بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 19 نوفمبر 2016

قصة قصيرة انتفاضة البعوض-عادل كامل



قصة قصيرة

انتفاضة البعوض



عادل كامل
    في الزريبة، وعند بزوغ أولى ومضات الفجر، استغاثت البعوضة بصوت حاد لعل أحدا ً يمد يد العون لها وينقذها، وهي تشاهد إعصارا ً رماديا ً مشبعا ً برائحة أدركت إنها تنتمي إلى المبيدات...، كانت تراه يقترب، فراحت تصرخ بأعلى ما لديها من قوة في الصراخ والزعيق، والاستنجاد...، لكنها لم تجد من يصغي لها، فهتفت:
ـ أين انتم...؟
   كان ذلك سببا ً كافيا ً للطيران بأقصى ما تمتلك من سرعة نحو جناح الأسود، الأقرب لها، بعد جناح الحمير، فلم تجد أحدا ً يكترث لها، ويصغي لتضرعاتها. كانت الأسود تغط في سبات عميق. فضحكت البعوضة ألما ً وقالت لنفسها:
ـ لا عمل لديهم....، لا في الليل، ولا في النهار!
   طارت كي تصل إلى جناح القرود، فاقتربت منه، تأملته، وشاهدت الزعيم يستقبلها باستغراب، اقتربت كثيرا ً منه، وراحت تحدق في محياه:
ـ سيدي الجميل....، إننا نتعرض للإبادة!
ضحك الزعيم:
ـ مع من تتكلمين...؟
ـ معك..
ـ وأين أنا...؟
   أغلقت فمها وطارت تبحث عن من يساعدها، وينقذها، فرأت وحيد القرن عند البركة:
ـ سيدي...، إن لم تساعدني فسأموت..؟
   سمعها وحيد القرن، فانفجر ضاحكا ً، حتى شاهدته يتمرغ في الوحل، وعندما رفع رأسه الكبير، وعاد يتأملها، قالت له:
ـ آسفة ...، فانتم أيضا ً في عداد الهالكين!
  تمتم بصوت متلعثم:
ـ اقتربي مني كي أسمعك.
قالت:
ـ أنا بعوضة حمقاء، أينما ذهبت، لا أجد أحدا ً يكترث بي، كأنني خلقت عدوة للجميع، وكأنني أصبحت فائضة!
أجاب وحيد القرن:
ـ منذ زمن بعيد وأنا اسأل نفسي: ما الفائدة من وجودي، في هذا الركن المعزول، اعلف التبن والعشب ثم اذهب إلى النوم...، حتى أصبحت وحيدا ً لا عمل لدي ّ غير ان أراقب الناس يضحكون علي ّ تارة، واضحك عليهم تارة أخرى...؟
وأضاف وهو يضرط:
ـ حتى أنت ِ تستطيعين السخرية مني، والضحك علي ّ أيضا ً ...، ولكنني أخبرك بضرورة البحث عن مكان بعيد لعلك تفلتين من الإبادة، والاجتثاث، والمحو....، فانا أينما اذهب فموتي وحده هو الذي ينتظرني! وكأن خاتمة اللعبة وضعت قبل مقدماتها!
وقال بصوت حزين:
ـ مع إنني اعرف ان مضارك لا تعد ولا تحصى حتى أكاد اجزم انك بلا نفع، لكن اهربي  وابحثي عن مكان قد يساعدك على البقاء ...! فلا ضرر من وجود بعوضة زائدة في حديقة تنحدر نحو الفناء!
فصاحت غاضبة:
ـ إذا كنت لا تقدر على نجدتي، فلماذا تؤذيني ...، وكأن من خلقك نزع الرحمة منك...؟
ـ أنا لم أجدف...، ولم أتفوه بما يدل على ذلك، بل قلت لك ابحثي عن وطن امن ...، فأنت هنا لا عمل لديك سوى نقل الجراثيم، وبث الرعب فينا، وإنزال العقاب في سكان حديقتنا الآمنة!
   هربت، تلملم هزيمتها معها. وعندما رفعت رأسها قليلا ً صعقت وهي تشاهد الإعصار الرمادي يزحف نحوها، فأسرعت، وكلما ضاعفت سرعتها في الطيران كانت ترى الإعصار يسرع في أثرها، فلم تجد ملاذا ً لها غير قفص الطيور الكبير...، فاختارت جناح الصقور، فحطت فوق منقار صقر شارد النظرات، فخاطبته:
ـ أيها الشامخ الأبي الغيور يا ثعلب السماء، وأسدها!    
ـ من..؟
ـ دعك مني، فانا جئت طالبة حمايتك، وعونك.
ـ من أنت ِ..؟
ـ إن كنت لا تعرف من أكون فكيف ستمد يد العون لي....، فالجميع للأسف يتجاهلون عذابي، وما تعرضت له من قسوة، وظلم...، فانا ولدت في المستنقع، مع أسلافي، وعشنا فيه...، وها هم يلاحقوننا بقرار الإبادة، والمحو...، فهل هذه عدالة...؟
ـ آ .....،  يا ناقلة الجراثيم والأمراض الفتاكة، يا بعوضة الشر، يا غراب المستنقعات!
ـ اقسم لك، أيها الصقر العظيم، لم افعل ذلك بإرادتي! فلماذا افعل الشر إذا كنت استطيع تجنبه؟  ثم ما هذا الذي انقله...، هل رأيته، وهل كنت أنا السبب بجلب الأذى لكم ..؟
   هز رأسه بحيرة ونظراته مازالت شاردة:
ـ وأنا ما الفائدة من وجودي غير قنص المستضعفات من الفئران والأرانب والطيور..؟ فانا ولدت هكذا ...، وها هم يحتجزوني خلف القضبان، بقصد حمايتي، بعد ان تم احتلال بلادي الشاسعة وانتزعوها منا وقد أصبحت غير صالحة لسكننا! الأوغاد قلبوا المعادلة، فحولوا اغتصاب حقوقنا إلى شرعية، بعد ان داسوا علينا، ومنحونا هذه السجون!
  فقالت وهي تفكر:
ـ كأنك تذكرني بناقل الشر غير الشرير!
فقال وقد ظهرت عليه ملامح الغضب:
ـ لا تذهبي ابعد من حدودك...، فلو كان الشرير بريئا ً فلم استخدمه الشر...، ثم لماذا استجاب للأفعال المشينة، والخسيسة، وغير العادلة...؟
ـ أحسنت، يا سيد الهواء، والرمال، والشمس! فانا غير شريرة، ولكن الشر أغواني...، فانا ضحية بلا قصد مسبق...، فلماذا أعاقب وكأنني أنا المسؤولة عن ارتكاب الشر...، فانا أعاقب بالذنب الذي أرغمت على ارتكابه...، فأين هو العدل؟
   صاح غاضبا ً:
ـ أغربي عن وجهي...، فانا أخشى العدوى...، يا ناقلة الكفر! فدعيني، في هذا الفجر الجميل، ابحث عن وليمة!
   فدار بخلدها سؤال أربكها: إذا كانت حياتي لا تنتهي إلا بالموت، وبموت جنسي، فما الفائدة من حياة لا تترك خلفها إلا محوها...؟
فصاحت:
ـ إذا ً فأنت لم تترك لي إلا ان انقل لكم ما حملته أقدامي من الحظائر والزرائب ...
ـ لا...،  أتضرع إليك، يا بعوضة الشر ان لا تنقلي الشر إلينا!
    وابتعدت هاربة كي تختفي عن نظره. فكر الصقر مع نفسه:
ـ إنها ليست ناقلة للشر...، بل هي الشر عينه!
   من ثم راح يبحث عنها في فضاء القفص الكبير، داعيا ً النسور وباقي الطيور للبحث عن بعوضة تسللت إلى القفص، وإنها ربما تكون حاملة لواحدة من افتك الأمراض وقصد بها انفلونزا البرغوث، أو جنون اللقالق، أو جذام البط الوحشي، فهي، قال:
ـ تحمل ما لا يتوقعه العقل، إنها تنقل وباء الهذيان، والموت بشفافية، وفوبيا الزوال!
     ناداه نسر عجوز لم يحرك ساكنا ً:
ـ وماذا يعني القضاء عليها، أيها الصقر الجسور...، هل سيطلقون سراحنا، ويدعونا نرجع إلى برارينا...؟
  صدم الصقر لكلماته، فخاطبه بجدية اكبر:
ـ دعنا نفكر في حدودنا أيها النسر الحكيم، فالقضاء على ناقلي الأمراض خطوة تفضي للقضاء على المرض...، فهذا العمل يماثل التصدي لناقلي الشر بغية القضاء على الشر...، لأن عدم اتخاذ ما يلزم يماثل اشتراكنا فيه، ويماثل تخاذلنا، إن لم اقل غيابنا من الوجود.  وتلك إشكالية تجعل وجود الشر، بحد ذاته، شرعيا ً! وهذا يعني إننا وقعنا في المحضور....!
متابعا ً بصوت أعلى:
ـ وما أدراك ان تكون هذه البعوضة قد أرسلت لنا...، دست دسا ً، لنقل وباء يهلكنا جميعا ً، ويعرض جنسنا للفناء، داخل أقفاصنا الموصدة، ونموت موت الأسماك في أحواضها الآسنة، بدل ان تتمتع بالبحر وطنها السليب!
ـ يبدو لي، أيها الصقر الشهم، انك أصبحت بالحمى، فأنت تعرف ماذا تفعل الحميات  بالعقول...؟
ـ لا، لا تفزعني! فالبعوضة لم تقرصني ولم يختلط دمها بدمي...؟
ـ ها، أنا لم المحّ إلى ممارسة شاذة، بل إلى عدوى تحدث عبر الهواء!
   صمت الصقر برهة وقال:
ـ وهل سمعت شريرا ً باح انه ارتكب الشر بإرادته، أو حبا ً بالشر...، أم تراه يجد له ألف غطاء، وألف تمويه ...، وألف عذر...؟  ثم إنني لم ارتكب الشر، كما لم أقم بنقله...، كل ما قلته هو دعوتك لتشاركنا بالقضاء على هذا العدو....!
     بعد ان طارت البعوضة، وابتعدت عن قفص الطيور، راحت تبحث عن مكان امن تختبئ فيه، فوجدت شقا ً في شجرة، دخلته، فأفضى بها إلى ثقب يطل على البركة، فرأت أمامها ملكة البعوض تحّوم، مثل طائر مصاب بسهم، تائهة، تتخبط بحثا ً عن ملاذ تتوارى فيه. فنادتها:
ـ سيدتي...، سيدتي الملكة ...
   لم تسمعها، فصرخت البعوضة بأعلى ما تمتلك من قوة على الصراخ:
ـ أنا هنا...، في هذا الشق.
    لكن ملكة البعوض ابتعدت وغابت عنها. فدار بخلد البعوضة انه لا معنى للمجازفة ومغادرة الثقب، فتركتها تلقى مصيرها المجهول!
   فكرت وهي تلقي نظرة متفحصة إلى الأشجار، أمامها، ثم نظرت إلى ضفاف البركة، لتشاهد مجموعات من الغزلان، والثيران، والزرافات، والنعاج، والجاموس، وثمة دب يرقص جذب نظرها:
ـ الأحمق لا يعرف ماذا يجري ...؟
ثم قالت لنفسها:
ـ صبرا ً.
   ولكنها صدمت عندما رأت بوما ً يجلس القرفصاء في نهاية الثقب، سمعها، فهمس بصوت ناعم:
ـ سمعتك تصرخين...، وتنادين على ملكتك التائهة...، فقلت مع نفسي: ما شأني، فانا عشت حياتي وحيدة، لا شأن للآخرين بي، فما شأني بهم!
   استعادت أنفاسها، فسألته:
ـ أي إنني وقعت في المصيدة؟
ـ لا ...، أنا هو الذي وقع فيها!
     ذلك لأنها استنشقت رائحة نمل. فأبصرت لترى ان البوم مطوق بسلاسل لا مرئية وان أية حركة سيقوم بها ستكشفها وتعرضها للخطر. تجمدت. وراحت تخاطبه عبر لغة الومضات، فاخبرها ان تزحف بهدوء وتلتحق بملكتها الضائعة، وتهرب بعيدا ً عن الغابة، وبعيدا ً عن البركة، فأومأت له إنها مسرورة ان تجد عونا ً كهذا من لدن بوم يحتضر. ولكنه قال لها:
ـ فهناك، عند المستنقعات، يتجمع البعوض، استعدادا ً للانتفاضة، والتمرد، وإعلان العصيان، ومن ثم الحرب على الظالمين. فاذهبي...، بهدوء، بصمت، ثم اعملي على تحريري من النمل!
ردت بامتنان:
ـ أمرك...، سيدي البوم، فلن نغفل نصحك لنا!
   انفتح الفضاء أمامها. فحلقت، بخط مستقيم، كما اخبرها، بدل الدوران، أو الطيران المتعرج، أو الارتداد والتراجع.
ـ فلا تنشغلي بالثيران، والضباع، والجاموس، فكلها تعمل على هزيمتكم، وسحقكم، ومحو وجودكم ، في هذه الحديقة.
      وتذكرت إنها قالت له ان هذا محال: وإلا لكانت الديناصورات وباقي الزواحف والثدييات قد أفلحت بالقضاء على أسلافي البعوض، والبرغوث، والقمل!  تذكرت انه قال لها ان الزمن تغير، وان أدوات الفتك ما هي إلا جزء من لعبة خاتمتها بانت منذ بدأت إدارة الحديقة بشن الحروب.
     وكاد انشغالها بوصاياه الشبيهة بالمواعظ ان تشل حركتها في الطيران، كي تستمع إلى صوت مجهول المصدر أمرها بتحمل عناء الطيران، للوصول إلى سواحل المستنقعات الخلفية، حيث الظلمات، الريح، البرد، والموت! وان تتجاهل ما مر بها...، فلا احد، في هذه الحديقة، يرجو للآخر إلا الشر، والتنكيل، والقتل..!
ـ آ .....، سيدي، من أنت، فالدنيا مازال فيها شرفاء ؟
ـ أنا هو لا وعيك السحيق، يدربك على التجلد، وتحمل العذاب، للنجاة!
ـ ولِم َ تفعل هذا...، إن لم تفعله للأسباب ذاتها التي دفعت الأشرار إلى إبادتنا...؟
ـ أنا لست هو الشر، ولست الخير أيضا ً، أنا هو الذي يذهب ابعد منهما!
    ارتج جسد البعوضة وكادت تفقد توازنها في مواجهة تيارات الهواء:
ـ إذا كنت لا تقصد فعل الشر، ولا فعل الخير فما الذي تقصده تحديدا ً ....، بمثل هذا الإرشاد، والوعظ، و ...
   لم يدعها تكمل:
ـ أنا في الأصل لا افعل الشر ولا نقيضه، بل افعل الذي لا استطيع إلا ان افعله! فانا هو هذا الذي يكاد عمله ان يكون خارج العمل!
   فسألته بخوف:
ـ ألا تعتقد إنني أصبت بالوباء...، الذي اهرب منه، وإنني أصبحت امثل الوباء نفسه؟
ـ لا امتلك الجواب، ولا ظله! فما قلته لك ِ ليس إلا حاصل شقاء طويل...، ومواجهات حادة، ومكابدات خالية من الرحمة ...، وإذا ما كانت كلماتي لا تدلك على الطريق، فإنها ستفتك بك!
    أسرعت، محفزة أجنحتها البلورية باجتياز مطبات كان يحدثها الإعصار الرمادي، الذي غدا عاصفة هوجاء مشوبة بالظلمات الداكنة...، وما ان رأت قرص الشمس يرتفع خلف الأشجار حتى لمحت مرآة لا حدود لمساحتها فاتجهت نحوها:
ـ آ  ...
   استنشقت رائحة سمحت لها بالطيران على مستويات منخفضة، حتى شاهدت ما لا يحصى من الفيالق، والكتل، والمجموعات الكبيرة من البعوض، تمتد، تغطي الأفق أمامها، فراحت تبتهل، وهي تبحث عن الملكة التائهة، فلم يلتفت لها احد...، ولكنها أدركت إنها تستطيع الطيران بعيدا ً عن الخطر.
ـ إلى أين... أنت ِ...، أيتها المتخاذلة؟
نظرت إلى الخلف، فلم تجد سواها، فقالت:
ـ أنا....؟
     وحدقت في مصدر الصوت، فرأت مجموعة ترتدي لونا موحدا ً لم تميزه،  لشدة توهج أشعة الشمس، فوق المستنقع الكبير، يتتبعون خطاها.
ـ نعم.
ـ منذ زمن بعيد ونحن نبحث عنك...!
فقالت غاضبة:
ـ أنا هي التي كانت تبحث عنكم.
   سمعت آمر المجموعة يخاطب مساعده:
ـ الق بها إلى الجحيم، فقد تكون تعاونت مع العدو...، وقد يكون العدو هو الذي جندها، وأرسلها! فالنفوس المريضة ترتكب أخس الأفعال من اجل مكاسبها الدنيئة!
   فصرخت:
ـ أنا نجوت بمعجزة!
فضحك آمر المجموعة، وهز رأسه:
ـ هكذا يقول الجميع، دفاعا ً عن الخطيئة، وارتكاب المفاسد، والإثم!
ـ أرجوك ...، أصغ إلي ّ أولا ً، ولا تسلك سلوك المهرجين، أصحاب الأصوات الملعلة، خطباء الساحات، أصغي إلي ّ، فانا اعرف ما يجري هناك، في الزرائب، الأجنحة المغلقة، الأقفاص، الحظائر، وما يحدث في السراديب، الجحور، الشقوق، وما يجري تحت في قاع البرك الراكدة...، وعند سواحلها....، حتى ان الإعصار كاد يقضي علي ّ، قبل ان يتحول إلى عاصفة...، لإبادتنا، واجتثاثنا من الوجود!
   لكنها وجدت جسدها الغض مكبلا ً بالسلاسل، والحبال، ولم يسمح لها حتى برؤية ما يحدث، لتجد جسدها داخل قوقعة مظلمة، أدركت ان من يدخلها لن يخرج منها سالما ً، عرفت ذلك، بعد ان أفاقت، فقد وجدت الملكة قد سبقتها، وخاطبتها الملكة: لا جدوى من الصراخ....، ومن العياط، ولا فائدة من طلب الرحمة، والغفران! فلا تنتحبي، ولا تبكي، ولا تتضرعي ...، فقد فعلت ذلك من غير جدوى!
     وجدت صوتها يغيب، مثلما أدركت إنها لم تعد تمتلك قدرة على إجراء حوار مع ذاتها، وان أجهزتها الأخرى بدأت تتخلى عنها، لكنها عادت تصغي إلى الصوت الذي حذرها، عبر طريقها فوق البركة، بان الجميع يستعدون، بعزم، وعناد، وإباء، للقيام بردود أفعال تناسب حملات الإبادة، وليس عليها إلا ان تواصل بذل الجهد الاحتياطي، مع ملكتها، وباقي السجناء، والمحتجزين، لتلافي عقبة الاحتجاز، بدل ان يتحول الدفاع عن النفس منحدرا ً نحو المجهول، ونحو الظلمات.
11/11/2016
Az4445363@gmail.com

الأحد، 13 نوفمبر 2016

قراءة في كتاب ( خصائص الأسلوب في شعر حسين قسام النجفي ) - حامد كعيد الجبوري


                             ( خصائصُ الأسلوب والجهد الجزائري )
قراءة في كتاب ( خصائص الأسلوب في شعر حسين قسام النجفي )
                                                              حامد كعيد الجبوري
    يعزفُ الكتابُ والباحثون والنقادُ الكتابة عن الشعر الشعبي العراقي إلا ما ندر جدا جدا ونضع خطا تحت ما ندر ، وتبرير ذلك برأيي الشخصي أن المعنيين الذين ذكرتهم يعتقدون بدونية الشعر الشعبي العراقي وعدم أهليته للدراسة والبحث ، والكتابة عنه وله يعتبر عندهم ضرباً من الاستخفاف أو عدم الأهمية ، أو لأنهم لا يستطيعون خوض غماره وأمواجه المتلاطمة التي ستغرقهم دون تحقيق أي شئ أو منجز ثقافي يشار له ولهم لاحقا وبالتالي أهملوه ، ناهيك عن المفهوم الطبقي الذي نعتوا به الشعر الشعبي وأسموه ظلما بشعر العامية ،  ولا أخفي أن الموروث الشعبي العراقي كما بقية أبواب الثقافة والفنون عامة فيه من الغث الكثير ، وبالمقابل فيه من السمين أيضا مما يثير شهوة الكتابة عند ال( ما ندر ) جدا كما أشرت إليه أنفا ، لذا نجد في بعض الصحف العراقية موضوعا نقديا من صفحتين أو أكثر لملئ فراغ تلك الصحيفة أو تلك ، وحتى في صحيفة طريق الشعب تعطي للأدب الشعبي صفحة واحدة في الأسبوع ، وأنا أجده قليل جدا هذه المساحة الضيقة ، ومن النادر أن نقرأ فيه موضوعة بحثية متكاملة الأغراض والمفاهيم النقدية ، أو دراسة  تفصيلية رصينة لتراثنا الشعبي الغزير ، وما صدر عن دار الينابيع عام 2010 م ( الثورة النوابية ) لحسين سرمك أجده المنجز الضخم عن ما كتبه الشاعر العراقي الرمز مظفر النواب ، وكنت أرقب دراسات أخرى لنفس الناقد أو غيره عن تجارب عراقية شعرية شعبية لا تقل إبداعا ووطنية وجماهيرية عن تجربة رمزنا النواب ، مع تحفظي عن ذكر أسماء الشعراء كي لا تثار تساؤلات حولها لأني أتعامل مع النص كونه عملا إبداعيا لا غير ، وربما صعوبة توثيق الثقافة الشفاهية الشعبية المتداولة حالت دون التصدي والكتابة عن الموروث الشعبي العراقي  كما قلت .
      أجد أن الخلفية السياسية للصديق مزاحم الجزائري هي التي دفعته صوب الكتابة عن شاعر هزلي أستحوذ على الإعلام الشعبي اللساني حقبة الثلاثينات والأربعينات وبداية خمسينات القرن الماضي ، فخلفية مزاحم الجزائري السياسية تُعنى بالأدب الشعبي عامة والشعر الشعبي خاصة ، بل وتعتبر قصائد البعض من الشعراء منشورات سرية تتداول عند مختلف شرائح المجتمع العراقي ، وقصائد مظفر النواب  مثلا لذلك ، ولليسار العراقي وبخاصة الحزب الشيوعي العراقي يدٌ بيضاء في تسليط الأضواء على بعض من الشعراء الشعبيين  الذين وجد فيهم الحزب الشيوعي العراقي جذوة شعرية يمكن من خلالها تبني تلك الظاهرة المميزة وصقلها وإبرازها بإطار وطنيتها التي تحمل ، ليصبحوا بعد ذلك من أبرز شعراء ستينات وسبعينات القرن الماضي ، ومثال ذلك كراس ( أغاني للوطن والناس ) طبع بعد احتفالية العيد الأربعين للحزب الشيوعي العراقي 1974 م ، وضم بين دفتيه ( 32 ) قصيدة لشعراء لا يزال يشار لهم وليومنا هذا بتجربتهم الفريدة المميزة ، وأسلوبهم الحداثوي ، وتداخلهم بصفوف شعبهم ونقل معاناة الوطن وأهله ، ويُتهم الحزب الشيوعي زورا أنه يخلق الرموز الشعرية منطلقا من شخصنة ذاتية لأسماء بعينها ليبرّزها وتصبح واجهة إعلامية للحزب وقيادته ، وهذا زعم مرفوض  ودليلي أن كل الأسماء التي تعرفون وأعرف من شعراء شعبيين هم منجزٌ إبداعي سبروا أغوار المفردات الشعبية وقدموها على صحن ثقافي شعري ممتع للذائقة الأدبية القارئة ، فأحبَ الناسُ تلك القصائد وحفظوها واستدلوا بها على عظيم تلك التجربة السبعينية حينها .
           و ( خصائص الأسلوب في شعر حسين قسام النجفي ) عمل وجهد ليس بالقليل للباحث والشاعر مزاحم الجزائري ، وقراءة  الجزائري واقعية انطباعية بنيوية لقصائد شاعر ترك لنا ثلاثة دواوين شعرية ( سنجاف الكلام ، قيطان الكلام ، محراث الكلام ) ، وربما يعتقد البعض بمكان ما سهولة الدراسة لقصيدة شعبية مباشرة ، تخلو من الرمزية لتفصح عن مكنوناتها ومعانيها العفوية كما يحلو للقارئ تسميته ، وهذا يخالف حقيقة قصدية الشاعر ورمزية سخريته اللاذعة وإشاراته في ما يقول ، وأستطاع الجزائري أن يناقض ما يدعيه البعض وأخرج لنا رؤيا وحقائق قصائد ( قسام النجفي ) وقصديتها بتسفيه أفكار مجتمعية بالية طبع الكثير من عامة  الناس وجبلوا عليها .
         العربية لا تبدأ بساكن ولا تقف على متحرك ، حقيقة تركها لنا النحويون ، فلا يستطيع أحد منا قراءة أي بيت من الشعر الفصيح دون أن يشكل الحروف – الضمة ، الفتحة ، الكسرة ، السكون ) ، ( حييتُ سفحكِ ظمأناً ألوذُ بهِ / لوذَ الحمائمِ بينَ الماءِ والطينِ ) ، من  يستطع قراءة البيت دون تحريك الحروف في البيت أعلاه ، ومن المؤكد لا يستطيع ،  ومن هنا تأتت جمالية ورفعة اللغة العربية في تحقيق غاياتها ومراميها ، ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) سورة فاطر ، فلو قلنا اللهُ بدل اللهَ لأختلف المعنى كاملاً ، فالكسرة أو الفتحة تغيير بالمعنى وضياع ما أراد الشاعر أو الناثر ، لذا أنبرى العروضيون وقعدوا القصائد الشعرية الفصحى ، ووضعوا لها ميزانا عروضيا يحتكم إليه ، أما الشعر الشعبي ولعدم قبول الحركة على الحرف الأخير من الكلمة لذا أصبح من الصعوبة بمكان إخضاع القصائد الشعبية للميزان العروضي الفراهيدي -  رأي شخصي -  ، يقول النجفي ( شاربله كونية دوه / وأثلث حكك شربت نوه / ياكل شمس يشرب هوه / من إذنه يطلع دخان ) ، في هذا المقطع وببقية القصائد الشعبية لا نستطيع أن نحرك نهاية المفردة الشعبية ، كما في بقية القصائد الشعبية عامة ، ولو أخضعناها للحركة أضعنا وزن القصيدة واختلفت معانيها على الفهم والتمييز ، وبجهد كبير ودراية عروضية للجزائري أخضع قصائد ( قسام النجفي ) للبحور ( الفراهيدية ) وأشار لوزن تلك القصيدة بما يقابله من الشعر الفصيح ، ومؤكد أن الجزائري ليس الوحيد بهذه التجربة بل سبقه الكثير لتقعيد – الوزن -  القصائد الشعبية ، وهي محل خلاف كبير بين العروضيين ، والطريقة المثلى عند غالبية الشعراء الشعبيين اعتماد وسيلة الأذن الموسيقية ، وأجدها وسيلة خاطئة توقع الشعراء بالخلط بين الأوزان الشعرية المتقاربة بتفعيلاتها العروضية ، إلا إن كان الشاعر الشعبي يمتلك أذنا موسيقية واعية وهذا ما يندر .
      قسم الباحث ( مزاحم  الجزائري ) منجزه ( خصائص الأسلوب في شعر حسين قسام النجفي ) الى ثلاثة فصول غير المقدمة والتمهيد والخاتمة ، الفصل الأول : مضمونية البنية الإيقاعية وفيه مباحث شتى ، الفصل الثاني : مضمونية اللغة والأساليب الفنية وفيه مباحث أخرى ، والفصل الثالث : مضمونية الصورة الشعرية وكذلك يحتوي على مباحث عدة .
     لم يغفل الباحث من إيراد بعض القصائد و( الموالات )  و( الأبوذيات ) و( الهوسات )  الساخرة للشاعر ( النجفي ) مما تضيف متعة للقارئ ، ويجعله مسترسلا لقراءة كل المباحث التي أوردها الجزائري ، ومن طريف ( الهوسات ) يقول النجفي ساخرا ، ( أحنه صدك وأحنه نحرث المحروث / منخلي على وجه الأرض ملغوث / إلنه يوم نهجم بيه على البرغوث / ( والحرمس هد أعله رجاله ) .  
     جهد لا يسعنا إلا أن نشكر الصديق الجزائري الذي فكك قصائد ( حسين قسام النجفي ) وأخضعها لميزانها العروضي ، وأستخرج لنا من قصائد النجفي الجناسات والطباقات بموسيقى القصائد  للشاعر ، ومضامين البنية الإيقاعية ، ومضامين اللغة وأساليبها ، ومضامين الصور الشعرية الفكاهية والساخرة ، ومضامين الصور الشعرية السريالية  ، مبارك للباحث ( الجزائري مزاحم ) هذا العمل والجهد والمثابرة .