بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 1 سبتمبر 2016

في هزيمة اللغة العربية في هزيمة الاجتماع العربي*مرزوق الحلبي



الرئيسية / مقالات / في هزيمة اللغة العربية في هزيمة الاجتماع العربي

مرزوق الحلبي

في هزيمة اللغة العربية في هزيمة الاجتماع العربي

 ثقافات

*مرزوق الحلبي

العلاقة بين اللغة وبين ناطقها ليست علاقة واضحة دائما ولا هي عادية ومفروغ منها، ولا هي أحادية الاتجاه. فالناطق لغة ما يختار الكلمات ويصيغها بما يخدم غرضه من النُطق بالكلام. وفي اللحظة ذاتها تقوم اللغة بصياغته وتشكيله. فاللغة التي يصنعها ناطقها على قياسه تصممه لغته وترسم صورته في عيون المتلقّين. بمعنى، أن اللغة والناطق يسيران معا في ظلّ بعضيهما. فلا حياة بغير لغة ولا لغة بغير ناطق. ومن هنا فإن اللغة كيان حيوي قابل للتحول كما هو ناطقها كذلك. للغة أثرها وتأثيرها ليس فقط في سامعها أو قارئها بل في ناطقها، أيضا.

أمر آخر تجدر الإشارة إليه في سياق الحديث عن اللغة هو الوظائف التي تضطلع بها اللغة في الاجتماع. هناك مَن يسارع إلى حصر وظيفتها في أشكال الاتصال. بمعنى، أنه يخصّ اللغة بوظيفة واحدة موسّعة علما بأن للغة جملة وظائف تجتمع إلى بعضها فتصير لغة جماعة وحياتها! فإذا قلتَ لي ما هي لغتك أقلّ لك مَن أنت! أو كما قال القوميون الألمان (وليم هيردر) “كل أمة تفكّر كما تتكلّم وتتكلّم كما تفكّر”. وإذا كانت الثقافة العربية قد أنتجت “أن في البيان لسحر” فإن الثقافة الأوروبية لا سيما الفرنسية أنتجت “سُلطة اللغة والإنشاء”. و”السحر” عند العرب لا يُمكن فهمه إلا مجازا على أنه “سطوة” اللغة على سامعها. وقد كان الشاعر العربي أو الراوية يسحر الناس بقصصه وحديثه الذي شجون كما سحرت شهرزاد أميرها لأكثر من ألف ليلة!

في الثقافة المسموعة ـ قبل شيوع القراءة والكتابة وبعد محو الأمية ـ كان وقع الكلام على سامعيه معيارا من معايير الشعر الجيد والشاعر الفَحل. وكانت إيقاعات الشعر جزءا من تداوله وحفظه ومنابره. وهي ظاهرة غير محصورة في الثقافة العربية بل طالت مختلف الثقافات (اللغات) في فترتها المسموعة. فالإنجليز، أيضا ـ على سبيل المثال ـ لهم عاداتهم في نظم الشعر الموقّع أو السجال الشعري. وفي الثقافة اليهودية ظاهرة مماثلة. للغة أكثر من وظيفة واحدة في الاجتماع. فقد يتم استعمالها لإحداث أثر. بل كلما تعقّدت منظومة الاجتماع كلما تعددت وظائف اللغة. ففن الخطابة مثلا ـ يُعطي للغة وظيفة يُقصد بها التأثير على الآراء وعلى السياسة! كما أن اللغة أداة المعرفة وحاويتها واللغة هي أداة سيطرة وإدارة الاجتماع والدولة والحيز العام. ومن هنا ذاك الفصل في التأريخ بين حِقَب قلّ فيها العارفين بالقراءة والكتابة ـ في أي ثقافة ـ وبين غالبية ساحقة لا تعرف هذه ولا تلك. وكذلك تلك الإشارات الواضحة إلى دور الطبقة المتعلّمة اللغوية في باحة القصر وأروقته مقابل “الغوغاء” أو “العامة”.

ويُشير هوبسباوم مرارا (وغيره ـ أندرسن مثلا) إلى الدور الذي لعبته اللغة في تشكيل الجماعات القومية أو في إدامة سيطرة الطبقة الإدارية في مركز مديني بفضل لغتها. مثل هذه التنظيرات تلتقي مع تلك التي أتى بها غرامشي وفوكو وسعيد بخصوص بسط أنظمة الحكم سطوتها وسيطرتها بواسطة اللغة ومفاعيلها. واللغة هنا بمعنى الخطاب (discourse). والفرضية هنا أن النُخب تفرض خطابها/لغتها ومفرداتها التي تعني في نهاية المطاف مفاهيمها ورؤيتها وتصوراتها للعالم ومجمل أحكامها. أما في العمق فهي تعني، أيضا، عقيدتها السياسية والفكرية ومُجمل أنماطها الفكرية والعملية وسياساتها في المجالات المختلفة.

أما اللغة كمعرفة فهي نظرية تقول بوضوح أن لا وجود للمعرفة إلا ضمن اللغة. ولأن المعرفة ليست نهائية أو مُطلقة في أي لحظة خاصة إذا مضت، بل متراكمة متغيرة نتوقّع من اللغة أن “تتراكم” وتتغيّر وتتحرك وفق المعارف المتولّدة على الأقلّ بفعل العلم ومُنجزاته لا سيما التكنولوجية. لكن لا يُمكننا أن نغفل ذاك الكم الهائل من المعرفة في علوم الاجتماع والسياسة الذي تراكم في زمن الحداثة أو الحداثة الفائقة أو السائلة.

وماذا مع اللغة العربية في هذا المضمار ـ سؤال يطرح نفسه للمرة المليون في ضوء ما نلمسه من محافظة وانغلاق لدى سَدَنة اللغة العربية بوصفها مفردات وتمثيلات وثقافة ومعرفة. نشير بداية إلى أن أمام نهوض العربية جملة من المعيقات. الأول ـ تلك النزعة المحافظة ومصدرها أوساط دينية تعتبر اللغة العربية لغة نهائية في القرآن لا يعتريها نُقصان ولا تعوزها زيادة. بمعنى، أن اللغة العربية مقدّسة لا يجوز الاعتداء على قدسيتها بفرضيات من العالم الأرضي وبنظريات علمانية. يشترك مع هذه الأوساط نُخب ذات نزعة قومية تخلع على اللغة العربية قداسة هويتية عربية. إلا أن المحصّلة واحدة ـ مُعارضة شديدة لتحديث اللغة وتطويرها بفعل إرادي. الثاني ـ نزعة رومانسية تعتبر اللغة العربية واسعة في منتهى الاتساع والكبر قادرة على احتواء كل شيء. ويُضيف هؤلاء إلى ادعائهم الإشارة إلى كثرة المترادفات وأن اللغة العربية “بحر في أحشائه الدرّ كامن”! هذا علما بأن لا اللغة العربية واسعة ولا المترادفات تعني الغِنى لأن عدد الجذور التي يُشتق منها قليل جدا قياسا بلغات أخرى! الثالث ـ سياسات لغوية معطوبة أو فجّة لم ترقَ لفهم مُجمل الوظائف التي تؤديها. صحيح أن الفترة القومية وفترة التحرر من الاستعمار ترافقت مع تنظيرات لغوية هامة لكن سرعان ما غرقت في تأصيلات وشوفينية عربية مغالية. فالعربية في الجزائر مثلا قمعت الأمازيغية. والتعريب خلق أزمة العلاقة مع اللغات العربية المحكية علما بأنها كان يُمكن أن يكون “المنجم” الذي تأتي اللغة العربية منه بثروتها واغتنائها. زجّت العروبة العربية في حرب مع ذاتها ومع اللغات الأخرى المحايثة. فانغلقت بدل أن تنفتح وتقلّصت بدل أن تتسع على الأقلّ في السياسات الرسمية للدول على مذاهب أنظمتها. أما المجامع اللغوية التي نشأت في كل عاصمة عربية فبدل أن تتنافس في فتح أبواب اللغة تنافست وتناحرت في السعي إلى تكريس مغاليقها وتعزيز تحصيناتها. لقد ضاعت الأصوات الداعية إلى الإصلاح اللغوي في حمأة حروب المجامع التي تراجع دورها إلى أن اضمحلّت.

لعلّ أكثر ما يجسّد قصور اللغة العربية هي تلك الظاهرة المضحكة المُبكية التي شهدتها في حقبة التدوين وتلازمها إلى اليوم. ففي فترة التدوين ساد الاعتقاد عند اللغويين أن الأعرابي “صانع اللغة العربية” فاشتروا منه ألفاظا اتضح أنه اختلقها سعيا إلى الربح الرخيص خاصة وأنهم كانوا ينقدون الأعرابي الوافد من عُمق الصحراء درهما أو أكثر لقاء كل لفظة يقول لهم أنها جديدة وأنها تعني كذا وكذا في منطقته! وهكذا، سنجد في كل مُنجد كلاسيكي في كل صفحة تقريبا جذرا أو أكثر لا اشتقاق منه ولا تصريف. لفظة ومعنى جامد ميّت لا أكثر! وفي القواميس نفسها ستجد أن اللغة الحديثة كلها ـ لغة التداول الإعلامية والحياتية موجودة هناك في ملاحق خاصة وكأنها ابنة غير شرعية للغة العربية أو أنها مهموزة النسب لا تصلح لتُحسب على اللغة العربية الأصل ولا أن تثبّت في متن مناجدها وقواميسها! ولا تزال الألفاظ الميتة هناك معززة مكرّمة ترمز إلى الموت في اللغة العربي المعجمية أو تلك المستندة كليا إلى “لسان العرب” لابن منظور.

المراكز الأكاديمية فسحة لحيوية لغوية

أما المراكز الأكاديمية العربية فقد شكّلت نقطة الضوء في هذه المسيرة اللغوية المعتمة للعربية. فإذا اعتبرنا أن علماء حقبة التدوين هم بمثابة المركز الأكاديمي لتلك الحقبة سنرى أنهم طوّروا اللغة وأغنوها بترجمات وتحويلات من لغات العلوم ومن أمهات الكتب (من الفارسية واليونانية واللغات الهندية والصينية وغيرها)  التي اعتبرتها النُخبة العربية في حينه معرفة لا بدّ منها في اللغة العربية. بل أن الترجمة في تلك الفترة هي الفعل اللغوي الذي وسّع العربية في مفرداتها ومعارفها. ولا ننسى أن فقه الكلام العربي تطور من خلال السجال مع تلك الثقافات وطروحاتها وأن “الفلسفة العربية” نهلت من هذه الحقبة و”لغاتها”. بمعنى أن اللغة العربية عاشت أفضل بانفتاحها على اللغات الأخرى والتفاعل معها ومع علومها. وأعتقد أن بعض المراكز الأكاديمية العربية، وإن بتفاوت، فعلت الأمر ذاته في العقود الأخيرة حين ترجمت واقتبست وتفاعلت مع النتاج المعرفي العالمي في اللغات الأخرى لاسيما المؤثّرة منها. يكفي مثلا أن نرى إلى ترجمات الفلسفة الفرنسية الحديثة في المغرب العربي لنُدرك حجم الغنى والثراء الذي اكتسبته العربية لغة وثقافةً. هكذا فعل باحثون ومفكرون ومستنيرون عرب أفراد عندما خرجوا من ثقافتهم واكتسبوا من ثقافات أخرى وأدخلوها ضمن أبحاث أو كتابات أو تنظيرات فأضافوا للغة كنزين، كنزا من المفردات ولدت في حالة الترجمة والتحويل وكنز الفكر عندما تمّ دمج معارف جديدة ضمن إطار اللغة العربية ومساحتها (مثال على ذلك ما يُنشر هنا في موقع الأوان من نصوص وأبحاث وترجمات قيمة تُضيف ليس إلى اللغة العربية بل إلى العربي فردا وجماعة، أيضا).

على خط موازٍ، عمد الإعلام العربي في كل مراحله تقريبا لا سيما الفضائي وذاك الإلكتروني إلى التجديد والتطوير اللغوي خاصة وأن الميديا كانت على خط المواجهة الأول مع الحدث ومع المتغيرات ومع الخبر ومع تغطية العالم على ما فيه من تجديد ومتغيرات.

إن في صلب مثل هذا العمل الثقافي اللغوي المعرفي فرضية تقول بأن اللغة كيان حي وظاهرة تاريخية إنسانية يُمكن أن تتطور وتتحول بكل اتجاه. وهذا نقيض رؤيتها كمقدسة أو نهائية أو مسألة سماوية يُحذر المسّ بها من خلال التطوير أو الإضافة أو الحذف! عمل يفترض أن مصلحة العربية والناطقين بها تستدعي فتح مغاليقها وتحويلها إلى ميناء مفتوح لا إغلاقها في حدودها، لا خارج منها ولا داخل.

شيء يُشبه الخاتمة

لاحظت من تتبعي لأنشطة المجتمع المدني العربي لا سيما في العقدين الأخيرين أن هذا القطاع الاجتماعي أو هذا الحقل الاجتماعي ـ حسب بورديه ـ عدا كونه فاعلا جديدا في الاجتماع العربي، فقد كانت له إسهاماته اللغوية في المستوى المعرفي واللغوي الصرف. هنا، أيضا، حصلت عمليات تحويل وترجمة للمعارف المتصلة بهذا الحقل من لغات أخرى. وهي دون شكّ، أغنت اللغة العربية ووسّعتها وأدخلت للتداول عشرات المُفردات والتراكيب الجديدة ومصطلحات وخطابا كاملا جديدا. وهذا ما حصل مع كل حقل اجتماعي جديد خاضه عرب وأنتجوه بلغتهم. وهذا يعني أن اللغة وإن أهملتها الأنظمة واللغة بهذا المستوى أخذها أصحابها اليوميين إلى أماكن لم تصلها من قبل لا من حيث المفردات ولا من المعرفة الخالصة والكشف المعرفي. ومن هنا رأينا ظهور المعاجم المتخصصة ـ وإن لا تزال قليلة ـ التي تغني اللغة وتضيف إليها وتفتحها على الحياة والدنيا كما هي اليوم. أي أن هناك حركة تجديد في اللغة تتم بفعل أفراد ـ وأقلّ مؤسسات ـ ومبادرات داخل الأكاديميا العربية ومؤسسات البحث ومراكزه. لكنها ظلّت في الأطراف ولم تتحوّل إلى التيار المركزي أو النافذ وإن كنتُ لا أقلل من دورها ولا من إسهامها في عملية النهوض اللغوية الفكرية.

تجمعت في مكتبتي ربما مئات الكتب العربية التي تُعنى باللغة والنهضة والتنمية والحداثة وما إلى ذلك. وفي الكثير منها إشارة واضحة إلى العلاقة بين نهضة في الاجتماع ونهضة في اللغة. وأعتقد أن هذا الطرح صحيح في مجمله ينبغي أن يظلّ ماثلا أمام اللغة العربية وأصحابها. فالنقاشات الحاصلة في حقل اللغة هي في العادة متقادمة، بين مناصر للغة المحكية مثلا ومناهض لها، أو بين عشرة نُحاة حول تشكيل جمع المؤنّث السالم. كنتُ أحبّ رؤية نقاش سنوي حول الترجمات إلى العربية وأثرها في ثراء اللغة واتساعها أو حول عدد الكلمات الجديدة التي طورتها اللغة العربية وأدرجتها ضمن معاجمها في نهاية العام 2016 مثلا! أو أن نناقش قرار دولة عربية أو مجمع لغة مرموق إزالة الألفاظ الميتة من متن القواميس وإدراج ملاحق اللغة المتداولة في صلب هذه المعاجم.

اللغة العربية بحاجة إلى عمليتين سريعتين الأولى ـ الإقرار بأن آلاف الألفاظ فيها وُلدت ميتة وأن آلافا مثلها ماتت في حوادث وحروب ونتيجة هرم وخرَف وأن هناك ضرورة لدفنها في أسرع وقت ممكن. والثانية ـ العزوف عن الاعتقاد بقداسة اللغة والمكوث أسرى في رومنسيتها وإنشاء شرفة على كل حرف من المفردات العربية لتطلّ على اللغات الأخرى وتتفاعل معها بوصفها معارف وثقافات وتصورات وأحكام وأنماط. ساعتها، ستكبر العربية وتتسع وتغتني في عقد ما تأخّرت عنه قرونا. بمعنى، أن عملية النهوض بالجماعة العربية تمرّ عبر لغتها، النهضة في اللغة بروح ما تقدّم من لزوم الانفتاح والاقتباس والتفاعل والنقد الذاتي بعد الهزيمة اللغوية (الثقافية الفكرية) المدوّية للغة العربية.

_______
*شاعر وكاتب فلسطيني

غالا… عبقرية دالي وشِعرية إيلوار-*محمد حجيري


غالا… عبقرية دالي وشِعرية إيلوار

*محمد حجيري


يقال إن الرسام الاسباني سالفادور دالي كان مجنون”الشهرة والمال، حتى انهما كانا يأخذان كل تفكيره. إلى أن ظهرت غالا التي أحبها وتعلق بشخصيتها، وقال: أحب غالا أكثر من أبي، أكثر من بيكاسو، حتى أكثر من المال”… و”غالا وحدها استطاعت أن تستمع الى عالمي واستطاعت أن تشفيني من قلقي ومن أحزاني. كما انها وحدها تغلّبت على ضياعي الذي تجسّد من قبلها في أسفار مبهمة في ربوع الكلاسيكية فجعلتني أفهم ما أريده من الكلاسيكية ومن هذياني معاً… من السادسة من عمري أردت أن أكون طباخاً، في السابعة أردت أن أكون نابليون، ولكن شيئاً فشيئاً فهمت أنني أريد أن أكون دالي…”. فمن هي هذه المرأة التي استطاعت أن تقلب حياة الرسام العالمي، “العبقري الفضيحة” كما سُميّ، رأساً على عقب؟
في ربيع 1929 جاءت مجموعة من البوهيميين إلى بيت دالي، بينهم الشاعر الفرنسي بول إيلوار بصحبة زوجته، غالا، واسمها الحقيقي يلينا دايكونوف، وهي ابنة محامٍ روسي. وكان كل ما يقال عنها أنها “مضطربة”، وعولجت في مصحّ، ثم استقرت في باريس تحت اسم جديد هو غالا، وكانت ذات شخصية عنيدة وغامضة، إلى أن أصبحت زوجة ايلوار الذي أهداها جل قصائده، ويعترف لها بأنه ما كان ليكتب ما كتب لولاها: “أنتِ التي أمليتِ عليّ كل قصائدي.” قال لها في احدى رسائله.

435
وحين رأها دالي في السهرة، توقف لسانه في الأوقات الأولى عن الحركة… يقول دالي: “كل شيء ابتدأ من الباب، في أحد الأيام دخلت الغرفة وكان الباب مفتوحاً ورأيتها: تفجر الحب في داخلي، ومنذ تلك اللحظة قررت أن تكون لي”. حلق شعره، ولوّن جسمه بالأزرق والأحمر، ووضع حلق أخته آنا ماريا ـ التي كانت، إلى جانب غالا والنادرات من الموديلات اللواتي رسمهن، الوحيدة التي أدخلها إلى مرسمه، كما ووضع قرنفلة حمراء وراء أذنه، ووقف أمامها، ففوجئت مستغربة، معجبة بعينيه، خائفة من منظر الجنون الذي احتواه، وهو يضحك بصورة هستيرية بلا توقف. من هنا بدأت أشهر قصة حب بين دالي وغالا التي كانت الخط الفاصل بين عبقريته وجنونه.
الغرام الهذياني بين عبقري الرسم والمرأة الروسية الآسرة، لم يعجب والد دالي الذي هدده بالطرد من البيت إن هي بقيت معه، وأجبرها على العودة إلى باريس، وبقي دالي وحيداً غارقاً في دموعه وأحزانه، يقول: “النساء عطاء رائع قادر على تحويل الرجل إلى معتوه، وأنا لا أفكر بأي شيء سيء حينما أقول ذلك، أنا أحب المعتوهين خصوصاً عندما يكونون في حالة الهذيان لأنهم وقتها أشبه بالملائكة، وهكذا بفضل النساء، فإن رجالاً مثل دانتي يصبحون معتوهين، ويكونون في وضع يؤهلهم ليكتبوا الكوميديا الإلهية”. ذهب دالي إلى باريس وتزوجها، هدية الزواج، قطعة مجوهرات كبيرة، بجعة منحوتة من الحجر الروسي الكساندريت، وفيه بيضة كبيرة الحجم من الزمرد حينما تقلبها تصبح فيلاً، وبعد شهر عسل في اسبانيا استقرا في بورليكاتو عند كوستابرافا، وعاشا في بيت متواضع لصياد سمك، ليدرك دالي لاحقاً أن غالا ليست حبيبة فحسب، بل هي موضوع لعشق عارم من شأنه أن يعالجه من مرض سيكولوجي مزمن… وهذا الحب سيظهر في لوحاته… إلى درجة أنه كان يوقع على بعض لوحاته باسمه واسم غالا معاً. وفي تلك السنة الحاسمة في حياة دالي، أي 1929، اعتمد دالي على غالا في إنقاذه من نوبات “الشلل الضاحك” الذي كان ينتابه من آن إلى آخر، والذي كاد يمنعه من إنجاز أعماله السريالية العظيمة، وقال: “علّمتني حقائق الكثير من الأشياء.. وعرفت منها أيضاً كيف أرتدي ملابسي بشكل لائق.. إنها الملاك المتوازن للاتساق والانسجام.. وهي التي أعلنت كلاسيكيتي”.

435
سيرسم لوحة “ملاءمة الرغبات”، حيث ستتمثل تلك الرغبات في رؤوس لأسود رهيبة، وكأنها رغبات متفجرة تصبح، من خلال حب غالا، مقبولة في إطارها العلاجي: “اختفت عوارض الهستيريا في نفسي، الواحد تلو الآخر، وصرت قادراً على كبح جماح ضحكتي”… ويرسم لوحة بورتريه لغالا حاملة لحماً مشويّاً على كتفيها… هذه اللّوحة تجمع بين المرأة والأكل والبُعد الديني الإبراهيمي… هذه اللّوحة تعني كما أوّلها صاحبها: أنّ دالي كان يرغب في أن يأكل غالا حبيبته… وبدلاً من أكل غالا، رسم لحماً مشويّاً معلّقاً على كتفيها… لقد قرّر أن يأكل لحم الخروف بدلاً من لحم المرأة غالا… إنّ هذا الرّسم يذكّر، بحسب تأويله هو نفسه، بواقعة إبراهيم الذي استبدل ذبح ابنه بذبح خروف…

لقد قدّم دالي هذا التّأويل الذّاتي لبورتريه غالا في سياق مثير لنا اليوم، كما تقول الباحثة أمّ الزّين بن شيخة،في مقال بعنوان “الفن الذاكرة في لوحات سالفادور”: هو سياق إحالته على علاقة مخصوصة بالعرب، ويقول في ذلك الصّيف (أي صيف 1933 ): “كنت أرغب في أكل كلّ شيء… لكنّي كنت أيضاً على عطش شديد… لقد شعرت فجأة بسلالتي الشّمال افريقيّة، إنّ عطش العرب هذا هو الذي جعلهم يتهافتون على إسبانيا ويخترعون الظلال وفوّارات الماء… متعطّش أنا إذن مثل العرب، ولقد كنت أيضاً مقاتلاً مثلهم”…
غالا، بحسب العارفين بسيرة دالي، كانت الوجه الآخر لوالدته التي توفيت العام 1921، وكان عمره 16 سنة. وقد علّق على موتها في ما بعد بأنه “الصدمة الأعظم” التي تعرض لها في حياته وأنه كان يعبدها. ووجد المحللون أن ارتباطه بغالا وحبه لها، قد يكون تعويضاً عن فقدانه أمه.. وأنها تمثل له الزوجة-الأم بشكل واضح. وتحولت غالا مع الوقت إلى مديرة علاقاته العامة والمسؤولة عن تسويق “منتجات دالي”، وتقود سيارته، وهي موديل لوحاته. وبدوره فقد كان دالي يتعلّم كيفية استغلال فضائحه واستفزازاته في مشاريع تجارية مربحة. المهم أن غالا التي تكبر دالي بأحد عشر عاماً، ظفرت باهتمامه، وكان خيالها يتألق في كل رسومه، كما هو متألق في حياته اليومية. وقد ذكر تأثير غالا فيه، بقوله: “لقد أغلقت بذراعيها باب جنوني”. كما كانت ببساطة المهتمة بكل أعماله ومقابلاته، وبتوقيع تلك العقود الغالية مع تجار اللوحات وجامعيها، تقرأ له الكتب وتلخص له ما يجب، وأصبح كل معرض من معارضه رمزاً وتجديداً للزوجة المعشوقة، والتصقت به عبارة: دالي الكبير هو غالا. وقد كان يردد دائماً: “أرغب في شيئين: أن أحب غالا وألا أموت نهائياً”. وعندما ماتت غالا في حزيران1982 بعد حياة زوجية دامت 47 عاماً، وقف سالفادور دالي وسط المقبرة ليقول بلهجة الذئب المحطم: “حصل ما كنت أخشاه لقد متّ قبلها إذاً”…

435 (2)
بمَوت غالا، مات دالي. هذه هي المعادلة التي راهن عليها أولئك الذين يعرفون قبلة النار “الطويلة بين هذا الرجل وتلك المرأة”. كان يقول: “أنا وغالا نملك معاً خمس حواس فقط، أصابعها هي أصابعي، وكلامها هو كلامي، أما الحاسة السادسة التي لا تجمعنا إلى أي كائن آخر من الكائنات البشرية فهي.. الحب”. عاش دالي حزيناً مكسوراً دامع العين مع ذكرياته، وهو يلبس عباءة وثياباً بيضاء تعبيراً عن حزنه الأبدي على غالا. وبعدما استعاد هدوءه وتآلف مع فكرة الغياب، أخذ يبحث عن النصف الآخر، فرسمها للمرة الأولى وهي غير موجودة. من هنا ارتدت لوحاته، بعد موت غالا، شكلاً جديداً، ولا أحد يدري لماذا راح يرسمها محاطة أو مسكونة بقرون الكركدن (وحيد القرن)، كما لو أنه كان يخاف عليها من الموت، فكان يستعمل القرون كطلاسم لحمايتها من النهاية. وفي أحيان أخرى أخذت غالا شكل العذراء التي تحمل الطفل، ولم يكن هذا الطفل إلا دالي نفسه.
ساحرة الفنانينوأبعد من قصة غالا مع دالي، فرغم أنها لم تكن فائقة الجمال، لكنها سحرت العديد من الفنانين والشعراء السورياليين، لدرجة أن نجاح أعمالهم الفنية وقصائدهم الشعرية، كانت تعزى إلى إلهامها لهم. وقد وصفها “بابا السريالية”، اندريه بروتون، في اهداء كتابه المشترك مع ايلوار “الحبل بلا دنس”، بأنها “المرأة الخالدة”، وهجس بها الشاعر كريفيل قبل موته. واهدى اليها رينيه شار بعض قصائده. وقبلهم جميعاً، كان ايلوار الزوج والعشيق، وبدأت قصة العشق هذه عندما تعرف شاب اسمه بول اوجين غريندل، والذي عُرف في ما بعد ببول إيلوار، الى فتاة روسية هي “غالا”…
أين كان مكان اللقاء بالضبط؟ المعلومات متضاربة. فهناك من يقول في مستشفى للامراض الصدرية في مدينة كلافاديل في فرنسا 1912، أو في مصحّ في سويسرا. ليس هذا المهم، لكنهما قطعاً تعارفا في مستشفى، وكانا يتلقيان العلاج من مرض السل الرئوي. وتقول إحدى الروايات إنهما كانا في عمر واحد آنذاك: في السابعة عشرة تقريباً.
وبعدما شفيا، عادت غالا الى روسيا، والتحق ايلوار بالجيش مع بداية الحرب العالمية الأولى. وقبل نهاية الحرب، التقيا مرة أخرى، وأقامت هي في بيت أهله، وتزوجا بعد نهاية الحرب في 1917 وأنجبا في العام التالي ابنتهما الوحيدة سيسيل. أيضاً عاش ماكس إرنست مع إيلوار وغالا. إيلوار أحب الرسم مع الشعر، وشارك إرنست في تركيب الكولاج. عاشوا بطريقة يعبّر عنها المصطلح الفرنسي (menage a trois)، الذي يعني رفقة ثلاثية. وبدأت علاقة سرية خفيفة بين إرنست وغالا. في العام 1924 حدث ما حدث بين إرنست وغالا، وبسببها ضرب ماكس إرنست، صديقه ايلوار، على عينه، فأدماه…
كان إيلوار مخلصاً لغالا، يعشقها. هذا هو الظاهر في الرسائل المتبادلة بينهما والتي ترجَم أجزاء منها، المسرحي الراحل عصام محفوظ في كتابه “بول إيلوار: قصائد حب يليها رسائل إلى غالا” – نراه يترجاها ويكتب لها: “يا صغيرتي غالا أحبك بلا حد. لا أؤمن بالحياة، لا لا أؤمن إلا بك. هذا العالم الذي هو عالمي والممزوج بالموت، لا أستطيع أن أدخله إلا برفقتك. أن للا أكون إلا بين يديك، بين عينيك، بين نهديك، بين ساقيك، أنا مدعو حيث لا أرتوي أبداً”. أرسل لها من ميونيخ ومن أولشتادت، من ستراسبورغ يقول: “أنا لا أنساك لحظة واحدة”. ومرة كتب لها: “أنتِ الينبوع العجائبي لخيالي وحريتي، إنني أعبدك”. لكن غالا كانت امرأة مراوغة، كانت تحب إيلوار وتعشقه، لكن خيالاتها أكبر، واستمر حبهما حتى قطعه الموت، وقد يبدو غريباً في هذه الاسطورة أن نرى غالا (حين كانت تتهيأ للاقتران بآخر هو سالفادور دالي) تسأل إيلوار: لماذا خف حبه لها وقلّ اهتمامه بها؟ فأجاب إيلوار (الذي كان يتهيأ للزواج بأخرى هي نوش) بأنها ستبقي الوحيدة في حياته وإلى الابد. كانت تناديه بـ”يا زوجي مدى الدهر”، قبل الزواج، وخلاله، وبعد الطلاق.
إنها اسطورة حب لم يكن في الإمكان اكتشاف تفاصيلها بعد رسائل غالا الى إيلوار، إلا باكتشاف رسائل إيلوار الى غالا بعد وفاتها العام 1982، وكانت قد خبأتها ثلاثين عاماً، أي منذ وفاة الشاعر العام 1952 عند ابنتهما سيسيل…
هي 272 رسالة أرسلها إيلوار، في مقابل 15 رسالة من غالا، وهي كل ما تبقى من رسائلها إليه، بعدما أحرق معظم الرسائل اثناء الحرب. في إحدى رسائلها تقول غالا إنها امرأة فريدة بين النساء، وكذلك ايلوار، فهو فريد بين الرجال، وكانت تقول أيضاً إنهما من طينة واحدة.. في الرسالة 105، يكتب لها:
أيتها المرأة التي عشت معها
المرأة التي سأعيش معها
أيتها المرأة نفسها
يلزمك معطف أحمر
وكلسات سوداء
وإثباتات
لرؤيتك عارية
العري النقي يا لزينة المظهر.
في الرسالة 111:
قوة عينيك تحميني من الانهيار.
يا صغيرتي الحلوة العزيزة غالا.
غالا المراوغة التي لا يهدأ خيالها الجامح، تعبت من تقلبات إيلوار وجنونه السوريالي، وانتهت علاقتها به بعد سنوات عديدة من الحب. وراحت تبحث في أعماقها عن علاقة جديدة، ووقعت على شخص آخر لا يقل جنوناً وعبقرية عن إيلوار، إن لم يزد أضعافاً مضاعفة، هو الرسام دالي. ويقول المحيطون بدالي إنه، لولا غالا، لرأينا دالي يتجول في الشوارع بحثاً عن قوت يومه، ويرسم لوحات لا يراها أحد، لكن غالا وظّفت جنونه بالشكل الذي استخلصت منه عبقرية.
______
*المدن