بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 5 يونيو 2015

قصة قصيرة الغائب معنا -عادل كامل

قصة قصيرة

الغائب معنا



عادل كامل

    جرى السؤال عنه بصيغة غير مباشرة، بل وكأنه ليس هو المقصود، فقال العم انه من الصعب تخيّل وجود كائنات لها مثل هذه الخصائص، أو الصفات، كي تعمل عمل الجراثيم الفتاكة، شديدة الضرر، الأمر الذي يستدعي تتبع مصادر المعلومات، وما إذا كانت صادقة، أم إنها من اجل التنكيل، والتشهير، وإشاعة الفوضى. وقال العم انه لا يستطيع البت بوجود عنصر يحمل المرض، من غير أن يكون مصابا ً به، فقال الآخر إن المعلومات لا يشوبها غبار، أو شك، وهي ليست بحاجة إلى المراجعة، ولا إلى التدقيق.....، وختم كلامه بابتسامة لم تترك أحدا ً في الجناح إلا وظن انه هو المقصود.
  ولكن الأم سألت الجرذ قبل أن يغادر:
ـ لا يسعنا إلا أن نثمن جهودكم....، إنما لم تخبرنا بعلامة ما دالة ....، ومحددة، وإلا كيف سنتعرف عليه...؟
ضحك الجرذ:
ـ ليس باستطاعتي التحدث تماما ً عما يخفي، أو تشخيص ما يدل عليه...، إلا انه يمتلك خواص تلك العناصر القادرة على التحول...، والتمويه.
ـ خواص...؟
صاحت الأم، فقال لها:
ـ شبيهة بمن يرتدي قناع الساحر...، الذي يتوارى خلفه، فضلا ً عن قدراته العجيبة على الاختباء، والتستر، والتلاشي.ـ عجيب.
  وتساءلت الأم:
ـ إذا كنتم تمتلكون هذه المؤشرات عنه، فلم هو طليق؟
ـ لأنه لا يترك إلا أثرا ًيعمل على محو أثره!
ـ انك ـ سيدي ـ تثير مخاوفنا، حد الرعب...، فالقضية تبدو شبيهة بالدسائس، والمؤامرات، وربما بما هو اشد خطورة ... منهما.
ـ تماما ً....، وإلا لماذا تسللنا، ليلا ً، إلى أجنحة الحديقة...، وحدودها النائية، بحثا ً عنه؟
    غادر الجرذ. فعقد الدب العجوز اجتماعا ً حضرته الأم، وعدد من الراشدين، مع ضيوف من الجناح المجاور، وهو جناح الذئاب، فقال كبيرهم:
ـ لا اعتقد إنها قضية عابرة...، أيها الدب الحكيم..
   فرد الدب بصوت متلعثم:
ـ بل اعتقد إنها قضية خطيرة...، فما ذكره لا يثير الحيرة، والبلبلة، والقلق، بل يجعلنا في الواجهة.
ضحك الذئب:
ـ وعلى من نتستر ...، أم أعادونا إلى نظريات المؤامرة، وكأن الشفافية محض وهم؟
ـ سيدي...
وأضافت الأم:
ـ انه تحدث عن كائن شبيه بالموت...، تعرفه تمام المعرفة، ولكنك لا تمتلك قدرة على تحديد موقعه، ومميزاته!
قال كبير الذئاب:
ـ دعينا من الموت...، فكلنا نموت...، فضلا ً عن كراهيتنا للموت، ورائحته!
ـ اعرف...، وإلا هل باستطاعتك تحديد ملامحه...، وقد تسلل إلينا، وراح يبذر جيناته الملغزة فينا، مستثمرا ً سذاجتنا، وسلاستنا، ونوايانا الطيبة..؟
قال الدب العجوز متسائلا ً:
ـ لِم َ لا نتصور هذا كله محض تهديد لنا...، ونحن مازلنا نتعرض  للفتن، والاجتثاث...؟
قال الذئب باستغراب:
ـ نهدد من...، وعلى من نشكل خطرا ً...، وإدارة الحديقة لم تسمح لنا إلا اختيارات واهية...، بل وتركتنا نعيش محرومين منها.
   هز رأسه بلا مبالاة. فقالت الأم:
ـ أنا لم أحبل بشرير...، ولا بفاسد، لا بجاحد ولا بعاص ٍ...، ولم ألد مخلوقا ً يكاد يكون لا مرئيا ً!
أجابها العم:
ـ لم يتركوا أحدا ً لم يتعرفوا عليه...، تاريخه، أمراضه، نزواته، رغباته، هفواته، نواياه، نشاطاته، وكل ما يدور بباله...
تابعت الأم:
ـ حتى المواليد التي مازالت في الأرحام قد تم ترقيمها، وهم يعرفون عنها ما لم نعرف....!
ـ بل هم يعرفون إنني تخليت عن العواء ...
وأضاف كبير الذئاب بصوت خفيض:
ـ وأنا بصدد التحول إلى كلب...، أسوة بتحويل القطط إلى جرذان، وتحويل الثيران إلى ضفادع، والأشجار إلى نباتات معدنية، والنساء إلى رابوتات بلاستيكية..!
صاح احد الغزلان من وراء المشبك الحديدي:
ـ سيدي، سيدي الذئب؟
هرول الذئب باتجاه الغزال:
ـ نعم، عزيزي، ما الذي حدث؟
ـ السيد الفأر يقول إننا نتستر على كائن غريب الأطوار...
ـ الفأر أم الجرذ؟
ـ الظلام لا يسمح بالرؤية، ورائحته أكثر غموضا ً من صوته، فمن ذا يميز بينهما؟
فقال الذئب للغزال:
ـ لا تقلقي...، عودي إلى نومك، فالقضية لا تستدعي الذعر!
ـ سيدي، وهل نقدر أن نغفو وهناك من ينذرك، ويهددك...؟
فسألها:
ـ هل حقا ً تخفون هذا الذي لا نعرف من يكون؛ هذا الذي يمحو أثره ولا يترك إلا أثرا ً ممحوا ً...؟
ـ صراحة....، عثرنا على جدتي ميتة!
ـ أتشكين بأحد...؟
ـ لا....، بل اشك انه قتلها، فهناك آثار مقاومة...
     اقترب العم ـ وهو مدير جناح الدببة غير الرسمي ـ وسألها بصوت متقطع:
ـ هل باحت جدتك بكلمة...؟
ـ لم يسمح لها الموت...، أو ربما هي التي لم تسمح للموت بذلك!
ـ غريب...
فقال العم:
ـ كما قال السيد الذئب عودي إلى النوم...، فلن يمتد الليل إلى الأبد..
ـ سيدي، ومتى تبزغ الشمس، وأنت نفسك أخبرتنا بأنها لن تظهر مادمنا لا نراها؟
ـ آ ...، أنا تحدثت عن العميان! وقلت: كما قال زميلنا الفيلسوف: علينا أن نبتهج بشروق الشمس وليس بغروبها، نحن العميان!
ـ ننتظر؟
ـ لا فارق، لكن البهجة تمتلك قوة تمويهية سحرية تنطلي حتى على المتكلم!
ـ لكننا نكاد نجهل ما الشمس...، لأننا لم نر إلا النجوم البعيدة، ويقال إنها اندثرت منذ زمن بعيد، وفقدت كيانها، وما نراه ليس إلا وهما، حتى لو بدا ساطعا ً!
قال الدب يخاطب الذئب:
ـ المعضلة إن ذلك الجيل راح يعمل ببالغ الدقة، فلا يدع العين تبصر، ولا يدع الشمس تشرق أيضا ً.
صاحت الغزال:
ـ وما مسؤوليتنا نحن وقد ولدنا لنحافظ على ذريتنا من الفساد، والتلف؟
ـ عفيفة! كم أنت عفيفة أيتها الغزال!
 وأضاف الذئب يقول لها:
ـ وأنا اشهد إن جناحكم شبيه بجناح النعاج، والحمام، والأرانب، من أكثرها براءة، وطهرا ً!
هزت رأسها مبتعدة:
ـ لا أنسى هذا الإطراء أبدا ً....، لأنني قلت لسعادة الجرذ: إذا كانت الغزلان تتستر على شرير ـ كهذا ـ فهذا يعني إن الشر قوة تذهب ابعد من الأشرار!
اقترب الذئب وسألها:
ـ تعالي، اقتربي...
وسألها:
ـ إذا كان الشر يمتلك هذه الفعالية فان الأشرار يمتلكون حصانة!
   ولم يدعها تفح فمها:
ـ وإذا كانت لديك قدرة رؤية الخيط الوهمي بينهما فعليك أن تخبري مكتب السيد المدير مباشرة بما تمتلكين من أدلة...، ومعلومات.
ـ اقسم لك...، اقسم لك...، أنا اجهل هذا الحد الفاصل بينهما، فتارة الأشرار هم من يصنع الشر، وتارة الشر هو من يصنع الأشرار، ويرعاهم، فالعملية زئبقية، تماثل تداخل المعادن الأكثر شفافية بالأكثر كثافة، وصلابة، بل تماثل مفهوم الزواج بين أول الخلق ونهايته...! فالقضية لا تسمح لك بالعثور على قفلها...، فكيف ستعثر على مفتاحها؟
ـ ملعون، أيها الغزال، هل أنت ذكر أم أنثى...؟
ـ لا اعرف! وهذه معضلة قررنا معالجتها بعد العثور على هذا الكائن الطريف!
    في جناح الثيران، المجاور لحظيرة الخيول والحمير والبغال، استدعي الجرذ مسؤول الجناح، وراح يراقبه. كان الظلام حالكا ً، باستثناء ما كان يصدر من إشعاعات مجهولة المصدر، فطلب الجرذ من الثور الاقتراب منه:
ـ نعم، سيدي.
    ولم يشرح له شيئا ً عم أسباب الزيارة، بل استفسر عن رأيه بما يجري في جناح النعاج، والضباع، والأسود...، فأكد الثور إن حالة السبات متواصلة، فلا توجد متغيرات، باستثناء ضجة وزقزقات الطيور عند الفجر، وهمهمات أخرى صادرة عن أجنحة التماسيح، وبنات أوى، والنعام.
اقتربت بقرة سمينة بإفراط، وسألت الثور هامسة:
ـ  في هذا الوقت، ما الذي يبحث عنه؟
   رد الجرذ عليها:
ـ كأننا في مستنقع؟
ـ آسفة، آسفة ...سيدي، اعتذر.
   فنهرها الثور، ودفعها بعيدا ً عنه، لكنها اقتربت وقالت للجرذ:
ـ أخشى إنكم جئتم تعترضون على....
ـ على ماذا ...؟  
سألها الجرذ، فأجابت:
ـ على هذا الإفراط في الوزن!
وأضافت:
ـ فنحن في الواقع لا نتناول أكثر من العلف المخصص لنا.
ضحك الجرذ وقال بصوت حاد:
ـ أتسخرين......، وأنا لدي ّ معلومات إنكم تتسترون على...
اقترب الثور وسأله بفزع:
ـ نتستر على ... ماذا؟
   أجاب الجرذ بصوت غامض:
ـ لا رحمة في الأمر...، فالعقوبة ستتجاوز الموت!
فسألته البقرة بذهن شارد:
ـ أقسى من المحرقة؟
ـ قلت أقسى من الموت!
ساد الصمت برهة اثر دوي حدث في جناح آخر، قال الجرذ:
ـ لم نعثر، في جناح العم، على اثر للذي لا يترك أثرا ً.
فقال رئيس الجناح:
ـ  عدا خوار العجول...، فان أصواتها لا تذهب ابعد من أسوار هذه الزريبة...؟
ـ جيد...، لكن القضية لا تخصكم، ولا تخصني، بل إنها شاملة.
ـ آ ...
 تأوه حصان كان قد اقترب منهم، وقال:
ـ اعتقد إنكم تبحثون عن حمار غير ملتزم؟
تنهد الجرذ:
ـ أكمل...
الحمار الذي وجدناه معنا، ليلة أمس الأول، لا نمتلك معلومات عنه...، فهو يرفض الكلام.
ردد الجرذ:
ـ الحمار، الحمار الأبيض، أم البني، أم الوحشي، أم المرقط...، أم، الحزين؟
ـ انه مختلف تماما ً...، سيدي، فما عرفناه إنهم اشتروه بسعر زهيد، لا يساوي فلسا ً، رغم انه بحجم فيل!
ـ آ ...، ما ـ هي ـ مشكلته إذا ً...؟
ـ يرفس! ويضرط...! فلم يبق دابة إلا وبقر بطنها، وآذاها، وأثخنها بالجراح.
ـ مأبون! الحمار... المأبون! دعك من هذا ...، لأننا سنرسله إلى جناح العاطلين عن العمل...
همست البقرة:
ـ عن أي شيء تبحثون إذا ً...؟
همس الجرذ:
ـ عن كائن يتسلل إلى ....، داخل الرأس...، ويدمدم، يملأ الرأس ضجة، لكنها ضجة طبل، ثم يتسرب إلى البدن برمته، وما أن نشدد الخناق عليه، حتى يتبخر!
ضحك الثور:
ـ يتبخر....؟ انك تذكرني بالصقور التي كانت تحمينا من الجراد....، ما أن بدأت العاصفة، حتى تبخرت، ولم نجد أحدا ً منها!
فكر الجرذ بصوت مسموع:
ـ قالت لي السيدة المستشارة: انه شبيه بالحاضر الذي لا تمتلك شيئا ً عنه سوى غيابه، وأحيانا ًهو شبيه بالعنصر الذي يبحث عن آخر ليشكل معه عنصرا ً مختلفا ً له خواص تدع المصاب أن يتوهم أوهاما ً تذهب ابعد من الحقيقة...!
ـ بل إنها هي الحقيقة...
فسألها الجرذ بغضب:
ـ أين هي ...؟
ـ من؟
ـ الحقيقة؟
ـ أنا قلت انك تحدثت عن هذا الذي يذهب ابعد من الوهم...، فقلت: يا بقرة... ما الذي يذهب ابعد من السراب، غير المطر!
صاح الجرذ:
ـ انه هو الكائن المبلل، أو غير اليابس، الجاف...، ولكنه يتميز بالمرونة، والمراوغة، والخداع...، فهو مثل من يرتدي آلاف الأقنعة، لكن حقيقته مختلفة عن أي قناع منها! فهو يقوم بالجريمة بإعلان براءته منها!
ـ عدنا إلى الحقيقة... سيدي!
فسأل البقرة بصوت مرتجف:
ـ للمرة الثانية تنطقين بالحقيقة...، حتى يخيّل إلي ّ انك تتسترين عليها؟
   اقترب الثور من الجرذ، وخاطبه بوقار:
ـ سيدي، هذه بقرة...، مثل أية أتان، أو فأرة...، لا مهمة لها سوى أن تحبل مرة واحدة في العام الواحد! فهي تعد من أغبى الأغبياء...، فلا تعّول على خواطرها! إنها من الكائنات ذات الصوت الأشد قبحا ً من صوت الحمير، فصوتها يماثل أصوات الضفادع، والصراصير، والخنازير....، فهي لم تبلغ سن الرشد في سلم تطور الأنواع...، بعد، وإلا هل سمعت بقضية شبيهة بنقيضها في وقت واحد، سيدي؟
ـ أخشى انك تقصد الحقيقة أيضا ً يا سعادة الثور؟
ـ وهل هناك سواها...؛ تلك التي تراوغ الوهم، التي تعد من اصلب الثوابت، بمرونتها، وحيلها، وزئبقيتها.
ـ ما هي... أرجوك....، فالفجر يقترب...
 قال الثور فجأة:
ـ بل نحن نقترب منه...، لأن الفجر هو شبيه بالحقيقة التي قصدتها ...
ـ لا تسرف..، فأنت بدأت تراوغ...، حتى إنني فكرت أن أرسلك إلى المسلخ....، فقد استوردنا آلة ذبح حديثة
   هاج جسد الثور، مرتجفا ً، مرتجا ً، وراح يتخبط، فأحاطت به الخيول والأبقار والزرافات وامسكوا به. قال بعد أن هدأ:
ـ انك جئت تبحث عن مخلوق لا وجود له....، تارة تقول انه يدعونا إلى رؤية أحوالنا، فما أن نراه، حتى يغيب..، وتارة تقول انه يوسوس فينا، فما أن يظهر، لنمسك به، حتى يغوص في مناطقنا النائية، المجهولة...، فهل أرسلتك السيدة المستشارة لتمتحن ما بلغناه من ارتداد.... وتدهور، وغباء؟
ـ آ ...، كم زل ّ لسانك يا ثور وأنت لم تكمل حتى نصف عبارة؟
ـ لم يزل....، سيدي، فهذه هي تعاليم استقيناها من أحلام الأسود النائمة...، فأنت تعرف إننا نعمل بها...، منذ زمن بعيد....، لكنها غير معلنة!
صرخ الجرذ، وراح يرقص:
ـ وجدتها، وجدتها، وجدتها!
قالت البقرة متندرة:
ـ الحقيقة؟
    شتمها بكلمة نابية، لاذعة، فاحشة، جعل محياها يغدو كوجه البوم لا احد يعرف كيف غدا رمزا ً للحكمة، والحكماء..! فقالت بخجل:
ـ أنت تعرف..
اعترض:
ـ أنا لا اعرف...
ـ ها أنت لا تقول الحقيقة.
ـ قسما ً ... بالذي لا يرد اسمه إلا عند الشدائد، سأرسلك  إلى جناح الزرافات!
ـ أووووه...، ما أسعدني، وأنا اسمع انك ستخلصني من جناح الحمير والثيران..
توارى الجرذ.
 قال الثور للبقرة:
ـ   ما معنى هذا الإسراف...، وهم يتصيدون زلات ضمائرنا الغائبة!
ضحكت البقرة:
ـ يا حمار! عن أية ضمائر تتحدث...، أم انك أيضا ً تتحدث عن الحقيقة...؟
ـ اخرسي.
ونز عليها.
ـ آ .....، الحقيقة إننا سنلد عجولا ً للذبح! كما تلد نساء البشر البنين كي يرسلوهم للموت في الحروب!
فقالت بصوت غير مسموع:
ـ دعني اعترف لك بما رأيت ليلة أمس...، ولا تشوش علي ّ، بعد أن اختلطت علي ّ الحقيقة بالوهم، والوهم بالحقيقة...
ـ وماذا رأيت ...؟
ـ رأيت شابا ً يجرجر امرأة شمطاء انزوى بها خلف شجرة السدر الكبرى وراح يجامعها ..
ـ وما شأنك أنت بالأمر..، حيوان يجامع حيوانة....؟
ـ عندما رأتني السيدة الشمطاء أحدق فيها استنجدت، واستغاثت، بي... فقلت لها: ليس لدي ّ ما افعله...، عدا ضميري! وهو ـ كما تعلمين ـ لا فائدة منه.
ـ وماذا جرى بعد ذلك....؟
ـ راحت تهمس في اذن الشاب: لا تسرع، اسرع، لا تسرع،...
ـ وماذا كنت تفعلين؟
ـ كنت ابحث عنك!
ـ وأين كنت..؟
ـ في زريبة الحمير...
ـ ملعونة...، بل كنت نائما ً معها احلم!
ـ وبماذا كنت تحلم؟
ـ الم تطلبي مني ذلك بقولك: إن لم تجدني  فانا اسمح لك باستدراجي إلى أحلامك في لحظات النوم العميقة؟
ـ هذه ليست هي الحقيقة...؟
  لكنها  قالت:
ـ ثم هرب الشاب...، أما الشمطاء فبدأت تولول: يا الهي.... لماذا تركتني وحيدة...، فسمعها عدد من حراس الحديقة، اقتربوا منها، وما أن رأتهم، حتى استغاثت: من منكم رأى ... بعلي؟  فهجم عليها الأول...، فراحت تتخيل انه تحول إلى ذئب خافت أن يفترسها، ثم هجم الثاني، والثالث...، حتى كاد الفجر يزيح ظلمات الليل.....، آنذاك وجدت الشمطاء جسدها ملقى عند ضفة المستنقع....، فخرج تمساح، وسألها: ماذا تفعلين هنا يا أيتها الملاك؟ فقالت له: أأنا ملاك حقا ً...؟ قال التمساح بصوت رقيق: يا ملاكي! فسألته: ومن أنت...؟ أجاب: أنا جهنم! فهمست في أذنه: أنا أكاد أتجمد بردا ً!
   خار الثور، ونطحها، ليبقر بطنها، ويخرج عجلا ً منها، بدا قويا ً...، فقال للثور:
ـ يا عم...، لا تؤذ أمنا! فالبقرة كالأرض، إن أذيتها محقتك!
ـ لم أؤذيها ...، أسألها.
اختفى العجل. فسأل الثور البقرة:
ـ اعتقد إن سيدنا الجرذ كان يبحث عن ذلك الشاب...، فهو يعمل عمل تلك المعادن الخسيسة، ما أن تمسه أصابع السحرة حتى يتحول إلى ذهب!
ـ لا ...، أنا لا اعتقد...، فانا أرى انه كان يبحث عن تلك السيدة ذات الجسد الملائكي!
ـ هل تتذكريه...؟
ـ الآن .... لا... ، ولكنه كان شفافا ً شبيها ً بغيمة بعوض هائجة بانتظار إعلان التمرد!
ـ يا بقرة...، كأنه كان يبحث عنك! وليس عني...؟
ـ عني...، عني أنا الشبيه بفيل أعمى!
ـ كان علي ّ أن اخبره بأمرك!
ـ أنا لم انو أن أدعو إلى الشر...، فانا كرست حياتي للفضيلة، وقد شهدت أنت بذلك...، فلا تخافي...، فالعجل ولدنا غادرنا كي يلقى مصيره....، وعلينا أن نبحث عنه.
    دخل الجرذ قفص كبير الاسود:
ـ انهض!
ـ ما أنا بناهض!
ـ قلت لك انهض، وإلا ....
ـ وإلا ماذا ...؟
ـ سأرسلك إلى المتحف! واضعك مع الديناصورات...
ـ آ ....، أبهجتني، فانا عندما استنشقت رائحتك عن بعد، قلت: ما ألذ هذا العطر...، لابد أن هناك نبأ ...
ـ عطري؟
صرخ الأسد بصوت مبحوح:
ـ بل جيفتك! يا جرذ المجاري...، لكن، لا تكترث، ففي عالمنا، اختلطت العطور بالروائح النتنة، فنكهة الأفواه الجوف لم تدعنا نميز ما يصدر عن البلابل!
ـ دخت؟
ـ لا احد يقدر عليك....، فأنت مازلت تنتمي إلى عصر ما قبل الطوفان...، لأنك لم تنج من الغرق فحسب، بل عشت لتشهد ما هو أكثر فظاعة، وأكثر مرارة، فمن ذا يستطيع أن يسد أبواب دربك العنيد؟
ـ اسمع يا ....
    خاف الأسد، وارتد متراجعا ً إلى الخلف، لصق جسده بالجدار، بجوار لبؤته النائمة:
ـ أسمعك، سيدي..
ـ أنا كلفت بالبحث عن عنصر غريب الأطوار، شبيه بالجنين الذي يتكون تلقائيا ً، وبعد ولادته، يتوارى...، مثل فضة الفجر ما أن تبصرها حتى تتلاشى، وتغيب...، ومثل كلمات سيدنا المدير، زعيمنا الخالد، ما أن ينطق بها، حتى تضطر لقضاء عمرك كله بانتظار ما ستؤول إليه....
ـ أسمعك جيدا ً ...
ـ هل في نيتكم إعلان التمرد...، تمهيدا ً للعصيان، وإشعال فتيل الثورة...؟
صاح الأسد مذعورا ً:
ـ هل تدعونا إلى ذلك...؟
ـ أنا...، أنا أسألك، لأن علي ّ أن أقدم خلاصة بما رأيت...، إلى الجهات الرسمية.
ـ سيدي...، أنا أعلنت الثورة منذ زمن بعيد...، منذ زمن بعيد جدا ً...، وقد تكلل نصرنا بهذه الهزيمة الميمونة المدونة في أسفار التاريخ، بالبقع الخالية من اللون؛ فهي شبيهة بثورة الديناصورات، كان مصيرها حتميا ً، لتحتل موقعها في المتحف....، أم أرسلوك لتورطنا ...، وتزهو بمكاسب فاسدة؟
ـ هذا يعني انك لست معهم؟
ـ لا!
ـ مع من؟
ـ أنا مع هذا القفص، ومع هذه النائمة التي لا أراها إلا عبر الأحلام!
ـ آ .....، يا لها من نكبة! لا الدب ولا الثور، لا الحمار ولا الغزال، لا التمساح ولا الكركدن، لا ابن أوى ولا القنفذ، لا التيس ولا الكبش، لا الزرافة ولا الضبع، لا الماموث ولا النمر، لا البرغوث ولا البعوض، لا الديدان ولا الحشرات....، ومع ذلك هناك من يعمل عمل المرآة السرية تترك الجميع يحدقون فيها...، فما أن يتعرفوا على أنفسهم حتى تتهاوى المرآة، وتتناثر، ويجن حاملها، ويتبخر من رأى فيها مصيره يتهاوى....، فعلى من تلقي القبض، ومن المسؤول عن الهاوية، وقد وجدت مأواها واختبأت فيه؟
ـ سيدي، اذهب وسلم نفسك للعدالة! فانا اعتقد انك كنت تبحث عن نفسك!
قال الجرذ، لكن بصوت قوي، وحاد:
ـ لا احد يصدق!
ـ إذا كانوا لا يصدقون الحقيقة...، كما هي عليه، بادلتها، وبراهينها، وعلاماتها...، فلم يبق لديهم إلا أن يذهبوا إلى ما هو ابعد منها!
ـ ماذا قصدت...؟
ـ إلى الوهم!
ـ آ ...، فهمت، الآن فهمت.
ـ لا يا سيدي، لم تفهم شيئا ً! ولكنك، منذ ملايين السنين، لم تقدر أن تفهم إلا هذا الذي رأيته في المرآة...، فصار هو دليلك للدرب، والى المعرفة! لأن الأخيرة، سيدي، لن تترك أثرا ً لخطاها في الدرب، فهي لا تمحوه، كما تظن، ولكنها تجيد أن تورطنا بغوايته، وما أن نجد أنفسنا ذهبنا في العمق، عمقها، حتى يجرفنا السطح، سطحها، فلا تجد شيئا ًيدل عليها، أو يدحضها. فالرواية التي يرويها جرذ، أو قنفذ، أو برغوث، ليس من المنتظر أن تكون لها خاتمة، إلا مثل ظل يحّوم فوق المكان الذي لا مهرب منه، كالجنين لن يغادر الظلمات إلا وتراه يتحدث عن البشارة، والضوء....، فتهرول خلفه....، ثم تكتشف، بعد فوات الأوان، انه هو الذي لا يتركنا نذهب ابعد منه، وقد راح يهرول خلفنا، مثل قاتل لا يرتوي أبدا ً إلا بفتح ممرات مستحدثة للمواليد، المواليد التي لا تمتلك إلا ما تمتلكه البذرة: المغادرة! ثم البحث عن ظلمات تخفي فيها وهنها، فترقد فيه بانتظار المغادرة!
ـ من أنت...؟
ـ أنا هو كل من رأيته عبر بحثك عن الجناة....، أنا ضحيتك، أنا ضميرك، مرآتك التي رأيت فيها هذا الذي لا تخمد ناره، إلا بعد أن تكتوي بها، وتحترق، وتصير رمادا ً....!
ـ انك ترسلني إلى المحرقة؟
ـ بل المحرقة تدعوك إليها...، لكن، لا تخف، فبعد زوال هذه الحديقة، بمن فيها، لا تزول مكوناتها، ولا هذا الذي كنت تحاول الإمساك به...، فهو وجد قبل وجودك،  وهو موجود بوجودك، وسيدوم بعد زوالك. لا تخف، فانا هو من تبحث عنه، لكن للأسف، لن ادعك تلقي القبض إلا على هذا الذي ظننت انك أمسكت به، ومحوته!
3/6/2015

الخميس، 4 يونيو 2015

غالب المسعودي - إغواء(قصةٌ سُريالية)

جريمة ضد الحضارة-]د.احسان فتحي


 جريمة ضد الحضارة

Dear Iraqi Architects, Archaeologists and Friends,
-


This is to relay to you the sad but unconfirmed news that the so-called ISIS or "Islamic State" has recently turned its destructive attention to Ashur in Northern Iraq and a World Heritage Site since 2003. The reports, which are not supported by visual evidence, say that the Ziggurat and the arched gate were destroyed presumably by explosives.  It is well known that Ashur site is largely archaeological ( some 5000 years old) and there are no prominent architectural features except the recently reconstructed "Tabira" arched gate. The rest is simply excavated locations in the form of mud brick walls and foundations. There are no 'idolatry' statues whatsoever in the site.  I also find it difficult to imagine the blowing up of a huge earth mountain which is all what remains of the ancient imposing Assyrian ziggurat.

Nevertheless, any damage, no matter how small it is, to an extremely important historic site, is criminal and represents another horrible war crime.  All civilized humanity condemns such incomprehensible action.

Ihsan Fethi
Iraqi Architect and Heritage Expert
May 29th, 2015.
   

بيرنارد راسل في الذكرى الخامسة و الاربعون لوفاته-د. وريا عمر امين

  بيرنارد راسل  في الذكرى الخامسة و الاربعون لوفاته

 Bernard Russell
د. وريا عمر امين
  بيرنارد راسل (1872 – 1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. كان ليبرالياً واشتراكياً وداعية سلام قاد الثورة البريطانية ضد المثالية في اوائل القرن العشرين. يعد أحد مؤسسي الفلسفة التحليلية و يعتبر من أهم علماء المنطق و الرياضيات في القرن العشرين. تعد مقالاته الفلسفية نموذجا فكرياً في الفلسفة , ولا زال لعمله أثراً ظاهراً على المنطق و الرياضيات و نظرية المجموعات و اللغويات و الفلسفة و بالتحديد فلسفة اللغة و نظرية المعرفة و الميتافيزيقيا.
كان راسل ناشطاً بارزاً في مناهضة الحرب ومناهضة الامبريالية. سجن بسبب نشاطه الداعي للسلام خلال الحرب العالمية الاولى. قام بحملات ضد الحرب العالمية الثانية وهاجم تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام كما كان من أنصار نزع الاسلحة النووية.
حاز عام 1950 على جائزة نوبل للادب تقديراً لكتاباته المتنوعة والمهمة والتي يدافع فيها عن المثل الإنسانية وحرية الفكر.
من اقواله:
*  الى ان بلغت الاربعين من عمري كان لي عقلا قويا عملت في حقل الرياضيات و حل المشكلات الرياضية المعقدة. بعد الاربعين ضعف عقلي توجهت الى الفلسفة واصبحت فيلسوفا. و عندما بلغت الستين فقدت عقلي تماما و انخرطت في السياسة و اصبحت سياسيا.
* مشكلة العالم أن الأغبياء والمتشددين واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائما، أما الحكماء فتملأهم الشكوك.
* الوطنيون دائما ما يتحدثون عن الموت في سبيل بلادهم، لكنهم لا يتحدثون أبدا عن القتل في سبيلها.
* الحرب لا تحدد من هو المصيب، بل تحدد فقط من هو الباقي.
* الحياة ليست إلا منافسة يريد فيها كل منا أن يكون المجرم لا الضحية.
* لن أموت أبداً دفاعاً عن قناعاتي، فقد أكون مخطئاً.
* العلم هو ما تعرف والفلسفة هي ما لا تعرف.
* قد يضع العلم حدودا للمعرفة، لكنه لا يجب أن يضع حدودا للخيال.
* أكثر الجدالات عنفا هي التي تدور حول أمور تافهة ليس لها أدلة جيدة تثبتها أو تنفيها.
* تقرير رجل غبي عما قاله رجل بارع يستحيل أن يكون دقيقا، لأن الغبي يقوم لاإرادياً بترجمة ما يسمعه إلى ما يمكن أن يفهمه.
* هناك دافعان لقراءة كتاب ما: الأول هو الاستمتاع به، والثاني هو التباهي بقراءته.
* الوقت الذي تستمتع بإضاعته ليس وقتا ضائعاً.

الأربعاء، 3 يونيو 2015

لكي لا تضيع ثروة الألحان-خالص عزمي



لكي لا تضيع ثروة الألحان


خالص عزمي


حفل تأريخنا الموسيقي والغنائي باعمال فنية ذات قيمة عالية في روعة التأليف والتلحين وحسن الاداء ؛ الا انها اهملت ومسحت من ذاكرة الاجيال ؛ لاسباب كثيرة اهمها ارتباطها المباشر بمرحلة سياسية معينة من تاريخ العراق المعاصر ؛ او عقائدية ذات توجه ينم عن مرحلة معينة مقبولة في حينها ؛ ومنبوذة في مرحلة لاحقة . 
ايام الدراسة الابتدائية والمتوسطة ؛ كنا نردد كثيرا من الأناشيد ذات العذوبة في اللحن والموسيقى والتي وضعها الافذاذ أكرم رؤوف ؛ وسعيد شابو ؛ وجميل سليم وغيرهم ؛كما في ( لاحت رؤوس الحراب ؛ بلاد العرب اوطاني ؛ يا اوربا لاتغالي ؛ايها الجيش الصغير ... الخ ) 
وحينما كبرنا أخذنا نردد بعض الاغاني العراقية الوطنية لكبار المطربين من امثال عزيز علي ؛ محمد الكبنجي ؛ ( دكتور ؛ السفينة ؛ انا المسيجينة انا ؛ لازم ربك يوم يعدلها ..) فلما منع قسم منها لاسباب سياسية (خلال فترة محددة من الزمن )؛ أخذ النسيان يغلفها في رفوف النبذ التعسفي القسري . بل ان الامر ادى في كثير من الاوقات لمنع المطربين انفسهم من الغناء بسبب النظرة الضيقة لمفهوم جوهر الغناء أتباعا لتلك الرغبةالآنية في تسطيح الوعي السياسي المتخلف لمهمة الفنان . 
وعلى هذا الاساس ؛ فقد ضاعت مئات الالحان التي بذل في اعدادها عشرات الكتاب و الملحنين والمطربين ؛ جهودا مضنية في سبيل ايصالها للجمهور والذائقة النقدية وذلك عبر اكثر من ثمانين عاما من عمر العراق المعاصر . ان هذا الموضوع بالذات ؛ لايقتصر على العراق وحسب ؛ بل ينصرف ويغطي كثيرا من الاقطار العربية ؛ حيث اخذنا نستمع ومن زمن بعيد الى مبررات لاعلاقة لها بقيمة اللحن او الموسيقا ؛ بل ترتبط بمسميات حقبة محددة ما كالقول بان تلك الاغاني او الاناشيد تمثل ؛ الاسرة العلوية في مصر او عهد الملك فاروق ؛ او عهد الملك غازي ؛ او عهد الوحدة ؛ او فترة الاحتلال الفرنسي ؛ او ايام المقاومة ؛ او ثورة العشرين ؛ او ثورة الجزائر .... الخ ) 
ولربما يبهت مثل هذا القول الكثيرين فيستفسرون مستغربين : ( ماذا تريدمنا ان ننشد (عبد الاله ياعظيم الصفات؛ او... والفن مين أنصفوا غير الفاروق ورعاه ؛ او ... ) ؛ واجابتي هي : كلا ثم كلا ؛ ليس الامر كذلك فان بعضها مقبول ومحبذ والآخر مرفوض لارتباط كلماته بشخصانية فردية سياسية ضيقة الافق . على ان الذي اريد الوصول اليه ؛ هو الحل الواقعي والحقيقي للحفاظ على هذا التراث الضخم من الضياع ؛ والعمل على الابقاء عليه كمجهود فني يتوجب التمسك به ؛ كما تفعل كثير من شعوب العالم مع كنوزها الثقافية !! 
قبل ايام كنت استمع الى العملاق ( لوتشيانو بافاروتي) ؛ وهو ينشد مقاطع من اوبرا عايدة ( فيردي ) ؛ و التي كنت قد سمعتها من غيره ايضا وهي تغنى قرب اهرامات مصر الخالدة ؛ فسألت نفسي هل منع أحد انطلاق تلك الاوبرا على ارض مصر بحجة انها تعود الى عهد الخديوي اسماعيل يوم افتتح قناة السويس . او لان اوبريت الحصان الابيض ( رالف بيناتزكي ) تمثل عهد قيصر النمسا فرانس جوزيف ؛ او لان اوبرا ريغوليتو ( فيردي ـ وهي في الاصل الملك يلهو لفكتور هوجو ) لا يجوز سماعها في فرنسا لانها تتحدث عن الملك فرنسوا الاول ؛ او لان اوبرا توسكا ( ياكومو بوتشيني ـ في الاصل رواية فكتوريين ساردو ) لايتوجب مشاهدتها او سماعها في ايطاليا لانها تنال من سمعة الشخصية الايطالية الممثلة ب( سكاريبيا الرهيب ) رئيس البوليس والامن ؛ او لان فيناويات الفالس والبولكا والمارش لمجموعة عائلة شتراوس يتوجب الحجر عليها في النمسا بسبب انتمائها الى العهد الامبراطوري .... الخ ؟!! وهنا رددت على نفسي بالقول ...... ان الامر عندنا يختلف تماما ؛ أذن ماذا يجب علينا ان نفعله تجاه الحفاظ علىثروتنا في الموسيقا والالحان ؟!! بل ماذا عليتا ان نفعل تجاه كل ثروة ثقافية ابداعية انتجتها عقولنا واحاسيسنا ؛ وستنتجها لاحقا ؟!! وبعد تفكير جاد ومرهق وجدت حلا مرجحا يمكن تحقيقه بيسر من خلال اتباع الوسائل العملية التالية : ــ 

تكوين لجنة ثقافية فنية دائمة من المختصين الموسيقيين والملحنين والشعراء والنقاد تتولى جرد جميع نتاجنا الغنائي والموسيقي لمختلف الحقب الزمنية وتسجيله كما هو ؛ ثم تبويبه على اسس علمية تتوزع على انواعه والوانه المختلفة ( المقامات ؛ اطوار الريف ؛ تراتيل الكنائس والاديرة ؛ الانشاد الديني الاسلامي ؛الاغاني الجبلية ؛ اغنيات المدن ...لخ ) لكي يصار بعدئذ تحديد الموقف الفني الحرفي المهني منه بعيدا عن الاجتهادات الفردية او السياسية او الاجتماعية ذات الافق الضيق المتزمت . واقترح لكل ذلك ما يأتي : ــ 
اولا ـ الاحتفاظ به كما هو ذخيرة فنية يمكن الرجوع اليها كصدر في البحث والتسجيل التاريخي . 
ثانيا ـ توزيع ما له قيمة فنية مبتكرة مجددا بصيغة تقربه الى الجمهور كتراث وطني شعبي . 
ثالثا ـ تحويل كلمات الاغاني او الاناشيد غير المرغوب بها سياسيا ؛ الى كلمات عامة تتعلق بالوطن او الوصف التاريخي لحضارته او الجغرافي لطبيعته وما الى ذلك ؛ دون المساس باللحن او الموسيقى . 
فلو أخذنا مثلا نشيد ( عبد الاله .... يا عظيم الصفات يا سليل المكرمات ) فيمكننا تحويل معناه الى 
(العلم ) بتغيير كلمات النص الى ( رمز البلاد .... يا شموخ الاباة يا وريث الملحمات .... ) وهكذا 
رابعا ـ الاحتفاظ بالالحان والموسيقى دونما كلمات لكي يحسن بثها او تداولها من جيل الى جيل . 
خامسا ــ بدءا من منتصف القرن الماضي تقريبا ؛ دأب كثير من الملحنين الكبار في عالمنا العربي على تحفيظ المطربين الحانهم عن طريق التسجيلات الصوتية المختلفة ؛ وانه امر مهم لو التفتت الى هذا العمل الخصب الفني والتجاري بنفس الوقت ؛ واعيد تسجيلها باصوات ملحنيها ( للسماع والحفظ ) ؛ كما فعل العبقري عبد الوهاب في بعض الاغاني ؛ فان ذلك سيشكل ثروة فنية تأريخية ؛ لعل الكثيرين لم يلتفتوا اليها كل تلك الفترة الزمنية الطويلة . 
سادسا ــ الشروع بتدوين ذلك الكم الهائل من الاعمال الفنية ؛ في نوطات موسيقية ( كما وضعت اول مرة ) مصنفة بحسب مؤلفيها كحق مشروع يحافظ على النتاج ومبدعه من الاغفال المتعمد او الجهل الفاضح .ولكي لايقال عن عمل فني معروف بعد فترة من الزمن ( انه من التراث ) تخلصا من الجهل بالمؤلف او الملحن او الامعان في تجاهلهما . 
سابعا ـ بعد الفرز والجمع والتبويب والتصنيف ؛ وما دار حول كل ذلك من بحث وتنقيب في نطاق محاضر الجلسات والاجتماعات ؛ لابد من الاحتفاظ بذخيرة هذا الكنز التراثي في موقع او جناح خاص تابع الى متحف او معرض دائم أسوة بالفنون التشكيلية اوغيرها . 

ان مثل هذا الطرح المكثف ( وغيره كثير ) ؛ سيؤدي الى عدم ضياع ذلك التراث او الخزين السجين في متاهات من العبثية المستهترة باعمال فنية بذل فيها معدوها ومبدعوها جهودا مضنية لكي ترى النور . واليوم أتسآئل ؛ كم من الاغاني والاناشيد والمؤلفات الموسيقية غابت في طي النسيان او الاهمال ؛ في حين كان من الجدير بها ان تبقى حية تعزفها مئات الالات الموسيقية ؛ او ترددها عشرات الحناجر العذبة . وتأكيدا لذلك .... لو عدنا الى الماضي التأريخي السحيق ؛ ألا يحزننا ضياع مئات من الالحان والقطع الموسيقية التي وضعها اجدادنا الفنانون العظام على امتداد الوطن العربي من الاندلس فالشمال الافريقي حتى آخر ذرة من سواحل جزيرة العرب ؟!! اذن لماذا لا نعمل الان بجد على تلافي مثل هذا الامر فنسعى الى تحقيق ما فاتنا في الماضي ... 

لو اتيحت لاي منا جولة في متاحف الفن الموسيقي في الدول المتحضرة او حتى عن طريق الانترنيت ؛ لهالنا ذلك التسجيل الدقيق المبرمج لاعمال فنية واسعة مصنفة على عدة ابواب ؛اما بحسب اللحن او الموسيقا ؛ او تأليف الكلمات ؛ او بحسب المطربين او او قادة الفرق الموسيقية ؛ او الحقبة التأريخية ؛ او المواقع الجغرافية ؛ او اجناس الشعوب او اعراقها ا وثقافاتها وحضاراتها او تقاليدها ... الخ 
كان لي صديق من محبي سماع الاوبرا ؛ اتيحت له فرصة زيارة فينا لاول مرة ؛ فاراد ان يبتاع بعض التسجيلات لاوبرات كان يعشقها ومنها اوبرا عطيل ( فيردي ) ؛ سألني عن الطريقة الصائبة لتحقيق ذلك ؛ فنصحته ان يزور(ضمن مواكب السواح ) دار الاوبرا ليطلع على جوانبها كافة ؛ ثم يتجه بعدئذ منفردا الى جناح ملحق بالبناية يقع على الشارع العام مباشرة فيقتني منه ما يرغب من اهم الاعمال الموسيقية في ( الاوبرا او الاوبريت ) .اتصل بي مساءا وهو في حالة من الخجل قائلا ؛ لقد ذهبت الى جناح العرض فاستقبلتني فتاة ؛ ولماسألتها عن مطلبي ؛ اخذتني جانبا وهي تشير الى خزانة ( كارتات ) طويلة قائلة ؛ كل هذه التسجيلات هي لاوبرا عطيل ؛ وما عليك الا ان تحدد ؛ الفترة الزمنية التي قدمت فيها الحفلة المطلوبة ؛ا والبطل الذي غرد فيها ؛ا والمسرح الذي قدمت عليه ؛ فلدينا مئات التسجيلات منذ اول اصداح لها وحتى آخر حفلة ؛ تعثرت في كلامي وقلت لها تخلصا من المأزق ؛ اريد تسجيلا ( سي دي ) لاخر حفلة ؛ نظرت الى الكومبيوتر ثم اليّ باستغراب وهي تقول ؛ عذرا ان آخر عرض لهذه الاوبرا هو الذي قدمه المغني العالمي الاسباني بلاسيدو دمينجو من على مســــرح ( لاسكالا ) الشهير ؛ ولكن هذه الحفلة بالذات غير كاملة ؛ لان دمينجو ( كما تقول المعلومة التي امامي ) احتبس صوته فجأة و وغادر المسرح لم يستطع اكمال االاوبرا . هنا اعتذرت وانا اسبح بعرق الجهل لا الخجل ؛ وخرجت وانا اقول لنفسي يا لها من امم تعنى باعمالها الفنية وتحرص بكل ما اوتيت من حول على تراثها غير عابئـــة بتغير المكان والزمان ولا ( بالدولة والرجال !!!)؛ ما دامت تلك الاعمال الفنية المصانة قد ضمنت المجد والخلود .


الموسيقار يوهان برامس وإفتتاحيته المأساة ( Tragic overture )-مازن المنصور

الموسيقار يوهان برامس وإفتتاحيته المأساة ( Tragic overture )


مازن المنصور
الموسيقار برامس هو ألماني الآصل ولد في مدينة هامبورغ ، تعلم الموسيقى على يد والده وكان يعزف على آلة الكونترباص ثم أ حترف العزف على آلة البيانو في الرابعة عشر من عمره وكانت أعماله للبيانو تتميزبأيقاعتها الصعبة المعقدة المتداخلة وتتكررالألحان في القطعة الواحدة مما يعطى مؤلفاته طعما فريداً، تمتاز موسيقاه بالروح الرومانتيكية في صيغة كلاسيكية بحته . وقد ا قتبس الكثير من طابع بيتهوفن من ناحية الآستعانة بالأوركسترا لتصوير المشاعر والعواطف . ومن أعماله ( اربع سيمفونيات ، وكونشرتات ، وصوناتات للكمان وا لبيانو ، والكثير من موسيقى الصالون ، وكذلك السيمفونية ا لثانية (ري ميجر ) تصف لمعان الشمس في السماء الزرقاء ، حيث تنعكس ضلا لها على الحقول السندسية الخضراء . وقد سميت بسيمفونية الريف . وكذلك السيمفونية الأولى من مقام ( دو ماينر ) ا لتي سأتحدث عنها، وكذلك أفتتاحية المأساة .

افتتاحية المأساة.

تبدأ الآوركسترا بعزف عنيف وقوي ، وكأنه انذار برفع الستار عن ( المأساة ) يعقبها لحن هاديء يقود إلى جملة عبورية صاعدة في صور صخب متواصل . ويأبى الهدوء إلا أن يعود في لحن تؤديه آلة الفلوت . ثم تصل إلى حوار موسيقي يتخلله نوطات متقطعة تمثل سهام القدر ، يصاحبها نوطات اهتزازية تؤديها الأوتار لتصور جوا من الرهبة والانتضار . ولكن النغمة القوية تراودنا من جديد في صورة ( كريشندو ) ، يتصل بنفس الفكرة الآساسية الهادئة التي تتبادلها آ لة الكلارينيت والشيللو في حوار فلسفي عميق .

في القسم الثاني من الافتتاحية نلمس نوطات متقطعة في شكل ( Pizz ) تؤديها آلة الكمان في خفة . ثم تبدأ عملية توسيع الفكرة الآساسية في أوضاع شتى تنقاد بالتالي إلى لحن جديد ، مشيد على رقصة كلاسيكية تمثل بصيص الأمل ونور الحياة .

اما الفسم الثالث يبدأ بخفوت وتعمق ، فالفلوت والة الباصو يتلازمان في أفكار عاطفية متهادية ، تزداد حميتها حتى تصل إلى الصخب . وقد يلازمها من حين لآخر مقاطع ترديدية ( Canon ) تؤديها الآلات الوترية والخشبية كل منها بدورها . ثم تتبدل النغمات في إيقاع حار ، يمثل الصراع بين الإنسان والقدر . وينتهي الصراع على صوت البوق الذي يعلن السكينة والسلام . حقا انها اقتتاحية تعبر عن الجو المليء بالمأساة .

إ ما السيمفونية الأولى وهي من مقام ( دو ماينر )

فهي على أربعة حركات .

الحركة الأولى : هي ألحان متباطئة تتدرج في السرعة ، فتبدأ المقدمة بجملة موسيقية من طابع رهيب عميق . وكأنها تنذر بعاصفة هوجاء أو مأساة حزينة . تنتقل بعدها إلى اللحنين الأساسيين تتناوبهما الآلات الوترية والهوائية . فالأوتار تعزف ألحان الأمل وا لتفاؤل ، والهوائية تسجل نغمات الحزن والأسى . وهكذا تستمر الألحان في تطورها وتفاعلها حتى نصل إ لى جملة رهيبة تؤديها آلة الشيللو . وقد نلمس في الألحان السريعة فواصل موسيقية وإيقاعات مختلفة ، مشتقة من أ لحان المقدمة . ثم ننتقل إلى مناضرة موسيقية بين اللحنين الأصليين اللذين يتقابلان سويا ، ويتفاعلان طبقا لنظام توسيع الفكرة اللحنية . وتختتم الحركة بجمل صغيرة في إطار ضيق متماسك الآطراف تلقب قي المصطلح الموسيقى بل ( Stretto) .

الحركة الثانية : بطيئة في مبناها ، تمثل بألحانها تبدد الكرب والغيوم . تبدأ الحركة بجملة عاطفية تتعالى بها أصوات الكمان في جو سماوى بديع . وقد تلعب ألة الفلوت دوراً مهماً في الأستجابة إلى لحن الأوتار ثم تعقبها ألة الكلارينيت وكأنه استعراض حافل لمجموعة العازفين ، وتأبى ألة الكمان إلا أن تظهر حلاوة ألحانها في جملة انفرادية دون المجموعة ، يردد صداها آلات الترومبا والكورنو في نغمات خاصة متباعدة . وتنتهي الحركة في جوها الهادىء الباسم ، الذي يصور إزالة اليأس والتشأؤم .

الحركة الثالثة : وهي حركة مرحة رقيقة في أسلوبها ، ومشيدة على ثلاثة ألحان متفاوتة ، فاللحن الأول تعلنه ألة الكلارينيت في صورة بهيجة تمثل السعادة والأمل ، ثم يأتي لحن ثان في نفس المقام ، وكأنه ابتسامة عذبة . أما اللحن الثالث فينطبع بطابع ا لظرف والأشرا ق .


الحركة الرابعة : بدايتها تكون بنغمات بطيئة ،ثم تعقبها نغمات أخرى متهادية ، وبعدها إلى أسرع . فالألحان البطيئة تذكرنا بالحزن وا ليأ س الذي راودنا في الحركة الأولى . وتستمر آ لة الكمان في عزف هذه النغمات الرهيبة حتى تدخل الأبواق بأصواتها الرنانة ، تعقبها آلات الترومبون ، وكأنها تعلن القوم بالانتقال من عالم الأسى إلى عالم مفرح ، وتتوجه أغنية الفرح التي تمثل الظفر والانتصار . ومن الواضح أن برامس ا قتبس هذه ا لنهاية من الحركة الأخيرة من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن .
___________________________________________________________________

تأريخ الأغنية السياسية في العراق- حميد البصري

تأريخ الأغنية السياسية في العراق


حميد البصري
قال أحدهم في إحدى الفضائيات العراقية بأنه لاتوجد أغنية سياسية في العراق عدا الأغاني التي كانت تمجد النظام .... الخ .
في الواقع أن أية أغنية تعتبر ، في الجوهر ، سياسية ، حتى العاطفية تعبر عن مفهوم اجتماعي سياسي يجسد العلاقة بين الرجل والمرأة .اما مفهوم الأغنية السياسية فقد ارتبط بالأغنية الوطنية .. الأغنية الثورية .. الأغنية المناضلة .. الأغنية الرافضة ، بعيداً عن أغنية السلطة .. اغنية مديح الحاكم أو الترويج لأفكاره .
عندما نتكلم عن الأغنية السياسية في العراق ، نعني بها المفهوم أعلاه . فقد بدأت تلك الأغاني في النصف الأول من القرن العشرين وكانت بشكل أهازيج (هوسات ) انتشرت في ثورة العشرين وكان مضمونها محرضاً ضد الأستعمار الأنكليزي ومن أجل الحرية والاستقلال ، أما الحانها فكانت عفوية بسيطة .
ثم جاءت أغاني المناضلين في سجون العهد الملكي ، إذ كان المناضلون يؤلفون كلمات تتكلم عن هموم الوطن والحرية ، يلحنون بعضها ألحاناً بسيطة مثل :

السجن ليس لنا نحن الأباة السجن للمجرمين الطغاة

ويركبون البعض الآخر على ألحان شعبية مثل :

يا أمي لا تبك عليّه أنا المناضل يا هنية

أو الحان مأخوذة من أعمال موسيقية عالمية مثل :

لأجل السلام سنزيل الظلام

ونرفع الأعلام للحب واسلام

بعد ثورة تموز عام 1958 التي أسقطت الملكية وأقامت الجمهورية ، ومع الروح الثورية والحرية التي سادت العراق خاصة في السنتين الأولى للثورة ، ظهرت مجموعة من الأغاني السياسية التي الهبت حماس الجماهير العراقية للحفاظ على الثورة ومكتسباتها مثل أغنية ( هربجي ) للفنان الراحل( أحمد الخليل ) .

من تهب أنسام عذبة من الشمال على ضفاف الهور تتفتح قلوب

لو عزف عالناي راعي بالشمال عالربابة يجاوبه راعي الجنوب

هربجي كرد وعرب رمز النضال

وفي بداية الستينات حيث بداية انحسار الديمقراطية والحرية ، انحسرت الأغنية السياسية ثم اختفت مع بدء الأنقلاب الدموي البعثي في العراق عام 1963 ، فعادت الى السرية التامة بين المناضلين التقدميين .
وفي عام 1968 ، وبعد الانفتاح النسبي من السلطة تجاه القوى الديمقراطية ، نشط بعض الفنانين الديمقراطيين بانتاج أغان سياسية دون تمكنهم من تداولها بحرية . وفي عام 1969 ، قدمت الفرقة البصرية أول اوبريت عراقي ( بيادر خير ) من كلمات الشاعر ( علي العضب ) والحان ( حميد البصري ) ، وهو عمل مسرحي غنائي يحكي عن صراع الفلاحين مع الاقطاع واضطرار بعضهم للهجرة الى المدينة .
وفي عام 1970 قدمت الفرقة نفسها الأوبريت الثاني ( المطرقة ) من الحان ( طالب غالي ) الذي جسد معاناة العمال مع أرباب العمل .
بعدها تشكلت فرق صغيرة من الشبيبة الديمقراطية هيأ لها بعض الفنانين اغان سياسية اشتركوا فيها عام 1973 في مهرجان الشبيبة الديمقراطية العالمي في برلين.


في 21 كانون الأول /ديسمبرمن عام 1976 ، وخلال جلسة تشاور ونقاش مع الشاعر المبدع ( زهير الدجيلي ) تم الأتفاق على تأسيس فرقة غنائية مصغرة يكتب كلمات أغانيها الأخ زهير وأقوم انا بتلحينها . وقد اتفقنا على أن يكون مضمون الأغاني غير مباشر ، يتكلم عن حب الوطن والتمسك به وحب الناس مع تضمين مبطن لقضايا شعبنا العراقي والعربي لأننا واثقون من أن السلطة الحاكمة لن تسمح لنا إذا شعرت بمضمون الأغاني ضدها .
وقد أبدع الأخ زهير في ذلك ، فكانت الأغنية الأولى :
تدرون ليش نحب ؟ ... حتى اليحب يعرف يحب الناس
تدرون ليش نحب ؟ ... حتى بعشقنا يلمنا شوق الناس

عشاق هاي الكاع لو شحوا نضل عشاق
نتبادل وياها العمر واشواق وي اشواق
تعطش .. يلمنا الليل عطشانين
تخضر .. يلمنا الصبح فرحانين
عشاق ياخذنا العمر عشاق
واحباب علمنا الوطن شنحب حبينا كا الورد والأكثر القداح
وحبينا أحلى الثمر والأكثر التفاح
لكن محبة الوطن عدنا تضل سلاح
ولو ضاع حب الوطن يا حب يضل له جناح ؟

وفي الوقت الذي كان الأخ زهير يهيئ لنا الأغاني ، اخترت العناصر الغنائية وكانوا أربعة ( فتاتين وشابين ) وبدأت معهم تدريبات مكثفة على الأيقاعات العراقية بآلة ( الدف الكبير ) .
ثم بدأنا التدريب على الأغاني الواحدة تلو الأخرى حتى أكملنا عشر أغنيات منها :
يمر القمر ليلية متعود وينشدني
قلت له حبيبي ضاوي
مثلك يا لمواعدني

قلت له حبيبي الهوا ذاك اليلمنا بديرة
توسعنا كلنا سوا وواحدنا كمرة صغيرة

قلت له حبيبي الوطن والوطن غالي علينا
لو ضاع ياهو بعد يندلنا ويحاجينا

وأغنية (عيني يا قمرية ) – نحبكم – عليناك يا شوق العالي .... وغيرها .
وفي بداية عام 1977 ، قدمنا الحفل الأول للفرقة التي أسميناها ( جماعة تموز للأغنية الجديدة ) لمجموعة كبيرة من الصحفيين في ناديهم . وقد أعجب الجميع بالفرقة وأغانيها ، وكان من بينهم من هو تابع للسلطة لكنهم لم يجدوا ثغرة يستندون عليها لمنعنا من تقديم تلك الأغنيات إضافة الى اعجابهم باسلوب تقديم الفرقة والحان الأغاني .
حميد البصري
ذكرت سابقا عن بداية تأسيس ( جماعة تموز للأغنية الجديدة ) التي قدمت عشر أغنيات سياسية في حفلها الأول كلها من كلمات الشاعر ( زهير الدجيلي ) والحاني وقد ذكرت نماذج منها .
قدمت الفرقة بعد ذلك عدد من الحفلات الجماهيرية في بغداد وبعض المحافظات العراقية ، بالتنسيق غير المباشرمع القوى الديمقراطية واسناد من أحد المسؤولين في السلطة بسبب قناعته المطلقة بالفرقة وما تقدمه . قدمنا أغان جديدة أخرى من ابداع شاعرنا تحث الناس على التكاتف والعمل من اجل حرية الشعب وضد الظلم والمحافظة على الوطن من أعداءه .
حاولنا تسجيل تلك الأغنيات في الإذاعة والتلفزيون دون جدوى . وفي نهاية عام 1978 ، ومع ازدياد الهجمة البربرية من السلطة البعثية على القوى الديمقراطية اضطررنا الى الخروج من العراق . أعدنا تأسيس الفرقة من جديد في ( عدن ) باسم ( فرقة الطريق ) وبدأنا مرحلة جديدة من الأغاني المباشرة ضد النظام القمعي الدكتاتوري في العراق إضافة الى أغان للشعب الفلسطيني


والعربي وأغان انسانية تدعو للسلام والمحبة بين البشر . ومن تلك الأغاني :
ولتبقى يا وطني أكبر والتبقى يا وطني أخضر
بقلوب العمال تجذر بعيون الأطفال تصور
نجماً.. قمراً.. مطراً .. بيدر
ولتبقى يا وطني أبهى من فرح الموسم أو أزهى
إن تهجر غصنك ياوطني أطيار الحب المذعورة
أو تغدو أنهارك عطشى وتبيت عيونك مأسورة
فالعهد سيبقى يا وطني والشعب سيبقى يا وطني
تكتب أمجادك اسطورة
وأغنية أخرى :
لا لا لا لن نترك الفاشست في عراقنا يعبثون
لا لا لا لن يفلت المجرمون
نقسم بالنهرين .. نقسم بالجبال .. نقسم بالسهول
نقسم بالنخيل .. نقسم بالدم الذي يسيل
لا لا لا لن نترك الفاشست في عراقنا يعبثون
وللشعب الفلسطيني ، ومن كلمات الشاعر الفلسطيني ( توفيق زياد) أغنية المستحيل :
أهون ألف مرة .... أن تدخلوا الفيل بثقب أبرة
وأن تصيدوا السمك المشوي في المجرة
اهون ألف مرة ... أن تطفئوا الشمس
أهون ألف مرة ..... أن تحبسوا الرياح
أن تشربوا البحر وأن تنطقوا التمساح
أهون ألف مرة ...
من أن تميتوا باضطهادكم وميض فكرة
وتحرفونا عن طريقنا الذي اخترناه ... قيد شعرة
ولكسب تضامن الشرفاء مع شعبنا هذه الأغنية :
إننا لا نرهب الموت ولكن ..
يا جميع الشرفاء .. يا جميع الأصدقاء
ارفعوا أصواتكم من أجل شعبي
إننا نطلب من أعماقكم صيحة حب ورصاصة

يا جميع الشرفاء .. يا جميع الأصدقاء
ارفعوا أصواتكم من أجل شعبي
إن أيدي المجرمين القتلة ... مثل آلاف الأفاعي
زحفت تشحذ حد المقصلة
فاصرخوا بالقتلة
وكانت بعض الأغنيات حزبية تشيد بنضال الرفاق ضد السلطة الدكتاتورية وصمودهم في السجون . وكنا نسجل تلك الأغاني ونبعثها الى العراق ليتداولها المناضلون سراً .

إن اول انتشار واسع لأغاني ( فرقة الطريق ) السياسية كان في أوائل الثمانينات من القرن الماضي عندما قدمت الفرقة أكثر من ثلاثين حفلاً جماهيرياً في لبنان للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ، وبعد ان سجلت أكثر من عشرين أغتية في تلفزيون دمشق .
ثم توالت حفلات الفرقة في سوريا حيث كنا ندعى سنوياً الى دمشق لتسجيل أغان جديدة وتقديم حفلات جماهيرية ،وقد ضمت أغنات عن صمود الشعب اللبناني والفلسطيني والسوري بالإضافة الى اغنيات عن الواقع العراقي . ومن تلك الأغنيات :
حصار بيروت
بيروت ... بيروت .. يا ارض الرجولة والفداء وخندق الشعب الفريد

لهفي على الأطفال يلتفتوا كالطير الطريد
ذبحتهم النتفجرات من الريد الى الوريد
يا ناكر الأفراح قلها يا حقود
مازال في الأرحام أطفال لهم فجر جديد
فاضرب .. فلن يفنوا .. فهل يفنى الوجود
شدد حصارك إن بيروت البطولة لا تبيد
للسنا نخاف الطائرات ولا المدافع والجنود

وأغنية أخرى عن مجزرة صبرا :
امنحيني الصبر يا صبرا امنحيني
واجعلي الشمس تضيء الآن في شكل حزين
واعلنيها للورى أنه مهما فعلوا
لن تخضعي لا لن تليني
واكتبي أسماء من قتلوهم فيك يا صبرا على كل جبين

ولفلسطين أغنية ( كفر قاسم ) :
يوم قالوا سقطوا قتلى وجرحى ما بكيت
قلت فوج آخر يمضي ومن بيت لبيت

وأنا يا كفر قاسم
أنا لا أنشد للموت ولكن
ليد ظلت تقاوم

والذي في القلب ومن جيل لجيل
املأ الدنيا هتافاً لا يساوم
كفر قاسم
دمك المهدور مازال
وما زلنا نقاوم

وللحرية التي يتطلع لها شعبنا هذه الأغنية :
على أجساد المحرومين... عالعذبوهم بالتيار
عاللي ماتوا مصلوبين .. عاللي بدمهم رسموا ورردة
عالحيطان الصخرية ... نكتب اسمك حرية

عالبيبان أكتب اسمك .. ع الرحلة وعالكراسات
عالبيبان أكتب اسمك.. ع المي وأشجار الغابات
على خارطة الممنوعات .. ع الكون وكل القارات
على آسيا .. وافريقيا .. وامريكا الللاتينية
على ألأرض العربية
نكتب اسمك حرية

ا ستمرت الفرقة بانتاج الأغاني التي تواكب الأحداث في الوطن العراقي والعربي ، تشد من أزر العراقيين في الداخل لمقاومة دكتاتورية النظام البعثي وتذكر العراقيين في الخارج بضرورة الالتصاق بوطنهم والعمل ، كل من مكانه وبامكانياته ، في سبيل الخلاص من ذلك النظام البغيض . استمرت انتاجاتنا وانحسرت امكانية تسجيلها في وسائل الإعلام العربية لحين سقوط النظام في ابريل 2003 .

إذا استعرضنا أغانينا السياسية ، نجد القليل منها عفوياً ، مؤلفها وملحنها مجهول ، كما في الأهازيج ( الهوسات ) التي ظهرت في ثورة العشرين لتمجيد نضال الشعب العراقي وتحريضه على مقاومة الاستعمار البريطاني . أما أغاني السجون في العهد الملكي ، فلم يوثق لحد الآن مؤلفها أو ملحنها .
بعد ثورة تموز عام 1958 ، نشط فنانون في انتاج أغان تمجد الثورة ونضال الشعب العراقي فمنهم من تمكن من تسجيل تلك الأغاني في الاذاعة مثل الفنان ( أحمد الخليل ) والمونولوجست ( فاضل رشيد ) . وهناك فنانون لم يتمكنوا من إيصال نتاجاتهم الى الاذاعة .
بعد انتكاسة ثورة تموز ، حوصرت الأغنية السياسية ومنتجيها من الشعراء والملحنين الذين كانوا من الشيوعيين واصدقاؤهم فقط ، واؤكد على كلمة فقط لأن هذه هي الحقيقة ،مما جعل كثير من تلك الأغنيات حزبية مباشرة يتداولها الحزبيون فقط . ولم يكن للأطراف الأخرى مبدعون للأغنية السياسية .
في بداية السبعينات من القرن العشرين ، وبعد الانفتاح النسبي للسلطة على القوى الديمقراطية ، بدات الأغنية السياسية تظهر من جديد ، وظهر فنانون لتلك الأغنيات منهم الفنان ( طالب غالي ) و ( طارق الشبلي ) في البصرة و الفنان ( جعفرحسن ) في بغداد . ومن أغنيات الفنان ( طالب غالي ) والتي اشتهرت كثيراً في المهرجان العالمي للشبيبة الديمقراطية العاشرفي ( برلين ) هي أغنية ( يا شبيبة توحدي ) :
يا شبيبة توحدي لاجل النضال
وابني مستقبل بلدنا من الجنوب للشمال
وابني من صرح البطولة
وطن لعيون الطفولة ...... لا حروب ... لا قتال
يا شبيبة توحدي
اسأل التاريخ عنا ... يحجي عن التضحيات
عالجسر مكتوب اسمنا .. بثورة الحي والفرات
قلب واحد .. وايد وحدة .. من الجنوب للشمال
يا شبيبة توحدي

وللفنان ( طارق الشبلي ) أغنبة مكبعه التي تجسد نظال المرأة العراقية :
مكبعة ورحت أمشي يمه بالدرابين الفقيرة
وسط في وشمس يمه وآنه من ديرة على ديرة
وزعت كل المناشير وخبرهم
ومن مشيت عيوني ما تيهت دربهم
سلمتهم آخر أعداد الجريدة

بلغتهم باجر الحيطان تحجي بالشعار اللي نريده
بلغتهم باجر الما يدري يدري يهتف وينشر قصيدة
باجر عيون الرفاكة تصير كمرة
باجر زنود الرفاكة زنود سمرة

وللفنان ( جعفر حسن ) العديد من الأغنيات ، أغلبها عن الطبقة العاملة ، ومنها أغنية ( أبو علي )
اليمشي بدربنا شيشوف .. يا بو علي
لو موت لو سعادة
واحنا دربنا معروف ... يابو علي
والوفه عدنا عادة
ولو طاحت الكاع بضيم .. نصعد على اجتاف الغيم
نمطر وفه وسعادة .. يا بو علي

ثم ظهر الفنان ( سامي كمال ) . ومن أغانيه ( صويحب ) وهي من كلمات شاعرنا الكبير ( مظفر النواب ) :
ميلن لا تنقطن كحل فوق الدم
ميلن وردة الخزامة تنقط دم
جرح صويحب بعطابة ما يلتم
لا تفرح بدمنا لا يا الاقطاعي
صويحب من يموت المنجل يداعي

وللفنان الراحل ( كمال السيد ) مجموعة من الأغنيات منها :
دقوا الأبواب على بغداد المنذورة
دقوا الأبواب على بغداد المغدورة
وافتحوا للدم الدرب ... خلوا الدم يساقي
تنزرع الأرض أبطال ... بنضالك يا عراقي

وللفنان (كوكب حمزة ) اغنيتان الأولى عن أطفال العالم والثانية عن نضال الشعب التشيلي .


توالت الأغنيات السياسية من هؤلاء الفنانون التي كانت تقدم في الحفلات الحزبية فقط دون التمكن من ايصالها الى الإذاعة . وبعد اشتداد الهجمة من السلطة على القوى الديمقراطية في النصف الثاني من السبعينات ، خرج هؤلاء الفنانون ، كما نحن ، الى خارج الوطن ، وكان تجمعهم في ( عدن ) عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطيةعدا ( كوكب حمزة ) مضافاً لنا الفنان ( فؤاد سالم ) .
فسحت لنا جميعاً ( اليمن ) بانتاج أغان سياسية مباشرة ضد النظام وغير مباشرة . تواصل انتاج العشرات من تلك الأغنيات خاصة بعد سفر الكثير من الفنانين الى لبنان ثم سوريا وتقديم الأغاني السياسية المتعددة المضامين حول العراق وفلسطين ونضال شعوب العالم نحو الحرية والديمقراطية .
استمر الفنانون المذكورون بانتاج الأغاني السياسية ، أضيف لهم الفنان ( فلاح صبار ) ، عدا البعض الذي قل انتاجه أو جفت قريحته أوترك الأغنية السياسية ، استمروا بالإنتاج حتى بعد سقوط النظام الدكتاتوري والى الآن .
فبعد هذا الاستعراض للكم الكبير من الأغاني السياسية ، هل يمكن لأحد ان ينكر على الفنانين ذلك الإبداع المتواصل للأغنية السياسية في العراق ؟ علماً بأني ذكرت نماذج قليلة فقط من تلك الأغنيات التي ما زالت محفورة في ذاكرة الشعب العراقي .، وعذراً للفنانين على ما أغفلته أو نسيته أو لم أعلمه ووجب ذكره .