهريات إلى الزواحف، ومن الثدييات إلى قشرة أدمغتنا، برفقة باقي المكونات الحية، وإنها، في الأصل، لم تمنحنا إلا هذا الذي كلما توغلنا في مدياته ازداد جاذبية، وليس عجزا ً أو وهنا ً، في تنفيذه؟

[15]  اللا شعور ـ الوسط ـ الانجذاب
   على إن رأس الرمح، بين أدوات الصيد الأخرى، شبيه برأس الهرم، فوق الأرض، أو فوق الورقة، كلاهما لا يغادران حدودهما. إنما كل منهما هو جزء من الكل. فالسلطة لا تمتلك هويتها إلا بنظامها المكون من أجزاء، من الشكل إلى لا متناهياته. يضاف إليهما ـ مع آليات نظام المركز ـ سلطة الوسط، لدى الأنثى، في نوعنا.
    ثمة إشارة قد تكون صائبة: إن الاتصال الجنسي، وجها لوجه، غدا تحولاً،  كطفرة في الممارسة، بعد حقبة طويلة مبنية على الامتطاء.  فالنوع ـ هنا ـ يعدل مشروع المداهمة، نحو: التودد ـ الألفة: العناق.
     إنها حقبة وجيزة  ومازالت غير مستقلة عن نظامنا القديم، قدم تكون الخلايا الأولى، قبل ملياري سنة، في الأقل، مع ذلك ليس ثمة ذروة، بل صيرورة، وسلسلة من التحولات.
      ألا يأخذ الوسط معناه بصفته: سلطة..؟ سلطة امتداد ـ وديمومة، يتطابق فيها الشكل مع وظيفته، عبر الوسط كأعلى أخفى ذروته،  فيه، وكأسفل بلغ الوسط، فهو سلطة ستحافظ على وجودها، في مواجهة الاختراق. إلا  إنها سلطة غواية، وإثم.  فالمثلث لم يعد يثير فزعا ً، هنا، كي يكمل عمله كقناص يتتبع انجاز آليات عمله: لفت النظر، بشكله، برائحته، أو بملمسه، أو ربما بما يمثله من باثات، من ثم يؤدي دوره في مشروع: الإخصاب.
    ولعل دفاعات الأنثى، وإحساسها بالخطر، لا يكمن في الرأس، بل في الوسط، مما يتطلب ـ بلا شعور ـ آليات اتخاذ موقف الدفاع. وحتى عند اشتداد الرغبة، كجزء من إرادة حفظ النوع، فان الأنثى لا تبذر بمشروعها إلا لصالح لا وعيها ـ وهدم سلطتها ـ من اجل ديمومة نوعها.
   فها هو ذا: المثلث، وقد أخفى مقاصده، كما أخفاها الهرم، والسهم، كي يمارس طقسا ً للإرادة، إن كانت عمياء، أو أكثر إبصارا ً، أو خارج فعل المعنى ـ القلم والكتابة ـ كمسمار يؤدي دور الذكر فوق الورقة ـ أو في الأرض، أو في الجسد.
تأملات أثناء العمل ـ وقد سبق أن نشرت حلقات من التجربة تحت عنوان: اختما معاصرة.

شكيب كاظم سعودي.. في كتاب المرء يلقى عصا ترحاله..-مؤيد داود البصام

شكيب كاظم سعودي.. في كتاب المرء يلقى عصا ترحاله..


مؤيد داود البصام
حظي الوسط الثقافي العراقي ما بعد تكوين الدولة العراقية في بداية القرن العشرين، وظهور الجرائد والمجلات، وتعددها، بمجموعة من المثقفين والاكاديمين والأدباء، ما أطلق عليهم بالموسوعيين، فأولئك لم يكن عطائهم أحادي أنما تجد الكثيرين منهم، شاعرا ً وقاصا ً وناقدا ً...الخ، ويخوض في أكثر من نسق وموضوع أدبي وفني وفلسفي، وحتى المختصون منهم بنسق معين، تجده يلم بالأنساق الأخرى،  وأن لم يزاولها فهو عارف بإسرارها، وهي حالة تعبر عن استمرار الأسلوب أو النهج الذي كان حاضرا ً في الثقافة العربية والإسلامية للعصور المتقدمة، كالكندي والفارابي وابن سينا ..الخ  وإلى وقت قريب كنت تجد مثل هذه الشخصيات في عصرنا الحاضر، ومثالا ً وليس حصرا ً، على من لهم اختصاص ولكنه ملم بفروع أخرى، الشاعرة نازك الملائكة، ناقدة إلى جانب شغفها بالموسيقى، والفنان جواد سليم، وحبه للموسيقى وعزفه على آلة العود وكتابته الشعر، وهذه أمثلة بسيطة ولكن كان من هو أكثر إيغالا، مثل جبرا إبراهيم جبرا ,وإسماعيل محي الدين، والكرمي، وجلال الحنفي.وإحسان وفيق السامرائي...الخ، هي لم تكن هبة إلهية للعراقيين وحدهم، وإنما بقايا أثار الحضارات القديمة والأقرب حداثة بما كان فيها من بانوراميين أفذاذ في كافة أنحاء العالم، وأخذت هذه الإبداعات بالانحسار التدريجي، أمام موجة تخصص التخصص التي وضعتها مناهج الحداثة وما بعد الحداثة في النصف الثاني للقرن العشرين، ولكن ظل في العراق والوطن العربي من يتسمون بهذه السمة، ومنهم الناقد شكيب كاظم السعودي، فقد استثمر جهده المعرفي الموسوعي ليتحفنا بمجموعة كتب في الثقافة والتوثيق والتاريخي إلى جانب النقد الأدبي ،  وكتابه ( والمرء يلقي عصا ترحاله قراءات في كتابات ) الصادر عن دار فضاءات في عمان، ب168 صفحة من القطع المتوسط، جاء في ( 25 )   فصلا ومقدمة، وجاء  فصله الأول: جبران منشئا رومانسيا وليس سياسيا. يتحدث السعودي قي هذا المقال عن جبران الكاتب والفنان، وليس كما يراه من كتب في نقده لجبران، وينحاز السعودي لجبران الفنان والكاتب.وهكذا يتسلسل في الفصول الباقية، متخذا من العناوين الباب الذي يدخل فيه لا عطاء راية في  القضية أو الحادثة أو الشأن الثقافي، ومحاولا في بعضها تصحيح الخطأ إذا كان تاريخيا بناء على ما وصل إليه من خلال بحثه الدءوب للوصول إلى الحقيقة، أو أعطاء رأيه النقدي أذا كانت الموضوعة تخص الثقافة، فهو كتب عن موضوعات مختلفة ليس هناك لها وحدة موضوعية سوى وضع بعض الآراء أو الإحداث أو الكتابات على المحك وتحت المجهر، واستنتاج ما كتم وما ظهر، ووضع استنتاجاته وآراءه وأخطاء الكتاب  والرد حول المفاهيم التاريخية المخطئة، أو الحوادث التي كتب عنها من غير توثيق وإنما اعتمادا ً على الأقاويل والإشاعة، وهو في رده وضع التوثيق من المعلومة جهد المستطاع، لتصحيح ما وقع فيه الآخر من خطأ، وما أصاب المكتوب عنه من حيف، وهو عمل ليس من السهل الولوج فيه وفي دهاليزه المعتمة بعض الأحيان، وما كتبه الأستاذ شكيب في مقدمته، من إنه سوف يتخلى عن مزاولة هذا الفن من الكتابة، يعتبر بحق خسارة كبيرة للثقافة العربية والعراقية في هذا الوقت الذي تشيع فيه ثقافة الانترنيت، التي سهلت عمليات السرقة والانتحال، لعدم وجود الرقيب الذي كنا نجده حاضرا ً دائما ً، ولهذا يقول فيما كتب." هذا لون من ألوان الكتابة، لم يتوله إلا قلة من الكتاب، لان من يتولاه ويكتب فيه يصيبه شئ من وجع الرأس والنفس ، وبعض أذى لأننا جبلنا على كيل الثناء والمديح، ,أصبحت تلك ثقافة شائعة فينا، لكني آثرت الكتابة فيه – لا رغبة في إثارة الضغائن والخصومات، لكن بحثا ً عن الحقيقة أو ما أراه حقيقة، وجعلتها الهدف الذي أرنو. " المقدمة ص 9،  وإذ يكتب عن تجربة الروائي الجزائري محمد ديب، نجده في الفصل الثالث أو المقالة الثالثة إذ جاز لنا القول، يكتب ذكريات يونس الطائي الذي شهد اللحظات الأخيرة لعبد الكريم قاسم، وهكذا نجد أنفسنا نطالع مجموعة مقالات ودراسات مختلفة في شؤون وانساق متعددة في آن واحد بين دفتي الكتاب، تارة ينتقد وتارة يصحح، وتارة يطلعنا على تاريخ ما ضاع من حادثة من الحوادث، مما يجعله كتابا ً جامعا ً يستطيع القارئ من إيجاد موضوعه الذي يخصه أو يرتاح له، دون العناء في البحث بعدة كتب للوصول إلى المعلومة، فيه هذا الشكل من الإمتاع والمعرفة، والدخول إلى عوالم متعددة، كتبه بأسلوب السهل الممتنع، ليكون في متناول الطبقات كافة، من أعلى سلم الثقافة إلى أدناها، فلم يدخلنا في متاهات التقعر اللغوي، ولا وضع جملا ليبن قدراته، إنما كتبه بأسلوب يروق للجميع.   



قلق الكتابة.. اقتصاد التأليف

قلق الكتابة.. اقتصاد التأليف: استرعى انتباهي قبل أيام خبر في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية عن كاتب بريطاني ينسحب من مهرجان أدبي تقيمه جامعة أكسفورد، وهو كاتب يتمتع بشعبية واسعة ومكانة رفيعة أهلته ليكون راعًيا لذلك المهرجان على مدى الخمسة أعوام الماضية. ما استرعى انتباهي كان السبب، فعلى غير المعتاد، لم يكن ذلك السبب خلاًفا فكرًيا أو أدبًيا أو قانونًيا، وإنما