Google News - Top Stories

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

حروفية التحدي

حروفية التحدي

سومريننت

سومريننت

متحف افتراضي لاعمال الفنان غالب المسعودي

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 11 نوفمبر، 2011

نهرا دجلة والفرات-علي بابان، وزير التخطيط العراقي السابق


نهرا دجلة والفرات

علي بابان، وزير التخطيط العراقي السابق

عندما جئت أكتب مقالي هذا عن إنحسار دجلة و الفرات و النتائج الكارثية التي ستترتب على ذلك فكرت بعنوان ( سيناريو يوم القيامة في العراق) و لكني خشيت أن ألمس رمزا مرتبطا بالعقيدة أو أن اتهم بأثارة اجواء التشاؤم ثم استبدلت العنوان بـ ( العراق..الزلزال القادم) و لكني وجدته لا يقل تشاؤما عن سابقه ثم وقع إختياري على ( البكاء عند أنهار تحتضر ..) .
هذه السطور ليست مرثية لدجلة و الفرات و لكنها جرس إنذار للعراقيين جميعا ليدركوا بشاعة السيناريو الذي نسير بأتجاهه و نتائجه الخطيرة على جميع مناحي حياتنا..هذا السيناريو لم يعد بعيدا عنا بل بات قريبا فما يفصلنا عن عام 2040 أو 2035 ليس سوى سنوات قصيرة لا تعد شيئا في عمر الأمم و الشعوب.
يشخص علم النفس الحديث حالة مرضية إسمها ( إلالقاء في اللاوعي) و مفهومها أن الفرد عندما يقع في مشكلة أو يصاب بمرض و يعجز عن المواجهة و العلاج أو يتهرب منها فأنه يسقط ذلك كله من وعيه و يلقيه في دائرة اللاوعي أو منطقة التجاهل و النسيان ..و يبدو أن بعض المجتمعات مصابة بنفس الداء فهي تتهرب من مسؤولياتها ..و تدفن رأسها في الرمال إزاء المخاطر المحدقة بها ..و تظهر قدرا خطيرا من اللامبالاة و عدم الإكتراث تجاه مصائب جلل تحدق بها..هذا ما نفعله نحن العراقيون بالضبط إزاء مخاطر إنحسار دجلة و الفرات و إذا كان من غير الممكن تصور أن أي إنسان يبقى صامتا تجاه إنسان آخر يقبل و في يده موسى لكي يقطع شرايينه..فأن الذي حدث أن دولة العراق و الرأي العام العراقي بقوا صامتين لعقود على عمل هو اشبه بقطع شرايين الدم عن الكيان العراقي.
إذا كانت مصر هي هبة النيل فأن اسمها كدولة لم يستمد من ذلك النهر كما حدث في العراق الذي عرف (ببلاد ما بين النهرين) و (ميسوبوتاميا) في التاريخ القديم، و ليطلق عليه لاحقا العراق و بلاد الرافدين، إذن فالنهرين العظيمين هما و العراق ككيان صنوان لا يفترقان و عندما يغيب النهرين أو يضمحلا يصبح العراق بمفومه المعروف و المتداول موضع تساؤل ، فالنهرين هما مقومات وجود بالنسبة للعراق و ليسا مجرد مقومات رفاه..أو قوة يمكن تعويضها ، و العراق من غير دجلة و الفرات لن يكون ذلك الوطن الذي نعرفه..كما لن يكون ذاك العراق الذي عرفه التاريخ.
منظمة المياه الأوروبية و هي منظمة فنية ذات مصداقية توقعت جفاف نهر دجلة بالكامل في عام 2040 ولا نظن أن هذه المنظمة معنية بنشر التوقعات المفزعة أو ترغب بأساءة علاقة العراق بجيرانه..أما الفرات فلا يبدو انه بحاجة إلى المزيد من التنبؤات السيئة فواقعة الحالي ينبئ عن مصيره القريب فلقد غدا مجرد جدول شاحب اللون في مدننا العطشى..ولا يصعب على من يقرأ الأرقام أن يكشف حجم الكارثة ولا النتيجة التي سنصل إليها في غضون سنوات معدودة.
كثيرون يتوهمون أن إنحسار النهرين سوف لن يتعدى في تأثيراته أوضاع الزراعة ولا يدركوا أن خارطة العراق الحضرية ستتغير بالكامل ..مدن و حواضر ستختفي أو ستكون في حكم الميتة و إن تشبثت بالحياة..و مدن ستنمو نموا سرطانيا و ستحاط بأحزمة الفقر و مساكن الصفيح ..ستتعاظم ظاهرة ترييف المدن بكل ما تحمله من نتائج خطيرة سياسيا و إجتماعيا..و ستتقافز نسب الفقر و البطالة و الإصابة بالأمراض ..و يعشعش الجهل و التطرف و يضرب جذوره..هذا الذي نقول ليس سيناريوها تشاؤميا نبتكره من مخيلتنا و لكنه النتائج المؤكدة للأرقام التي بين أيدينا اليوم و لتطور و نمو هذه الأرقام بفعل الزمن من خلال دراسة منحنياتها و مساراتها.
عام 2040 و هو العام الذي تذكر الدراسات أنه سيشهد جفاف دجلة ( حيث يكون الفرات قد سبقه لذلك) سيكون عدد سكان العراق بحدود الـ 75 مليونا..فمن سيدبر غذاء هذا العدد من السكان..؟؟ و كم ستكون حصة الفرد الواحد من المياه..و من الأرض الزراعية ..؟؟.. إذا كنا اليوم ( و دجلة و الفرات على الوضع الحالي ) قد دخلنا ضمن دول الفقر المائي بحصة مياه تقل ألف متر مكعب للفرد الواحد ( مع تفاوت طفيف في التقديرات) و إذا كان العراق يخسر سنويا ما بين مائة إلى مائة و خمسين ألف دونم من أرضه الزراعية بسبب الجفاف و التصحر ..و مع استمرار الدول المجاورة و على رأسها تركيا بتنفيذ مشروع ( الغاب) الذي يتضمن إنشاء 22 سدا و بسعة خزن تتجاوز 155 بليون متر مكعب من المياه و أن سد ( أليسو ) المقام على نهر دجلة سيحرم لوحده العراق من ثلث اراضيه الزراعية فأنه بهذه المعطيات لا يصعب علينا أن نتصور الصورة القادمة و ( القاتمة )..عراق تعاني مدنه و زراعته العطش و الجفاف و يحصل مواطنه على حصة فقيرة من المياه لا تسد رمقه و احتياجاته و اقتصاد يعجز عن توفير لقمة الغذاء لل75 مليون عراقي حتى لو وجه عائدات النفط كلها لإطعام مواطنيه..سيكون هناك صراع داخلي شرس على موارد المياه يضيف تهديدات إضافية للكيان العراقي و يزيد من عوامل إنقسامه و تفتته ، سيبرز مجددا ما يعرف في العراق بصراع ( الصدور و البزايز) حيث ستحرص المحافظات التي تستلم الإيرادات المائية اولا ( الصدور) على أن تحتفظ بتلك الإيرادات المتناقصة اصلا لإستخداماتها فيما ستعترض محافظات ( البزايز) على ذلك و تتفاقم فيها المشكلة و الحاجة إلى المياه.
يعلمنا علم الإجتماع السياسي بأن نشوء أولى الدول التي عرفها العالم على ضفاف الأنهار في الحضارات القديمة ( مصر و العراق ) جاء بفعل حاجة الناس إلى حكومات قوية تتولى عملية توزيع حصص المياه فيما بينهم و منع التنازع حولها و من هنا قامت الحكومات التي تحولت لاحقا إلى ديكتاتوريات و تأليه للحاكم صنعه الناس بأرادتهم لحاجتهم إليه و لذلك نشأت في التاريخ ما عرف بظاهرة ( الفرعونية ) أو ( تفرعن الحاكم..) و من هنا لا بديل للعراق عن مركزية (إدارة الملف المائي) و ( إدارة الملف النفطي) لأنه في غياب هذه المركزية ستحصل الفوضى و النزاعات وصولا إلى ( الصوملة).
العراقيون القدامى تعاملوا مع الأنهار و نظروا لها بقدسية فقد كانت مصدر رخائهم و مبعث الحضارات التي شادوها و كان البابليون يعتقدون أن الفرات إلها و حينما يغضب على رعيته يعاقبهم بالطوفان و كانت هذه الرعية تنذر إليه و تتضرع له لئلا يغضب عليها و قد عثر على رقم بابلي فيه خطاب موجه إلى نهر الفرات جاء في: (أيها النهر يا خالق كل شيء ، حينما حفرتك الآلهة العظام قد اقاموا أشياء طيبة على شطآنك و أنعموا عليك بفيض من المياه لا نظير له و النار و الغضب و الجلال و الرهبة، انت الذي تقضي بين الناس).
و عندما جاء الإسلام و أشرقت أنواره على هذه الأرض تنزلت سور القرآن لترسخ في وجدان المسلم ارتباط المياه بالحياة بكل انشطتها و مظاهرها و أن فقدان المياه يعني فقدان الحياة (وجعلنا من الماء كل شيء حيا) و الماء هو الذي يحيي (البلدة الميتة) و مثل هذه الصورة و المعاني مبثوثة في سور التنزيل بما يكرس قانون الترابط بين حياة المدن و المياه. والنبي صلى الله عليه و آله و سلم يذكر نهر الفرات كأحد أنهار الجنة وفي حديث آخر يشير إلى أنه سينحسر عن كنز من الذهب .

لو جئنا ندرس الجغرافيا السياسية للعراق (الجيوبولتيكا) نجد أن هناك ثلاث حقائق كبيرة تطل برأسها أو لنقل (ثلاث نقاط ضعف) واضحة تبرز للعيان ..أولها أن معظم أنهار العراق أو إيراداته المائية تأتي من خارج أرضه ..ثانيها..أنه لا يملك إطلالة واسعة على البحر، وثالثها أنه محاط بجيران أقوياء هما (تركيا و إيران) ..هذه الحقائق أو نقاط الضعف ينبغي لها على الدوام أن تبقى أمام أنظار من يخطط لنظرية الأمن الوطني للعراق أو لمن يرسم سياسته الخارجية لكي يضبط بوصلة تحركه باتجاهها أو باتجاه تلافي و تقليص تأثيراتها الضارة، أحد مؤسسي الدولة العراقية الحديثة وهو السيد نوري السعيد رئيس الوزراء الأسبق رحمه الله، والذي يعتبر ابرز سياسيي الحقبة الملكية كان على ما يبدو واعيا لأهمية دجلة و الفرات (للبعد المائي) في الإستراتيجة الوطنية العراقية ولذلك نراه يولي وجهه شطر تركيا و إيران و يسعى لإقامة تحالف إستراتيجي معهما و الذي ابتدأ بإتفاق مع تركيا باسم الميثاق التركي - العراقي عام 1955 ثم تبلور إلى حلف بغداد الذي ضم إيران و باكستان لاحقا بعد فترة قصيرة ، لا أظن أن دجلة و الفرات و ضرورة تأمين مواردها من خلال علاقة طيبة مع جيرانه كانت غائبة عن فكر و دوافع ذلك السياسي العراقي المخضرم الذي اختلف العراقيون كثيرا حول شخصيته وسياساته و لقى معارضة كبيرة من مصر الناصرية وقتها التي رأت أن عراق نوري سعيد سيكرس زعامته للعالم العربي على حسابها.
مصر التي تعيش وضعا مائيا يشبه إلى حد كبير حال العراق من حيث كون نهرها ينبع من خارج أرضها ومن حيث إقتران حضارتها و إزدهارها بالنيل ، تعاملت سياستها الخارجية بكفاءة أكبر مما عملنا نحن في العراق فيما يتعلق بالملف المائي وكان النيل باستمرار أحد موجهات سياستها الخارجية و من أهم عناصر تشكيلها ، الرئيس عبد الناصر تحدث في كتابه فلسفة الثورة عن ثلاث دوائر للسياسة المصرية وهي الدائرة العربية و الدائرة الإسلامية و الدائرة الإفريقية و لم يتردد في الإفصاح عن سبب الاهتام بافريقيا هو النيل الذي ينبع من أرضها، الدبلوماسية المصرية نجحت في وقت مبكر من القرن المنصرم في عقد الإتفاقيات مع الدول المتشاطئة على النيل و التي تعد عشرة دول و ذلك لكي تضمن حصة الأسد من إمداداته لا بل أنها نجحت في أن تمنع أي دولة على النيل من القيام بأي مشروع عليه و أن تحظى بحق الفيتو على ذلك لكن هذا الوضع بدأ بالتغير بالسنوات الأخيرة بسبب تحسن وضع الدول الأفريقية المتشاطئة مع مصر من الناحية السياسية والإقتصادية و تنامي حاجاتها لمياهه و تأتي اثيوبيا على رأس هذه الدول.
منذ عهد رئيسي وزراء تركيا سليمان ديميريل وتورجوت اوزال في ثمانينات القرن الماضي و ما بعده في حقبة التسعينات سارت تركيا بخطى واسعة على طريق إقامة المشاريع على نهري دجلة والفرات علما أن فكرة مشروع ( الغاب) التركي تسبق حقبة هذين السياسيين، كان سليمان ديميريل يرد على اعتراضات العراق و سوريا بالقول أن هذين النهرين ينبعان من أرضنا و هما ملك لنا كما ان النفط الذي هو في أرضهم ملك لهم، أما تورجوت اوزال فكان صاحب نظرية ( كل برميل ماء ببرميل بترول).
و السؤال الذي يبرز هنا هو أين كانت الدولة العراقية وأين رد فعلها عندما كان مشروع الغاب في بواكيره..؟؟ الجواب هنا بكل وضوح أن الدولة العراقية ومنذ مطلع الثمانينات موضوعة في ( غرفة الإنعاش) و مصيرها معلق بين السماء و الأرض..فهي إما منغمسة في حرب ضروس كما حدث مع إيران في الأعوام 1980 -1988..و إما قابعة تحت حصار دولي غاشم طيلة حقبة التسعينات و حتى عام 2003..أو دولة تحت الاحتلال ومجتمعها تعصف به الحرب الأهلية والإنقسامات .
ضعف الدولة العراقية اغرى دول الجوار للإقتئات على حقوق العراق المائية ولا زال يغريها بالمزيد طالما بقى الإنقسام ..و الصراع يفتك بالمجتمع العراقي و يكبل يد الدولة عن حماية حقوق العراق و الدفاع عنها..ساسة العراق منشغلون بفرعيات المسائل ..و هوامش القضايا عن عظائم الأمور..و التحديات الخطيرة و الكبيرة التي تحدق بالكيان العراقي، الدولة العراقية بكل صراحة وفي ظل الوهن الذي يستشري في مفاصلها بسبب الخلافات السياسية أعجز من أن تسلط ضغطا على أية دولة من دول الجوار من أجل حماية حقوقنا في دجلة و الفرات..كأني بتلك الدول التي ترقب ضعفنا و انقسامنا و ترسل لنا مياه بزلها أو فضلات المياه التي استخدمت في الري على أرضها تردد قول الشاعر الجاهلي عمرو ابن كلثوم حين يقول:
و نشرب إن وردنا الماء صفوا..
و يشرب غيرنا كدرا و طينا
أما العراقي فهو بدوره يردد أبياتا للشاعرالمصري حافظ إبراهيم حين يشكو
أمن العدل أنهم يردون
الماء صفوا و أن يكدر وردي
أمن الحق انهم يطلقون
الأسد منهم و أن يقيد أسدي

و هذا هو حال العراقيين اليوم ..أسود عاجزة عن الحركة والدفاع عن مصالح وطنها بعد أن انهكتها الصراعات و الأحقاد الداخلية و أطاحت بكيانها الإنقسامات والتنافسات و هو مما لا نراه في أي دولة حيث لا يمكن لصراعات السياسيين أن تمنع الإتفاق على حماية المصالح العليا للمجتمع ولا يمكن لأي خلافات فيها أن تتجاوز خطوطا حمراء عندما يتعلق الأمر بأمن المجتمع و حقوقه الأساسية و مستقبل مواطنيه .
التفريط ..و الإهدار ..و المظلومية هي العناوين الكبرى والعريضة لحياتنا نحن العراقيين..فيما بيننا وفي داخل مجتمعنا من جهة ..و فيما بيننا و بين المجتمع الخارجي بأقاربه و اباعده من جهة آخرى..
لا أجد ما اختم به هذه السطور سوى أن اقتبس من كتاب ( ميزوبوتاميا- موسوعة البيئة العراقية) التي أشرف على كتابته نخبة من العلماء و الخبراء العراقيين و أعده السيد سليم مطر، ففي مطلع الكتاب تجد و تحت عنوان ..إلى أجيال العراق القادمة:
(اغفروا لنا خطايانا بحقكم، إذ نورث لكم بيئة بلادنا الخربة، ضيعنا النفط أكبر ثروات و مكارم بيئتنا في حروب و مشاريع طائشة، تركنا أنهارنا و اهوارنا تجف، وهوائنا يتلوث بالأشعة والسموم القاتلة ، و مزارعنا و بساتين نخيلنا الباسق تضمر، و آثارنا و أراضينا تصبح مقابرا للقمامة والألغام و الأسلحة الفتاكة .لكننا رغم كل هذا نمتلك كل الثقة والأمل في خصب النهرين الخالدين وأرواح أسلافنا صانعي الحضارات العظيمة هي التي ستبقى إلى الأبد تغذي شعلة الحياة و الخلاص في الأجيال القادمة، فتموز مهما عطش و مات، إلا أنه لن يكف عن الإنبعاث من جديد حاملا الحياة و الخصب و الخضرة إلى بيئتنا )) انتهى الأقتباس.

يا ترى هل ستقبل الأجيال القادمة من العراقيين هذا الاعتذار ..؟؟
و كيف سيكون حال تلك الأجيال عندئذ..؟؟

شعوب وأديان وأوطان ، هل نحن أمة مثل بقية ألبشر؟


شعوب وأديان وأوطان ، هل نحن أمة مثل بقية ألبشر؟
طعمة ألسعدي / لندن 08 11 2011
www.t-alsaadi@yahoo.co.uk
ألحلقة الأولى
لن يستطع أحسن أطباء ألعالم ، مهما بلغت عبقريته، من علاج ألمريض إذا لم يشخص ألمرض أولا". كما أن المريض لن يشف من مرضه إذا لم يأخذ ألعلاج اللازم ألذي وصفه له ألطبيب . ونحن شعب تفتك به الأمراض ، فتمزقه وتقتله على يد أبنائه ، وتدمر ألوطن بأيدي مواطنيه وليس أعدائه ، ولا نحرك ساكنا" طلبا" للشفاء وألعافية ، فما سبب ذلك؟
لنكن صريحين وصادقين أمام ألله أولا" ، وأمام أنفسنا ثانيا" في محاولتنا رصد بعض جذور أمراضنا وعللنا وأدواتها وأسباب تفرقنا وكره بعضنا بعضا"(وليس كلٌنا كلٌا") بدرجات متفاوته . أو عدم قبولنا الآخر بسبب ألثقافة ألمتجذرة في نفوسنا وورثناها من (سموم) نشرها بعض ألمتطرفين من علماء ألجانبين قبل قرون عديدة ، أو أشباه ألأميين ألذين كانوا مصدر ألمعلومات ألدينية الأول للناس الأميين ألجهلة بشكل عام ، حيث حرم ألحكم ألعثماني ألبغيض ألعراق من ألمدارس وألتعليم الحديث حتى سقوط إمبراطوريتهم غير مأسوف عليها على يد ألحلفاء في عام 1918 ، ثم نشر الإنكليز (ألحكام ألفعليين للعراق) ألمدارس ألحكومية ألتي أتاحت لأبناء ألمواطنين الدراسة المجانية بعد أن كانت ألمدارس أهلية وشبه مقتصرة على مدارس أليهود وألمسيحيين . وتم تأسيس أول كلية طبية عام 1927 بفضل جهود سندرسن طبيب العائلة ألمالكة . وبعد سيطرة ألحكم ألعلماني ألأتاتوركي على تركيا تنكر أتاتورك لكل ما هو عربي بما في ذلك إستعمال حروف اللغة ألعربية ، لغة ألقرآن ألكريم . ولم يميز ألحكم ألأتاتوركي في عدائه للعرب بين عربي سني أو عربي شيعي ، بعد أن كانت (دولة ألخلافة ألإسلامية) منحازة بتعصب للسنة ومضطهدة للشيعة بقسوة حتى جعلوهم مواطنين من الدرجة ألعاشرة . وكانت ألوظائف ألحكومية محرمة عليهم في ألولايات ذات الغالبية ألشيعية ، وفضلوا عليهم أليهود والمسيحيين ، وكان عليهم ألمساواة بين مواطني الدولة بطبيعة ألحال. كما حرموا ألشيعة من دخول ألكليات ألعسكرية ألتركية ، لكنهم لم يتركوا شيعيا" دون تجنيده للدفاع عن دولتهم خلال ألحرب ألعالمية الأولى . ومن ألجدير بالذكر أن ألكثير من ألشيعة ألذين لم يجندوا في الجيش ألنظامي ألتركي ، خرجوا بملء إرادتهم لمقاتلة ألجيش ألبريطاني ألكافر في جنوب ألعراق دفاعا" عن (ألدولة ألإسلامية) بقيادة رجال ألدين ألشيعة ألمضطهدين ، ولم يفعل غيرهم ذلك. وفقدنا عمي الأكبر في ألحرب في مكان ما من الإمبراطورية ألعثمانية وهرب آخران ونجاهما ألباري عز وجل مع بعض الأقارب ألذين كانوا يقصون علينا ويلات ألحرب وألهروب من ألجبهة. وألغريب أن يقوم مؤسسوا ألجيش ألعراقي في ألعهد الملكي ، وكانوا جميعا" ضباطا" في الجيش ألعثماني ، وإنقلبوا عليه وتعاونوا مع جيش ألحلفاء (ألكافر بلغة متطرفي هذا الزمان) كطارق ألعسكري ونوري ألسعيد وياسين الهاشمي وجميل المدفعي ومولود مخلص وغيرهم من ألضباط ألعراقيين حيث خدعتهم بريطانيا بوعودها الكاذبة للشريف حسين بإقامة دولة عربية كبرى تشمل شبه جزيرة العرب وألعراق وبلاد ألشام وبضمنها فلسطين بقيادة الشريف حسين بن علي شريف مكة وملك ألحجاز فيما بعد*، فحنث هؤلاء ألضباط بقسمهم بالولاء للإمبراطورية الإسلامية ، وخليفة ألمسلمين ، لكنهم ساروا على نفس ألنهج ألذي سار عليه ألعثمانيون بحرمان ألشيعة من ألقبول في ألكليات ألعسكرية . وإذا قبل شيعي في ألكليات والأكاديميات ألعسكرية بعد إنقلاب عام 1958، فيبقى ذلك ألضابط ألشيعي مضطهدا" من ألجانب الآخر ألذي يحتكر ألرتب العليا ، ويمنع من ألحصول على أي إمتياز أو بعثة أو أي شيء مفيد آخر ، ناهيك عن قيادة الألوية وألفرق وألفيالق ، فكل ذلك للسني ألذي يحمل ألرتب ألعليا دون ألشيعي عدا إستثناءات نادرة . وختمها صدام حسين بإحالة 150 ضابطا" شيعيا" ممن دخلوا ألكلية ألعسكرية في ألعهد ألجمهوري ، على ألتقاعد بعد شن الحرب ألجنونية على إيران بوقت قصير ، وكانو برتب تتراوح بين عقيد ركن وعميد ركن ومنهم أحد زملاء وأصدقاء وزير ألدفاع آنئذ عدنان خير ألله طلفاح في كلية الأركان ، وإسمه علي فاضل عباس شاهين** ، وكان بعثيا" قياديا" في ألمكتب ألعسكري للحزب كأكثر ألضباط الآخرين (وجريمتهم أنهم شيعة ولم تشفع لهم بعثيتهم بسبب ألتمييز ألمقرف ، فما أجمل شعارات ألبعث ألقومية !). ثم حرم صدام ألضباط ألشيعة من ألوصول إلى رتبة لواء (بصفته ألقائد ألعام للقوات ألمسلحة وحامل أعلى رتبة عسكرية دون خدمة في ألجيش) ، فتتوقف رتبة ألشيعي ألعسكرية عند رتبة عميد (زعيم في ألعهد ألملكي) فهل سيرقص ألضابط ألشيعي فرحا" بهذا ألغبن وألظلم ألفاحش ألذي يسلطه عليه أخوه في ألدين والوطن وفي أغلب الأحيان في ألعشيرة أيضا"؟ فبهذه ألتفرقة يكون ضابط جبوري شيعي مغضوب عليه وإبن عمه ألجبوري الآخر ألسني مدللا" للحكومة ، وينطبق ذلك على ألعبيديين وألجنابيين وكل ألعشائر الأخرى!!!! إذا أردت أن يدوم حكمك فأحكم بين ألناس بالعدل وألمساواة ، وعامل جارك بالحسنى ليرد عليك بالمثل ، وبعكسه فإن ألنار ألتي تحت ألإبريق أو ألإناء ستجعل ألماء ألذي يملأه يغلي ، وإن لم يجد بخاره منفذا" سينفجر ويؤذيك ويؤذي من حوله دون أدنى شك. وتنطبق هذه ألقاعدة على ألجميع سابقا" ولاحقا".
كان هذا ظلم في ألجانب ألعسكري حتى كان يقال في ألناصرية وغيرها : ضباطنا من ألموصل وألمنطقة ألغربية وألعرفاء ورؤسائهم ونواب ألضباط من الناصرية ، وينطبق ذلك على ألمحافظات ألشيعية ألأخرى. أما في ألجانب ألمدني فكل ألمحافظين من تكريت أو ألدور أو ألموصل أو الأنبار . ولم يتم تعيين محافظ في وسط ألعراق وجنوبه من أبناء ألمحافظة نفسها ، بل حتى قائم مقام ألقضاء في ألمناطق ألشيعية كان يؤتى به من ذات الأماكن المذكورة أعلاه . ولم يقتصر ألتمييز على هذه ألمناصب بل شمل ألسفراء والوزراء والمدراء العامين ووكلاء ألوزراء وكل وظائف ألدولة الأخرى ، أما رئاسة ألوزراء أو ألدولة فهذا حلم مستحيل ألمنال للشيعي. ثم يتبجح قادة ألبعث قبل ألتحرير وبعده أن في حزب ألبعث نسبة كبيرة جدا" من ألشيعة ، دو أن يذكروا ويتذكروا أن مؤسسي فرع ألحزب في ألعراق ألحقيقيين هم ألشيعة وتم إستئصالهم كقيادة فردا" فردا" إبتداء من فؤاد الركابي ألذي قتل في سجنه في بعقوبة. فكان ألبعثيون ألشيعة مثل نواب ضباط ألناصرية ، ألقيادات ألعليا في القيادة ألقومية والقطرية وأعضاء ألفروع من ألعوجة ، تكريت ، ألدور ، ألموصل وغيرها وألدرجات ألسفلى للشيعة لإستعمالهم كأدوات قمعية ضد مواطني محافظاتهم وأبناء بلدتهم في وسط العراق وجنوبه . ولا يحتاج ألتكريتي أكثر من عام أو عامين ليصبح عضوا" في ألحزب ، بينما يبقى إبن ألوسط وألجنوب (يكتب ألتقارير ) من درجة صديق ، ثم مؤيد ، ثم نصير ونصير أول ولا يرشح للعضوية إلا بعد أن يكتب ألتقارير على أقرب أقربائه وبعد سنين طويلة. هؤلاء ليسوا بعثيين ، بل عبيد وأدوات قمع وإضطهاد لدى قيادة ألحزب ألتي أختصرت بشخص واحد إسمه صدام حسين يساعده إخوته وأقربائه المقربين بالدرجة الأولى ألذين بإمكانهم ضرب عضو قيادة قومية بالأحذية وهو صاغر لا يستطيع قول كلمة واحدة، ثم قيادات من ألمناطق ألمذكورة سابقا" (وهم لا يحلون ولا يربطون) كما يقول ألمثل ألشعبي ألعراقي.
ألأسباب ألدينية للعداء بين المذهبين:
لعب ألروزخونيون والملالي من محدودي ألمعرفة بإصول الدين دورا" تخريبيا" هائلا" في بذر وزرع ألطائفية بين أبناء ألشعب طوال ألفترة ألمظلمة ألمتمثلة بالحكم ألعثماني. فبمجرد كون شخص ما يجيد القراءة وألكتابة لاغيرها كان يطلق عليه إسم (مله بضم ألميم). وكان هذا ألمله يحتل مركزا" مرموقا" بين الناس لأنه معلم لمن يريد تعلم القراءة وألكتابة على طريقة أبجد هوز ألمتخلفة ، وهو من يقرأ ألرسائل التي ترد لأبناء منطقته أو قريته ، والأنكى من ذلك قد يكون هو من يعلمهم إصول ألدين ، وهو لا يعرف إلا ألنزر أليسير جدا" من أموره وعلومه ، نيابة عن العلماء (ألعظماء) ألذين لا يبرحون مقراتهم إلا للصلاة في ألمساجد ألقريبة أو أضرحة الأئمة عليهم ألسلام ، وغالبا" ما تكون أدمغة هؤلاء ألملالي ألذين يئمٌون ألناس في ألصلاة ملآى بالبدع وألخرافات . وقالت لي بنت أحدهم عندما كنت طفلا في السادسة أو ألسابعة من عمري ، وكانت هي بعمر والدتي أو أكبر، أنٌ ألعباس بن علي عليه السلام كان يقتل عشرة آلاف فارس من جيش يزيد في كل ضربة سيف. وكانت لوحة مؤطرة للعباس حاملا" سيفه ألمضرج بالدماء وهو على فرس رافع رجليه الأماميتين في وضع قتال تتصدر بيتهم . لا أنكر شجاعة ألعباس ع وإستبساله وبطولته ألمميزة كجميع أصحاب ألحسين عليه ألسلام في موقعة ألطف ، لكن ألمبالغة ألمذكورة تدل على مدى جهل وغياب ألوعي عند الناس ألذين يتلقون ألمعرفة من ألروزخونيين بحيث يصدقون أساطير كهذه.
كان هؤلاء ألملالي ، في ألجانبين ، ولا زال بعضهم ، موقدين لنار ألطائفية بتحيزهم الأعمى لمذاهبهم بحيث كان بعضهم يحقر مذهب الآخر ويتهمه بالكفر باطلا" لعدم إدراكه وفهمه أن ألمذهبين مشتركين ومتفقين تماما" في أساسيات ألدين بداية بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا" رسول ألله ، وألقرآن ألكريم ألموحد وألوحيد ألذي لا يختلف بين شيعي وسني ، ثم العبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة وألجهاد الأكبر ألمتمثل في بناء ألعائلة وألمجتمع وألدولة وحمايتهما من ألغزاة وألطامعين ونشر ألدين الإسلامي بصورة متحضرة على قاعدة ألحكمة وألموعظة ألحسنة ألتي أمرنا بها الباري عز وجل.
وأذكر مثلا" على مدى ألحقد وتغلغل الأفكار والخرافات بين ألفريقين حصل لي شخصيا" في صيف عام 1966 عندما كنت أعمل مسؤولا" هندسيا" وإداريا" في مقاولة إنشاء شارع ألسايلو في ألبصرة في منطقة ألجبيلة ، قرب مقر شركة نفط ألبصرة سابقا" ومقابل مركز تدريب البصرة آنئذ. كان ألمقاولان اللذان أحيل إليهما تنفيذ المقاولة هما ألمهندس فاضل الصفار ويحمل ماجستير في هندسة الطرق من أميركا (شيعي) وإبراهيم ألسهيل ألجميلي (سني) ، غني جدا" لكنه محدود ألثقافة وألتعليم*** ، وكان قريبا" لعبدالسلام عارف فجلب عمالا" من ألرمادي للقيام بأعمال ألحجر ، وسيارات (لوريات) وسواقها أيضا" لنقل ألحجر ألذي كان يجلب من جبل سفوان (أرجو أن لاتكون الكويت إبتلعته كما إبتلعت أراض عراقية شاسعة). كنت جالسا" في أحد ايام تموز في موقع ألعمل وكان بجانبي أحد الإخوة العمال ألدليم (جميلي ، إسمه خلف) فأخذ يتكلم عن ألشيعة دون علمه أنني شيعي فإتهمهم بتهم كثيرة وكفرهم وأنهى كلامه أن للشيعي ذنب (ذيل) ، فسألته مبتسما" هل رأيته قال لا بل هذا مؤكد ، فسألته كم طوله؟ فقال مؤشرا" بيده بما يقارب خمسة عشر سنتيمترا" أو أكثر ، فسألته هل أنت متأكد؟ قال نعم ، وإذا لا تصدقني إسأل إمام ألمسجد . ولم أخرج له مؤخرتي ليرى طول ذيلي ، بل ضحكت في قرارة نفسي وحمدت ألله على أن ذيلي (ألمفترض) من ألممكن أن يختفي تحت بنطالي ، وبعكسه ستكون ألمصيبة عظيمة لو كان طوله نصف متر مثلا". ومرت أكثر من إثني عشر سنة على ذلك ، صرت خلالها مقاولا" ناجحا" ولدي أعمال حرة أخرى ممتازة وبخير وفير من فضل الله ، وبحكم العمل صادقت شخصا" عسكريا" متقاعدا" إسمه ألمرحوم يوسف ياسين التكريتي (أبو حكمت) ، وهو عم عبدالفتاح الياسين عضو القيادة القطرية لحزب ألبعث آنئذ ووزير ألحكم المحلي ، او البلديات ، وهو (ابو حكمت) متزوج من تكريتية سنية تسكن في تكريت كان يقول عنها أنها أحسن جاسوسة في العالم متندرا" لكثرة تجسسها عليه وكان يقول : لديها جواسيس أكثر من جواسيس بريطانيا ألعظمى ، وأخرى في بغداد أصغر من الأولى وهي شيعية (أم محمد، معلمة مدرسة) من إخوتنا الأعزة ألكرد ألفيليين وكانت إمرأة رائعة حقا" وبكت عليٌ بكاء" مريرا" حين عرفت أنني هربت من ألعراق لأسباب سياسية. قال لي أبو حكمت يوما" ، وشهادة لله أنه لم يكن طائفيا" إطلاقا" ، وكان يدين تصرفات صدام حسين وأمثاله، قال : كنت في ألشامية في محافظة ألديوانية في أوائل ألستينات لشراء ألرز وجلست في مقهى لشرب الشاي ، فسألني صاحبها : من أين أنت يا عماه ؟ من تكريت ، أجابه أبو حكمت. فقال صاحب ألمقهى : ها ، يعني أنت سني عندك ذيل. فقصصت عليه قصة خلف ألجميلي ألمماثلة معي ، لكن ضد ألشيعة.
ومن ألتهم ألتي تم إتهام ألشيعة فيها باطلا" وجود قرآن آخر لديهم غير ألقرآن الكريم سموه قرآن فاطمة ، وكأن فاطمة ألزهراء ع ألتي توفيت بعد وفاة أبيها بستة أشهر فقط ، أصبحت في ليلة وضحاها منافسة للرسول ص وأنجزت في نصف عام كتابا" بدل ألقرآن الكريم ألذي نزل في مدة دامت 23 عاما". يقولون ذلك لكنهم عاجزون عن كشف نسخة واحدة من ذلك ألكتاب طوال 14 قرن من ألزمان ، ولن يجدوه لسبب بسيط هو أنه غير موجود وكذبة كبرى.
لا يمكن إنكار أن ألتراث ألشعبي لدى ألفريقين مليء بالمغالطات وألأكاذيب وألإفتراءات ، فبعض ألشيعة ألجهلة يجهلون أن الإمام علي عليه ألسلام تجاوز موضوع الإختلاف على خلافة ألرسول صلى ألله عليه وسلم ، وكان في أحسن علاقة مع ألخلفاء الآخرين ، حتى أن عمر إبن ألخطاب إستخلفه على ألحكم نيابة عنه عندما ذهب ألى ألقدس ، بل سمى علي أبناءه بأسمائهم هو وأبناءه أيضا" فتجد بينهم عمر وابو بكر وعثمان (إستشهد مع الإمام الحسين في واقعة كربلاء) ولا يذكره ألمتخلفون بسبب إسمه متناسين أنه إبن أبي الأئمة عليهم ألسلام وشهيد كربلاء. وعلى جميع ألمسلمين تجاوز مثل هذه الإمور ألتي لا تفيد إلا ألأعداء وتساهم في إشعال نار ألتفرقة وألطائفية وهي من مخلفات ألحقبة ألمظلمة كما أسلفت. كما أن الإخوة ألسنة يبالغون في تكفير ألشيعة دون حق أو أساس طالما انهم يشاركونهم ويتطابقون معهم في أساسيات ألدين ويؤدون الشهادتين. إن إستخدام ألعقل وألحكمة وقبول الآخر هو ألطريق ألوحيد أمامنا ، وعلى مسؤولي ألتوجيه ألديني لدى الفريقين ألتقريب بين المذهبين بكل ما أوتوا من إمكانيات ، ومنع تكفير ألجانب ألآخر بكل ألوسائل ألممكنة ، وتهذيب ألتراث ألشعبي الديني من كل الأخطاء ألجسيمة ألتي غرسها ألمتخلفون في عقول ألناس طوال قرون طويلة من ألجهل وألتخلف. هذه أمانة في أعناقهم جميعا".
ولنتذكر أنه لا يمكن لأحد أن يزكي نفسه ويدعي أنه يمتلك ألحقيقة كلها ، فالله سبحانه عز وجل أعلم بعباده وهو وحده من يقرر مقدار ألحق لدى هذا الفريق أو ذلك ، لكن ألجميع مسلمون تعصمهم شهادة أن لا إله إلا ألله وأن محمدا" رسول ألله في أرواحهم واموالهم وأعراضهم . ونسأل ألله أن يهدي ألجميع إلى نبذ الخلافات وتجنب الإقتتال ألطائفي ألذي يسعى إليه ألخونة وعملاء الأجانب ، وأن يزرع في قلوبهم ألمحبة والإخوة وألرحمة وألشفقة على بعضهم بعضا" ، لينعموا بخيرات هذه ألبلاد متحابين متآزرين متساوين تماما" في ألحقوق والواجبات . ولله وحده ألحكم في الآخرة .
وسنكتب في ألحلقة ألتالية مزيدا" و أمثلة عن بقية شعوب العالم وأديانها إن شاء الله.
*كانت بريطانيا تمهد لتسليم الحكم لعبدألعزيز بن سعود ، وتدعمه سرا" بالمال وألسلاح من أجل ألقضاء على مملكة ألشريف حسين في ألحجاز ، ثم ألتنصل من وعدها بتأسيس الدولة ألعربية الكبرى لتنفيذ وعد بلفور بإقامة دولة يهودية في فلسطين، ومع ذلك بقي ألضباط ألعراقيون ألذين أسسوا ألجيش ألعراقي على ولائهم لبريطانيا ، أي أنهم إنقلبوا على ألأتراك اولا" ، ثم على ألشريف حسين حيث ترك وحيدا" فخسر ألحرب امام إبن سعود ألذي كوٌن دولة متطرفة متخلفة دينيا" تصدر الإرهاب لكل ألعالم، وتزعزع إستقرار بلادنا بدعمها للإرهابيين ألذين قتلوا عشرات ألآلاف من ألعراقيين سنة وشيعة.
** قلت لعلي فاضل عباس في خريف عام 1977 ، وكان برتبة عقيد ركن : كيف تقبلون أن يكون زميلك عدنان وهو عقيد ركن مثلك وزيرا" للدفاع ليرأس ضباطا" كبارا" مثل ألفريق عبدالجبار شنشل وغيره وألأدهى من ذلك يتم منح أعلى رتبة عسكرية لمدني هارب من ألخدمة (صدام حسين) فأجاب حرفيا" : قائد فذ مثل صدام ، ألا يستأهل أعلى ألرتب ؟ قلت له هذا تخريب وتدمير للعسكرية ألعراقية ومثلها وقيمها ، فلم يقتنع ، ثم لم يفده حبه لصدام عام 1981 لأنه شيعي.
*** زارني إبراهيم السهيل ألجميلي في مكتبي في عمان قبيل حرب عاصفة ألصحراء ، وتحدثنا عن إحتمالات ألحرب ، فقلت له هي آتية لاريب في ذلك بسبب عناد صدام ، وأميركا من ألقوة بحيث بإمكانها تدمير العراق وتحويله إلى ركام بإستعمال ألصواريخ ألموجهة بدقة إلى أهدافها بفضل الأقمار ألصناعية والأجهزة ألمتطورة في صواريخها بحيث لا تخطئء ألهدف فقال: ألا يمكننا إسقاط الأقمار الصناعية بمدفعيتنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فخطر ببالي ألعبقري حسين كامل.

الخميس، 10 نوفمبر، 2011

قصة قصيرة-أخطاء الإمبراطور وعظمته-عادل كامل

قصة قصيرة

أخطاء الإمبراطور وعظمته

عادل كامل

منذ قرن ، لم يصدر مجلس الإمبراطورية أي أمر يخص منع حريات الناس أو أجراء حساب لهم في أية قضية من القضايا .. ليس لأن أعضاء هذا المجلس هو الشعب كله ، بل لأن أمير الأمراء ذاته قد تحول من ملك يحكم أطراف العالم البعيدة إلى إنسان يتنزه في الحقول ويجلس قرب الجداول ويتناول طعامه مع الفقراء والمتسولة و .. ..
ولكن مجلس الإمبراطورية الخالدة قد أعلن بلا أسف ان أمير أمراء العالم القديم والجديد هو الوحيد الذي لم يكن له ميلاد أو سنوات حكم أو نهاية . فهو مخلوق لا وجود له في الأصل ، وسجله الحافل بالرموز والجواهر والمآثر محض افتراء على جلالته ذاته قبل ان يكون كذبة عامة تلوث ضمائر مليارات البشر . ومثل هذا القرار الذي لم يعلن مباشرة شاع بين الناس وسمع به بطل أبطال الكواكب ، ذات يوم ، وهو يتنزه مع صبية في حقل لزراعة بنات الهوى ذوات الجمال السماوي المقدس ولم يكترث لعقوق أصحاب القرار ، فالناس ، في أعماقه ، هم الناس ولا يمكن صناعتهم حسب الفلسفات أو المعتقدات . أنهم النور السماوي فوق الأرض مثلما هم جواهر الأرض في الأعالي .
أبتسم شمس الشموس وقال لصحفي أجرى معه مقابلة استغرقت عدة عقود من الزمن :
- " في الغالب علينا تفحص الأمر من زاوية أبعد وأعمق وربما من ركن استثنائي .. فأنا نفسي لم أفكر بما حصل ولا بالطريقة التي تجري فيها الأمور .. هكذا أود من أعماقي نسيان أني مخترع هذه الأرض وهذه الشعوب .. في البدء حسبت الأمر محض لعب لا أكثر ولا اقل .. وهكذا صرت أعالج أعقد الأمور ببساطة وبعفوية .. ولكني في الأخير اكتشفت أني غير قادر على خلع الأحذية التي لبسها الشعب . وفي واقع الأمر أني لا أستطيع تصور الناس ألا بأحذيتهم . مثلما لا يمكن التحدث الى رجل بلا رأس . وعلى رغم هذا كله ياولدي فأنا غير حزين أو سعيد والأمر جد عادي هو ان الناس كائنات مصنوعة من الجلد .."

وغاب عن الوعي فترة طويلة من الزمن . وعندما آفاق كان وحيداً .. وبعد أعوام من ذلك التاريخ وجد الإمبراطور حاكم العالم القديم والجديد نفسه قد أستعاد ذاكرته . فذهب الى قصر القصور الذي شيده بمليار جمجمة من رؤوس الأعداء وألقى كلمة أذاعتها حناجر السكان في كل مكان من الأرض .. كلمة موجزة وان تجاوزت الألف صفحة من الحجم الكبير ، أعلن فيها عن ميلاد الإنسان العبقري . لقد هشم في البدء فلسفات الغطرسة وإرادة الحروب وفذلكات الخطاب الرنانة ليعلن بصراحة ان لكل ذات ولدت في عصره واستنارت بهدى وحيه المرسل الغامض القدري والمشيد بآخر حقائق إلكترون العلوم الفضائية الحق كل الحق بشرف الحياة . هكذا أصدر أمره الذي لم يفهم في سياقه التاريخي بمنع القتل والانتحار ولكن الأمر سرى كالنار في الهشيم بعد عقد واحد من الزمن عندما تم هدم السجون والمعتقلات وإلغاء الجيش والبوليس والحرس الإمبراطوري . وقال ان كل إنسان هو حارس الشعب ، والشعب كله حارس كبير الآلهة ، فالعدالة تنبع من جوهر اتحاد الجسد بالشمس العليا للذاكرة الأزلية .
صفق له الشعب سنوات طويلة جداً .. صفق له الأموات في الحروب الكبرى التي خاضها والأحياء المنذورين للخلاص الأخير .. ذلك لأنه أعلن بجلاء مطلق ان الإنسان ولد من النور وبالنور يعيش وإن مات فلا قبر له غير فردوس الشمس . ولهذا السبب أعلن الناس أنهم الملائكة فوق الأرض ، وتمت تسمية أمير العالم بشمس الشموس والنور الأزلي بعيداً عن تاريخ الميلاد أو تفسخ الجسد والظلومات . فالعباقرة ، وهم سكان الإمبراطورية الذين يحكمون العالم ، لا يخضعون لحكم الزمن الجائر .. أنهم الإمبراطور الجد والحفيد وهم الذين يحكمون أنفسهم بأنفسهم . وجاء في خطابه أيضاً ان الذات لا تمتلك ما حصلت عليه وما تحصل عليه فالملكية سر الشر كله ، فالناس ولدوا غرباء ويعيشون هكذا ولن يموتوا ألا غرباء لا شائبة تمس نورهم ولا ظلمة تسكن منازلهم الروحانية . الجميع يعبدون النور في أعالي العلي بعد هدم ظلمات ما تحت التراب الذي صنعه أشرار العالم القديم . ولهذه المعتقدات سحرها الذي قاد الأمة في نكبة النكبات الى الخلاص .. فقد تطوع الشعب كله للموت الذي لا أسم له . فالجد يحدث الابن بلا جدوى العمر تحت نير الظلمات .. والابن يحدث أولاده بالنور المفتدى . في ذلك العام هلك نصف الشعب ثمناً لكرامة الأنوار . فلمن ولد النور ؟ ذلك السؤال أجاب عليه قمر الفضاء ومسيّر الأفلاك بأن النور هو مصدر النور ..
وصفق له الشعب على مدى سنوات .. ولوحظ في هذه المرة ان الأشجار اصطفت في مسيرات حاشدة تشجب قدرية الظلام .. كما خرجت حيوانات البرية كلها : الأسود تتقدم الركب وبعدها النمور والفيلة والثعابين والعقارب والدببة والجمال والنمل والطيور .. مواكب مرت تحي بالنور شمس الشموس وتصفق له حتى في أحلامها قرار إرسال الجميع الى وحل الانتصار .. فالحياة ما عادت تحتمل من غير كرامات الأسرة الواحدة . أمة بلا جيش ولا بوليس ولا حرس ولا سجون ماذا تريد سوى الدفاع عن مملكتها المشيدة بهذا النور الساطع . حتى ان مسيرة كبرى لم تشهد لها الساحات من قبل هتفت وهتفت لسيادته وهي التي لم تولد بعد ولم تنل بعد شرف مباركته لها . تلك الجحافل ستولد في يوم ما من النور الذي لا يحمل أي تاريخ في سجل المستشفيات أو بيانات الميلاد . ففي أمة لا يوجد فيها زواج أو طلاق أعلن الشعب كله تطوعه للحرب التي لم يحسب لها الحساب .. فالقانون الأخير الذي صفقت له الريح وسجدت له الغابات بدغلها وحشراتها حفزت في الأعماق نوايا الخلاص والولاء لجلالة أمير أمراء العالم القديم والجديد . فلماذا الزواج ولماذا الطلاق . قال جلالته ان الحق ينبع من النور . والناس أدركوا من غير كلام أو ويلات حروب أنهم هم النور ولهذا أعلنوا جميعاً تطوعهم ضد الأعداء الأشرار .
وتلك هي فكرة شاعت وترسخت في قيعان الذاكرة : أنها من أشهر القصص التي كتبها أمير الأمراء بقلمه ، ونشرها منحوتة فوق الصخر ، قصة اجتماع أمير الجمال وأمير الملذات والمسرات ، وخادم الحرمات ، وأمير ملائكة الرحمة ، وأمير الحسان ، وأمير الفقراء والكلام الموزون ، وأمير فلسفات الدفاع عن مصدر الضوء وانعكاساته الخارقة والغيبية ، وأمير الصمت الصوفي الشفاف .. وغيرهم ، هؤلاء ، حسب الوثائق ، دخلوا معركتهم الأخيرة ، وماتوا كلهم دفعة واحدة بعيداً عن السيناريو الذي أعد لهم . فساد الظلام خيام القادة بينما كانت عظام مليارات المقتتلين تصفق الى كبير الآلهة الذي هو كنز الكنوز . عظام لصق عظام تصف بلا منازعات وهي غير خائفة من البرد الأخير .
وقال جلالته ، في هذا الخطاب ، ان الناس هم النذور .
وفي واقع الأمر لم يفهم الشعب فكره المتوقد ، على رغم ان الشعب والأشجار والأسماك والطيور وحيوانات حدائق الأثرياء وكل من دب فوق الأرض ذهبوا الى أبعد ما في أيمانه الأخير ، ذلك لأن الجميع أرادوا البرهنة على الولاء كنور يبدد ظلمات العالم .
ومثل تلك الفكرة وحدها بددت تخرصات الأعداء إزاء العالم المشّيد بالنور . فتم إبادة المعارضة أو أصحاب اللسان أو كل من في رأسه بقايا فكر .. وعلى الفور أعلن الأحياء والذين سيولدون في الأزمنة القادمة صواب آراء جلالة أمير أمراء العالم القديم والجديد ان الله هو الإنسان في إلغاء حدود العذاب بين الروح والقبر .
وحينذاك وعلى نحو مرتب بدقة صدرت أوامر بتأسيس قيادات حزبية لها شرفها الأول ألا تكشف أسرارها الى أبد الآبدين . وفي هذا السياق نشرت اعترافات هؤلاء القادة مثلما نشرت كتب عن وسائل متطورة للحصول على اللذة الشهوانية لإفرازات غدد كانت من صنع الإمبراطور . فالطبيعة حمقاء في جوهرها . وقال الإمبراطور أنها ليست حمقاء ألا لأنها لا تتيح للإنسان فرصة التذكر . وقد صفق الشعب كله سنوات لهذه الفكرة حتى ضجر جلالته من الهتاف فصرح ذات يوم كفى للهتاف . فصفق الشعب في أحلامه الخيالية من غير أصابع وهتفت الجماهير لقرون من غير رؤوس أو أدمغه . فقد كان قرار إلغاء وظائف الأعضاء مثمراً في هذا الشأن ، لا أحد يفكر ألا حسب القانون . ومثل هذا الأمر ذاته أكدته تلك الهتافات ألا عودة الى الابتذال الفكري للحوار أو المجادلات . فالبشر هم من نور يولدون فقط وهم قبل وبعد كل الأشياء لا قبور لهم سوى الجمال يحتويهم كبذور لأزهار لا تحترق بفعل الزمن . فالناس لا تتحكم فيهم المعرفة الجبروتية أو الديالكتيكية ألا باعتبارهم محض حيوان ستعدل من مسارها .
وأنشد الشعب وغنى ورقص بكل غرائزه الدفينة .. وتلك حالة شبه حتمية وصارت من أبرز التقاليد في الإمبراطورية ، وكان جلالته يفتخر بأن شعبه ، على عكس سكان الكواكب البعيدة أو البرابرة المجاورين له ، لا يعرف ألا حب الرقص وعبادة الأعياد والنور والخصب . فالناس هم عرس دائم ، حتى ان الشعب ، في واحدة من أكثر المعارك بشاعة ، أعلن احتفاله بزواج كل فتاة عذراء أو لم تولد بعد ، وحينها صدر القانون الذي ألغى جواز بقاء للأنثى ، كل أنثى من الحيوان أو الأشجار أو البشر بلا قرين أو زوج أو من يقوم بدور الإخصاب .. وقد صدر ذلك القرار في أشد أعوام احتدام الحرب ، والذي بالفعل صعق عقول الأعداء . فقد نشطت المخيلة على نحو غريب في إلغاء القرارات السابقة ، ذلك لأن الخصب يمنح الحياة وحدة أكثر الأشياء خفاءً مع أكثر النوايا ملائمة مع الاحتفالات .
على ان الإمبراطور أنسحب الى غابة نائية ومجهولة مع حرسه من النساء . وأعتكف هناك عدة أعوام شاعت خلالها في صحافة البرابرة وسفلة العالم البعيد ان جلالته يعاني من الذهان ، وفي تقرير سري قيل ان حالة من الطيف الشيزوفريني قد جعلته يفقد شخصيته ويتقمص روح الملائكة تارة وروح الشمس في الغالب . لكن ذلك التقرير المشؤوم لم يصمد أمام دراسة شبه ميدانية زعمت ان جلالته صار نبي البرد وأمير الثلوج وزعيم الأمراض المستعصية التي تنسف الدماغ وقوى العقل العليا . على ان الشعب في تلك السنوات ، ومنذ استقراره في الغابات أظهر عبقرية جابه بها أعداء الإمبراطورية .. فقد كان إلغاء الفاصل بين الموت والحياة بهذه الصفاقة قد ولدّ فكرة ان الجميع هم الإمبراطور وان بإمكان سكان عالمنا والعوالم القادمة من تنفيذ أوامره الديالكتيكية التي محورها ان الخصب وحده يمثل الذات منشطرة داخل الجماعات السكانية في تحقيق وحدة الزمن .
ومن ناحية إعلامية حقيقية فأن الأعداء وتحت ذعر الإبادة المخيمة في سماء المعارك قد أعلنوا هدنة مزيفة لم يكن لها من أثر سلبي في عمليات التجنيد وإرسال قوافل الفتيان والشباب والكهول الى وحل الانتصارات .. فقد أعلن أمير الطب والخصب الأزلي أن علماء الإمبراطورية بفضل نور الشمس الخالد قد توصلوا الى نظرية متطورة في الامتداد مفادها – وهذا الأمر غدا حقيقة في اليوم التالي – ان الأشجار بتناسلها لا تقل شرفاً مقدساً في إنجاب المحاربين .. كما تم تطوير الجينات المنحطة للحيوانات والبهائم التي لم تلوثها العقائد والأيديولوجيات المستوردة من الكواكب المعادية الى كائنات مثالية قادرة على الانشطار الذاتي .. وهذه النظريات ، في واقع أمرها ، جاءت لترضي مرحلة معقدة مرت بها البلاد ، خاصة أبان الحرب التي دامت قرن من الزمن الروحي الوسخ ، ذلك لأن الانحطاط الأخلاقي دفع بأكثر الناس صفاءً الى الانزواء والإدمان على تناول البراز وتدخين رائحة البول الجاف والنوم مع جث الحمير الميتة التي بلغ بها الأسى والنبل درجة اختيار الانتحار الجماعي بدل الخضوع لحيل وسفالات الأمر الواقعي . وحكاية انتحار الحمير كتبها ابن الإمبراطور وقال فيها أشياء كثيرة تندد بالانحطاط و القذارات التي لونت الناس وجعلتهم من سكان الجحيم . وانتحار الحمير من زاوية رمزية وواقعية معاً من أكثر الحكايات الشعبية ذات الفكاهة السوداء والسخف المفيد . ففي فجر يوم ربيعي مشمس ، وكان قصف الطائرات العملاقة المقاتلة وعمليات القصف الصاروخي قد توقفت لا بسبب نشوة الطبيعة وبزوغ لمحة مشرفة للجمال وإنما لأسباب تكتيكية لا أحد يعرف أسرارها شاهد الناس في أكبر الساحات والمتنزهات والحدائق والطرق قرار الانتحار الجماعي لحمير البلاد لسبب مباشر أعلن في قرار هذا الاختيار الأخلاقي وملخصه ان القائد العام لقوات وجحافل الحمير قد استيقظ وأصغى الى إذاعات الدول المتصارعة تذيع الأناشيد السماوية وحدها وان زعماء مطاحن الإبادة وهدر الدماء كانوا يتراشقون بالموت مثل كلاب مسعورة بينما كانت أطراف الحرب الخفية تقهقه بلا أسف لموت ملايين الأنذال والفقراء والمساكين ذلك لأنها عندما أشعلت تلك الحرب المسماة (( جوهرة الجواهر )) أرادت التخلص من أسلحتها ومن ثروات تلك البلدان بعد ان عقدت تلك الأطراف السلام فيما بينها لتشعل تلك الحرب بين الشعوب التي فقدت أخلاقها .. كان انتحار الحمير هو الحدث الذي تحول الى وحدة الإمبراطورية من خلال تطوير جينات السرطان حيث ولد جيل يتكاثر بلا حدود استطاع ان يغزوا العالم كله ملتهماً تجار الحروب وزعماء اللسان والكلمات التي لم يعد يصدقها حتى الكلاب والمومسات ووحل الموتى المتعفنين ..
ومثل هذه الأخبار كانت تصل الى أسماع الإمبراطور التي سخر منها أيماناً منه بأن نظرية الخصب النوراني وحدها ستعيد صياغة المخلوقات كلها .. وهذا نفذه أبناء الأمة عفوياً ومن غير ضرورة استثمار آليات العقل العليا أو خفايا الدماغ عندما تحولت الخلايا اللا عضوية الى جنود محنكين منذورين للأنوار والإمدادات والآفاق الرحبة .
ولكن عقل الإمبراطور الجبار الذي يوصف بأنه سبق الدوي المرعب الذي أنشأ الأكوان والذي سيبقى فذاً بعد انهيار هذا العالم وكل عالم أخر من المجرات والكائنات الشريرة المحكومة بحلم العودة الأبدي كان يتعرض لنزوات لا كونية وليس بمقدور أحد أو أي جهاز معلوماتي أو خزان هائل للذاكرة والابتكار الفريد من تحديد تلك الحالات أو حتى وصفها . وربما جاء ذلك بسبب معمر عاش جميع الحروب التي عاشتها الأرض منذ الجد الأول . فذلك المعمر كان يصف للإمبراطور كافة الويلات التي مصدرها عشق المخلوق العضوي لماضيه الهامد ، وان سبب التعقل لدىّ البشر والحيوان في الأزمات الاستثنائية لا يختلف عن الموت نفسه . فالتعب أو الوهن أو الشهوات أو الجوع لا تسبب الظاهرة بل تؤكد مصداقية أعلى عمليات التجريد التي تحدث للذرات المتحركة على هذا النحو الذي يعمل به الدماغ وعلى هذه الشاكلة المعقدة من وعي الوعي . ولعل فشل رسالات وأهداف وغايات كبار المصلحين قد فقدت كل الآمال بإعادة صياغة قانون التحولات .
كان الإمبراطور يصغي لهذا الصوت عله يكتشف وسيلة تفوق وعيه للنور ذاته . وربما هو ذا السبب الذي جعله يغادر المملكة معتزلاً العالم في تلك الغابة يعيش مع النباتات والطيور وينام مع الوحوش الكاسرة ويرتوي من لبنها الساخن ويتعلم لغة الأسماك والصخور فترة طويلة من الزمن اللا روحي . فقد آمن بلا رجعة ان المشكلة لا تخص الأثام الذاتية أو البشرية ولا القدر الأبله المطعون بنبال الحروب القادمة وإنما ثمة ببساطة النور الذي يتحول الى عتمة . وقد فند نظرية السكون والحركة وتم إحصاء الذكور والنساء معاً وكل من آمن بهذا على هذا النحو السطحي فالنور هناك ويليه ما بعد النور مثلما أبداً في الأسرار علانية ما قبل الأنوار الوهاجة . فالسكون حركة خصب تنتظر المباشرة بالأفعال المقدسة . وقد كان قراره بجعل الأشياء كلها والأفعال كلها ذات خاصية صافية لا يشوبها الوهن والفزع والتهتك والانحلال واللا مبالاة ثورة أصيلة هتف لها مليار مليار مليار من اتباع أتباعه والى اليوم الذي لا يأتي ..
ألا ان وهن الآلهة يختلف عن إعياء ذرات الجسد وإحباطات اللذة كما يحصل للبشر . وهذا ما دفعه في ذات يوم مشمس لتصفح مذكرات الإمبراطور الأب ..
وياله من فزع جعل بهائم الغابة تواسيه ودفع بالصخور لمراضاته والأسماك لذرف الدموع من أجله . وقد أطبقت السماء على الأرض ، وزلزلت الأكوان ، وتغير نظام سيرها وتوقدت انفجارات الرأس كماسك بالأوهام ومحلل أسبابها عندما تصفح اعترافات الأب والتي أضاف لها بصورة غير مدونة مشاعر فائقة للوصف والمذلة والجلال .. فقد وردت في فقرة تظهر تألمه اللا بشري واللا محدود لعذاب جلالة الإمبراطور الأب الذي رضخ للقبول بالسلام في ذات مرة في إحدى حروبه حيث كتب أو دون أو قال ان الأب خالجته أوهام وخيالات تخص ارتعاشات الشهوة ممتزجة بالظلام .. تلك الحالة التي أثارت شراسة الأعداء لحساسية الأب العجوز والتي دفعت بهم الى أتعس وأشهر وأنذل حصار حدث حتى عصره .. فقد مات الجند مثلما تجف الأشجار .. وهي أشهر شهدت موت المقاتلين في خنادق النور والعز والمجد وفي وحل الانتصارات .. ولم يبتسم الإمبراطور الابن قط لذلك المشهد الذي أمتزج بوراثة أفكاره ألا بعد ان هداه كبير المعمرين وطلب منه بعد اعتذار مطلق ان يخرج هؤلاء الجند من جيفة الموت .. ففعل الإمبراطور ذلك بعد حرب صاعقة مع رب الظلام وحرب أخرى ضد أميرة بوابات العالم الأخر .. وتمت له سلطة وهيبة إعادة محاكمتهم لاستسلام أجسادهم لشهوات ورغبات الجسد السافلة كحب الطعام والموت .. لكن جلالته كما في أفعاله التي لا توصف عفى وغفر لهم واستثناهم من أي عقاب ليعيدهم الى تربتهم المزروعة بالكنوز والماس والياقوت والزمرد والبترول المنقى .. لقد أعادهم الى تلك الأرض التي لم تجف فيها دماء الأجداد وأجداد الأجداد بعد .. لقد أعادهم الى الأسرار التي جذبتهم أليها أولاً بأول مفنداً تخرصات الأعداء الشيطانية حول إعيائهم ووهنهم وموتهم بسبب الحصار الاقتصادي ..
ولم يبتسم ألا عندما تذكر أسطورة انتحار الحمير المقدس الذي كان وصمة عار أبدية ضد الأعداء الملعونين الذين هم في الأزمنة اللاحقة محض تماثيل نصبت ليبول عليها من أنجبته حرة أو قحبة . وبالفعل مازالت في الإمبراطورية ملايين من تماثيل هؤلاء تستقبل البول والبراز بشهية من أرتكب الأثام كلها .. كما كانت تعلق فيها جثت المعدومين وموتى الشر فهم رمز الجيفة في أمة النور . أبتسم جلالته للحظة فقط فقد تخيل إمبراطورية الأب المحاصرة في تلك الحرب ورضوخ الأب للرحمة أبان انهياره وهو يصعد على سلم الوهم الى أعلى عليين حيث كانت الأمة على وشك الانهيار بسبب انعدام وفقدان الماء والزاد وانتشار العلل والكوارث والانهيارات النفسية التي لا تحصى عندما دخلها الأعداء وساعدوا الناس على الحياة .. تخيل ذلك المشهد المروّع حيث العقائد والدفاتر الفلسفية والكتب الزاخرة بعلوم الأولين مقذوفة بلا مبالاة وبصلف في براميل الزبل ومدفونة مع شرفاء أصحاب الفكر في المقابر الجماعية بينما الناس يزحفون كالحيوانات الكسيرة نحو طعام القمامة المتعفن ..
ولكم حاول ارواء خياله بمعجزات العقاب لهؤلاء الأبناء الأذلاء المستضعفين بدافع انحطاط الخيال من غير ارتواء أو مشاعر ود . فقد كان يستحيل عليه الشعور بالرضا من جراء الضعف البشري الذي أنهك خلايا الأحلام والذي دفعهم الى الاستسلام .
ألا ان كبير المعمرين حاول ان يذهب بخيال الإمبراطور الى مصادر مسراته : الاستمتاع بموسيقى حكاية الخليقة .. ومعرفة مصادر لذة اختراع الأوهام الأصلية ..
فقال الإمبراطور بكلمات مبهمة لكنها حازمة (( أسكت )) وكان ذلك بمثابة شك من جلالته لكبير حكماء عرشه بعد ان صفى آخر أذناب المندسين في عمل آليات الأجهزة الخاصة التي حملت له الولاء المطلق . ألا أنه لم يظهر نواياه إزاء عجوز حكيم دربته المحن وعاركته الصعاب .. لهذا تركه يحفر قبره بيديه . وبهذا التعبير السافل تذكر أجهزة الإنصات الرهيبة التي كانت تقدم له في كل يوم ما دار في خيال وخلد وذهن وأحلام ونوايا أبناء الأمة ، الأمر الذي فرضه هيمنته المطلقة لزمن لم يمتد طويلاً بعد ان أفتضح السر فغير الناس ما بداخل نفوسهم تغييراً جعل البلاد في سلام تام . فأجهزة الإنصات ، وهذا عيبها الوحيد ، غير قادرة على اكتشاف مثل هذه الكمائن ، على رغم أنها أعلنت له مراراً من وجود مشاعر غامضة لديّ من تجاوز الخمسين من العمر .. فمن خلال هلاهل وهتافات ومسيرات أبناء الأمة كان هؤلاء الكهول أقل رغبة بالرقص والشعر الميكانيكي الموزون وأهازيج المدائح وإشعال النيران في الخلايا اللا عضوية . وعلى كل فأنه لم يلتفت لتقاريرها في لحظات المحن ، كالتي يمر وهو يسترجع ، في غابته السرية ، تاريخ الإمبراطورية.
أنه الآن يرى في الشاشة الفلم الموجز لمسيرة حياة جده الإمبراطور الذي كاد يغدو إلهاً .. فقد صنع منه الأعداء وهماً سماوياً فاق أقسى الحقائق وأكثرها دقة . فقد نفى ذلك الحاكم كل التهم التي وجهت له ، وأباد ، بفعل أجهزة الإنصات ، من خالجه الشك في أمر رسالته ونواياه وغاياته .
ضحك الإمبراطور وهو يستمع الى صوت غامض يصدر من مكان مجهول .. صوت يذكره بأن الدولة ، في عصر جده الذهبي ، وبعد حروب أشارت أليها كتب التاريخ كلها ، كانت توزع مثل رغيف خبز يوزع على كلاب تنتظر حصتها بعد انتهاء مراسيم العيد واللعب . ومثل هذه المخاوف والمشاعر والكبت الروحي السقيم المزمن لم يعد يتجادل أو يتحاور بها أحد أو ترد في خواطر الناس . فلا مبالاة استقبال الخوارق تماثل الموت فوق الأرصفة أو الانتحار في ساحة النصر الأزلية . فأي إمبراطور يتدرج سلالم دفة السفينة يخترع لبني البشر البحر الكبر لها وهكذا تتبدل السفن بعد ان تتبدل السواحل .. حتى ان أكثر الأشياء ندرة صار يباع بالمجان أو بلا ثمن .. كأن المملكة برمتها تولد وتعيش وتضمحل لتولد وتنمو وتهلك مثل شريط يعاد سماعه للمرة الألف بعد الألف .. لكن لا أحد يهمه أمر الذاكرة .. وتلك جملة طيرها أحد الكتاب فشاعت فترة من الدهر .. لكنها تلاشت بعد ميلاد بشر برؤوس جديدة ، وبعد ان أزيلت من الكتب كل إشارة لها ، فالأجيال لها حق البقاء بمقدار ، ومن يبد يبد بسبب وعيه ، ومن لم يصفق للإمبراطور فهو خائن لا يؤمن بنظرية الخصب وكسول وبالتالي فعلى أقدام الثيران ان تسحقه وعلى النار ان تحوله الى رماد ليذر بعيداً في الصحراء .
فتارة تنحني الهمم فوق رغيف الخبز – قال كبير المعمرين في نفسه – وكان الإمبراطور يسمع ذلك الصوت الداخلي له – مثل انحناءة قضيب معدني تسلط عليه النار .. فإذا كابرت بعض الهمم .. فآنذاك تشتد النار لتحول الفلز الصلد الى بخار . على ان الحق يحتم علينا الاعتراف ببطولات الجند في المعارك كلها ومنها تلك التي فضل فيها آخر فصيل الاستسلام للموت الخالد بدل النجاة . ففي أسطورة الناس كانت هناك دائماً ذكرى لها مكانها في كتاب الدهر . أنها رقصة رأس مبتور في غرفة إعدام مظلمة . عيد في فرن نووي .
- (( أذهب ))
ولم يضف الإمبراطور كلمة أخرى . وإنما نادى أميرة الكلام وأخبرها بضجره الذي عكر عليه مزاج لذات الفجر . فقالت أنها ستطلب من البشرية الخروج الى الشوارع والهتاف بحياته الى يوم الدين . فقال لها :
- (( لا أريد ذلك .. بعد الآن . أغلقوا أفواه البهائم وحطموا أجهزة الكلام وأبواق اللعنة .. ))
ومنذ ذلك العهد منح الناس الحق كله في الخروج الى الشوارع والساحات والبراري والغابات والهتاف بحياة جلالة الإمبراطور الذي لن يموت الى اليوم الذي لا يأتي، وأعلنت أجهزة الكلام وأبواق الدوي ان الإمبراطور ارتقى خطوة جديدة نحو هدفه الخالد . والحق ان الناس ، بعد مئات السنين ، حولوا الأوامر الى وراثة . وليس هناك أي عالم يقدر ان يفرق بين الأسباب أو الظواهر أو تأويل النوايا . فالجميع عشاق للتصفيق وحب الرقص . أنهم ولدوا للاحتفالات . وهذا هو علم وراثة عصر ما بعد انشطار الخلايا العليا للحساسيات الفائقة . فحتى ان جلالة الإمبراطور الجد في أزمة أعلان الأعداء عن قتل الناس بالأشعة الارتجاجية لقيادة عمليات الدماغ الموحد خرج الشعب كله الذي مات بكل الوسائل ومنها الرفاهية البالغة وأيده . فهؤلاء الأكثر حقداً على جلالته والذين رحلوا مدفونين بالعار والألم والأورام والمخاوف اظهروا له الولاء بما فاق ولاء الأبناء والأحفاد من سلالة الدم الإمبراطوري المشع بالماس والجواهر والأنوار . وهذا الأمر وحده دفعه لأجراء تعديل في حساب من هم أعداء الداخل ومن هم أصدقاء الخارج والذي رسم له حقيقة ان المستقبل مثل الماضي وليمة كلام تنهش بعضها البعض الأخر حتى آخر الزمن . إنما هذا الوعي الجلل المروع والهزيل دفع بالابن لأجراء محاكمة لفكر الأب وأقصاه بعد جدل خاطف من مناصبه الألف ولم يمنحه ألا راحة الشفاء بالعذابات الدائمة . لقد حوله الى امرأة مدماة تطلق يومياً من غير إنجاب ألا هذا الشقاء المستمر . لكن الإمبراطور الحفيد فند خسة حكم الأب عندما أعاد للمرأة مكانتها الجمالية وجعل جرائمها آيات نورانية . أنه ضرب من المستحيل الذي غدا مألوفاً . وفي هذا أيده كبير الحكماء الذي نضج أكذوبة الموت الدائم . فالخصب يسبق كل نوايا الإنجاب . وبهذا أستعاد الإمبراطور نسيانه المقدس ، بعد ان مسح من الدفاتر التاريخية قذارات الأباء والأجداد ، وعاد الى حيواناته المتوحشة في البرية عند نبع الماء . وأحس كأنه عاشق ، مثله في ذلك كمثل من يستقبل الموت نفتح باب الفردوس . فنادى امرأة حسناء هيجت فيه ذكرى جميع اللائي رقد معهن واللائي سيرقد معهن كزوجات وعشيقات أو اللائي لن يحملن ألا مجد الميلاد . نادى الحسناء وقبلها وضاجعها عند نبع الماء حتى وهن جسده . فرقد بلا أحلام فوق العشب ينظر بمرح غامر سلالة من البشر الجدد يهتفون له بالمجد ويرقصون بعد ان أوقدوا النيران من حوله ، ألا أنه لم يكن من تلك السلالة التي تغريها المسرات بالنعيم .. فقد أعاد بناء ذاته المتكاملة .. وصفى حساباته مع النظريات والأفكار والمعتقدات .. ولما جاء برسالته أدرك أنه هو نورها ، وليس الماضي ألا عثرات أمامه ، فكنسه ، كذلك أزال وهم وعود الأزمنة القادمة . وعلى كل ، قال لكبير المعمرين ، أنه سيذهب الى أقصى مكان سري في الغابة . هز الأخر رأسه ومنع عمل أجهزة الإنصات والتشويش وما شاكلها . فالإمبراطور يستعد لبناء كون خارج خارطة الحرب والسلام أو الوعود المنثورة في الكتب . لكن الإمبراطور وبخ عبده وسأله :
- (( أنك تتحسس عليّ .. ))
فقال بخشوع تام :
- (( هو ذا أمرك يا جلالة الإمبراطور .. ))
- (( أعرف .. ولكني بعد الآن أريد ان أحيا بعيداً عن فذلكات أجهزتي الحمقاء .. أريد ان أعود الى .. . ))
واختفى في ركن مجهول . على ان ذلك لم يكن سراً .. فقد صدرت صحف الأعداء وأجزته كلها تتحدث عن انتحاره تارة أو اعتقاله تارة أخرى .. وقد ظهر فيما بعد ان الإمبراطور كان يسرب بعض المعلومات لأسباب خاصة . وأنها معلومات اربكت الجميع وجعلتهم يتيهون في تحليلاتهم .. لماذا أبتلع بعض المناطق المجاورة ولماذا قطع كل يد صافحته في الزمن الماضي ولماذا بارك الموت الجماعي لجحافله الخاصة ولماذا كان يتنزه تحت أشد أنواع الرعب الكوني في شوارع الإمبراطورية مع الأطفال ولماذا اخترع نظرية الخصب التي فندها ولماذا لم يعد يشعر بالسلام الذي طالما جعله جوهرة النور ..
في البلاد كانت الحياة تجري على نحو عادي .. لقد أعتاد الناس سقوط الكواكب والكتل المفككة من الداخل والموت بفعل إلغاء نظام حركة الدماغ أو الرجات الكهرومغناطيسية النووية التي تعطل عمل القلب للحظة والى الأبد والتي تورث الموتى الخمول حتى في حالات الانبعاث .. لقد أعتاد الناس تلخيص مصائرهم من خلال تقليب كتاب الإمبراطورية .. والأدهى من ذلك ان شاشات التلفاز والعروض المرئية في الساحات والمتنزهات وحتى في المعتقلات كانت تعرض أفلام الأعداء الحربية وغير الحربية .. فالناس يعرفون من غير علم أو أدراك مباشر قوة الأعداء في الهجوم والنسف الجهنمي وتشريح أقاصي الأفكار لدى الناس في الخناق أو في المدن التي مازلت تشكو من الخدر العام .. ان أفلام العدو التي شاهدها سكان الإمبراطورية زرعت ما بعد الرعب في قلوبهم حتى غدا النصر يماثل الهزيمة .. فالموت هو جزء من لعبة الأقوياء الذين هدفهم قيادة الفوضى الى نظام محكم ومغلق وسري لا يمكن شرحه أو ملامسته أو معرفة خفاياه . بيد ان احتجاج كبار كتاب الإمبراطورية حول هذا التخريب النفسي والروحي أدى الى هلاكهم المباشر أو إرسالهم الى ساحات التشهير أو دفع بعامة الناس لقذفهم بالبراز .. ومع ذلك أعتاد الناس مشاهدة أفلام وفعاليات أبطال ورموز وثقافات الأعداء مثلما اعتادوا بلذة تدمير بعضهم للبعض الأخر .
وفي تلك الأيام السود أو التي فقدت كل الألوان خرجت جموع الأمة من جحورها على زعم تعرض الأمة للموت بالرعب السماوي والجهنمي ممجدة ارتقاء الإمبراطورية خطوة أخرى في سلم المجد ذلك الذي ان رآه أحد لأبد ان يمسه الجنون . لقد خرجت عن بكرة أبيها تهتف وتصفق وترقص بعد ان زينت المدن بأبهى أشكال الاحتفالات والأعراس كان الحياة برمتها عيد وفرح ، وفي تلك الاحتفالات كان الخطباء يتبارون باشتقاق واختراع لغات محكمة وسرية ومغلقة داخل الانغلاق الصوفي والمثالي والواقعي الرصين .. وكان الناس الذين لا يفهمون الخطباء يهتفون الخطباء يهتفون بأعلى أصواتهم كلما ازدادوا لا معرفة لتلك الخطب المحنكة العظيمة .. وفي الواقع لم يفكر الخطباء ولا الشعراء ولا الكتاب بتلك البهائم التي غيرت معتقداتها آلاف المرات والتي ذاقت مليار صنف من صنوف الهلاك والموت المحقق .
فالنصر محسوم بفعل خفايا النور .. وقال هذا الخطيب الذي سبق ان هلك في عدة حروب ان الجيوش المؤمنة غريزياً بالهزائم حتى النصر قادها أب الجميع في الماضي وفي الغد حتى النصر المؤزر ليشاهد أبناء وأبناء كل الأجيال النورانية والمشعة وصاحبة القرار أوسمة الرماد والزمرد والبول الجاف مرمية في قيعان المستنقعات وفوق أكوام رماد هياكل عظام المخصيين والمحاربين والمومسات والجواسيس والمدراء الذين شبعوا من التهام الذهب وضاجعوا معظم العذراوات والمحصنات من بنات وزراء الإمبراطور نفسه .. أنه النصر الذي مصدره في الغيب آت من النور فوق البسيطة يزلزل عرش العتمة في رأس الجلاد الأكبر . وقال خطيب محنك آخر لا تحصى ثروته ولا تعد ان الهزائم هي قدر الأغنام والماشية والأبقار العجاف التي تساق الى المسلخ من غير اعتراض لأنها مؤمنة عميقاً وبصدق الحكماء ان التضحيات محسوبة ولها مكانتها في رفع شأن الراعي وأتباعه في بناء هيكل العالم الموحد والكبير الذي سيمنح القديسين الشهداء شارة الخلود فالإنسان الفرد والجماعة مثل تلك الجينات فلقها مالك الحجارة لتصير نذراً في أحكام شرعية قانون الأزل الأوحد الذي لا يحق لأحد معرفته أو ليس بالضرورة ان يشرح على رغم عدم رؤيته أو إمكانية تحديد مداه فهو في كل مكان خفي من الذرة ومن النطفة التي ستولد في كل عصر وفي كل زمن بعيداً عن أركان التعصب والغباء ونقصان الوعي . وشرح الخطيب الثالث ان الألم هو الشيطان على هذا النحو المفسد لاستقراء مصادر النور والاشتعال الأمر الذي من خلاله تم إلغاء البرد والأمراض الشتوية والحر وكل تلف قد يسبب فساد عمل حجيرات الدم في شعب الإمبراطورية الموحد الذي يذهب الى الموت كأنه في عيد .
وصار الشعب برمته يخطب ويرقص بعد ان ارتقى الإمبراطور خطوة جديدة في سلم الخلود . فالإمبراطور .. قال أحد الخطباء ذهب الى مناطق أبعد بكثير من خفايا العالم الأخير .. وهو في كلماته يؤشر حكاية الوجود كله منذ الطوفان يوم أمطرت السماء الدماء والجماجم والمتفجرات والأشتعالات فوق النورانية وحتى آخر يوم في هذا الزمن .. فالإمبراطور روى للأمة أحداث الكون قبل فساد فضاء الآلهة يوم لم تكن ضجة ولا أصوات ولا نساء ساحرات ولا رجال قوادون وجواسيس ولا أطفال عراة أو موتى فوق الأرصفة عندما كان الصمت قرين موسيقى كلمات الخلود . كانت الآلهة راضية مرضية لولا أنها ضجرت لأسباب تخصها هي وحدها فصنعت الطوفان لمحدثي الفساد بعد ان فشلت بالقضاء على الإرهاب والاغتيالات السرية وبعد ان فشلت في زرع الرحمة والأيمان فكان الطوفان هو لغتها يوم اشتبكت الآلهة بنفسها في حرب داعرة عند بيت كبيرها الذي أفاق من غفوته وهو الذي لا يغفو ولا يمس جفنه الوهن فقال لها كلمات قليلة ثم جمعها كراع يقود غنمه الى الكهف بعد هبوط الليل وأستأنس بالآراء وبالجدل الوجيز ليصدر أمره بإغراق الأرض ومسح معالمها وإزالة أفعال الشر منها . وقال الإمبراطور ان كبير الآلهة سمح لولده – وكأن الإمبراطور يتحدث عن تاريخه – الصغير بالحفاظ على نفر من البشر المقدسين الأطهار وعلى عدد من البهائم والطيور ليتبع النسل فوق الأرض .. وقال الإمبراطور ان هذا النسل أزداد وملأ الأرض مرة ثانية حتى ارتفعت ضجته وعراكه وصار مصدراً لتلوث صفاء ذهن كبير الآلهة لكن الأخير لم يرسل الطوفان من الأعلى بل ترك القوى يقضي على الضعيف حتى يتم للجميع في يوم مقدر ان تسود فيه أحكام الرب بسيادة هؤلاء الصفوة .
وشرح أحد الخطباء ان العالم اليوم هو في سير منطقي نحو هذه الخاتمة التي يقودها جلالة الإمبراطور الذي لم تلده أنثى ولم يمسسها ذكر حتى في خيالاتها وهي التي صارت أم العالم كله سيدة الأراضي والفرق والأمم وقال هذا الخطيب ان العالم سيخلع فوضاه بعد ان تضع هذه الحرب أوزارها حيث ان كبير الآلهة سيقلد إمبراطورنا وسام الألوهية . ورداً على سؤال غامض مبهم صدر عن عقل ممسوخ لا وجود له هل ان الأعداء سيقضون على هذا الحلم .. فأجاب وهو يزلزل الجبال ويهز الغابات ويرج الأرض ان الإمبراطور لن يصير ضحية غدر ولن يسعى الأعداء في نواياهم الشريرة لجعله شهيداً وإنما هو أقوى من كل الكلمات البراقة لأنهم أصلاً ل يقدرون على قتله أو القضاء عليه إذا حاولوا ذلك كذلك هم سيصابون بالذعر الأولي لو صنعوا منه رمزاً أو شهيداً لأن كل أبناء ما بعد الطوفان سيفسدون سير نظام الكوكب نحو مصيره الواحد الموصد يوم تزلزل الساعة ويقود بريات وصحارى وغابات وبحار العالم نفر قليل من أصحاب الصفوة هيكل السماء والأرض الى المصير المحتوم .
وانهالت الخطب والجمجمات وصدحت مكبرات الكلام وأجهزة الإنذار الصوتي والثقافي والفلسفي تشرح بعمق ان زمن الرعاع قد ولى الى أبد الآبدين وليس على البشر ألا الولاء والإصغاء الى موسيقى صمت كلمات الإمبراطور الآتية من أعماق غابته السرية .
وفي واقع الأمر كان الإمبراطور مسروراً السرور الذي لا يوصف بشرياً أو إنسانياً ألا كومض صادر من خفايا الكون السحيق لتلك الخطب والكتب وآلاف المجلدات التي كانت تواكب تاريخه المجيد .. فقد كان في كل صباح يطلع عليها ويرميها الى النار لتتحول الى أغنية أو كلمة واحدة يبلورها ويعيدها الى شعب إمبراطوريته حيث يجتهد فيها علماء الأمة سنوات وعقود وقرون من الإنهاك والتحليل لتغدو تلك الكلمة حكمة جيل تسري في دماء الأجيال التالية . وكان جلالته في كل مساء يطلع على اجتهاد كبار أتباعه قبل ان يخرج الى الأدغال ويجلس الى حيواناته البرية بعد ان يقذف بها في الغالب الى خزانة تتجمع فيها لقى وآثار عصره الجليدي الماجد . ففي الأدغال كان يخترع روائح التوحش الأليف لنسله القديم ويتنفس ملأ أعماقه شهوات الأنثى عند منابع المياه يخالجه أسى شبحي أنه لم يرقد في رحم امرأة ولا في رحم الآلة وإنما جاء الى هذا العالم مثل نور مصدره النور .. ونسف أسطورة الماء برمتها وبصق في محيا أصحاب النار وكبل أبناء الطين بالهواء كسجن لا مناص منه . لكن رائحة الشواء البشري كانت تحفر مغاليق روحه رغبات الرقاد في رحم أو داخل الحجارة . ألا أن ضباع وأسود وثيران البرية أنسته أحزانه وأرسلت له كل ما يشتهي من إناث البشر والحيوان والطير ومخلوقات البحار وما تحت الأرض وقالت له البرية أوقد نارك يا كبير بني الملائكة الذي لم تلده أنثى ولا أب له من البشر أو الحيوان وأمنح شعبك ذرية مصاغة بالنور من النور تأتي والى النور تذهب . فخلع عنه تاج العالم الذي بثقل كوكب الكواكب وان كان حجمه بصغر رأس دبوس ورقد مع جمع إناث الطير والأسماك والحيوان والإنسان في ليلة أنشق فيها القمر وتناثرت فيها النجوم وتعطلت فيها كافة أجهزة الإنصات والتصوير ولغات الأسرار لينجب في ليلة أم الليالي ذرية تحمل أسمه في مملكات العالم البعيد ..
إنما خرج الشعب كله في تلك الليلة فرحاً يرقص ويغني ويصفق ويهتف لأعوام متواصلة لعيد الخصب وتقدم الفرق والجحافل المنذورة لوحل الفوز والنصر المؤزر صفوف الموتى والأحياء في خنادقهم ومدنهم وقراهم وهي تكتسح الدفاعات الحصينة للأعداء . وقد شاهدت تلفازات العالم وأجهزة التجسس الإمبراطور يتقدم كل هجوم وفي الصفوف الأمامية حتى تعطلت تلك الأجهزة وتهدمت وذابت وانتحرت لأنها لم تدرب وتصمم وتزوّد بما جعلها تفقد تقنياتها المتقدمة وهي تشاهد مليار نسخة أصلية من كيان وشكل وروح الإمبراطور في كل مكان من أرض الوغى وهو يتقدم غير آبه بإنذارات العالم كله ولا بتلك الأسلحة الفتاكة المدمرة للتراب والهواء .. ذلك الحدث الذي عطلت فيه إرادة عمل ذرات وحجيرات الأدمغة التي تصالحت مع الشر والعتمة صار عيداً قومياً خالداً وخطوة أخرى تقدم فيها الإمبراطور نحو مجده المشع بالأنوار .
ولم يعد الى كهفه ألا بعد صمت أطبق على العالم كله . كان يمشي بهدوء مثل ساحر يمشي فوق الجمر غير آبه بلهب النار الموقدة . لا موت يخشاه ولا لغط يخدش سمعه .. لا بصريات تؤذي بصره ولا كلمات مدسوسة توسخ صفحات كتابه .. لا ألم ولا مسرات زائلة .. لا مكان ولا زمن .. وفي كهفه عند الباب اومى بالامتنان الى كل أنثى أخصبت وأرسلت بذريتها المنقاة الى فضاء المطاحن وانصهار الأرواح بباريها في كل ذرات الخلائق حيث أنفس ترقد آمنة مطمئنة وولج الى الداخل حيث طلب من كبير حكماء الخالدين أخبار كبير الآلهة بمجد التاريخ الذي دونه فوق مسلة الإمبراطورية فقال الأخر أنه فعل ذلك في اللحظة التي أراد فيها جلالته ان يعلم كبير الآلهة ان مجده يمتد من مكان الى آخر .. غضب الإمبراطور قليلاً ثم كتم غضبه وهو يعود الى الباب كهفه ينظر الى الباسلين الراقدين في زمن النور الخالد . ولذ له ان يرى الحقب التي مضت تاركة المجد في أبناء الأمة الذين أحبهم كخلايا أزلية تتحرك في ذاكرته الكبرى .
كان يرى المعركة قد بدأت بالكلمات الغامضة ثم بالأيدي وتطورت بعد جيل واحد لتصبح معركة بالحجارة والعصي والعظام .. وهاهو يراها تقتلع المدن والبلدان من خارطة الوجود . لكم فكر في طفولته في مغزى الحرب المدمر والسلام المهين : الموت الذي يلغي المقاصد ويجعل الأطراف كلها في حفرة غضه . كان ذلك في الماضي عندما تلقي أول عقاب صارم من الإمبراطور الأب الذي زج بالابن في خنادق الوحل الأمر الذي دفعه الى بناء هيكل النصر النهائي وجعله لا يحلم ألا بإلغاء فكرة التفسخ التي تفوق بقاء الخلايا في نظامها الرتيب . أنه منذ ذلك الامتحان الذي لم يحسم فيه اختياره للموت دفع بخياله الى أقصاه . لا راحة للجسد ولا سلام للفكر . وهاهو يرى موتاه .. حشد يتناثر فوق الأرض .. رؤوس معلقة وتتدلى من الأشجار .. موتى زرق بالغازات الروحية يقاومون ابتساماتهم الساخرة وراء الجلد المسلوخ . أكوام عظام في الساحات و المتنزهات . مدن خالية من البشر . أطفال متجمدون وشيوخ تحولوا الى بخار . تماثيل بشرية في قدح للماء . شوارع تتلوى من الرعب ومدن خسفت بها الأرض . بحار جفت فيها المياه ولا توجد فيها ألا بقايا حياة . مليار مقاتل في كف حديدي . موتى من الرعب ملتصقون بالأرض وقسم يتطاير كريش في الفضاء . بقايا أصابع فوق الموائد . أرض سوداء تمتد مع الأفق . حيوانات ميته ترتفع رؤوسها نحو السماء . بقايا غابات تحولت الى رماد ..
- (( أكل هذا فعلته أنا .. ؟ ))
فقال كبير المعمرين له :
- (( أنك يا جلالة الإمبراطور مازلت تبحث عن خلاص هذه الأمة .. ))
- (( آه .. أتعتقد أنه بمقدوري أن أفعل شيئاً ؟ أنظر الى الماضي وما بعد الماضي .. ها .. ها .. اقترب مني قليلاً أيها الجاسوس ! هل لحظات السلام الوجيزة للبشر هي الغاية الكبرى التي تحركها مليارات الحشرات البشرية ؟ ها .. لحظات سلام عفنة .. وسخة .. بينما يقود العالم نفرد قليل من أذكى الأذكياء نحو مصيره المحتوم : نحو .. أجل .. العودة الى السلام الذي تتساوى فيه الأشياء : الجلادون يعانقون ضحاياهم بلا تذمر . لا أمراض ولا شيخوخة . أصغ لي يا من أحببت الدنيا وحدها كأنها الزمن كله أني لا أعاني من الأمراض أو الأوهام .. ولا أبدل حالة بحالة .. ولا أعوض قضية بقضية أخرى .. إنما هذه البلاد أو هذا الركن من العالم لا يسعى ألا للإمساك بشرفة أو وجوده العادي .. ألا ترى أني على حق في أحداث هذا اللغط وفي هذه الضوضاء مادام العالم كله أسير حفنة من أذكى والأذكياء الأوغاد .. أو و .. ه .. يا صديقي المعمر الذي يعرف تاريخ هذه الأرض منذ كان فيها شخص واحد هو جدي الإمبراطور وجدتي التي تركت لنا هذه الذرية من الأغنام والمواشي .. أجل .. أنت تعرف تاريخ الذل كله مثلما أعرفه وكأني أعيش في قاعه .. فأين يكمن خلاص الأمة وماذا بمقدوري ان افعل ؟ لقد حاولت ان أقود حتميات الأمور الى شن حرب ضد المفسدين الذين يحاصرون أراضينا ويتلاعبون بمصائرنا ويستولون على ثرواتنا وينهبون عقولنا .. وحصل ما حصل .. لقد صمدنا أمام جبروت أعتى تلك القوى الكاسرة وصرنا على لسان كل من في قلبه نبض وفي عقله بعض خلايا تتشوف للنور .. وأنا كنت طوال الوقت أسير في المقدمة .. ولم أتخلف ولم أهمل صغيرة أو كبيرة تهم مصائر أمتي . كنت أموت وأولد مثل الجميع .. وكنت أدعو الى الإرهاب الذي أدرك الآن أنه الحل الذي يوازي حق الجميع بالحياة . علينا ضرب ونسف وتدمير مصالح الأعداء الحيوية .. ولكن .. ولكن أنت تعرف ماذا حل بنا طوال القرون الماضية . أني للآن لا أعرف لماذا يزعزع الخوف إرادة إنسان فيه من النور ما يفوق ظلمة العالم كله . لست مريضاً ولا خيالياً .. فأنا رجل مثل الجميع ، ولد من رحم أم وله أب ويتنفس الهواء ويشعر بالبرد ويبكي في لحظات الفرح ويحب ويغضب ويتبرز وينام .. ولكني على رغم هذا كله لم أخف من سطوة الأعداء .. وعلى رغم هذا كله أيضاً فأنا لم أفلت من قدري .. من الخراب الذي يمتد الى مئات السنين ومن الوحوش التي تتبادل وتتقاسم وتفترس ضحاياها .. الست أنا الوحيد الذي صرخ في وجه المجهول وصمد سنوات وسنوات للإفلات من مخالبه التي كانت تعمل في القلب ..))

وكتم صوته الداخلي . كان وحيداً بعد ان أمر وحوش البرية بالتهام أكبر المعمرين .. صنوه الذي كان يلاحقه ويطارده لحظة أثر لحظة . كان وحيداً يحدق في الظلام .. وحيداً كأنه لم يعش ولن يموت متفسخاً مثل خلايا فقدت تماسكها ، أنه يحس بذوبان جسده فوق تراب الكهف ، ممتزجاً بالعتمة ، ويشعر ان هناك قوة ما تخلص منها : هذا الشبح أو هذا القرين أو هذا الذي أقلقه طوال العمر يقف أمامه .. يصرخ فيه بكلمات .. بكلمات قليلة .. بكلمة .. بكلمة واحدة .. بلا صوت .. أنهض .. أنهض .. أنهض . لكنه كان يرى جيشاً جراراً يخرج من الكهف نحو الصحراء .. وكان يستمع الى موسيقى الحرب .. ولكنه عندما حاول إظهار مسرته العميقة الخاطفة شعر بقواه تنتقل الى تلك الخلايا وهي تعيد بناء مسلة جديدة . لقد مات وحيداً بينما كانت الحرب قد بدأت تواً . كان وحيداً إنما كان في كل مكان . وراح يحدق في مليارات المحتفلين بيوم الزهو وهي تزحف من القرى والأرياف والمدن نحو ساحة الخلود . كانت تهتف وترقص وتلوح بأسلحتها كأنها تريد ان تصعد الى السماء . كان يحدق بلا مبالاة إنما بكبرياء من حارب آلهة .. وأبتسم وهو يخبر كبير المعمرين ان الحرب لم تبدأ بعد .. وان نظرية الخصب لا بد ان تأخذ مساراً يجعل الأجيال الجديدة أكثر فعالية في نسيان مسارها القديم . فهز الأخر رأسه وأمر صانع النسل بتنفيذ الأمر . وبعد عقد من الزمن وفي هذه الساحة ذاتها أمر جلالة الإمبراطور بإعادة صياغة ذاكرة أبناء الإمبراطورية وإلغاء الخوف ومسح كلمة أعداء من الدفاتر المدرسية وهدم رموز العتمة كلها وإطلاق المشاعر الخفية والداخلية وجعلها القانون البديل للأهداف المضللة لبني البشر . لقد آمن الجميع منذ زمن بعيد بهذا الحلم الذي سبق ان تحقق في الأحلام وهاهو يهدم تلك الفواصل بين الرغبة والتجارة الأبدية . أنهم يمتلكون زمنهم ككتلة بلا مكان ولا أبعاد . أنهم مثل عرس ملائكة . لكن جلالته أعاد بنفسه كتابة أحلام الشعب ، ووزع نعمته بيديه ، ولم يهدأ له بال ألا بعد ان زار أبناء الأمة فرداً فرداً بعد انصراف الليل وتأكد له نسل المعادن ، على مدى قرن قادم ، سيشّهد أعظم إمبراطورية غير محكومة بالزوال . ذلك لأن عمل مجيرات الدماغ الروحية لن تعمل خارج إرادته المتفتحة والمتجددة أبداً . وهاهو يتنزه في أكبر حديقة تحتوي في أركانها وزواياها على نماذج لا تحصى من أسرى الأعداء ومن العلماء ومن القادة والملوك والرؤساء وهم يعاملون معاملة الأرانب والجرذان وبنات أوى .. وعندما وقف وحدق في أكبر إمبراطور دوخ الأرض وكاد يزعزع نظام الفلك وينسف منجزاتها الفذة أمر له بوجبة مضافة من العلف .. وقال لأمير الحرس ان يقوم بتوزيع هدايا على تلك المواشي الأسيرة التي مسخت الى أشكال يأتي الشعب أليها يومياً لينقعها بالبصاق والبول واللعنات .. وكانت مكرمة جلالة الإمبراطور ان يسمح لها بالتبرز خارج أقفاصها . وعندما شاهدها وهي تهرول وتهرب صرخ في وجه كبير المعمرين وأمره بإحراق الأقفاص ونقل الأسرى الى كوكب بعيد على ان يتم تصفية الضعفاء منهم . لكن الأخر حدق في محيا جلالته لبرهة وجيزة من الزمن تحول خلالها الى تمثال . فأمر بتحطيمه ونقله مع الأسرى الى ابعد كوكب لاتقاء الشر الذي خالجه في تلك البرهة الوجيزة من الزمن .
ولم يغادر عاصمته ألا بعد عام أمضاه في تفقد أحوال الناس .. وقد أعلن في خطابه الأخير الذي هو خطاب الوداع ان الإمبراطورية لن تأسف لرحيله لأن كل ذرة حية أو مستقبلاً هي الإمبراطور نفسه .
لكن الشعب أخذ يولول وينوح بعد ان أضرب عن الطعام .. ولم يفلح الإمبراطور في إعادة السلام الى النفوس ألا بعد ان أخذ يحدثهم عن آخر المعارك . هلهل الشعب كأنه في عيد . فقال الإمبراطور ان العدو في حربنا لا يُرى وليس له من وجود أو كيان فوق الأرض أو في أي جرم من أجرام الذاكرة الأزلية لهذا المجهول .. بل وان هذا العدو لا علاقة له من قريب أو بعيد بمحركات الشر في الذرات النورانية داخل مملكات الدماغ والروح والخفايا . أنه العدو الذي لا يسمى ولا يسمع ولا ثقل له ..
فصفق الشعب وآمن ان جلالة الإمبراطور قد بلغ آخر درجة في سلم الخلود .. أنها خطوة ان يكون الشعب كله هو الإمبراطور نفسه .. وفي ذلك اليوم الذي أمر جلالته فيه ألا تغيب الشمس رقد في نعشه الذهبي المشع بالجواهر والعطور التي تحي الموتى وتشفي الأمراض العصية وحدق في الفضاء اللا نهائي لرغبات الإنسان . كان الشعب كله قد غادر للسير في موكب الرحيل . ولم يحدث من قبل ان مزق الناس ملابسهم ولطموا على الخدود وحلقوا شعر الرأس وجرحوا أجزاء مختلفة من الجسد حيث الدماء كانت تسيل فوق الأرض والناس صاروا بلون الدم وهم ينوحون بصمت تارة كصمت الرماد ويصرخون مستغيثين مرعوّبين نادبين شاكين بعد ان فقدوا الصبر والرجاء . وفي الواقع كان جلالته في حياته المريرة لم يختر له قبراً بعد ان أزال قبور الأباء والأجداد وحول الأرض كلها الى حقول وبساتين وغابات .. كما أعلن ذات مرة ان تذكر الموتى هو ضرب من الإحباط وضعف يؤدي الى الإعياء .. لهذا كان نعشه الإمبراطوري يدور في شوارع المدينة العاصمة وأزقتها من غير هدف محدد .. لكن الناس كانوا لا يريدون اختفاء الإمبراطور من حياتهم مما دفعهم الى أبعاد أي احتمال بالدفن في أي مكان .. وفي الحق ليس هناك من له كلمة حاسمة .. فقد كان جلالته الرجل الأول والأخير .. على ان الناس لم يفكروا بالحاكم الجديد .. فقد شعروا بالولاء له في موته كما أعلنوا ذلك حد الموت خلال حياته . ومن يرى بكاء الناس وعويلهم والشحوب الذي غاص في محاجر عيونهم والزرقة الممتزجة بالسواد فوق الوجوه يدرك أو يشعر ان نهاية العالم قد حلت ..
وفي تلك الأسابيع التي كانت الجماهير تدور بجثمان الإمبراطور من مكان الى آخر بعد ان تعطلت أعمال الإمبراطورية كلها كان بعض الأعداء قد فقدوا عقولهم لهذا الولاء الذي لم يحدث لجلالته حتى في أيام حكمه الذهبي .. لهذا قرر كبار الأعداء في اجتماعهم السري تأجيل أعمال العنف أو أعلان الحرب أو التحرش بالبلاد . فالناس الآن لا يرغبون ألا بالثأر لإمبراطورهم ، وضد أي شيء . كما ان التوقعات بنشوب حرب أهلية كان محض هراء .. فالشعب كله قد وضع الجثمان في ساحة الخلود ورفض مغادرتها . وكانت البلاد لأول مرة وكأنها تشهد واحدة من تلك الحروب المروعة الطاحنة التي قاد بها الإمبراطور نصف الأمة الى المستنقعات والى الموت . فقد تعطلت الدولة وصار الناس يعملون بغريزة الذهول .. وخلال تلك الأشهر كانت جثة الإمبراطور تتصلب وتزداد فتوة .. الأمر الذي دفع بالغابات والحيوانات والكواكب وحيوانات البحار والأنهار وكل مخلوق حي أو ستدب فيه الحياة لمشاركة بليارات الناس ذلك المصاب الذي لم يحدث له مثيل من قبل .
وتنوعت أشكال المناحات الى مالا نهاية .. فهناك من كتب آلاف آلاف من الروايات والقصص وهناك ملايين الشعراء الذين برعوا في اختراع أصوات هزائم المجد وكلمات ترسم جرح السماء والأرض .. وهناك أجهزة الصوت المدوية تروي مآثره وحروبه ومجده الذي تبدو فوق العتمة .. وهناك النحاتون الذين شيدوا له آلاف التماثيل في كل مكان من المعمورة وأهم من كل ذلك ان هؤلاء الفنانين سوروا البلاد بسور مرتفع من تلك التماثيل الحجرية والبرونزية والحديدية حماية للبلاد من طمع الأعداء ..
ومضى أكثر من عقد والبلاد مازالت تعمق حدادها وتخترع الوسائل المستحدثة للعزاء .. ومن جهة ثانية فقد الأعداء صبرهم وراحوا يخططون لاستثمار الأمور لنواياهم باحتلال البلاد وتدمير الخيال الشعبي الذي فاق أساطير ذلك العالم .. على أنهم ، والبلاد تسّير نفسها بنفسها من غير ملك أو رئيس أو إمبراطور ، أدركوا عمق الكارثة التي ستحل بهم ان عاجلاً أو أجلاً ، لهذا أجلوا أمر غزوا البلاد واكتفوا بمراقبة الأحداث ..
ألا ان الحشود أفاقت ذات مرة والشمس مازالت مشرقة ولم تغب قط وهي ترى الإمبراطور ينهض من نعشه وقد أستعاد شبابه القديم . كان يشع مثل مصباح بين السماء والأرض ، لا يوصف ، ولا قدرة لأحد أن يراه .. وكان ذلك اليوم هو بدء تاريخ الأمة والبشر في كل مكان . وصار الناس منذ ذلك اليوم يحتفلون كل عام بذلك العيد الذي هو آخر أمجاد الإمبراطور . وعيد الخصب . وبعد مرور قرون عديدة مازال بعض كبار السن يشاهدون الإمبراطور يخرج من الماء أو من الأرض أو يهبط من السماء ويتجول مع الفقراء والفلاحين أو يشهد حفلات الأعراس أو يبارك المصلين في المعابد.. وكانوا يتحدثون عن معجزاته التي فاقت الخيال، وأفعاله التي لا توصف.. فقد كانوا يتركون أبواب منازلهم ونوافذهم مشرعة لكي يدخل منها ويشاركهم حياتهم .. ولم يشك أحد من أبناء الأمة أنه لن ينهض في ذات يوم ويعلن عن بدء حقبة من الأحداث العاصفة والمجلجلة الى أبد الآبدين .

18- 28/ 1/ 1991

أخلاقـــــنا هويتنــــا-بقلم مازن مريزة-باحث أكاديمي



أخلاقـــــنا هويتنــــا
بقلم مازن مريزة
باحث أكاديمي
في ستينات وسبعينات القرن الماضي ، حينما كنا نسبح سعداء في نهر طفولتنا الصافي ، بمائه الرقراق متجهين نحو شاطئ المرحلة التالية ، كنّا نستمتع بكل مرحلة وفترة نمّرُ بها ، من مراحل بناء وتشكيل أولى اللبنات التكوينية لشخصياتنا وثقافتنا العراقية الأصيلة ، التي كنا نستقي مكوناتها الأساسية من مصادر متعددة ، أولى تلك المصادر وأهمها هي المدرسة كونها فرضت نفسها كعنصر حاسم في تشكيل البناء الأساسي لشخصياتنا المستقلة ، بما قدّمته لنا من تربية أخلاقية بجانب العديد من العلوم واللغات والمعارف الأخرى ، وفي غرس القيم الصالحة ، والمفاهيم النبيلة ، في شخصياتنا البضّة التي ستكون يوما جزءا أصيلاً من نسيج البناء الكبير للمجتمع ، بمساعدة ما كان يقدمه المعلم آنذاك ، من صيانة مستمرة للقيم الاجتماعية والإنسانية والوطنية ، إلى جانب قدرته الرصينة في نشر الوعي وإكساب المعارف والخبرات ، بتأثيره الحر والمسئول ، ووعيه التام لدوره كمربي لا كملقن ، وفي مهارته على مزج ودمج جميع المعارف والأنشطة التعليمية المدرسية لتلك القيم وتضمينها في مجمل النظام التربوي المدرسي برمته ، مما دفع الكثير من المختصين إلى القول في أن تأثير المدرسة قد يفوق تأثير العائلة نفسها ، وإن كان لا يمكن بمكان ما إنكار دور العائلة الفعّال في وضع الحجر الأساس لمصفوفة أخلاقياتنا وقيمنا ، التي سنسير على خطاها في ما بعد ، وسنستمر في تقديمها إلى أبناءنا جيلا بعد جيل ، من خلال الأبوين وما قدّموه لنا من تنوع غني في رفد الجوانب المعرفية والوجدانية ، بما كان يتوافر لهم حينها من فسحة ووفرة دائمة للوقت ، وُجهت في معظمها في متابعتنا وتوجيهنا في أدق تفاصيل الدراسة والحياة اليومية والتصرفات المصاحبة لها ، وتعليمنا الموروث اللغوي والأعراف المصاحبة له ، وكيفية الإفادة من مواقف الحياة المختلفة وفنون التحدث والاستماع ، وسلسلة متينة من العلاقات الاجتماعية المترابطة ، مما ساعد كثيرا في إشباع الحاجات المعرفية الكثيرة ،عن طريق تعدد مصادر الإجابة على الأسئلة الدائمة الآتية من الفراغات الناجمة عن تواصل تشكل ونمو الشخصية ، دون الشعور بالملل أوالنقص من تلك المتابعة الدقيقة والتوجيه المتواصل، أما المصدر الثالث المباشر ، الذي خلق تأثيرات بالغة على عملية تكوين الشخصية وبناؤها ، فهو المحيط والبيئة ، بالمعنى الشامل للكلمة ، بما في ذلك من ظروف المناخ ، وأجواء المخالطة خارج البيت ، والأوضاع الاقتصادية ، والطبائع الاجتماعية العامة ، والأبعاد الثقافية للمجتمع العراقي ، ذي الأعراف السليمة المتوارثة جيلا بعد جيل ، والتي ساعدت كثيرا على التقليل من تأثير الأوضاع السياسية الرديئة السائدة آنذاك ، وإزالة الكثير من البقع القاتمة التي خلّفتها سلبيات الظواهر الفردية والجماعية التي حاول النظام الشمولي في ذلك الوقت استثمارها وتنميتها - إن لم يقم بنفسه على اختلاقها بصورة متعمدة – إذ أن تأثيرات البيئة الموبوءة تصطدم دائما ، بالصفات والقيم الايجابية المركبة التي تحيط بالمجتمع ، كفلتر تصفية لكل السلبيات و الأدران الطارئة ، لتحيلها إلى ظواهر ذات تأثيرات محدودة مهما طال بها الزمن أو قصر ، ويعد التلفاز من أهم الوسائل المباشرة للمحيط والبيئة التي تستطيع عن طريقها فرض واقعها الفعلي، وترك بصمات دائمة في ذاكرة الحواس الظاهرة والخفية في عالم الشخصية الذي لا يعرف حدودا معينة تتوقف عندها عملية اكتساب المزيد من الصفات والخصائص ، يتميز التلفاز بشدة تأثيراته المباشرة على المتلقي بغض النظر عن فئته العمرية ، ومدى استغراق شخصيته في السير نحو مقياس التشكل النهائي ، بسبب تعدد وسائله وإمكانياته المختلفة التي تتيح له أن يكون سلاحا ذو حدين ، حسب الأهداف الكامنة وراء المقاصد الظاهرة والخفية لهذا البرنامج أو ذاك ،وإمكانية استخدام هذا السلاح المدهش للمساعدة في تهذيب الشخصية وتنقيتها من رذائلها ، وصيانة فضائلها ، وغرس أرضيتها النقية؛ بأنواع القيم والمُثل السامية ودعم الأخلاقيات الفاضلة النابعة من نفس المجتمع ، وتعزيز الفطرة السليمة للفرد ، رغبة في دفع المزيد من الرقي إلى المجتمع عن طريق شحن الفرد المتلقي لتلك البرامج بالمزيد من البرامج الممتعة الهادفة ذات التوجهات التربوية بشرط عدم تخليها عن عوامل الجذب والتشويق للحفاظ على شريحة عريضة من المتلقين ،وقد يكون الحد الثاني لهذا السلاح ، نموذجا مثاليا لأبشع الوسائل وأمضاها في نشر الرذائل وتعزيزها ،وفرض نماذج تافهة وقميئة من البرامج والفنون تشوه شكل الفضائل الجميل الذي لا تخلو منه أخلاقيات أي شخص مهما كان طوعا أو اختيارا ، والتهاون في حقوق الآخرين وتنمية التوجهات ذات الصفات الذاتية المنبثقة عن الاهتمام بالجمال الخارجي للخلقة والجسد ، وخلق فراغ داخلي جسيم ، يفتقر إلى الكثير من الخصائص الأخلاقية المتعلقة بذات الشخص ، مما يجعل منه شخصا سلبيا لا يبالي إلا بنفسه وبمحيطه الضيق ، يعيش يومه لنفسه فقط مع مستوى عالي من الهامشية المطلقة ، معززا بذلك خلق شريحة متزايدة من الناس ليس لها الكثير من المعايير الدينية والأخلاقية ، مما يجعلها غير منسجمة مع محيطها وبغير ذي فائدة تجاه المجتمع ، بسبب افتقارها إلى روح الرفعة والوعي الحقيقي الذي يوجهها بصورة مستمرة إلى التوحد العام في خدمة أهداف المجتمع الراقية ، بمساعدة تلك البرامج التلفازية الهابطة ، والأغاني الماجنة ، والمسلسلات التي تبيح المحظورات ، من خلال تكرار بث المزيد من الأفكار الجديدة الملوثة بشتى أنواع الانحرافات ومخاطبة الغرائز بصورة علنية ، وبلغة رخيصة تكاد تكون غريبة عن معايير السلوك العام للمجتمع العراقي ، في محاولة مستميتة لجعل تلك الأفكار مألوفة ،بعد أن كانت مرفوضة بصورة قاطعة إلى ما قبل سنوات معدودة ، كما أن الإصرار على بث برامج مستنسخة بكل ما تحمله من إفساد من مجتمعات إباحية تألف تلك المخاطبات الغريزية ، سيؤدي بلا شك إلى تشجيع تفكيك منظومة الأخلاق العامة التي بُنيت على مر القرون ، والمزيد من الانفلات السلبي للأعمار التي مازالت شخصياتها وثقافتها وأخلاقياتها طور التكوين والبناء والتطور،من الأطفال والمراهقين والمراهقات ، الذين لم تتشكل هوياتهم الحقيقية بصورة نهائية بعد ، في خضم العشرات بل المئات من القنوات التلفازية ، التي انتشرت بصورة غير مسبوقة في خضم الأحداث والمستجدات الأخيرة خلال العقد الماضي ، مما يجعل مهمة حصر تأثير تلك القنوات على النشء الجديد شبه مستحيلة ، في ضوء ارتفاع شعبية التلفاز بين مختلف الفئات العمرية للناس ، الذين يختلفون اختلافا جوهريا في مدى حصانتهم الأخلاقية والثقافية والفكرية ، ومقدرتهم على فرز السلبي من الإيجابي ، والتمييز بين الضار والنافع ،والقدرة على التعاطي بصورة أخلاقية صحيحة مع تلك القنوات دون الانجرار وراء الغرائز الوضيعة والعواطف الرخيصة ، ومما يزيد من صعوبة الموقف ، أن هناك بعض القنوات العراقية التي كانت تُعد من ضمن قائمة القنوات الرصينة والتي تتمتع بنسب مشاهدات عالية ، بدأت تتقبل بث بعض البرامج التي قد تتمكن يوما من جرها إلى شواطئ الجانب المظلم ، إذا استمرت في غض النظر ببساطة عن سلوكيات بعض برامجها التي تبث حاليا ، بعد أن نجحت باستحقاق في أن تقدم خطابا إعلاميا شفافا متوازنا على مدى سنوات طويلة ، وأن تفرض برامجها المحترمة على شريحة واسعة من العراقيين بكل فئاتهم العمرية وأطيافهم المتنوعة ، وان تقدم برامجها بصورة هادفة لا ينقصها الكثير من عوامل الجذب والتشويق والمتعة العاطفية البريئة ، وأن تترك بصمة مميزة في عالم الدراما العراقية الجادة بقوالب جديدة ، تحاكي بجدارة مزاج المشاهد العراقي الصعب ، وتتكئ بصورة غير معقدة في اختيار مفردات برامجها المتعددة بما يناسب الذوق الملتزم واللفظ السليم ، والفكرة الهادفة بعيدا عن الجمود والتكرار ، مثل مسلسل غرباء الليل ، وطائر الجنوب ، وغيرها من المسلسلات التي تركت أثراً طيبا ورصيدا عاليا ، يسجل للقناة لا عليها ، كما سيسجل عليها كنقطة ضعف البرنامج الهزلي الهزيل بإخراجه ومقدميه ومعديه وبمحتواه (( أكو فد واحد )) ، الذي فاجأني ظهوره وبثه على تلك القناة التي كنت أعدّها من القنوات الانتقائية ببرامجها النوعية المميزة ، فهذا البرنامج في أغلبه ينجرف بصورة سلبية وإصرار غريب ، على تقديم نكات هابطة ، لا أجد لها وصفا مناسبا غير أنها (شوارعية) ذي توجهات صريحة لممارسة الرذيلة وشرب الخمور ، تخاطب الغرائز الجنسية الرخيصة ، والحاجات الإنسانية الأخرى التي لا يصح الحديث عنها تأدبا والتزاما بمستوى أخلاقي راقي ، يفرضه الذوق العام ، مما لا يصح التصريح به ، والتعاطي باستهزاء وازدراء للمشكلات والظواهر التي يعانيها المجتمع العراقي ، وبطريقة فجة ومؤلمة ، واستخدام رموز لغوية مستهجنة بدلا من الكلمات الصريحة لخلق مفردات بذيئة جديدة ، ستتسبب بلا شك في الكثير من التخريب للذوق العام ، نعم ، لا شك في أننا بحاجة إلى فرجة ملحّة من الشعور بالمرح ، والتمتع بروح الفكاهة وممارسة الضحك ، كسلوك اجتماعي تعبيري ، وانفعال عاطفي طبيعي يرتبط بالنشاط الإنساني دونا عن باقي المخلوقات ، وتشترك فيه كل اللغات ، كلغة مشتركة موحدة بين كل البشر حتى أن مادة الضحك قد وردت عشر مرات في القران الكريم ، وفي أكثر من دلالة وغرض ، أهمها التعبير عن حالة السعادة والفرح ، وعنوان للمزاج العام للشخص ، كقوله تعالى : ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ)) ، وقوله تعالى ((فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا)) ، وقوله تعالى ((وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ )) ، وغيرها ،وربما يكون تعبيرا عن الاستهزاء والاستخفاف ، كقوله تعالى (( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ )) ، وقوله ((فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ )) ، وقد أسهب المختصون والمفسرون واللغويون في تفسير مادة الضحك في القرآن ،والسنة ، والتراث العربي ، فيما لا يتسع الوقت في هذه العجالة لحصره ، ولكن ما يجب التوقف عنده في ما ذُكر ، أن أهم أغراض ودلالات الضحك ، هي التعبير عن السعادة ، والدخول في حالة من المرح والفكاهة والفرح ، أو للتخلص من حالة الاكتئاب والسأم والملل ، التي قد يمر بها الإنسان بشكل يومي ، وهذا هو بالضبط ما يحتاجه المشاهد العراقي ، مع كل ما يعانيه من مشاكل ومصاعب ، وهموم ، أصبحت جزءا من حياته اليومية ، ومعاناته المستمرة ، مما يتطلب إيجاد محطات للتوقف والترويح وطرد الغم عن القلوب ، ودفع العبوس من الوجوه ، ومحاولة رسم الضحكة العفوية الصادقة على شفاهه ، بشتى الوسائل المشروعة ، والإفادة من مواد الفكاهة التي تُعد من أقرب المواضيع ، تقبلا من المشاهدين ، لاسيما أن معظم الآداب في مختلف الحضارات قد اهتمت بطريقة أو بأخرى بما من شأنه جعل الحياة باسمة مرحة وجديرة بالعيش ، بعيدا عن هموم الوجود وهاجس السفر الحتمي إلى حفرة الطين ، ولا بأس أن يكون البحث عن تلك البسمة شعارا يسعى إلى تحقيقه أي مقدم أو مخرج أو معد برامج ، وليس معيبا أن يبحث هؤلاء عن الطريقة المناسبة لتنظيم برنامج أو ملتقى ، يسعى إلى زرع الابتسامة والضحكة وإزالة التوترات التي من شأنها أن تجعل المرء متبرّما ومتشائما من ظروف الحياة ومكابداتها اليومية ، بل المعيب هو الإصرار على الإساءة للذوق العام ، والاستمرار في خدش حياء العائلات العراقية الكريمة ، المعروفة بالتزامها بمصفوفة قيمية قديمة ، وتمسكها بمنظومة أخلاقية عتيدة ، ولاسيما أن الأدب العربي يزخر بالكثير من عمالقة كتّاب النوادر والفكاهات من دون الإساءة لشخوصهم أو مكانتهم العلمية والفكرية ، فالجاحظ مثلا من أبرز مفكري المعتزلة ، توقف طويلا عند النكتة والطرفة لإثبات حضوره ، فكان أن نجح في خلق أسلوب فكاهي جديد يمزج الجد بالهزل ، في رائعته ( كتاب البخلاء ) المليء بالطرافة ، والنكتة المؤثرة من دون إسفاف أو انحطاط ، بالإضافة إلى عشرات الكتب ، التي تناولت مواد الفكاهة والضحك والنوادر الطريفة ، التي تتعدى بوظيفتها إثارة الفكاهة المرح وحسب ، بل وتسعى إلى تثقيف الناس ونشر المزيد من الحكم والأمثال وأخبار الحمقى والمغفلين والبخلاء والطفيليين ، مما يصعب حصره ، وتكفينا الإشارة إلى كتاب (( نثر الدر)) لمنصور بن الحسين الآبي ، الذي جاء في سبع مجلدات ، مليئة بالطرائف والنكات لمختلف فئات المجتمع العربي ، مما سيفيد الجادين في بحثهم عن الطرفة الصادقة والنكتة البريئة المؤثرة ، وربما ستغري القائمين على تلك النوعية من البرامج أن يتأملوا طويلا قبل طرح أي نكتة أو فكاهة مستقبلا ، لئلا تلقي بأي إساءة لتلك القيم والمعايير ، وان يكون الضحك لغرض المرح وبث روح الفكاهة البريئة ، لا الإصرار على الاستهزاء والاستخفاف ، والدعوة إلى الانحلال والرذيلة والقفز فوق كل الخطوط الحمراء للمجتمع ، عن طريق ممارسة أنواعا مبتذلة من الصخب والتهريج ،وإلقاء النكات التافهة المفتقرة لكل وزن و قيمة ، وهو ما دأب عليه مقدِمَيّ البرنامج المترهل بشتى أنواع البذاءة (( أكو فد واحد )) ، بطريقتهم المملة في التطويح وإلقاء الكلام بلا أي ضوابط أو منهجية ، بأسلوب رخيص ، تصاحبه عاصفة من الحركات الخالية من الحشمة التي ربما يسمونها في قاموسهم الجديد رقصا ، حينما يتحفنا أحد مقدمي البرنامج الذي يفتقر لأبسط المهارات كمقدم برنامج ، كالمهارات الحوارية ، ومهارات الثقافة والحضور الشخصي ، بل ويفتقر حتى لسلامة مخارج الألفاظ ، وهو برأيي لا يتمتع بأي مهنية تُذكر ، أو حرفية مهمة تؤهله للقيام بتقديم أي برنامج تلفازي حتى وإن كان هابطا بمستوى (( أكو فد واحد)) ، وأن كل ما يقوم به هو عبارة عن حركات اهتزازية تهريجية بجسمه المترهل ، وكرشه المنتفخ يمينا ويساراً بداعي إضحاك أكبر عدد من الناس ، وكان الأجدى به أن يتعلم الفرق الشاسع بين الفن الساخر والاستهزاء ، وبين الكوميديا والتهريج ، وبين إدارة حوار في برنامج تلفزيوني وإدارة حديث شخصي في ملهى ليلي ، والأهم أن يتعلم كيف أن يضحك الناس لا أن يدعهم يضحكون عليه ،وأن يقرأ بعض الشيء عن المهارات الحقيقية الواجب توفرها في أي مقدم برامج ، ويبدأ في اكتسابها فورا ، أما قائدة ما يُسمى ال (( DJ )) ، فلم أستطع بفهمي الثقيل أن أستوعب بعد ، سبب حشرها في البرنامج ، أو دورها الحقيقي أو الهدف منه ، أو أن أدرك بعد الغاية من تلك الحركات الهستيرية المصطنعة ، لا شك أن هذا البرنامج سيستقطب الكثير من المشاهدين ، ربما لأسباب مختلفة ، قد تكون بدواعي الفضول ، أو لشريحة معينة من الناس ، أو لفئة عمرية محددة ، أو لأسباب أخرى ، وربما سيستمر نجاح البرنامج ، ولكن ليس لكثير من الوقت ، وستكون تأثيراته السلبية أكبر بكثير من نتائجه الإيجابية على القناة على المدى الطويل ، ولا أظن أن هذا البرنامج الهابط سيتمكن من إلغاء تأريخ ووزن تلك القناة الموضوعية التي استطاعت أن تثبت وجودها في فترة ليست بالطويلة ، إن استطاعت تدارك الأمر بسرعة ومهنية ، والتريث قليلا قبل بث الحلقة القادمة ، والتركيز على بث كوميديا هادفة ، واختيار نكات راقية ، خالية من الألفاظ البذيئة والسوقية التي تشجع الانفلات الأخلاقي والتسيب والانحراف .
فالمشاهد العراقي يستحق أكثر بكثير من تلك البرامج التي لا شك من أنها ستترك الكثير من الآثار المؤذية مستقبلا ، والتي ستنعكس فيما بعد على سلوكه الشخصي وذوقه العام، وهي دعوة لجميع القائمين على القنوات العراقية ، لإعادة صياغة الأهداف العامة والخاصة ، للوصول إلى الهدف النهائي ، لا مجرد قنوات بأهداف عشوائية ، تستسيغ عرض أي برنامج بغض النظر عن تأثيراته اللاحقة في سبيل تحقيق المزيد من الأرباح ، أو أن تقوم بدور الطفيليات التي تغزو جسم الإنسان ، وكل غرضها هو الاستمرار وتحقيق أهدافها ومنافعها الشخصية ، بغض النظر عن الدور التدميري التي تقوم به لجسم المضيف وأخلاق الناس على حد سواء ، والتجاوز الشاذ على الأعراف ومعايير البناء الاجتماعي الأخلاقي ، وتشجيع المراهقين والمراهقات للتمادي و التمرد على المجتمع ، وإغرائهم بكسر وتحطيم قيود القواعد الأخلاقية ، التي جهد في وضع أسسها أسلافنا العظام ، ومن المنتظر أن تساعدنا في الصمود في وجه الغزو الفكري والثقافي الحالي ، والتقليد الأعمى لبعض القنوات العراقية والعربية ، للقنوات الأجنبية التي تشجع على الانفلات الأخلاقي والتسيب وربما حتى الانحراف ، ولا أظن أن تلك الأهداف تحتاج إلى الكثير من التفسير والإيضاح في تأثيراتها القاتمة على الأجيال الحالية وما بعدها ، في ظل الوضع المتأزم والمستجدات والأحداث الأخيرة ، إلى جانب انشغال أرباب العوائل بهموم تحصيل الرزق ، وانعكاسات الوضع الأمني والاجتماعي والبيئي على مجمل النشاطات الاجتماعية والإنسانية ، مما أجبرهم على الانشغال أو ربما التقاعس عن متابعة سلوك أبنائهم بالصورة المعروفة سابقا ، فالجيل الذي ينشأ بعيدا عن عيون العائلة ومتابعتها ، وفي ذات الوقت الذي لم يعد من أولويات المؤسسة التعليمة الاهتمام المطلق ببناء مجتمع أخلاقي معرفي ، بسبب انخفاض نسبة يقظتها وإصرارها السابق في شد أزر طلبتها بردود الفعل المناسبة ، في مواجهة بيئة مليئة بالتناقضات وشتى التباينات ، التي تتجلى في ما تجود به الآن العشرات وربما المئات من ماكينات الأعلام ، والقنوات المرئية والمسموعة والمقروءة ، ونوعية ما تبثّه من برامج ، وما يصاحبها من قفزات غير محدودة في وسائل الاتصال ، ووسائل الانفتاح التكنولوجية الحديثة ، وسهولة استخدامها والحصول عليها ، مما يضع جميع الآباء والمربين والقائمين على توجيه مسار المؤسسات التربوية ، وغيرهم أمام مسؤولية أخلاقية خطيرة ، في حماية الأجيال من الإعلام السائر في طريق الشبهات ، والشروع فورا في التفكير في وضع حلول مضادة ، ومسالك صحيحة ، لتكون بها الطرف الأقوى في هذا الصراع ، ووضع استراتيجيات طويلة الأمد للحد من تأثيرات تلك التربية السلبية بمناهجها الفاسدة وأهدافها المزدوجة ذات التوجهات المدمرة ، وإعادة النظر في جدولة أولوياتهم ، والالتفات إلى خطورة المشكلة ، والإقرار بها ، وتأدية الأدوار الحقيقية المناطة بهم ، كوحدة علاج موحدة ، تمارس سياسة متكاملة ، تتوزع بين الأسرة والمدرسة والمحيط البيئي ، ووضع أهداف موحدة من خلال توزيع الأدوار ، في عملية إعادة وضع وتوجيه الأجيال الحالية وما بعدها ، ودعمها بقوة نحو الصمود الواعي بوجه ما أفرزته ظروف الواقع الحالي من تناقضات ومتاهات ، وشتى أنواع الاتجاهات المغرية ، والهجمات الشرسة للغزو الفكري والأخلاقي ، عن طريق تربيتهم في أحضان مجتمع أخلاقي ، والتأكيد على العادات والأعراف والتقاليد السامية ، وتسديد هفواتهم وأخطائهم ، بحرفية ومهنية وهدوء ، على اعتبار أن تلك الأجيال ، ستأخذ دورها يوما في إعادة دورة بناء مجتمع تسوده الرفعة والتضامن والصفاء والأخلاق السامية ، بما سيتكفل بحتمية تطوره ورقيه وسموه وكرامته ، في عالم أنشغل بفك تشابكات استغراقه في مخاضات وتناقضات ترديه وأنانيته وضغائنه ، وأخيرا أذّكر بقول أمير الشعراء :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

أسطورة "الخرزة الزرقاء"-عن مجموعة حمورابي



أسطورة "الخرزة الزرقاء"

تحتل الخرزة الزرقاء والكف مكانة هامة في الثقافة الشعبية للمجتمعات العربية المسلمة وأيضاً اليهودية، فلا يكاد يخلو منها صدر امرأة أو سيارة، فالناس يعتقدون أن بها قوى سحرية تحصن حاملها من المخاطر وتقيه من العين الحاسدة أو تدرأ عن سيارته الحوادث•وتعلق عادة كقلادة حول الرقبة .وتعرف الخرزة الزرقاء أيضاً باسم "خمسة وخميسة" في اللهجة المصرية ، ولكن لها أسماء أخرى أقل شهرة فهي تعرف لدى المجتمعات الإسلامية باسم بـ "يد فاطمة "إشارة إلى فاطمة (الزهراء)عليها السلام وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويسميها بعض اليهود بـ "يد مريام"إشارة إلى مريام التي ورد ذكرها في التوراة وهي أخت النبيين موسى وهارون عليهما السلام.

فرضيات حول نشأة الأسطورة

اختلفت الفرضيات التي تتحدث عن نشأة تلك الأسطورة وكثرت الأقاويل حولها ولكن نذكر بعضاً منها:

- أصل فينيقي

يختلف تفسير رمز الخرزة الزرقاء تبعاً للمذهب والدين ، فيعتقد بعض المسلمون السنة أنها تشير إلى أركان الإسلام الخمس بينما يعتقد بعض الشيعة أنها تشير إلى أهل الكساء الخمس عليهم الصلاة والسلام (محمد ، علي، فاطمة ، حسن، حسين) أما اليهود فيعتقدون أنها تشير إلى كتب التوراة الخمس (أسفار موسى). ولكن لعلماء الآثار وجهة نظر أخرى فهم يرون أن منشأ جميع تلك الإعتقادات لدى الديانتين يعود بجذوره إلى الفينيفيين جيث كانوا يقدسون تانيت آلهة القمر الحارسة في مملكة قرطاج بذلك الرمز. فالدائرة في وسط الكف ترمز للقمر.


- رمز لتهديد الرومان

من المعتقد أن الشعوب السامية التي سكنت أطراف البحر المتوسط هي التي رسمت الكف الذي يحمل العين الزرقاء بهدف ترهيب الرومان الذين استعمروا بلدانهم في حقبة من التاريخ، و ربما كانت العيون الزرقاء هي الصفة التي ميزت الرومان عن الشعوب المستعمرة آنذاك ، وهو تعبير صريح عن لرفضهم للمستعمر الجديد ، فكانوا يحملون عصا وفي أعلاها ذلك الرمز المخيف الذي يهدد باقتلاع أعينهم أو يكتفون بإلصاقه على أبوابهم .وفيما بعد أصبحت رمزاً للحماية من كل شر يحملونه في أعناقهم كقلائد أو يعلقونه على جدران منزلهم.
- صلة بسحر الأرقام

ربما كان للأسطورة صلة بطقوس السحر التي تؤمن بأن لكلٍّ عدد ولكل حرف خصائص ودلالات، فالعدد خمسة وكف اليد بها ذبذبات طاقة الدفاع التي تمنع الأذى عن جسم الإنسان أو ما يخصه إذا ما دُفعت في وجه الحسود•وفي بعض المجتمعات العربية تدفع المرأة بكف يدها (بعد فرد الأصابع الخمسة) في وجه من تظن أنه يضمر الحسد لها فتنطق باسم العدد "خمسة" ومضاعفاته أو أية كلمات مرتبطة به كقولها (اليوم الخميس)•

الثلاثاء، 8 نوفمبر، 2011

مقالة للأثاري ألعراقي ألمعروف د.بهنام أبو ألصوف عن أصل ألسومريين



هذه مقالة للأثاري ألعراقي ألمعروف د.بهنام أبو ألصوف
حول ما يتردد عن أصل ألسومريين أحيلها أليكم للفائدة



من هم السومريون؟

ربما تكون مقولة شيخ الاثاريين صموئيل كريمر بأن " التاريخ ابتدأ من سومر" هي خير مدخل لموضوع نقاشنا الشيق في اطار البحث الاثاري والموضوعي عن جذورالعراقيين القدماء.


الاسم مشتق من سومر, شومر او شنعر ( في التورا اليهودية دعيت شنعار ) , الارض التي تقع في الدلتا الجنوبية من ارض الرافدين (ما بين النهرين - ميسوبوتاميا باليونانية) والتي هي اليوم جزء مما يعرف بالعراق الحديث(من ارك او اوروك مدينة العاهل العراقي الشهير جلجامش).

كانوا يطلقون على انفسهم ( الخارجون من البحر -المطرودون من الجنة ) في سهل الخليج العربي < اطلقت عليهم القاب مختلفة كذوي الرؤوس السوداء كناية عن الجماهير او الشعب وكذا كونهم يحلقون الرأس الا من القمة فتبقى دائرة سوداء في اعلى رؤوسهم ).
(الصورة المقابلة سارية الحرب والسلام في اور, خشب,عاج ولابيس لازولي ,سلالة اور الثالثة 2650 ق.م ,المتحف البريطاني)

في مطلع القرن العشرين وبعد الإكتشافات التاريخية والإثارية الكثيرة في بلاد الرافدين وخصوصا في القسم الجنوبي من عراق الدلتا ، في ما يعرف ببلاد سومر, تم التعرف على اللغة السومرية الى جانب اللغة الآكادية والبابلية والآشورية، كما عرفت الكتابة السومرية التي كانت صورية في البداية في مدن مثل الوركاء، وفارة، وغيرهما، و ذلك في أواسط الألف الرابع قبل الميلاد ، وتم التعرف من خلال هذه الكتابة على الكثير من أوجه حياة السومريين كمعتقداتهم ودياناتهم وأساطيرهم وفنونهم وأدبهم وحياتهم الاجتماعية وتقنياتهم في الزراعة وخلافه.
إلا أن اللافت للنظر في هذا السياق، أنه مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرن، بدأت تظهر عند الكثير من الزملاء الإثاريين والمؤرخين والباحثين الغربيين آراء مغايرة تماما للحقيقة، والواقع والتاريخ . وذلك أنهم في اواخر القرن التاسع عشرومطلع القرن العشرين ابان البعثات التنقيبية التي قاموا بها, تشكل لديهم استنتاج أن هذا البلد المتخلف حضاريا وفكريا وحياتيا حينها، لا يمكن أن يكون هو اصل لهذه الحضارة القديمة ، كما لا يمكن له أن ينتج مثل هكذا حضارة متميزة في العالم القديم .
ولقد بنوا استنتاجهم ذلك على عاملين :
الأول : عندما وجدوا أن اللغة السومرية هي لغة ملصقة أي أنها تختلف عن اللغات السامية كالآكادية والآشورية والبابلية والكنعانية والفينيقية والارامية والعبرية والعربية ، وهي اشبه ما تكون باللغة الصينية و التركية السائدة في الهملايا و اسيا الوسطى.
الثاني : طريقة بناء السومريين لمعابدهم التي كانت على شكل أبراج مدرجة وزقورات مرتفعة .
الامر الذي دعاهم الى القول وفق هذين الاستنتاجين أنه لابد أن يكون اصحاب هكذا حضارة جبليين، أو انهم انحدروا من مناطق مرتفعة مثل الأناضول أو التبت ، او وادي نهر السند شمال غرب باكستان الحالية ( حضارتي موهنجاداور و خرافا ) ، واستقروا في الدلتا جنوب العراق.
وفي مطلع السبعينات ظهر رأي آخر عند بعض الباحثين يقول أنه قد تعود أصول السومريين الى المجر ( هنغاريا ) ، أو الى حوض بحر إيجه ، ذلك أنه تم أكتشاف قرص كبير ( فستوس دسك ) من الحجر بحجم متر ونصف عليه نوعين من الكتابة ( لينير اي) وهي كتابة صورية، وأخرى( لينير ب ) وهي كتابة مقطعية التي اعتبرت فيما بعد جذرا للكتابة اللاتينية لكنه عندما حلت أو فككت رموز هذه الكتابة في السبعينات على يد ( الانكليزي فكريس) تبين أنه لا علاقة لها بالكتابة السومرية من قريب أو بعيد، خصوصا اذا علمنا أن هذه الكتابة تعود الى 2400 عام قبل الميلاد ، في الوقت الذي تعود فيه الكتابة الصورية المسمارية الى 3400 قبل الميلاد , اي أن هنالك فرق ألف سنة تقريبا بين هذين النوعين من الكتابة ، الأمر الذي يدعونا للقول أن جذر الكتابة تلك ( اللاتينية ) هو سومري وليس العكس ، ثم أن حضارة كريت بعيدة مكانيا عن حضارة سومر مما يعني عدم وجود هذا التلاقح الحضاري المتبادل .
ومع تتالي الاكتشافات الاثارية في بلاد الرافدين منذ بدايات القرن العشرين، بدأت تتضح بل وتتغير قناعة هؤلاء الباحثين التي استقرت في نهاية الامر على خصوصية الحضارة السومرية التي تعود جذورها الى خمسة الآف عام قبل الميلاد. والتي كانت قبلها تسمى باسماء المواقع مثل حضارة جرمو، وحضارة حسونة، وسامراء ، وحلف، وهي حضارات بدأت بصنع الفخار في الأف الثامن قبل الميلاد .وكانت لديهم معرفتهم وأفكارهم واساطيرهم ومعتقداتهم ( على سبيل المثال "انو" اله السماء,و "ايا" اله الحكمة و "ايننا" مانحة الحياة وغيرها .
في أوسط الستينات والسبعينات تشكل لدينا تراكم معرفي عن حضارة سومر بسبب كثرة الحفريات والتنقيبات التي جرت حينها بفعل ظهور الجيل الاول من الاثاريين العراقيين كالدكتور طه باقر وفؤاد سفر وغيرهم ، أكدت هذه المعرفة على خصوصية الحضارة السومرية وتميزها وأصالتها ثقافة وتاريخا ومعتقدا وأنها انجاز عراقي صرف.
وخلال دراستي لكثير من الملاحم السومرية . أستطعت أن أتوصل الى مضمون نظرية أخرى مغايرة عن أصل السومريين في جنوب العراق ، لاسبيل الى دحضها لأن الكشوف الاثارية قد ايدتها وبشدة : ويمكن صياغة هذه النظرية بايجاز على النحو التالي: أن أصول السومرين تعود الى عرقين مختلفين:
الاول: هو( الفراتيين ) الذين انحدروا من شمال وشمال غرب العراق الى دلتا الجنوب طلبا لأسباب الرزق وسعيا وراء حياة أفضل ( وهم الذين اسسوا لحضارات حسونة, حلف والعبيد ) .
الثاني: هم سكان سهل الخليج العربي الذين خرجوا منه بعد أن غمرت مياه البحر العربي والمحيط الهندي سهلهم، فانتقلوا الى جنوب العراق، وهم الذين راح يطلق عليهم فيما بعد( أصحاب الرؤوس السوداء) . لكن السؤال المهم هنا كيف تم هذا الخروج؟
لقد بات معروفا اركيولوجيا أن العالم القديم مرّ بأربعة مراحل جليدية في المليوني سنة الأخيرة، كل مرحلة كانت تعقبها مرحلة دفء ، حيث أن البحار والمحيطات تتجمد بسبب تجمد نصف الكرة الشمالي ,فتنحسر مياه المحيطات والبحار بحدود 100 الى 120 متر، نتيجة لتجمد المياه ، ثم تعود الى حالتها السابقة بعد ذوبان الجليد خلال 200 عام تقريبا . و آخر مرحلة جليدية إنتهت قبل 20 الف سنة .
مع ذوبان الكتل الجليدية أخذت المياه تغمر البحار والمناطق المنخفضة المتصلة بهذه البحار، ومنها بطبيعة الحال منطقة الخليج العربي، الذي لا يتجاوز عمقه 100 متر . مما يعني أنه كان منطقة امتداد طبيعية لأنسياب المياه القادمة من المحيط .
إن الخليج العربي طيلة ال 200 ألف سنة الأخير كان عبارة عن سهل أخضر خصب، تكثر فيه الأشجار من مختلف أنواعها كما تكثر فيه الحيوانات التي كانت تشكل المصدر الغذائي لإنسان هذا السهل الذي كان يصطادها و يأكل لحمها ويتخذ من جلودها غطاء ولباسا ، يمتد هذا السهل على مساحة يبلغ طولها 800 كم وعرضها 200كم ، ممتدا من دلتا جنوب العراق الحالي، الى مضيق هرمز في عمان , كان نهري دجلة والفرات يجريان فيه ويصبان في هذا المضيق . وفي تلك الفترة كانت الجزيرة العربية خضراء وإنسان هذه المنطقة يتنقل بين الجزيرة والسهل بشكل طبيعي لأنها كانت مجاله الحيوي الذي كان يعيش فيه.
ثم ومع بداية إنحسار الموجة الجليدية الرابعة أخذت الكتل الجليدية تذوب وبدأت المياه تتدفق لتملئ البحار والمناطق المنخفضة ومنها منطقة الخليج العربي، حيث بدأت المياه تترتفع به تدريجيا . وهذا ما أثبتته سفينة الأبحاث الالمانية التي قامت في سبعينات القرن الماضي بإجراء سلسلة من البحوث في أعماق الخليج العربي ، و توصلت الى أن المياه أرتفعت في أرض الخليج ثلاث مرات متتالية أولها قبل 20 الف سنة عند مضيق هرمز، ثم في عمان قبل 15 ألف سنة ثم في قطر والبحرين قبل 6 الآف سنة . أي أن ارتفاع المياه حصل تدريجيا عبر ثلاثة مراحل.
و مع تدفق المياه الى سهل الخليج الذي اخذ يغرق تدريجيا ، لم يكن أمام السكان الا النزوح والصعود الى جنوب العراق . هذه المنطقة كانت مسكونة في ذلك الحين من قبل سكان العراق الأوائل المنحدرون من الشمال ( الفراتيين). الذين كانوا قد حملوا معهم أثناء انتقالتهم تلك معارفهم العلمية في الزراعة والري عبر القنوات، كما نقلوا أفكارهم واساطيرهم وملاحمهم ومعتقداتهم الدينية ,كانت تلك المعارف متداولة شفاهيا , ولم يعرف سكان الدلتا في هذه المرحلة الكتابة والتدوين .
ألامر المهم الذي أود ان الفت إليه النظر أن الهاربون من الخليج كانوا قد نقلوا معهم أيضا ذكرياتهم والتي حملّت داخل قصص مفعمة بالخيال والوجدان عن جنتهم و فردوسهم المفقود، وعن الطوفان الذي أغرق أرضهم، وعن الحكماء السبعة الذين أسسوا المدن ، هذا التراث الفلكلوري الملحمي الاسطوري كان لا بد له أن يندمج ويتداخل مع التراث والمعارف التي كانت سائدة في منطقة الدلتا وبين سكانها الذين عرفوا أنانا وتموز .. الخ . هذا التداخل والاندماج بين التراثين هو الذي انتج بالنهاية ما بات يعرف بالتراث السومري أو الحضارة السومرية في جنوب العراق .. ونحن نعلم أنه مع تقادم الزمن والتداخل الاجتماعي والثقافي ذابت الفوارق بين العنصرين متحولين الى شعب واحد أو عرق واحد . هم السومريون سكان جنوب العراق القديم .

السؤال الذي يطرح في بعض الاوساط: هل هنالك علاقة بين السومريين البائدة وسكان اهوار العراق الحاليين ؟
جرت محاولات قام بها علماء في الانثروبايولوجي للمقارنة بين جماجم السومريين التي اكتشفها الدكتور فؤاد سفر في مقابر اريدو ( بحدود 1000 جمجمة ) وبعض من جماجم عراقيي الاهوار, الاستنتاج ان كلا الجمجمتين تنتمي الى جماجم انسان شرق المتوسط ( برايكسيفالي ) مع التخفظ على ان بعض من الجماجم للمعاصرين تنتمي الى جماجم انسان اواسط اسيا ( حوض السند ) والتي ربما تثبت ان بعضا ( ولا نقول كل ) من سكان الاهوار ينتمون الى اسلافهم الذين تم جلبهم الى العراق بداعي السخرة ايام الدولة العباسية والتي كانت مركزا امبراطوريا كروما العالم القديم فنتوقع حصول عمليات انتقال لعناصر بشرية مختلفة بقصد العمل والاستقرار وطلب العيش.

مؤخرا جرت بعض البحوث في مختبرات الهندسة الجينية والوراثية لاكتشاف العلاقة بين سكان اهوار العراق الحاليين و الشعب السومري الذي استوطن نفس المنطقة الجغرافية , الرابط الاتي يلخص ما تم الوصول اليه بالشفرة الوراثية :
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/21970613

الآكاديون

هم عبارة عن موجة عربية قديمة خرجت من سواحل الخليج العربي ومن أرض الجزيرة العربية بعد أن جفت الأنهار فيها واستقروا في شمال دلتا جنوب العراق( موطن أصحاب الرؤوس السوداء) في منطق نفر ( الديوانية حاليا ) ثم صعدوا الى موقع مدينة بغداد الحالي ، وهم كغيرهم من الأقوام المهاجرة حملوا معهم أفكارهم وتصوراتهم وملاحمهم ومعتقداتهم وقصصهم التي اختلطت بتراث المنطقة السائد انذاك . الواقع أن الآكاديين لم يعرفوا الكتابة ، كانت لديهم لغة ( ربما تكون هي شكلا من اشكال العربية او الارامية ) ، وقد تعرفوا على الكتابه السومرية التي كانت قد تطورت في ذلك الوقت من الصورية الى المقطعية وأخذوا يدونون بها معارفهم.
لقد كان الآكاديون بدوا رحلا من العرب وقد دخل جلجامش في حروب كثيرة معهم وهو الذي دفعهم الى الصعود الىموقع بغداد الحالي .
ظل الآكاديون على هذه الحالة الى أن ظهر لديهم ملك عظيم هو العاهل العراقي سرجون الآكادي (بحدود 2237 ق. م ) ليؤسس اول امبراطورية متعددة الاثنيات في التاريخ ( بسط العراق فيها نفوذه من عيلام الايرانية شرقا الى لبنان غربا, ومن تركيا شمالا الى شبه جزيرة العرب جنوبا) .. وهو ذاته الملك الذي دارت حوله قصة الكاهنة العظمى التي كان محرّم عليها أن تنجب طفلا . ولكنها أنجبته برغم هذا التحريم ووضعت الطفل في سلة في نهر الفرات ... الى آخر القصة أو الحكاية التي استعادتها التورا اليهودية بعد حوالي الف عام في قصة النبي موشي العبراني ( بحدود 1271 ق.م حسب مؤرخي اليهود انفسهم ) على النحو الذي نعرفه . سرجون العظيم هو الذي بنى مدينة أكد في غرب العراق, هذه المدينة لم يكشف عنها لغاية الآن . وظلت هناك تكهنات عن موقعها حتى أن المرحوم العلامة طه باقر كان يعتقد أنها موجودة تحت تل الدير عندما وجد زقورة هناك . وقام بالحفر داخلها لكنه لم يجد رقيم طيني أو شاهد آخر يدل على وجود أكاد في هذا الموقع ، الرأي الذي استقر عليه أن أكاد موجودة في بابل ونحن نعرف أن هذه مدينة غاصّة بالمياه الجوفية حتى أن قبر حمورابي يوجد تحت هذه المياه.