بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 17 أغسطس، 2017

اصدارات جديدة-مجموعة قصصية للدكتور غالب المسعودي بعنوان متاهة التماسيح

عن المركز الثقافي للطباعة والنشر-دار الصواف-بابل- دمشق- القاهرة- وصلت النسخة الورقية من مجموعتي القصصية متاهة التماسيح- قصص سريالية- رقم الايداع في دار الكتب والوثائق في العراق ببغداد تحت الرقم 1250 لسنة 2017 جاء الكتاب في 200 صفحة من القطع المتوسط-يطلب من دار الصواف –حلة شارع الامام علي عمارة علي اتمنى متابعة ممتعة – القصص صغتها بأسلوب سريالي من الواقع الذي هو اكثر سريالية مما مكتوب.

الخميس، 10 أغسطس، 2017

بلزاك من خلال رسائله-*هاشم صالح


بلزاك من خلال رسائله

*هاشم صالح

في عصر بلزاك لم يكن هناك إنترنت ولا بريد إلكتروني ولا كل هذه الثورة المعلوماتية الهائلة التي غيرت وجه العالم… بل وحتى في عصرنا نحن لم يكن يوجد كل ذلك قبل بضع سنوات فقط. تذكروا أيها الناس: كنا نعتمد على الرسائل التقليدية المكتوبة على الورق للتواصل مع أصدقائنا وأحبائنا. أما اليوم فمن يكتب رسالة إليهم ويرسلها بالبريد؟ يضحكون عليك وربما اعتبروك ديناصورًا منقرضًا أو مرشحًا للانقراض. ومعهم الحق. وأنا شخصيًا أصبحت أنظر إلى تلك الفترة من حياتي وكأنها تنتمي إلى العصر الحجري أو ما قبل التاريخ البشري. متى كتبت آخر رسالة ورقية يا ترى قبل أن أقلع عن هذه العادة نهائيا وإلى الأبد؟ فما بالك ببلزاك الذي عاش ومات في النصف الأولى من القرن التاسع عشر! أي قبل قرنين تقريبًا… لذلك لا ينبغي أن نستغرب إذا كانت مراسلاته تشغل عدة مجلدات ضخمة. وهي تشكل جزءًا لا يتجزأ من أعماله الأدبية نظرًا لروعتها وجمالها. فرسائل الكتاب الكبار تكون أحيانا عبارة عن قطعة أدبية. يضاف إلى ذلك أنها تشكل معينًا لا ينضب من المعلومات الثمينة عن شخصيته وحياته وأحداث عمره.

وبالتالي فتلقي أضواء ساطعة على رواياته ولا يمكن فهم هذه الأخيرة دونها. وقد كتب بلزاك رسائل كثيرة إلى أمه وأخته وعشيقاته الكثيرات المتواليات، هذا ناهيك بأصدقائه الخلص…

ورسائل بلزاك إلى عشيقته الأساسية «مدام هانسكا» التي أصبحت زوجته في نهاية حياته تتجاوز المجلد الضخم ذا الألف صفحة! فما بالك برسائله الأخرى إذن؟ والواقع أن أدباء القرن التاسع عشر كانوا يعتمدون على المراسلات كثيرًا، مثلما اعتمد أدباء القرن العشرين على التليفون ومثلما سيعتمد أدباء القرن الحادي والعشرين على البريد الإلكتروني، والإنترنت، والهاتف الجوال للتواصل فيما بينهم.

بلزاك ولد في مدينة تور الفرنسية عام 1799 ومات في باريس مبكرًا عام 1850، وهذا يعني أنه لم يَعِش أكثر من واحد وخمسين عامًا. ومع ذلك فقد ملأ الدنيا وشغل الناس برواياته التي تجاوزت الثمانين! وقد جمعت كما هو معلوم في مجلدات ضخمة تحت عنوان «الكوميديا البشرية أو بالأحرى: المهزلة البشرية». فالحياة مهزلة أو مسخرة أو فضيحة. وقد ترجمت روايات بلزاك إلى لغات العالم أجمع، وأخرجت بعضها في أفلام سينمائية أو على خشبات المسرح. ولم يبقَ روائي كبير أو صغير إلا واطلع عليها. ومعلوم أن دستويفسكي تأثر به كثيرًا، هذا من جملة آخرين كثيرين.

ويبدو أن الأحداث المهمة في حياته الشخصية كانت ما يلي: ضعف حنان أمه تجاهه أو برودتها الصقيعية غير المفهومة. ويبدو أنها كانت تخون أباه ولا تكتفي به، لأنه تزوجها وهي صغيرة فهو كان فوق الخمسين وهي في العشرين: ثلاثين سنة بينهما.

ومن الأحداث المهمة في حياته محبته الكبيرة لأخته «لور» التي ولدت بعده مباشرة وله معها مراسلات كثيرة. ونسجل أيضًا ذلك الحادث المؤلم ألا وهو: موت أخته الثانية لورنس وهي شابة في الثالثة والعشرين من عمرها. وقد فجعت العائلة كلها بها. نقول ذلك خصوصًا أنها كانت قد تزوجت منذ فترة قصيرة، وكان زواجًا تعيسًا وغير موفق. والشيء الذي كان يزعج بلزاك أيما إزعاج هو محبة أمه الزائدة لأخيه الصغير هنري فرنسوا الذي يُعتقد بأنه ابن زنا، وليس ابن أبيه الشرعي! وكانت أمه تحبه كثيرًا، وتفضله على بلزاك الذي أهملته. وربما لهذا السبب أصبح بلزاك عبقريًا فيما بعد لكي يثبت لأمه أنه أهم بكثير من هذا الأخ التافه اللقيط الذي حظي بحبها واستأثر به كليًا. من يعلم؟ فالتحليل النفسي هو وحده القادر على كشف خفايا النفوس وأغوار القلوب.

ومع ذلك فقد كتب عدة رسائل إلى أمه ولكنها أقل أهمية من تلك التي كتبها إلى أخته المفضلة، والأثيرة لديه: لور، كما كتب رسائل غرامية كثيرة إلى النساء اللواتي تعرف عليهن. فقد ربطته علاقة حب أفلاطونية مع امرأة تدعى زولمى كارو. وتراسل معها كثيرًا ولكنه تعرف على سيدة أرستقراطية تدعى مدام دوبيرني وكانت تكبره باثنين وعشرين عامًا، أي من عمر أمه، وقد عاش معها مغامرات عاطفية هائجة. وأحدث ذلك نوعًا من النقمة في أوساط عائلته والمجتمع ككل، إذ كيف يتعلق بامرأة في عمر أمه؟ ثم تعرف بعدها على سيدة أرستقراطية أخرى وكانت تكبره أيضًا بخمسة عشر عامًا! ويبدو أنه كان معجبًا بالطبقة الأرستقراطية لأنه من أصل بورجوازي عادي وإن لم يكن وضيعًا.

ومعلوم أن الطبقة الأرستقراطية المتمثلة بالعائلات الإقطاعية الكبرى هي التي حكمت فرنسا طيلة العهد القديم السابق على الثورة الفرنسية. وكانت هيبتها لا تزال قائمة حتى في عصر بلزاك على الرغم من الثورة الفرنسية. ثم تعرف أخيرًا على السيدة «ايفا هانسكا» الأجنبية لأنها من أصل روسي أو بالأحرى أوكراني. وكانت أرستقراطية أيضًا وتملك الأراضي الواسعة في بلادها. كانت إقطاعية من الدرجة الأولى، وهي التي بادرت إلى التعرف عليه ومراسلته بعد أن اطلعت على رواياته وأعجبت بها كل الإعجاب.

وكان بلزاك يكتب رواياته الأولى باسم مستعار. وهي روايات تجارية هدفها الربح المادي والتسلية ليس إلا… ولم يكتب باسمه الشخصي إلا عام 1829.

وكان قد بلغ من العمر ثلاثين عامًا بالضبط، وفي العام ذاته أصدر رواية ثانية بعنوان: فيزيولوجيا الزواج من قبل شاب أعزب! وهي عبارة عن تشريح للزواج وإشكالياته في ذلك العصر.

وفي عام 1830 أصدر مجموعة قصص قصيرة بعنوان: «شاهد من الحياة الخاصة»، وموضوعها هو فشل الحياة الزوجية. فهل انعكست قصة أخته لورنس التعيسة مع زوجها على عالم بلزاك الروائي؟ وهنا نصطدم بسؤال وجيه يطرح نفسه: لماذا لا نجد زواجًا موفقًا أو ناجحًا في رواياته؟

ثم صدرت بعدئذ رواياته الشهيرة: يوجيني غرانديه، والأب غوريو، وخوري القرية، إلخ، لقد عكس بلزاك في رواياته المتتالية كل الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية لعصره: أي النصف الأول من القرن التاسع عشر. من هنا عظمته وأهمية أعماله. فالروايات التي كتبها هي مرآة لذلك العصر، ومن يريد أن يتعرف على تلك الحقبة من تاريخ فرنسا ما عليه إلا أن يفتح روايات هذا الكاتب الذي لم يكن يتجاوز طوله المتر ونصف المتر. كان قصيرا جدا.. قزما من الناحية الجسدية وعملاقا من الناحية الأدبية. وهذا يعوض عن ذاك كما يقول التحليل النفسي.

ولكن ليس كل قصير بلزاك. هيهات! ومعلوم أن البورجوازية كانت تواصل صعودها في ذلك الوقت بكل نهم وجشع لكي تأخذ المال والسلطة من أيدي الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية. وفي الوقت ذاته، فإن بلزاك يصور أوضاع الطبقة الأرستقراطية التي كانت لا تزال تحتل الوظائف العليا في الدولة.

ولكن كان يبدو للجميع أنها سوف تفقد امتيازاتها عما قريب وسوف تطيح بها الطبقة البورجوازية الصاعدة. فالجديد يحل محل القديم لا محالة. وعلى هذا النحو استطاع بلزاك أن يصور احتضار عالم بأسره وولادة عالم آخر جديد على أنقاضه. من هنا أهمية بلزاك التاريخية والفلسفية وليس فقط الروائية. فالواقع انه كان مفكرًا أيضًا وليس فقط كاتبًا روائيًا. وكان صديقًا لكبار كتاب عصره كفيكتور هيغو، ولامارتين، واليكسندر دوما، وجورج صاند، وعشرات غيرهم.

وكان مطلعًا على كتابات فلاسفة التنوير وبالأخص جان جاك روسو. وهناك مؤلفات تشرح لنا مدى تأثير روسو عليه. ومن لم يؤثر عليه روسو؟ وهناك مراسلات كثيرة بينه وبين أدباء عصره وكتابه الكبار.

ومعلوم أن علاقته بفيكتور هيغو كانت قائمة على إعجاب متبادل. وكان هيغو يدعوه بالشاعر لا بالروائي! وهذا يعني أنه كان يعرف قيمته الأدبية الكبرى بصفته أكبر شاعر في الرواية الفرنسية.

وقد رثاه فيكتور هيغو بشكل مهيب ورائع عندما مات، بل وصور لنا لحظات احتضاره بشكل أخاذ ومخيف ومؤثر جدًا. وقد تأسف عليه لأنه مات شابًا، فالواقع أنهما ولدا في الفترة نفسها تقريبًا بل وكان بلزاك أكبر من صاحب «البؤساء» بثلاث سنوات.

ومع ذلك فإن فيكتور هيغو عاش حتى عام 1885 هذا، في حين أن بلزاك مات عام 1850! لقد خلد التاريخ بلزاك كواحد من أكبر أدباء فرنسا على مر العصور. والواقع أن رسائله إلى حبيبة عمره الأوكرانية تقدم لنا معلومات تفصيلية مهمة جدًا عن «الكوميديا البشرية».

صحيح أننا نشعر بالملل أحيانًا أثناء قراءة هذه الرسائل، ولكن ينبغي أن نصبر عليها لكي نعرف كيف نستمتع بها ونستخلص الجوهر من القشور أو الحنطة من الزوان. فهي مليئة بالتفاصيل الصغيرة عن الحياة اليومية والشواغل العادية التي تجعلنا نرى بلزاك شخصًا عاديًا كبقية البشر. ولكن من حين لآخر نقع على إضاءات نادرة عن همومه النفسية والإبداعية. كما ونقع على معلومات تفصيلية تفسر لنا ما غمض من رواياته وأعماله.

والواقع أن المبدع لا يبوح بمكنون صدره إلا لأصدقائه الخلص أو للمرأة التي يحبها. وربما كان يبوح لها بأسرار كثيرة لا يستطيع أن يقولها لأي شخص آخر في العالم. نقول ذلك خصوصًا أنها كانت امرأة مثقفة وتعرف معنى الإبداع وتحب روايات بلزاك حتى قبل أن تتعرف عليه شخصيًا كما ذكرنا. ولكن الشيء الذي آلمه هو أنه عندما سألها وهو على فراش الاحتضار: ماذا أحببت في أكثر: الرجل أم الكاتب؟ فأجابته بعد تردد: الكاتب. فرد عليها: قاتلك الله لقد ذبحتِني! ويقال إنها كانت تغازل أحد الشباب «الحلوين» في الغرفة المجاورة وهي تنتظر بفارغ الصبر انتقاله إلى الملأ الأعلى.
________
*الشرق الأوسط

الأحد، 6 أغسطس، 2017

أختام * عادل كامل















أختام *

عادل كامل



  الختم الخامس         


 [8] ديالكتيك التتابع
     لنصف قرن وأنا أفكر: هل ثمة مسافة بين إدراكي للحقائق، أو التي تحولت إلى موضوعات لهذا الإدراك، وبين ما هو حقيقي، من غير تدخل شكوكي في الإدراك، الخاصة بتلك الموضوعات، أو المرئيات، أو الأشياء...؟
   انه سؤال الفلسفة السابق على حب الحكمة: هل وجدت الموجودات لغاية تشترك معي في ما هو ابعد من غايتها، وابعد من غايتي، أم وجد (وعي) ـ وعينا ـ كي يحدد وجودي وفق معايير هذا الوعي..؟ ما الحكمة عندما اكتشف ان هذا النمط من المشتغلين في التفكير، هما اقل البشر تمتعا ً بالحقوق، وهم، في نهاية المطاف، دروب لصعود اقل الكائنات إحساسا ً بموضوعات الفكر وبما يتحكم فيه، بخلاصة الحكمة، ولغزها..؟
    الختم، هناـ كما في أقدم النصوص الشبيهة بالفن ـ ليس أداة تحكم، أو تعويذات، أو إشارات، وليس تمهيدا ً لتحولها إلى سلع، للتبادل، أو للهيمنة، أو لبناء علاقات حسب، بل تغذية لنزعة الشك بما في مادة الحياة ومظاهرها، وفي انساق الوعي نفسه، قبل جوهره النائي، والكامن بحصانته، وامتناعه، وما هو عليه في الأخير.
   إنها لذّة مقلوبة، يبررها علم النفس، بظاهرة حب إيذاء الذات، في مقابل، إيذاء الآخر. لكن هذا لا يكفي لوجود تقاليد امتدت عبر مختلف العصور، وتحولاتها. فالفن غدا مندمجا ً في حكمة الحياة، حد لا يمكن استبعاده منها، لا في فن صناعة الطعام، ولا في فن التعذيب، والقتل، وانتزاع مخفيات العقول، ولا في العمليات الأكثر قسوة في أنظمة الحكم وما تتطلبه من فنون إبادة ـ ومحو، فحسب، بل للحياة بما لا يمكن دحضها!
    لأن الإنسان لو لم يكن فنانا ً، منشغلا ً بشحذ وسائله في التقدم، والتغيير، منذ تلك الحقب السحيقة التي منحت الأصابع قدراتها، كالبصر وباقي المجسات، في صناعة ما يشبه آخر إبداعات الحداثة ـ وما بعدها، لكان اقل إثارة للجدل، عند الحكماء، وليس لدي المتحكمين بمصائر الناس، ولكان، وهو يكتفي بحياة النمل/ أو النحل/ أو الأسماك/ أو الطيور..الخ غير مراقب، وغير مسؤول، عما سيراه خطيئة، ورحمة، وتوبة، واقل براعة في البرهنة ان الوجود ـ بهذا الوعي له ـ هذا الانحدار الاستثنائي نحو المحو ـ بأكثر وسائله إبداعا ً، وعدم اكتراث!
    أم على الوعي، بشكل ما من الأشكال، ان يجد نفسه ينحدر، خلف من سبقه، نحو الهاوية ذاتها، بالعثور على آليات تضمنت المسافة بين الوعي ـ وما هو مكون له ـ في الوجود، ودمجهما بعمليات التتابع حد ان هذا الوعي ـ المرهف والشفاف ـ لا يعمل على دحض ما هو عليه! بل على تغذية الامتداد، بمنح  الفن تقاليده، وخصائصه، ومكانته في هذا الاشتباك..؟
[9] الذات ـ والبرمجة الجمعية

    ربما هناك صيغة للإدراك تتضمن سببيتها لكنها تحافظ على جانبها الوظيفي: إنها وجدت كي توجد. وسيشكل إدراكي لها لا لأنها وجدت حسب، بل لأنني أنا هو الموجود، ولأننا  ـ ثالثا ً ـ وجدنا ضمن علاقة ثلاثية، فالكائنات لديها قدرة التلقي، والتحليل، ومن ثم الدخول في عمليات الإنتاج. إنها ديمومة مركبة عبر دورات ـ كما فكر أسلافنا عند تدشين الكتابة في سومر. والروح/ أو النفس/ منذ عصور سحيقة، تجد في الجسد مأوى للإقامة ـ وللمغادرة ـ وللعودة مرة ثانية بعد الموت. وثمة، إلى جانب هذا التصور، أن شيئا ً ما ـ كالنفس أو كالروح ـ يحل في كيانات أخرى، غير بشرية، في الحيوان وفي النبات وفي الخامات. إنها تصوّرات تمنح (الوعي) صيغة جمعية متماثلة تتصدع وتنبني عبر علاقات بالغة الدقة مع المكونات الأخرى. فالوعي الجمعي للأنواع ـ إنسان/ حيوان/ نبات ـ لا يمكن فصله، في هذا السياق، عن عمل الكيانات المختلفة. والاختلاف الفردي، ليس شذوذا ً، أو طفرات تحدث إلا لتؤكد هذا الترابط. فلزمن طويل كان الحيوان الأقوى ، وضمنا ً الحيوان البشري ـ وفق قانون الصياد ـ الطريدة، الضحية، الهامش له نسقه التام. ولتعديل هذا القانون، أو دحضه، كجعل ملكية الجماعة خاصة بها، وليس لزعيمها، أو تحت زعامته، تعد وثبة نحو نظام الوعي الجمعي في حماية مكونه، وضمنا ً أفراده.
      فهل ثمة وجود ادراكات خاطئة كلية، أو غير صائبة تماما ً،أم ليس هو إلا تعبير عن تدرج (سببي/ منطقي) للعمل المترابط بين الجزء والكل..؟ كالاعتراف بوجود شخص ما يتقاطع مع عادات الخرافة، مثل (غاليلو) ـ على سبيل المثال ـ أو كأبحاث دافنشي في العلوم، فان المثال يلفت النظر إلى وعي جمعي أنتجته عوامله، وان تعديل المعتقدات/ التصوّرات، في الأخير، خاص بالحقائق ذاتها، وليس في الوعي إلا لأنه أعاد اكتشافها.
    وثمة أمثلة أخرى توضح، مثلا ً، ان وجود اللذّة في الوظائف، وكأنها مستقلة أو منفصلة، تؤدي  الدور الجمعي لحماية النوع. على ان هناك لذّات تبدو شاذة، كوجود أجزاء ذات وظائف غامضة، كالجنس الثالث مثلا ً، المزدوج، وكوجود أعضاء إضافية، أو ناقصة، وظهور سلوكيات مغايرة تماما ً، قد تؤدي إلى ظهور سلسلة جديدة لها وعيها الجمعي، مرة أخرى، بدءا ً بالحالة الشاذة..؟
    هذا المثال يؤكد تحولاته عبر أزمنة طويلة. لأن عملية استبدال الوعي، سينتظر تراكمات لا تحصى، تؤدي إلى ضرب من الموازنة بين النوع وعوامله الخارجية. فقد يؤدي ضمور نجم ما، أو أي تغير في الجاذبيات، والمسافات، إلى وجود كيانات مغايرة لأصلها، مع احتفاظها بمبدأ انها تعمل بالقانون نفسه، وفي مقدمته: إنها غير مسؤولة إلا عن حدود عمل وعيها، مع الكيانات الأخرى. فالحيوانات التي تلقى حتفها، بإرادتها، لأسباب تبدو مجهولة،لا تتمتع بالحرية التي يستخدمها نوعها قناعا ً، أو سلوكا ً يتضمن مشفراته، إلا باليات كلية تتضمن مبدأ المصادفة ـ والشاذ.
  هل أنتج أسلافي تلك الإشارات الشبيهة بالفن، أقنعة، أو فرمونات، أو منبهات، لهذا السياق الجمعي في التكيف، مع الحفاظ على النوع إلى تدميره..؟ بمعنى، ابعد من ذلك: ان اللاوعي سيتضمن أشكال وعيه المعلنة، دامجا ً القصد، المصادفة، في عمله الكلي، الأمر الذي بلور حتمية التصادم، والتناقض، والتناحر، كسياق لعمليات الانبثاق/ التواري، وكامتداد للقوانين في عملها خارج حدود الإدراك.
    هو ذا وعيي لن يسمح لي إلا بخلق حمايات رمزية، تستبعد الرضا بالمسلمات لأنظمة شبيهة بما يحدث في مملكات النمل/ الأسماك/ والنحل. لكن الإنسان، بعد قرون، ليس لديه هذا الوعي، بحكم الضرورات، والوثبات البديلة، التي لن تعدو أكثر من آليات عمل، تجعل الوعي يعمل بحدود ضوابطه، وفي الوقت نفسه، تسمح له بكسرها، ودحضها، ومحوها في نهاية المطاف.



الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

كيف تتغلب على مشكلة التوقف عن الكتابة-*جيف كورينز/ ترجمة: آماليا داود



كيف تتغلب على مشكلة التوقف عن الكتابة



*جيف كورينز/ ترجمة: آماليا داود

” الكتابة عن التوقف عن الكتابة أفضل من عدم الكتابة “
تشارلز بوكوفسكي
يحدث لكل كاتب أن تمر عليه فترات يكون فيها غير قادر على الكتابة، و قبل مناقشتنا و عرضنا لحلول متنوعة قد تبدو مناسبة لبعض الكتاب سوف نناقش المشكلة :
الأسباب الشائعة للتوقف عن الكتابة :
•           التوقيت : ربما هذا الوقت ليس المناسب للكتابة و تحتاج إلى وقت أطول لطبخ أفكارك قبل كتابتها على الورق .
•           الخوف : الكثير من الكتاب يصارعون الخوف ، و هو السبب وراء عدم نشرهم لأعمالهم.
•           المثالية : يريد بعض الكتاب أن يحققوا الكمال في كتاباتهم ، و هناك فرق بين النظرية و التطبيق.
الآن كيف نقهر هذا العدو ؟
إنه سؤال صعب ، و لا أعتقد ان لدي الحل المثالي. أنا شخصياً عانيت من مشكلة التوقف عن الكتابة ولكل موقف حل مختلف.
الكتابة هي فن لا علم ، و هناك الكثير من المعلومات على الإنترنت سوف تساعدك، لكن ليس كل حل يناسبك، و الحيلة هنا أن تقرأ و تجرّب الطريقة التي تناسبك.
حلول مبتكرة لمشكلة التوقف عن الكتابة :
–          اذهب للمشي.
–          اقضِ على التشتيت و ركز على الكتابة فقط.
–          نشّط الدورة الدموية؛ مارس الركض مثلاً.
–          خصّص وقتاً للعب .
–          غيّر محيطك.
–          اقرأ كتابا .
–          استمع للموسيقى .
–          اطبخ لنفسك أو اشرب قهوتك المفضلة. عش مغامرة في المطبخ.
–          حاول إيجاد الروتين الخاص بك ، فالعديد من الكتاب لديهم روتين خاص، حاول إيجاد روتينك الخاص حسب وقتك.
–          حاول التحدث مع أشخاص يشعرونك بالسعادة .
–          اتصل بصديق قديم .
–          ضع أفكارك في نقاط، إذا لم تستطع الكتابة سجلها .
–          اقرأ بعض الاقتباسات.
الاحتمالات لا تنتهِ ، لكن الحركة هي الأمر الأساسي ، و عندما تبدأ من السهل التقاط أفكارك ، و قبل أن تدرك الامر سوف تكون مشكلة التوقف عن الكتابة غير موجودة ، و سوف تبدأ بالكتابة كأنَّ شيئاً لم يكن.
كيف ” لا تتغلب ” على مشكلة التوقف عن الكتابة.
للمتعة فقط هذه بعض الأساليب التي لن تمكنك من التغلب على المشكلة :
لن تتغلب على هذه المشكلة حتى تشعر بالإلهام .
لن تتغلب على هذه المشكلة حتى تتوقف عن الشفقة على نفسك .
لن تتغلب على هذه المشكلة حتى تتوقف عن المماطلة و تقديم الأعذار .
لن تتغلب على هذه المشكلة بمشاهدة التلفاز .
لن تتغلب على هذه المشكلة بمجرد قراءتك لهذه المقالة.
الفشل حل .
ريما لن ترضيك كل الحلول التي اقترحتها ، و يمكنك هنا أن تستخدم الفشل كحل ، و أنا اعلم أنك ربما لا تريد سماع ذلك ، فعندما تجرب كل الطرق تجد طرق جديدة .
عليك البدء بالكتابة من مكان ما من نقطة ما ، اكتب أي شيء و انتظر حتى ترى ماذا يحدث بعد ذلك ، لا تهتم باللغة و لا تهتم بالمظهر؛ المهم أن تكون تلك الافكار مكتوبة ، و كفكرة إضافية يمكنك دائماً العودة الى مسوداتك السابقة عندما تجد نفسك غير قادر على كتابة شيء جديد ، فربما حان الوقت لكتاباتك القديمة و أفكارك كي تعاد بلورتها و ربما نشرها ، و في هذه اللحظات بالذات يبرز الفرق بين الكاتب العادي و الكاتب المحترف ، فالكاتب المحترف يحاول ان يتحدى كل العقبات و يعلم تماماً مقدار التجربة التي يستفيد منها بمجرد التغلب على عقبة ما ، وإذا فشل في تحدي عقبة ما سوف يستمر في تعلم الدروس من الفشل ، وسوف يتابع الكتابة .


الخميس، 20 يوليو، 2017

خيانة النقد- يحيى القيسي *


خيانة النقد

يحيى القيسي *

لم يعد النقد على العموم سواءً الأدبي أو الفني يشكّل مصدراً للاعتماد عليه “لتمييز جيد الأدب من رديئه” حسب تعبير الجاحظ، ولا حتى لإضاءة النص من الداخل، وبيان جمالياته، وإخفاقاته، فسلطة النقد تهاوت بسبب ما تسرّب للنقاد من تهافت واستسهال، إلا من رحم ربي، أي أصابتهم عدوى الأدباء الذين اختلط فيهم الحابل بالنابل، وصار عندهم كلّ من يدبج مجموعة من الجمل التي تشبه “الكلمات المتقاطعة” أديباً، وصار كلّ من يخربش بالألوان بشكل مجاني ودون أي انسجام أو إبداع تشكيلياً، وهنا يمكن أن نشير أيضا إلى فنون وإبداعات أخرى تسرب إليها الوهن، وضمت المبدع والمدعي معاً في سلم واحد دون تمييز، فكم رأينا من “الكومبارس” في التمثيل أصبح يشار إليه بالفنان القدير، وكم رأينا من كاتب خواطر وموضوعات إنشاء تصلح للمدارس ينافس الراسخين في الأدب، ويوقع الغثاء الذي يكتبه في المحافل الثقافية ويشارك في المهرجانات، وكم سمعنا لأصوات مشروخة لا تصلح حتى للنداء على بيع البطاطا في الأسواق تفرض علينا على أساس أنها طرب أصيل .


أقول كلّ ذلك وأنا أشاهد يوماً بعد آخر كيف يتم التضحية بالمبدعين الحقيقيين على مذبح الزيف والتضليل، فمن يوقف مثل هذا الهذر، ومن يشير إلى مثل هذا الابتذال، والنقاد أكثرهم نيام، أو منتفع على موائد اللئام، قد أدمن بعضهم التدليس والتضليل كي يكتب عن فلان ويعلي من شأنه، ويقصي آخر ولا يأتي على ذكره، وهذا الأمر يبدأ من نقاد الملاحق الثقافية مروراً بالمجلات الرزينة، وصولاً إلى المشاركات الأدبية والفنية في هذا المحفل أو ذاك، أو المهرجانات والملتقيات، حتى ينتهي الأمر إلى لجان التحكيم في الجوائز، أما النتيجة التي تحصل من كل هذه التنازلات والمحاصصات فهي منتج ضعيف يعاني “الأنيميا” الإبداعية، يروج له على أساس أنه فتح عظيم في الأدب أو الفن، وبالتالي يقع ضرر ذلك على المتلقي المسكين الذي يصدق ما وصل إليه، وما تم الترويج له من الناقد فلان والباحث علان .
أما المصيبة الكبرى برأيي فهي تتعلق بالنقد الأكاديمي الذي من المفترض أن يكون محايداً وعميقاً في التحليل والأمثلة ودرساً نقدياً لدارسي الأدب، ولكن للأسف وصل “الفساد الثقافي” والعمى النقدي أيضا إلى كثير من هذه المؤسسات، فكثير من “دكاترة” الأدب الحديث في الجامعات العربية وخصوصاً في كليات الدراسات العليا يوجهون طلابهم نحو أعمال هذا الكاتب أو ذاك ليس على أساس إبداعي بل لأسباب تتعلق كما أشرت بالمحاصصة، أو مدى علاقة المشرف على رسالة الطالب بالكاتب نفسه، وأحياناً يفضل بعض المشرفين توجيه الطلبة إلى كتاب راحلين أو اشبعوا بحثا من قبل لسهولة المراجع والكسل الأكاديمي المعتاد من أجل الحصول في النهاية على “الشهادة” .
النقد في خلاصة الأمر إبداع، والناقد الحقيقي يؤشر للكاتب على مواطن القوة والضعف في عمله الإبداعي من أجل أن يمضي قدماً في عمله المقبل، ويسعى الناقد أيضا إلى تعريف القراء بهذا الكتاب أو ذاك، بكل حيادية وبشرف مهني يجب ألا يتم المساس به، ولكن المتتبع للحياة الثقافية العربية لا يكاد يجد شيئاً من ذلك، فقد تسرب للنقد أيضاً من هم من غير أهله، ويحسب كلّ من درس مواد في النقد الحديث أو القديم وتخرج في جامعة معينة في تخصص اللغة العربية والنقد أنه أصبح جاهزاً لرفع هذا والحط من ذاك خبط عشواء .

_______
* مؤسس ورئيس تحرير “ثقافات”


الجمعة، 7 يوليو، 2017

اصدارات جديدة



عن المركز الثقافي للطباعة والنشر-بابل-دمشق- القاهرة صدر كتاب جديد للشاعر والباحث احمد الحلي بعنوان قريبا من النبع-قراءاتي في الرواية-قراءات اخرى -

الاثنين، 3 يوليو، 2017

ثقافة الأطفال في عصر السيولة الرقمية=*لطفية الدليمي




ثقافة الأطفال في عصر السيولة الرقمية

*لطفية الدليمي
الأطفال كائنات بيولوجية فريدة في نوعها وعلى درجة عظمى من الخصوصية والتميّز، ويُجمِع علماء نفس الطفولة والتطور البشري أنّ مصدر تلك الفرادة المقترنة بالطفولة يعود في معظمه إلى اللدونة الدماغية* الفائقة لدماغ الطفل، ومن الطبيعي أن تترتّب على هذه الخصيصة الفريدة مترتبات يمكن عدّها مزايا حصرية للأطفال دون سواهم، وأهمّ تلك المزايا هي: القدرة الفائقة والسريعة للطفل في تشكيل أنماط دماغية جديدة قادرة على التكيف مع الخبرات غير المجرّبة وتمثلها والتعامل معها بمرونة وصبر وشغف، وهذه المزية الفريدة لا تُتاح في العادة لغير الأطفال، أو قد تكون متاحة لهم ولكن بثمن باهظ يخلو من عوامل الإثارة والشغف ويغلب عليه القسر وتأدية الفروض والواجبات في سياقات بيروقراطية شديدة الوطأة.

ثمة خصيصة أخرى مرتبطة باللدونة الدماغية الفائقة للطفل، وأعني بها انفتاح الفضاء التخييلي لدى الطفل وعدم تقيّده بمحددات فيزيائية أو اجتماعية ضاغطة، ويمكن فهم هذه القدرة الفريدة لدى الطفل من الطواعية الدماغية لديه في خلق تشبيكات عصبية يتعذّر عدّ احتمالاتها الممكنة، وكل احتمال من تلك الاحتمالات هو بمثابة فرصة لتخليق عالم تخييلي جديد.

تأسيساً على الملاحظات السابقة، أودّ في الملاحظات المحددة التالية إلقاء ضوء على بعض الموضوعات التي أراها ذات أهمية حاسمة في ثقافة الطفل الذي يعيش عصر السيولة الرقمية والمستحدثات الحاسوبية والتطبيقات المتعاظمة للذكاء الاصطناعي :

– أهمية الحكايات الشفاهية للأطفال: تبقى الحكايات الشفاهية المتواترة (سندباد، حكايات الأخوين غريم، أليس في بلاد العجائب..) ذات أهمية عظمى لمخيال الطفل وذائقته التصويرية وجهازه اللغوي الغض، ومن الضرورة الفائقة أن تُروى هذه الحكايات على مسامع الأطفال حتّى لو كانت مطبوعة في كتب ورقية ذات ألوان براقة جاذبة. يمكن للأب أو الأم أو المعلمة القيام بدور الراوي في هذه الحكايات؛ غير أن الأم تبقى هي الراوية الأفضل وبخاصة في وقت ما قبل النوم. إن تجربة سرد الحكايات الشفاهية على الأطفال فريدة للغاية وذات دور عظيم في تثوير خيال الطفل وإثارة مكامن شغفه بالكلمات والصور المتخيلة؛ الأمر الذي ينعكس بالضرورة في ارتقائه البيولوجي والوجداني، وينبغي دوماً مقاومة الميل المتعاظم لجعل الأطفال قارئين رقميين لهذه الحكايات اللذيذة على وسائطهم الرقمية.

– ضرورة تجنب السرديات ذات المحمولات الارتكاسية والموغلة في النزعة القومية والشوفينية: يُلاحَظ في ثقافة الأطفال (وأدب الأطفال بخاصة) إعلاؤه شأن الحكايات المتوارثة التي تؤكّد السمات القومية لكل جغرافية بشرية، ويمكن عدّ هذه الظاهرة انعكاسا لنزعة تأكيد السيادة القومية وإعلاء شأن الأمة-الدولة؛ غير أن عصرنا الحالي تفاقمت معضلاته وتغوّلت حتى شملت الكوكب الأرضي برمّته ولم يعُد مقبولاً -أو حتى ممكناً- الانكفاء على الخصائص المميزة لكل جغرافية بشرية بعينها وتأكيد علويتها بالقياس إلى سواها من الأجناس البشرية؛ بل صارت الضرورة البراغماتية تفرض ترويج نمط من الثقافة الجمعية التشاركية التي تعمل في إطارها كل الكائنات البشرية للحفاظ على الموروث الإنساني ومعالجة آثار المشاكل المهددة للجنس البشري بأجمعه.

– ثقافة الطفل والأخلاقيات العملية: ثمّة ميل عالمي متعاظم لإحلال نوع من الأخلاقيات العملية منذ وقت مبكر في ثقافة الطفل واعتبارها أمراً أجلّ شأناً وأكثر جدوى من الخطابات الوعظية ذات المحمولات الدينية أو اللاهوتية التي تختصّ بجماعة بشرية دون غيرها، ويراد من هذا الأمر تخليق نوع من الأخلاقيات الجمعية التي لا تتحدد بمؤثرات الزمان والمكان والبيئة وتكون فاعلة في الوقت ذاته في التعامل المجدي مع المعضلات العالمية.

يمكن في هذا المضمار إيراد أمثلة كثيرة على هذه الأخلاقيات العملية الجمعية: إشاعة ثقافة الاحترام والتسامح والمساواة الجندرية، احترام الثقافات البدائية ونزع المسلكية الشوفينية إزاءها، تأكيد حق الحياة والتعليم والصحة لكل أفراد الأرض، المشاركة الفاعلة في الحملات الإنسانية لدعم أطفال المناطق الموبوءة أو التي تعاني ويلات الحروب أو الهجرة الناتجة عنها، دعم المعرفة البيئية والسياسات اللازمة للتعامل مع المعضلات الكارثية التي تواجه كوكب الأرض…

– ضرورة الموازنة الدقيقة بين القدرة التحليلية والقدرة الرقمية في ثقافة الأطفال: من المعلوم أننا نعيش اليوم وسط بيئة صارت محكومة -بالضرورة- بهيمنة الوسائط الرقمية الشائعة، ومعروف أيضاً أن تلك الوسائط محكومة هي الأخرى بقيود النظم الرقمية التي تعمل وفق خوارزميات محددة، وقد أدى هذا الأمر إلى خفوت القدرات التحليلية والفلسفية والاستعاضة عنها بنوع من القدرة الخوارزمية الأقرب إلى متطلبات التنميط الجمعي التي يستلزمها الارتقاء بمنظومات الذكاء الاصطناعي.

ولا يغيب عنا أن خفوت الشغف التحليلي والفلسفي ينطوي على مخاطر عدة من بينها تراخي النزعة الإنسانية وفقدان التواصل الحيّ مع الإرث الإنساني في شتى حقوله المعرفية وشيوع نوع مستحدث من العبودية الرقمية التي يسهل توظيفها من قبل الحكومات لخلق نوع من دكتاتوريات رقمية شديدة الوطأة، وفي مواجهة ذلك ستحافظ الثقافة غير المنمّطة رقمياً على التراث الإنساني وتعمل على الارتقاء المتواصل في المناطق الدماغية الخاصة بالقدرات التحليلية وتجنب الانكفاء في لجّة الخبرات المنمّطة.

– يمكن لثقافة الطفل أن تكون أداة من الأدوات الفاعلة في تحقيق السلام العالميّ وتخفيف حدّة النزاعات الدولية: من المعروف أن الإرهاب الدوليّ وغياب فرص التسامح والتعايش الحقيقية يتغذّيان من حالة سوء فهم الآخر وعدم الانفتاح على ثقافته الخاصة، وقد أثبتت الجهود العالمية (الأمم المتحدة مثالاً) وهناً كبيراً في إشاعة قدر مقبول من التسامح الدولي والانفتاح الثقافي تجاه الثقافات المهمّشة (حسب نموذج نظرية المركز-الهوامش) بسبب بيروقراطيتها وشيوع الفساد فيها؛ وهنا يمكن لثقافة الطفل المبكرة أن تكون ترياقاً مضاداً لكل النزعات التهميشية والإقصائية للآخرين وبخاصة إذا ما اعتمدت نمطاً من الحس الإنساني الجمعي المتناغم مع تطلعات الشعوب في كافة أقاصي الأرض.

– دعم ثقافة الأطفال وتطويرها هو استثمار ناجح في المستقبل: ثمة جانب براغماتي ملحّ يتطلّب الارتقاء بثقافة الأطفال وبخاصة في عصر شيوع الثقافة الرقمية وقرب سيادة منظومات الذكاء الاصطناعي التي ستغزو جميع مرافق الحياة الإنسانية. يمكن لثقافة توازِنُ بين الجانبين التحليلي والرقمي ينشأ عليها الطفل أن تساهم في إمداده بالعدّة اللازمة للتعامل الناجح مع المستقبل وطرد الشعور بالضياع وعدم القدرة والتمكّن من التعامل الكفء مع المستحدثات الرقمية، كما أن الثقافة المبكرة المتوازنة للطفل -مثلما يرى خبراء ثقاة- يمكن أن تبعده عن مخاطر الاعتلالات المرضية (مثل مرض الزهايمر) وتملأ حياته شغفاً وبهجة.

– ثقافة الطفل وتعلّم اللغات الأجنبية: تنبّهت السياسات التعليمية العالمية (بل حتى على مستوى العائلة) إلى الضرورة الفائقة لاستثمار اللدونة الدماغية الهائلة لدى الطفل في ميادين محددة، ومن أهم تلك الميادين هو التعلّم المبكر لبضع لغات عالمية؛ إذ تبدو قدرة الأطفال غير محدودة تقريباً في تعلّم وإتقان اللغات الأجنبية، وهو الأمر الخليق بتعزيز قدرات الأطفال ومنحهم مزايا تنافسية مشروعة من جهة، كما يساهم في الكشف عن إطلالات مشروعة على الثقافات العالمية الشائعة خارج فضاء الثقافة المحلية للطفل. إن التعددية اللغوية للطفل ستقود حتماً إلى شيوع ثقافة تقبل الآخر والتسامح واحترام الخصوصيات القائمة على التمايز والاختلاف في إطار من التلاقح الثقافي والحضاري المتبادل.

* اللدونة الدماغية (Cerebral Plasticity): مفردة تقنية تشير إلى قدرة الدماغ على تخليق اشتباكات عصبية دماغيّة جديدة؛ الأمر الذي يؤدي إلى تخليق قدرات إبداعية جديدة.
_________
*المصدر: مجلة الجديد

محاكمة برودسكي-اول محاكمة لشاعر

أسم المؤلف: ترجمة وتقديم : شاكر نوري
عدد الصفحات: 181
سنة الطبع: 2017
رقم الطبعة:الاولى
ISBN:978-1-7732215-8-8

نبذة عن الكتاب : هذا الكتاب:محاكمة سريالية تراجيكوميدية .. إن من يركض وراء نشر كتبه لا يمكن أن يكتب وينتج نحن جئنا إلى هنا لا لكي نعيش بل لكي نكمّل ما تبقى لنا من أيام العمر   عندما نفقد قدرتنا على كتابة الشعر، يعني  ذلك  أن الحياة أوشكت على الانتهاء ". برودسكي لم تكن محاكمة الشاعر جوزيف برودسكي من نسج الخيال بل هي حقيقة واقعة موجودة في الوثائق والأرشيف إذ تجسّد أول محاكمة لشاعر، العلاقة المأساوية بين السلطة والإبداع، وهذه القضية ما زالت تتفاعل في مجتمعنا العربي ولم تجد بعد الحلول اللازمة رغم سقوط الإمبراطوريات والدكتاتوريات والأنظمة الشمولية هنا وهناك. لقد تعرضّ الشاعر إلى المنع من الكتابة لأنه لم يكن منتميا إلى اتحاد الكتاب والأدباء السوفيات آنذاك، فالابداع الأدبي كان عليه أن يمر بسلسلة من القنوات الحزبية قبل أن  يرى النور وإلا يعتبر منشورا سريا يُحاسب عليه صاحبه. وهذا ما حصل مع الشاعر برودسكي.يعود الفضل في تدوين وحفظ جلسات محاكمة الشاعر برودسكي في عام 1964 الصحافية  الشجاعة  فريدا فيغدوروفا التي لولاها  لذهبت وقائعها أدراج الرياح. لذلك أصبحت وثيقة هامة وفريدة من نوعها، في تاريخ الأدب، علق عليها ايفيم ايتكند، عضو اتحاد الكتاب والأدباء، وصديق برودسكي وأحد الذين شهدوا محاكمته. وقد وصفها الكثيرون بأنها رائعة سريالية تراجيكوميدية، أنبثقت من لجتها البيروسترويكا التي غيّرت وجه روسيا نحو الديمقراطية.وقد صُدمت سلطات بلده أن حاز مواطنها الشاعر على جائزة نوبل للآداب من مقر إقامته في الولايات المتحدة، الذي أعتبر أكثر من شاعر، فهو مفكرٌ، خرج على تقاليد الأدب المألوف ليذهب بتجربته  إلى أقصى مداها في عالم كتابة الشعر.

الأحد، 11 يونيو، 2017

الفصول السبعة المنسية في “مئة عام من العزلة”-*أحمد عبد اللطيف


الفصول السبعة المنسية في “مئة عام من العزلة”

*أحمد عبد اللطيف

نشرت جريدة الباييس الإسبانية تحقيقًا حول الفصول السبعة المنسية من رواية “مائة عام من العزلة” ذائعة الصيت قام به البروفيسور ألبارو سانتانا أكونيا المتخصص في أدب الكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز، هنا ترجمة لمضمونه:

 قبل أشهر من الانتهاء من  “مائة عام من العزلة”، كان غابرييل غارثيا ماركيز مرتابًا في جودة رواية ستصير واحدة من كلاسيكيات الأدب. واعترف في خطاب له إلى صديق أنه “عندما قرأت ما كتبت ملأني شعور بعدم الحماسة لما كتبته وشعرت بأنني تورطت في مغامرة تتساوى فيها السعادة بالكارثية”. قليلون من يعرفون أن ماركيز نشر 7 فصول من “مائة عام” ليجس نبض الجمهور ولتهدأ وساوسه. وفعل ذلك قبل أن ينتهي من الرواية (ختمها في أغسطس/آب  1966) وقبل أن يوقّع العقد مع دار سودأميركانا في 10 سبتمبر/أيلول من نفس العام. ونشر العمل في 30 مايو/أيار 1967.

  الفصول السبعة نُشِرت في جرائد ومجلات كانت توزع في 20 دولة. وتمثل ما يربو على ثلث الرواية التي مجملها 20 فصلًا. أرشيف المؤلف نفسه خال من أي صور لها، وللحصول عليها كان يجب تتبع أثر المكتبات في فرنسا والولايات المتحدة وكولومبيا وإسبانيا. الفصول سقطت في طي النسيان لأن اعتقادًا ما ساد بأنها نفس الفصول المنشورة في الطبعة الأولى عام 67، لكن المقارنة بين النسختين كشفت واقعًا مختلفًا. منذ الصفحة الأولى نلحط التغيير في المستوى اللغوي، في البنية، في الأجواء ووصف الشخصيات. من هنا تأتي القيمة الأدبية الكبيرة لهذه الفصول المنسية لنفهم كيف كُتبت الرواية، خاصة أن ماركيز أكد أنه حرق الملحوظات والمخطوطات الأولى بعد أن تلقى النسخة الأولى من الكتاب.

42 تغييرًا

 نُشرت الفصول الأولى في الأول من مايو عام 66 في جريدة الإسبيكتادور بـ بوغوتا قبل انتهائه من العمل بثلاثة أشهر. ثمة 42 فارقًا كبيرًا بين هذه النسخة والنسخة النهائية الصادرة عام 67، وهي فروقات تظهر من الصفحة الأولى. بيوت ماكوندو، مثلًا، كانت “من الطين والجريد” وصارت في النسخة النهائية ببساطة “من الطوب اللبن”. كان المؤلف يبحث عن لغة أكثر دقة.

 ثمة تعديلات أخرى هامة في بنية الرواية. على سبيل المثال: في طبعة 67 يأتي حدث النمل الأبيض المدمر الذي يعلن انهيار بيت عائلة بوينديا في نهاية الرواية. لكن في نسخة “الإسبيكتادور” “سرب النمل يأكل إسمنت البيت” من الفصل الأول. لا شك أن تأجيل الإشارة للنمل الأبيض خفّض دراماتيكية حدث انهيار البيت في المستقبل.

 في الطبعة الأخيرة تبدو ماكوندو كقرية منعزلة عن الحضارة، ولا أحد يعرف موقعها الجغرافي، على العكس في فصل “الإسبيكتادور”، حيث يمكن تحديد الموقع بسهولة “في الشرق عند ألسنة نهر ماجدالينا” بكولومبيا. لكن ماركيز حذف هذه المعلومة ومعلومات أخرى عن موقعها ليثير في القارئ شعورًا بأنها قرية عادية يمكن العثور عليها في أي بلد في أميركا اللاتينية.

بكاء أوريليانو

 ثمة تغيير آخر مدهش له علاقة بميلاد الكولونيل أوريليانو بوينديا. في النسخة الأخيرة، الكولونيل “بكى في بطن أمه وولد يعينين مفتوحتين”، بينما في فصل الإسبيكتادور يتلقى البطل معاملة أقل بطولية وأقل ملحمية: الداية “تضربه ثلاث ضربات على مؤخرته” ليبكي.

 الفصل التالي الذي جربه ماركيز مع القراء ظهر في مجلة “الموندو نويبو” في أغسطس 66. المجلة الصادرة في باريس باتت الفترينة الرئيسية لأدب البووم الأميركي اللاتيني. نسخها الـ6 آلاف الشهرية كانت تباع في 22 بلدًا، بما فيها الولايات المتحدة، هولندا، إسبانيا، البرتغال، وأغلب أميركا اللاتينية.

    هذا الفصل يضم 51 اختلافًا يخص التحرير النهائي. مثلا: خوسيه أركاديو، الذي خافت أمه أورسولا من أن يولد بذيل خنزير، جاء للعالم كـ “ابن سليم”، بينما في النسخة النهائية أضاف المؤلف دراماتيكية أكثر: “ولدت ابنًا كل أعضائه آدمية”.

الكيمياء، ذات الدور الهام في الفصول الأولى، كانت مذكورة في نسخة “الموندو نويبو” باسمها التخصصي “العلم العظيم”، لكن المؤلف اختار التبسيط في النهاية فاختار “الكيمياء”.

     عقب نشر الفصل الثاني، مرت خمسة أشهر ثم نُشر الفصل التالي. لابد أن ماركيز استغل هذا الوقت لمراجعة الرواية، إذ إن الفصل الجديد كان الأكثر مجازفًة: صعود ريميديوس الجميلة إلى السماء. اختار المؤلف مجلة “آمارو” البيروفية المتخصصة في الأدب الطليعي العالمي لينشر هذا الفصل. وكان قراؤها كُتّابًا متطلبين ونقادًا أدبيين. لم يجرب ماركيز فقط صلابة هذا الفصل معهم، بل أنه قرأه على دائرة أصدقائه في بيته بمدينة المكسيك وبصوت عال. “دعوت إلى بيتي أناسًا أصحاب ذوق راديكالي وخبراء وصادقين”، هذا ما كتبه في رسالة موجهة إلى صديقه مندوثا في صيف 66. “وكانت النتيجة مرضية، خاصًة لأن هذا الفصل أكثر الفصول خطورة: صعود ريميديوس بوينديا إلى السماء، بالجسد والروح”.

     فصل خطير آخر ظهر في مجلة “إيكو” الكولومبية الأدبية: موت اوروسولا بعد أن عاشت بين 115 و122 سنة. من بين التغييرات البارزة حذف عبارة فرناندا دل كاربيو بعد رحيل أمارانتا أورسولا إلى أوروبا، من طبعة 67: “يا إلهي- همهمت فرناندا- نسيت أن أقول لها أن تنظر إلى الجانبين قبل عبور الشارع”.

     في مارس/آذار 67، ظهر في مجلة “الموندو نويبو” فصل وباء الأرق الذي نفض ماكوندو. وكما شرح ماركيز في عدة حوارات، كانت نيته أن يستخدم لغة قديمة في الجزء الأول بحيث تمثل الرواية تاريخ اللغة من القديم للجديد.

البروفة الأخيرة

     النظرة الأخيرة التي ألقاها ماركيز على بروفة “مائة عام” كانت في أبريل 67، وهو الشهر الذي نشرت فيه مجلة “ديالوغوس” المكسيكية فصل المطر المنهمر على ماكوندو خلال أربعة أعوام. من بين التغييرات الهامة تغييرات تتجاوز تحرير العبارات والكلمات لتصل إلى إضافة محتوى جديد. عندما تنتهي فرناندا دل كاربيو من توبيخ زوجها أوريليانو الثاني بعد مونولوغ طويل شغل عدة صفحات، في نسخة “ديالوغوس” تنهي بأن زوجها “كان معتادًا على أن يعيش من النساء”، لكن في طبعة 67 لخصت فرناندا غضبها بعبارة سحرية، محمّلة بحمولات أسطورية ودينية. أكدت أن زوجها “كان معتادًا على العيش من النساء، ومقتنعًا بأنه تزوج امرأة يونس الذي تمتع بسكينة كبيرة في قصة الحوت”.

     أخيرًا، في الأسبوع السابق على إصدار الرواية، نشرت الماجازين الأرجنتينية “بريميرا بلانا” مجتزأً من فصل حول 32 حربًا للكولونيل أوريليانو بوينديا. المجلة الأرجنتينية الجماهيرية كانت تطبع 60 ألف نسخة أسبوعيًا تباع داخل وخارج الأرجنتين. ورغم عدم توافر الوقت لإدخال تعديلات جديدة، أرسل ماركيز فصلًا افترض أنه سيجذب قراء القارة التي عاشت أجواء حروب العصابات ضد السلطة، مثل حروب الكولونيل أوريليانو بوينديا.

    في مراسلات غارثيا ماركيز، نلتفت إلى أنه عند نشر الفصول التجديدية و”الخطيرة” كان يسجل ملحوظات بمقترحات الأصدقاء والقراء. الحكاية وراء هذه الفصول المنسية بـ “مائة عام من العزلة” تكشف لنا عملية التحرير المضنية التي مارسها ماركيز على نصه، خاصة من أجل القضاء على شعوره بـ “عدم الحماسة” الذي اجتاحه عند قراءة ما كتبه في رواية غيّرت بداية من 30 مايو 67 مسيرة الأدب.

استراتيجية شبيهة باستراتيجية ديكينز وبيريث غالدوس

اختار ماركيز أن ينشر السبعة فصول الأكثر جدلًا في الصحافة الأدبية ليلقي اللحم في النار منذ البداية، وكان الاختيار مبنيًا على الفصول التي رأى أن يجازف بكتابتها سواء لقوة غرائبيتها أو لتجديديتها، مثل بداية الحكاية، صعود ريميديوس الجميلة للسماء، وباء الأرق والمطر الذي استمر لأربع سنوات ينهمر على ماكوندو. والغاية كانت جس نبض القراء ومعرفة ردود أفعالهم وبالتالي تحرير التغييرات إن رآها ضرورية.

هذه الاستراتيجية الأدبية تشبه ما فعله شارلز ديكينز وبيريث غالدوس، إذ نشر كل منهما عدة روايات عبر الصحافة وكانا يعدلان بحسب ردود فعل القراء. في مراسلات ماركيز نجد خطابًا يقول فيه لصديقه بلينيو أبوليو مندوثا: “أسعدني جدًا ما تقوله عن الفصل الذي قرأته من “مائة عام”. من أجل ذلك نشرته”، وكان أبوليو قرأ الفصل الأول في جريدة الإسبيكتادور بـ بوغوتا.

 _______