بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 20 فبراير 2015

في ذكراه/ فصول من كتاب نصب الحرية لجواد سليم ملحمة شعب وذاكرة حضارة*-عادل كامل







في ذكراه/  فصول من كتاب

نصب الحرية لجواد سليم
ملحمة شعب وذاكرة حضارة*


عادل كامل


القسم الرابع

[7]الجذور ـ والتواصل

   هل يخبيء نصب الحرية، بعد أكثر من نصف قرن (1961)، من إقامته، أسئلة تبحث عن إجابات، أم انه سيقترح إجابات تستدعي أسئلة جديرة بالمناقشة ..؟ هل هو خلاصة حياة فنان، أم مقدمة لمصير سيمتد بعده ..؟ وهل النصب، بأجزائه، وتكويناته، مرآة للشعب، وأصبح (الثائر/ الجندي) مفتاحا ً له، أم انه رؤية جدلية تعبر نحو ما لم يدشن بعد ..؟ هل شيّد النصب بدافع الضرورة، بمعنى الحتمية، أم كان اختيارا ً استمد شرعيته في الحضور بواقعية الرؤية، بخزينها العميق، ومنهجيتها الجدلية، كي يرتقي إلى الأسطورة: إرادة تتضمن ديناميتها، ولا تتطلب المزيد من الشرح، ومن التأويل ..؟
    لا مناص كان العراق (الحديث) بانتظار علامة دالة نهاية عهد، والدخول في عهد آخر؛ علامة ستبقى، بعد الحدث ـ 14 تموز عام 1958 ـ مثلما ترتقي العلامة لأداء دورها التوليدي للعلامات ـ الأحداث، ذلك لأن النصب لا يرتد إلى الماضي، كي يقص حكاية ما من الحكايات، بل يتضمنها، بالدافع ذاته الذي شغل (جلجامش)، لا بحثا ً عن الخلود، وما هو ابعد من الحياة، بل في مواجهة الغياب، والبحث عن حياة لم تتحقق بعد، فالملحمة ـ إن كانت تضمنت نسق الأسطورة أو واقعيتها في الحاضر ـ لا تكف عن إنتاج مصيرها لدى الآخرين، الجمهور، عامة الناس، وقد أصبحت نصا ً فنيا ً مفتوحا ً، معدا ً للقراءة، على مدار الساعة. إذا ً فإننا إزاء وظيفة معرفية تؤديها (الملحمة/ النصب ألجداري) بالدرجة الأولى، في الأداء، وفي بلاغته.  ذلك لأن الفن ـ في حضارة وادي الرافدين ـ كالزراعة، العلم، الحكمة، التعليم، والثقافة ـ هو جزء من البناء المجتمعي بمعناه البنيوي للتربية ـ وللجمال ـ معا ً، ولا يمكن استبعاده، أو عزله عن أقدم ديمقراطية تأسست في بلاد سومر،(1) ومنحت الشعب؛ من المرأة إلى الشيخ، ومن الطفل إلى المعلم، ومن الشجرة إلى المعادن، حق المحاورة، ونبذ الأحادية، حتى ان اعقد الأسئلة الانطولوجية، الخاصة بمعنى الحياة والموت، تمت مناقشتها وفق المنطق، القائم على التجريب، والبراهين، والأدلة، وعلى الوضوح أساسا ً.
   فالفن الرافديني ـ وكلمات اندريه مالرو توضح مدى إعجابه به حتى انه تساءل ماذا سيقول رواد الحداثة الأوربية وهم يشاهدونه ـ (2)هو فن الشعب، في رصد ادق تفاصيل حياته اليومية، مانحا ً الفن موقعه، مع الكتابة، وباقي المخترعات المستحدثة، قدرة على: التجدد ـ عبر البناء ـ وليس عبر الإعادة، والتكرار. ولهذا كانت كموضوعات الفنان ـ وطرقه في التنفيذ ـ قد أسست أقدم علاقة ديالكتيكية بين الفرد والنظام برمته، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبين التصوّرات، والأعراف.  فحتى في اعقد المعضلات كانت البلاغة تستقي نظامها من الوعي الجمعي، يؤدي الفنان فيه كماله في بلوغ الذروة: حرية التعبير.
   وقد لا يكون عمل جواد سليم في المتحف العراق الآثار، إلا محفزا ً له ـ مع انه شكل خبرة بصرية وصورية ذات اثر في أسلوبه ـ للتشبث بالحقيقي، كجوهر، وهو (العدالة) التي تمثلها الخطاب الفني. ذلك لأن دراسات الفنان للفن، نشأت وتبلورت عبر سياق التيارات الأوربية، مما شغله، كعراقي، ألا يفقد (هويته)، فهو حريص بالعثور على ذلك (الغائب/ الكامن) عبر مراحل الزمن، والذي لا  يعلن عن حضوره إلا بما دعاه احد النقاد السوفيت، بالواقعية في شموليتها، وليس على صعيد الأسلوب حسب.
   ولعل الباحث يجد لدى جواد سليم، تجارب متفرقة تنقصها هذه الواقعية؛ تجارب تفاعلت مع التيارات العالمية ـ حد المطابقة أو الحافر على الحافر بحسب الجاحظ ـ إلا ان جواد سليم، في وعيه العميق، كان يدرك ان مسؤوليته تتطلب العبور من (التأثر) إلى ما يصنعه هو. فالفن، هنا، صناعة، ليس بصفته مستحدثا ً، وإنما لأن (الحديث) هو حلقة لا مرئية في جسد الملحمة، وتاريخها.
     ولم يكن لدى جواد سليم ـ وقد درس عميقا ً جدلية المخيال لدى معاصريه الأوربيين ـ إلا بالحفر في العناصر ذاتها التي أنتجت علاماتها، عبر العصور، مكانا ً وزمنا ً، وبايكولوجية قائمة على أنظمتها الهندسية، ومشفراتها، كي يستمد من (الختم) كل ما سيبقى مولدا ً للدهشة: في استقصاء التكوين، وعناصره، وفي ما هو ابعد من الوظيفة ـ وموضوعاتها.
    فعندما لم يجد الفنان متحفا ً مكتشفا ً إلا توا ً، عبر التنقيبات الحديثة، في حضارات وادي الرافدين، لم تصبح (حداثات) أوربا إلا محفزا ً له كي يخرج من صخبها، ومتاهاتها، ويتقمص دور النحات العراقي، كبنّاء، في رؤيته الفنية، والجمالية.
      فنحن إذا ً ـ في ساحة التحرير، وبغداد أدركت إنها استعادت قلبها ـ إزاء (ختم) دوّن فيه الفنان خطابها المعاصر، وليس الحديث حسب.
     فإذا كان الختم القديم لم تتجاوز مساحته إلا بضعة سنتمترات، فان ختم نصب الحرية، لن يستطيل ويمتد إلى خمسين مترا ً فحسب، بل سيشغل مساحة المخيال لدى الملايين وهي تحلم ان الحرية ليست إلا إرادة عمل؛ إرادة بناء ـ كتنمية بشرية بالمعنى اليوم ـ وان النصب، لم يستمد ديناميته، إلا منها.
    وليس محض مصادفة ان ينجز الفنان، عددا ً من العلامات المهمة: كشعار الجمهورية، والعلم، وعددا ً من التصاميم الأخرى للنقل، والنفط، والطب مثلا ً، لأنها، في هذا السياق، تمثلت الواقعية منهجا ً لها لإنتاج العلامات، التي شكلت، في الأخير، خصوصية الفن؛ هويته، ورسالته.

____________________________________________-
* الكتاب صدر عن مؤسسة الأديب/ عمان ـ 2014
1 ـ يكتب عالم الآثار س. ن. كريمر: " كانت الجمعية التأسيسية الأولى في تاريخ البشر قد اجتمعت في سومر في الآلف الثالث قبل الميلاد، وهي لا تختلف عن مثيلاتها في وقتنا الحاضر، كما تقول الوثيقة، حيث إنها تتألف من مجلسين: احدهما مجلس الشيوخ، والآخر هو مجلس الشعب من المحاربين أو حملة السلاح.." كأقدم أو أول حكم ديمقراطي في العالم. انظر: س. ن، كريمر [هنا بدأ التاريخ ـ حول الاصالة في حضارة وادي الرافدين] ترجمة: ناجية ألمراني. الموسوعة الصغيرة ـ العدد(77) وزارة الثقافة والإعلام ـ بغداد 1980 ص 21
2 ـ يقول الكاتب والروائي الفرنسي اندريه مالرو، في مقدمته لكتاب [سومر ـ فنونها وحضارتها]  ـ الصادر عام 1960ـ: " لو ان ديلاكروا اطلع، قبل مائة سنة بقليل، على الأعمال المصورة في هذا الكتاب ـ يقصد بلاد سومر ـ، لما استطاع ان يتبينها لأنها كانت خارج نطاق تصوره.." ويشخص: "كانت الوظيفة الثابتة لهذا الفن من أور إلى لكش واحدة من أسمى الوظائف التي يستطيع الفن ان يؤديها. إنها وظيفة النظام المقدس على المنظور، كما إنها كانت صفة تنسيق كوني. وكان هذان معا ً يواجهان هيبة الناس ويحررانها من فوضى المظاهر. فقد كان غرض هذا الفن ليس التقليد، بل الكشف عن الصيغ التي تساعد الناس على الدخول في صلات وثيقة حميمة مع آلهتهم، وهكذا يتضح ان هذا كان هو الغرض الذي لم يدركه الفنان مثلما لم يدرك القديس قدسيته) . أندري بارو [ سومر ـ فنونها وحَضارتها ] ترجمة:د. عيسى سلمان وسليم طه التكريتي. وزارة الثقافة والإعلام ـ بغداد 1979 ـ المقدمة.


[8] قراءات ـ مقاربة مع النصب
    سيبدو إجراء ً لا يخلو  من التعسف لو أعدنا قراءة النصب، بدافع إجراء مقاربة بينه وبين المتلقي، وكأن دور (الكتابة) يتوقف عند حدود لا تتجاوز الوساطة، أو كما قال جواد سليم، بتندر، وهو يواجه صعوبات مع المشاهد (العادي) الذي لا يذهب ابعد من سطح العمل، إن كان منظرا ً للغروب، أو محض حياة جامدة. كالقول: لقد وضع الفنان الجندي كي يحطم قضبان السجن، ليذكرنا، بقول جواد عندما يرى المشاهد صورة لتفاحة فيخبره أو يكتب تحتها شرحا ً يقول: هذه تفاحة، أي ليست حصانا ً!
     فإذا كان الفنان نفسه قد شعر بالمسافة بين عمل الفنان، والمتلقي، وأثرها في الرؤية الفنية، فإنها، بشكل أو آخر، ستؤثر في الفنان، في نفسيته، أو في أسلوبه.
  ومازلت أتذكر، شخصيا ً، ما قاله احد المارة وهو يشاهد الجزء الأول، حاملة الشعلة، في ساحة التحرير، إنها تشبه (ضفدعا ً)! أو كائنا ً خرافيا ً، ولا تصوّر الثورة.
   هذه الهمسة، وسواها، لم تغب عن آذان جواد سليم، لتعجل ـ ربما ـ مع النوبة القلبية، برحيله.
   إذا ً ستكون أية محاولة في: الشرح، القراءة، الانطباع، التأمل، المقاربة، أو التأويل إسهاما ً للإضاءة، للخارج، وللحفر في الداخل، معا ً، بردم ـ الفجوات ـ ما بين النصب ـ النص الملحمي ـ وكل من تتجدد لديه رغبة التواصل، وديناميتها.
   ومثل هذه التعددية في القراءات، هي الأخرى، لا تتحدث عن نص مركب، بطابعه الملحمي، وما خبأ في النصب ـ وأنا سأستخدم (دفن) في سياق قراءتي له ـ من بذور، وأفكار، فحسب، بل كي تنبت، لدى المتلقي، عند كل قراءة، مغزى ديمومة النصب، في مواجهة تحديات الزمن، وتحولات الذائقة، كعلاقة جدلية، وجمالية، بين الفنان والآخر.
      فإذا كان النصب، كما يبدو للوهلة الأولى، نصا ً غير قابل للحذف ـ أو الإضافة، فان مهمات المتلقي ستشكل امتدادا ً لكل ما خبأه النصب، من رموز، ومعان، وحالات، وإشارات، وهواجس، هي في الغالب، عبر العلامات، والمعالجات التكنيكية، والتقنية عامة، تتضمن مشفراتها، اللاواعية، عبر مفهوم دينامية الفن عبر الأزمنة، والمتغيرات الحضارية.
   فالتجدد، والتجديد، لن يضع فجوات بين النص الفني وعمليات القراءة ـ بتنوعها ـ بل يضاعفها، لكن ليس لصالح القطيعة ـ كالتي حصلت بين آخر الجداريات الكبرى في بابل وأشور، قبل ألفين وخمسمائة عام، وبين الشروع بإقامة النصب، عام 1959، قبل افتتاحه بعام ونصف ـ وإنما من اجل المفهوم ذاته لمغادرة (ديموزي) عالم الظلمات، السفلي، بأعياد الربيع، وهو تأويل لن يتقاطع مع سياق آليات الولادة ـ الثورة، بعد الكمون، أو الدفن.
   وكي تكون لهذه القراءة، هنا، إسهاما ً شبيها ً بتسليط الضوء، من جهة، واستذكارا ً للقراءات السابقة، من جهة ثانية، وإعادة حفر في مكونات النصب ومخفياته، من جهة ثالثة، أجد لا مناص من عدم إغفال ذلك.
    فيذكر الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، ان جوادا ً، بعد تكليفه بتصميم النصب، وفي غمرة نشوته، وجد: " ان الأنظار تتجه إليه ليجسد الحلم الذي راوده لسنين طوال. لم يكن هناك أي تردد: لقد طلب إليه المسؤولون، بعد الثورة بأشهر قلائل، ان يصمم نصبا ً للثورة لكي يقام في ساحة التحرير ـ اكبر ساحات بغداد ـ وأعطي مطلق الحرية في التعبير ـ والحرية بالضبط هي ما كان يخشى ألا تجود به الدولة، وهي التي أصر عليها قبل كل شيء. لقد وجد نفسه ذات صباح يجابه موضوعه الكبير: له ان يصوغه في الشكل الذي يريد، بمطلق الحرية، وتنفق على تنفيذه الدولة" (1)
     وإذ راح يفكر بالتفاصيل، ازدحمت في ذهنه مواضيعه الأثيرة لديه، والتي ستجعل منها دراما، أو ملحمة، تنطق بلسانه، كما تنطق بلسان الشعب. ويضيف الأستاذ جبرا " وفي الوقت نفسه، كان عليه ان يبلور في شكل نهائي وحاسم نظرياته المتنامية حول الأسلوب العربي، العراقي، المعاصر, وهكذا كان عليه ان يوفق بين حاجة الدولة وحاجته، بين مطامح الجمهور ومطامحه، بين حسه ألزماني وحسه المكاني، بين فهمه للتاريخ وفهمه للمستقبل" (2)
   ولكن جواد سليم لم يقدم للمسؤولين في بغداد ـ وهو في فلورنسا ـ أي تخطيط او مصغر للنصب، فيما عدا مصغر عريض الخطوط للقسم الأوسط منه، الذي يصور قفزة الجندي، و (الحرية) حاملة المشعل ...، وهكذا كانت الثقة مطلقة بما سيصنع من نحت. ويذكر الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا (لا بد من القول ان رفعة الجادرجي، صديقه واحد المعجبين بفنه، كان له الدور الأهم في ذلك كله، إذ ْ كان احد كبار المسؤولين عن إقامة النصب" (3)
  وسينجز الفنان ملحمته، في سنة ونصف، وهي مدة قصيرة جدا ً، فضلا ً عن الصعوبات التي عاناها الفنان، في انجاز النصب، بعد ان ضاع الجزء الأوسط منه ـ المفكر السياسي، الجندي، الحرية ـ ولذا فانه أعاد صنع هذا الجزء من جديد في استديو محمد غني حكمت بروما، أما الأجزاء الأخرى من المصغر فقد نحتها فيما بعد في فلورنسا.
    مرض جواد سليم، ومكث ثلاثة أشهر في المصح، ثم عاد ليواصل عمله، ويتم انجازه ، ويأتي إلى بغداد، ليدخل المستشفى، مرة ثانية، وأخيرة، لتفجع بغداد برحيله، وكان في الـ 42 من عمره، بتاريخ(23 كانون الثاني 1961)، وسيزاح  الستار عن نصب الحرية في: 16 تموز من العام نفسه.


1 ـ جواد سليم ونصب الحرية، مصدر سابق ص 75
2 ـ المصدر نفسه، ص 75
3 ـ المصدر نفسه، ص 78





عراق الحلم - آمال الزهاوي

عراق الحلم








آمال الزهاوي

مهما طوفتُ بعيداً
ورحلتُ .. وجئتُ
بعدتُ .. قربتُ
لكني اعرف اني اتدفؤ فيك
بلحافك عند البردْ
فانام قريرةَ عينٍ
في القرب او البعدْ
اعرف انك جوري الورد  


مااسعدني  حين تنام بقلبي
جمبدة الوعد
وانا اتدفؤ من الق الجوري ّ
بظل السعد ْ

اتنسم ُ من عطره في القربِ او البعدْ
فما ابهاني
وما اسماني حين انامُ على نهرين ِ حبيبينِ يموتانِ من العشق
ويقتربانِ هنا في بغداد ويختصمانِ .. ويبتعدان
ويسيران مليّاً

يلتقيان معاً
ويعطي هذان الاثنان وليداً رباني

يحبو في وجلٍ
برؤى طفلٍ فتان
يزهو من خلل الوصل
فما ازهاني
هل يوجد في الكون
مكانٌ كمكاني ؟


بغداد 7/3/2008


 

رحيل الشاعرة العراقية آمال الزهاوي - كانت تعيش شبه عزلة لظروفها الصحية اخر حوار صحفي مع الشاعرة الراحلة آمال الزهاوي عبد الجبار العتابي


كانت تعيش شبه عزلة لظروفها الصحية
اخر حوار صحفي مع الشاعرة الراحلة آمال الزهاوي
عبد الجبار العتابي
 



رحيل الشاعرة العراقية آمال الزهاوي
بغداد: اجرت (ايلاف) حوارا مع الشاعرة العراقية آمال الزهاوي قبل رحيلها بوقت قصير،هو الحوار الأخير لها قبل ان تتدهور حالتها الصحية، كان عبر (الفيس بوك) لانها كانت ترفض استقبال احد للظرف الصحي الذي تعاني منه.
بهدوء.. ودون ادنى ضجيج،وبعد صراع طويل مع الأمراض والأوجاع والانزواء، رحلت يوم الاربعاء الحادي عشر من شباط / فبراير 2015  الشاعرة العراقية الكبيرة السيدة آمال الزهاوي عن عمر 69 عاما في احد مستشفيات بغداد، رحلت بهدوء مثلما عاشت سنواتها بهدوء وبعيدا عن الاضواء،منغمسة بالقراءة وكتابة الشعر فيما اتاح لها الانترنت فرصة في التفرج على العالم بعد ان احاطت نفسها بما يشبه العزلة،وعبر الانترنت كانت فرصة الحوار معها بعد ان كانت حالتها الصحية الصعبة تحول دون فرصة الحوار وجها لوجه، ويبدو انها لا تريد ان تثلم كبرياءها خاصة انها بشلل نصفي ومقعدة.
  امال الزهاوي تعد من اشهر الاسماء التي تصدرت المشهد الشعري في العراق بعد الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة، وظلت تتوهج بالشعر وتعيش متعته وتواصل حياتها فيه على الرغم من الظروف الصحية الصعبة التي تحمد الله عليها.
  وعنها بعد اللقاء كتبت عنها هذه المقدمة للحوار:
   على الرغم من ان وضعها الصحي متعب وسنواتها الاخيرة مثقلة بالعذابات بعد ان داهمتها الجلطة التي منحتها (كرسيا متحركا) و (يدا) مثقلة و (لسانا) لا يقوى على النطق الا قليلا، الا ان الشاعرة آمال الزهاوي لا زالت تنبض بالشعر وليست غائبة عن المشهد الا برضاها لانها لا تتواجد في كل الامكنة كعادتها،منعزلة قليلا لكنها منشغلة بشعرها الذي اصبح عالمها السري والسحري والذي تجد فيه متعتها ولها فيه مآرب اخرى تعبر فيها عما يختلج في نفسها فتنشره دون تردد، فهي واحدة من الشاعرات العراقيات اللواتي تركن بصمة واضحة على الشعرية العراقية، شاعرة مميزة مسيرتها الشعرية والحياتية بالكثير من المميزات التي يحفظها لها الكثيرون، وتؤكد انها منذ انطلاقتها وصدور اول مجموعة شعرية لها عن دار العودة في بيروت عام 1969 ترفض ان يقدم لها شاعر او كاتب مجاميعها الشعرية.. وما اعتادت ايضا ان تقوم بعملية التعريف والتحليل لنتاجاتها، لانها تترك للاخرين حرية البوح والتحليل والقراءة لكتاباتها، هنا حاولنا اخراجها من عزلتها الاعلامية وحاورناها.
اين انت الان؟،الا ترين انك غائبة عن الاضواء،ما سر اعتكافك؟
-  انا في العراق، لا.. لست بغائبة عن الاضواء انا هكذا لا اتواجد كثيرا منذ بداياتي.
- كم ديوان شعري اصدرت؟ واي منها تشعرين انها الانضج بالنسبة لك؟  
.  12 ديوانا صدرت وكلها بالنسبة لي ناضجة لكن الاقرب لي هو  ديوان الشتات-
- لك ديوان يحمل عنوان (فيوضات) ماذا تقصدين به وهل ثمة اسرار وراءه التسمية؟
- الفيوضات هي تجليات روحية وفيها نفس صوفي.

- ما ابرز المراحل في مسيرتك الشعرية ولماذا؟
 - كل مرحلة هي بارزة في وقتها لكن الان اشعر بالنضوج الشعري اكثر وبالعمق الفكري فمثلا البدايات كان فيها عذوبة ونفس عاطفي اكثر والان الطعمق الفكري والحس الوطني هو الطاغي في شعري الان
 - ما المواضيع التي تتناولينها في قصائدك / وهل اختلفت بين مرحلة واخرى؟
- تناولت مواضيع مختلفة ومتشعبة وكثيرة تدخل فيها الاساطير والرؤى والاقنعة والروحانيات ومواضيع عديدة كلها لها طابع فكري فلسفي.
- استوقفني عنوان لمجموعة شعرية لك (آبار النقمة) الا ترين انه ليس شعريا وصادما؟
 - لان واقع العراق صادم وهويتنا والاحتلال وماحدث بعده من تناقضات وهو ادق عنوان لهذه المرحلة التي احد اسبابها ابار النفط ومافيها من نقمة، اليس هذا العنوان اكثر العناوين دقة واستجابة لهذا الحدث الصادم؟
- اينك من قصيدة النثر، ما رايك بها؟
-  ان الموسيقى شيء مهم في الشعر وانا اعتبره من ضروراته والموسيقى عندي سهلة استطيع ان اكتب بموسيقى شعرية واستطيع التعبير بدقة عن الافكار التي تدور في راسي فلماذا افقد شعري موسيقاه؟ ان الكثير من الذين يكتبون قصيدة النثر ليست لديهم القدرة الموسيقية في التعبير عن افكارهم ولكن هناك بعض الاسماء التي تعبر بقصيدة النثر بشكل جميل وفيه صور شعرية مدهشة زلغة مكثفة معبرة ومطواعه وهذا هو المطلوب في قصيدة النثر.
- اي الاشكال الشعرية تمنحك حرية البوح؟
 القصيدة هي التي تفرض شكلها واستطيع من خلال هذا الشكل الذي اختارته لي الفكرة حرية البوح.-
 - هل وراء اهتمام بالاسطورة سر ما؟ هل انتهى لديك هذا الهاجس؟
- في البداية كنت استخدم الاسطورة بكثرة وكنت احس بها وكانت تاتيني بشكل طبيعي حتى اصير جزءا منها حيث كنت اتمثلها، كنت احب الاساطير ومنها الاغريقية والاساطير العراقية القديمة والان هو لم ينتهي تماما موجود لكن بشكل ا فمثلا استخدمت كلكامش في قصيدتين احداهما قديمة في قصيدة العائدون من بحار الموت والثانية في قصدة من رحلات كلكامش وكل منها تعبر عن جانب من الاسطورة.
- ما الذي تجدينه في الشعر ولا تجدينه في الرواية او القصة مثلا؟
   - الشعر هو تنزيل مكثف كانه ياتي من السماء اما القصة فهي لقطة من الحياة اما الرواية صورة مجسمة عنها.
- اصبحت قصيدة النثر هي الغالبة... برأيك لماذا؟
 - ان كنت  تقصد انها الاكثر رواجا، فذلك لانها بسيطة وسهلة.
- هل تعتقدين ان الشعر العمودي والشعر الحر ما عادا يناسبان عصرنا الحالي ولماذا؟
 - لا ابدا شعر التفعيلة هو اكثر شاعرية من جميع الاشكال حيث لاتفقد القصيدة موسيقاها وابداعها والشعر العمودي في بعض الاحيان يكون معبرا عن حالات معينه فلكل لون جاذبيته.
- هل تجدين ان الاصوات النسوية الشعرية تطورت او تغيرت ام مازالت في الظل؟
- تطورت الاصوات النسائية بشكل كبير ولدينا شاعرات لا يقل مستواهن عن ا لشعراء الرجال فمثلا الشاعرة بشرى البستاني قد تقدمت كثيرا في مستواها الشعري ووجدت عندها قصائد جميلة ومدهشة.
نبذة تعريفية:
     هي الشاعرة العراقية آمال عبد القادر بن صالح بن محمد فيضي البابان الخالدي ولقب الزهاوي  حملته الأسرة أخيرا نسبة إلى زهاو التي كانت إمارة مستقلة، وهي اليوم من أعمال إيران، ولدت في بغداد سنة 1946، تخرجت من كلية الآداب قسم اللغة العربية، عملت بالصحافة والتدريس. بدأت بنظم الشعر العمودي إلاّ أنّها تحوّلت إلى الشعر الحرّ، وقد تأثّرت بكلمات جبران خليل جبران، وجبرا إبراهيم جبرا، جدّها الشيخ محمد فيضي مفتي بغداد، والذي كان شاعراً ومحمد فيضي هو ابن الملاّ أحمد بابان مفتي بغداد كان أجداده البابان من أمراء السليمانية، توفّي بعد عام 1279هـ، وعمّها الشاعر جميل صدقي الزهاوي، والشاعر إبراهيم أدهم الزهاوي.
أنشأت مع زوجها (عداي نجم) في حقبة الثمانينات؛ شركة للطباعة تضم دار للنشر باسم شركة عشتار حيث ساهمت بطبع الأعمال الأدبية للشعراء الشباب؛ فكانت ( مطبعتها ) أوّل من نشر للمبدعين من الشعراء؛ تحت عنوان (منشورات آمال الزهاوي) وهو حلم لم يتحقق للشباب لولاها، رحمها الله.



قصائد-آمال الزهاوي


قصائد



معادلة
آمال الزهاوي
لا يمكن أن يُعَرفَ هذا الإنسان
بجمع الحالات
لا يعرف هذا الإنسان بإحدى الحالات
لا يعرف هذا الإنسان بواحدة ٍ .. أو أخرى
بل انه يرقى
من كل تنامي الحالات

...


أُصـص


كم غالوا  الالق الورديّ
وكم حرصوا

تظهر في قلبي الأصص
توغل في زيف الفرحة
من حولي القصص
تنظر لي في جللٍ فرصُ

.. .

أباطيل

باطل ٌ .. باطلٌ
كل شيءٍ هنا باطلٌ
ثم قبض الرياح
المباح الذي لا يتاح
والحرام الذي يستباح
البيوت .. الشوارع باطلة ٌ
البقايا .. الزوايا .. الخفايا
الظلال ُ التي نسجت نفسها
مثل سجادة ٍ تشغل السوح
والشجرُ اليابسُ المتشنّج
 حيث الوريقات فوق الغصون
التي يبستْ كلها
والنخيل وقاماتها الباسقات
والرماحُ التي لا تصيب الهدف
والتماعٌ يئج ّ به هدفٌ لايتاح
والذين يمرون عبر الرصيف
وفوق الظهور همومٌ ، ترتدي ثقلها
في الصباح
والقوانين ُ آه القوانين
التي فصّلوها عليك
فكانت على القالب الذي فيه أنت
مهيأة ٌ .. والقراطيسُ آه القراطيسُ
قد رُتّبتْ
قبل أن ينجلي الامر
عند ارتفاع الستارة ِ
في موعد الافتتاح
..



بصيرة

فإذا ما جاء العسس
والتف على أفقي الحرس
تصعد من تحتي الفرسُ
وأنادي :
في مدّ الصوت : أيا فرس ُ
يتراءى لي شيء كالقلب
فاقرعه
يحنو في الحال الجرسُ

...



مناقير

ماذا نقول لكم
يمدُّ طائركم في ارضنا شجناً
القى علينا وبالاً
صار ممتحنا
والليل صار سنا
وهبَّ محتقنا

ابدتْ لنا دمعة الأحلام نابضة
الظل والوسَنا
وزقزقت حولنا كل القلوب التي ستحمل الكفنا
وحومت فوقنا كلّ الغيوم التي
تستعذب المَزنا
للله مرجعها
تبكي بحرقتها .. كي توقد الوطنا
يستدرجون به وجدانهم هاهنا
تسعى جميعاً لمد البرق اعيننا
تصير في واحدٍ معلوم
انت أنا
توقّدتْ دفقة الماسات في قلبه
وحوّمت عندها الاحلام والتمعت ْ
كماء بحر هفا يستقبل السفنا
او صار كالبيت مفتوحاً لها سكنا
لكنها عكسه تدير فعلتها
القت علينا جموح  النار والفتنا
اعطت له مالنا سراً ومامعنا
فاختلطت بيننا واستنفرت محنا
يالوعة رفرفت
تلقي لنا المفتاح في يدنا


هبّ الصراع بنا
حتى بدا علنا
تبدي النهارات احلاماً بها صخبتْ
في غير موضعها
القت حبالا من الأشواك نافرة
ينهدُ طائركم حزنا على وهنٍ
وجاء رابعنا
وجاء سابعنا يستنفر المدنا

...



أصفار الشمال

ونحن أصفار الشمال هاهنا
لم نطلق العقل إلى آخره
بما تودّ الذاكرة
وما تنص الدائرة
وما رأى أوله اوّلها
تقول هذه الرؤى
كيف التصور استوى
وهي التي قد أطلقت ما عندها
لأفة ٍ لاينتهي سؤالها
حتى وان قلنا لها لاتقربي
ماذا يساوي في الزوايا .. عندنا
تحطّمت في ليلة العنف
كوى أحلامنا

...
توحد

اسهرُ في الليل حزينه
اطفو
في صخب الاصوات
فيبلغني قبل الانصات

كي لا يسمعني
أحد ٌ
 في طيّ مدينه


...


شعر عراق 2006 عراق 2007- آمال الزهاوي

شعر
عراق 2006
عراق 2007





آمال الزهاوي

أي ُ عراقٍ أنت ؟
ولأي مدى في العنفِ تحولت ْ
وبأي الأشكال تجسدتْ

تتلظّى في أردية الفتنةِ غيظاً
بعضك يضرب بعضاً
لتعاني ما عانيت
عصفٌ .. عصفٌ يتوالى
  لمّا صليتُ على سجادةِ عمري
 في ظلِ بلادي
وبها قلقي وسهادي
أمسكتُ  على قلقٍ  كل مناديل ودادي
وعلى فيضِ شراييني .. وبلهفةِ أوردتي
انكشفت أحلام فؤادي

وتفرست بأقمار الرؤيا
وهنا في فوهةِ أحزاني
الدامية الآن رأيتْ
والصورة تتحرك من تحتي
ويحاصرني البرد ُ .. ولا زَيتْ
خارطتي  تتوهج في العصفِ
فلا صفحات الماء صَبت ْ
في ألق الهور ِ
ولا أشجار الجوز تلملمُ غيبتَها
الصورة تتوهج من حولي
في البعدِ المتكثّفِ
حين يهاتفني الصوتُ
فيطلقُ في الصمتِ نشيد َ الإنشادِ
ويدوّي في أقصى الأبعادِ
ويحاصرني الواقعُ
نصلٌ يتوجّع في الأكباد
وطيوف الهمِ ترفُّ على الأعواد ِ


في كل نهار ٍ
أتوهج بالحب الضاري
حيث يشعُ سنا
كل منار في بغداد
ولماذا ترتبكُ الأشياء بنا ؟
تتناثر أوردة عبر ظلال
يتمددُ في أرجاء حديقتنا
كالتنّين المتربصّ هذا الفمْ
تتفجّر قنبلة من دمْ

أتساءل  كيف يعاودني الهمْْ
وأنا  من دائرة البذلِ أتيت
في  لوعة آلامي عانيت ْ
من جذوة أيامي أعطيت
ليتكَ  ترسل قرصَ الشمسِ
على كل الناس .. وليتْ
علّ أكفا فرقها البعد تلاقت
واشتبكت ْ
في منظرِ صفوٍ أخاذ

أي عراق ٍ  أنت ؟
أي عراق ٍ  صرت
اتملّى وجهك َ وأدوس سهولك
أعلو كل شموخِ  جبالك
أبصر فيك وهاداً
لا أعرفها
هل أني أفهمك الآن ؟
أم اجهل كل تضاريسك ؟
واراك بقلبي تدمع
كشهاب ينفض لؤلؤهُ
في هذا الكون

أجساد دون رؤوس ٍ
ورؤوسٌ تبحث عن أجساد
هذي صورتك الدامية الأبعاد
أيد تتطاير .. ودماءٌ تتفجّر
أشلاء تتبعثر .. أقدام تطفرُ
ووجوه تطمسُ كلّ ملامحها النيران
وخارطةٌ من خلجات النفس
ترسمها بالأحمر فرشاة النحس
من يقرؤها ؟
فوق القار السائح تبصر أحلاما
تتهاوى في لحظات
وانطبعت أجداث
بسجلّ الدنيا


يا قطّارة حزني لا تنفلتي
وأمامك حشد الباكين
يجمعهم عرس الدمْ
باللون القاني
ولدائرة الآلام
سطور كتبت بمداد ِ

من يصنع هذا المشهَد ، ينزله ؟
للشارع فوق القار
ولماذا ؟
أنت الموؤدةُ والمظلومةُ
ذا تاريخك يشهّدْ
من يمسك أفئدة النفس
لكي لا تبرد
في قلب الحدث الأسود
وأمام شراك السيارات الملغومة
عبر عيون الأشهاد

يا صائد أرواح الناس .. ويا قنّاص الأجساد
للصبر أنين والصبح حزين
والوقتُ يشدُّ بأوتادِ
الأرواح ستصعد .. والأجساد هوت
تتخبّط في برك حمراء بلا ميعادِ
ضُمْ سهامك .. لا تطلقها للرائح والغادي
وانزع من نفسك سهم الصياد
يا من ترحل عبر مدى مجهول
فيه القاتل والمقتول
وضحايا تعبر في صف حداد ِ
من منكم
يصعدُ نحو نبيّ الحكمة والوحي ؟
من منكم يسطع في لون القمر الفضي
يظلله الله
في مزرعة القدر المكتوم
لمّا يتناسلُ فيها الموتُ كثيفا كالمعتاد
ويصير على استعدادِ

أشجار باسقة ٌ يثقلها الرمّان المتفجرُ
وثمارٌ تطلقها أشجان تتصاعد فيها الروح
تتداخل في الألق المفتوح
فمن منا يرضى ؟
ليدور حوالينا الظل المسفوح
ويطوف علينا ما سيكون
فماذا نفعل في الحين ؟
والبلوى إثْر البلوى تتواتر تحت مرامي العين

قل لي من أنت ؟
وكيف تكوّنت ؟
هل أنت عراقٌ ..  وعريق ؟
أم أنت عراك ؟

واديمك يحمل ُ الاف القتلى المجهولين
فنطوف على دائرة اللغز .. ونسأل ُ
من اين يجيءُ الجند الموتورون ؟
كيف يتناسل فينا الشهداء المغدورون
وها هي  تفلتهم من بين يديها رغبات الامريكان
ينسابون الينا من كل مكان


يا من زرعوا فينا كل الأضداد
كيف يكون الهم
وجبال الموج أنهدت فينا
وتناقضت الدنيا
لما استلقى الأصبع فوق الأزرار
ليهُب بردهات  الأمل المتمدّد ِ في الوادي
دفق ضباب
هل تقدر أن تمسكه ظلفات الباب
والأرض ... وأحراش الأرض يحوّلها
الظمأ الناريُ
إلى بعض يباب
يا جزر النار .. غزتنا
في هذا العصر الحيتان
وأمام الملأ الأعظم .. وعيون الأشهاد
دربكة هزّت اوتار العالم
وحناجر تهتف في الاصفاد
من اين يجيء الينا فيض الامداد ؟
وانت بداخل استار الخوف  تدين
وتداري نجمتك الثكلى
الذابلة الاطراف سنين
فمن يطلع فيك الغيظ
ويضيء ببرقك افئدةً لاتخبو
وتمطر فيك شجون
وتطير بجناحين من الوهم
بعيداً لليوم الوقادِ
..




آمال الزهاوي ... وداعا ً- وكالة أنباء الشعر- محمد السيد








آمال الزهاوي ... وداعا ً






وكالة أنباء الشعر- محمد السيد

أنتقد ناشطون وزارة الثقافة واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي، إهمال الحالة الصحية للشاعرة آمال الزهاوي، التي رحلت صباح اليوم الأربعاء(18/2/2015) بعد معاناة طويلة مع المرض. وأشاروا في تغريدات لهم، بأن الفقيدة تعد أحد أهم الأسماء القليلة التي تصدرت المشهد الشعري والإبداعي في العراق بعد نازك الملائكة. وأعربوا عن استياءهم للتهميش واللامبالاة التي تم التعامل بها مع الشاعرة أثناء أزمتها المرضية.وفي تصريح إعلامي له، أنتقد الشاعر جواد الحطاب، تقاعس اتحاد الأدباء عن تلبية اتصاله وطلبه منهم إرسال طبيب إلى بيتها لكونها مقعدة ولا تستطيع الذهاب إلى المستشفى أو مراجعة الطبيب وليس معها سوى ابنتها؛ ولكنه للأسف -كما يقول- لم يسمع من الاتحاد سوى الوعود؛ بل لم يكلّف احد منهم حتى الاتصال بابنتها كـ "أداء واجب" على الأقل، لتنتقل إلى مغفرة من الله ورحمة وسعها السماوات والأرض.اتحاد الأدباء العراقي، نعي اليوم رحيل الشاعرة آمال الزهاوي. مشيدا بتجربتها ومسيرتها الإبداعية.وتعد الشاعرة آمال الزهاوي من شاعرات العراق المميزات، بدأت تجربتها في الستينيات وتخرجت من قسم اللغة العربية من كلية الآداب، وكان لديها نشاط في مجال الكتابة الأدبية والشعرية وأصبحت اسما أدبيا وثقافيا طيلة السبعينات والثمانينات كما لها مساهمات في كتابة المقالات السياسية في الصحافة العربية وكذلك الريبورتاجات .



الأربعاء، 18 فبراير 2015

مغامر في بحار المواهب المخنوقة-كاظم فنجان الحمامي




مغامر في بحار المواهب المخنوقة


كاظم فنجان الحمامي

مغامر عراقي آخر تجاوز بجرأته حدود المعقول، وتخطى بمواهبه المتعددة جدران المستحيل. عمل نجاراً وبحاراً ورباناً ومدرساً ونادلاً ومقاولاً وبائعاً ومترجماً ومحرراً ومستشاراً. مارس أصعب المهن حتى أتقنها، وأجاد اللغات الحية كلها حتى اختلطت عنده المعاني والمفردات في محطات الغربة. سافر إلى معظم أقطار الأرض من دون جواز سفر أو بجوازات مزورة. مر بمرافئها ومطاراتها ونقاطها التفتيشية. تعرض للسجن والاعتقال في البلدان البعيدة حتى امتلأت ذاكرته بالصور والمواقف العجيبة. تشابكت عنده خطوط الطول والعرض. وقطع المسافات بكل الطرق، فتقاربت عنده القارات وازدحمت في محفظته العملات الأجنبية المتناقضة، وتكورت في حقيبته بطاقات التذاكر البحرية والجوية والبرية. لكنه لم يذق طعم الاستقرار منذ ولادته في (ذي قار) عام 1953، ولم ينعم بالأجواء العائلية المنتظمة منذ وفات والده، ولم ينل استحقاقاته الوظيفية والتقاعدية منذ اليوم الذي ترك فيه العمل على سفن صيد الأسماك، ومنذ اليوم الذي غادر فيه العمل على سفن (ناقلات) النفط العراقية.
اسمه الكامل: محمد جواد علي القرةغولي. وعنوان وظيفته الرسمي: (ربان أعالي البحار). لكنه يعد موسوعة (لسانية) متنقلة تثير للدهشة، وحجة (لغوية) لا يستهان بها، فهو يجيد العربية والانجليزية والاسبانية والايطالية والبرتغالية والروسية إجادة تامة، ويستطيع التفاهم باللغات الفرنسية والهولندية والأمازيغية والسواحلية والفارسية.
أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدينة (الناصرية)، ثم ترك دراسته ليلتحق بصفوف المقاومة الفلسطينية في لبنان، فسكن في مخيم النهر البارد بطرابلس، لكنه استجاب لنداءات والدته بالعودة، فرجع إلى العراق ليكمل دراسته الثانوية عام 1975، ويلتحق بالكلية البحرية بمصر، لكنه ترك الدراسة في مرحلتها الثانية فعاد إلى العراق ليلتحق بأكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية، التي افتتحت في البصرة. وكان من ضمن طلاب دفعتها الأولى عام 1979.
صدرت الأوامر بتعيينه في أسطول الصيد العراقي، لكنه سافر إلى ايطاليا عن طريق لبنان ليعمل في صفوف إحدى المنظمات اليسارية، فعمل في فلورنسا في المهن الحرفية الحرة، ثم سافر إلى الجزائر بأوراق مزورة، فسكن في مدينة (الأغواط) ليعمل في تدريس اللغة الانجليزية، ثم سافر إلى سوريا ليعود إلى العراق مختبئا تحت المقاعد الخلفية في سيارة كبيرة، فعبر الحدود من دون أن يكتشفوا أمره. 
التحق من جديد بسفن شركة صيد الأسماك ليعمل عليها حتى عام 1985، فعمل على سفن: الرزازة، وساوة، والساحل العربي، والبحر العربي، ودجلة، والفرات، وزين القوس، ثم تحول للعمل في أسطول ناقلات النفط العراقية التي كان يديرها الراحل (عبد الجليل الجلبي)، فعمل على الناقلات: عين زالة، وجمبور، وكركوك، وطارق بن زياد.
أكمل في الثمانينات قاموسه البحري الأول، الذي صدر عام 1985عن الدار العربية للموسوعات، وعمل مدرساً للغة الانجليزية في المعهد التقني وفي إعدادية العشار المسائية للبنات، لكنه ترك أعماله كلها في البصرة، وانتقل إلى بغداد ليعمل حتى عام 1997 في بيع الأدوات الاحتياطية للسيارات، ويعمل في المساء في قسم الإنصات التابع لوزارة الإعلام مستفيداً من مواهبه اللغوية المتعددة، من دون أن يقطع ارتباطه بشركة ناقلات النفط العراقية، التي كانت معطلة تماماً بسبب تداعيات الحرب والحصار.
عمل بعد ذلك رباناً على سفينة متخصصة بنقل الأسمنت بين الموانئ الإيرانية والإماراتية، لكنه ترك عمله هناك ليسافر أولاً إلى جزيرة مالطا، ثم إلى ايطاليا بواسطة زوارق التهريب، فوصل إلى سواحلها بوجهه المبلل بالتعاسة. كان بحوزته جوازه البحري وبضعة دولارات. ركب القطار إلى روما، ثم غادرها إلى باريس بقطار آخر. توقف القطار فجأة للتفتيش في محطة حدودية، فقرر صاحبنا ولوج مقصورة تضم ثلاث بنات يابانيات. جلس بينهن مؤقتا لحين انتهاء التفتيش. جاءت المفتشة (الشرطية) فناولها جوازه المثخن بالأختام، فابتسمت له واعتذرت منه. 
وصل باريس مرهقاً، فقرر الذهاب إلى هولندا بقطار لا يتوقف إلا في أمستردام، لكنه عاد مسرعاً إلى ألمانيا استجابة لمشورة زميله الكابتن (علي عبد الحسين). وصل ألمانيا وتوجه إلى الشرطة ليبلغهم بطلب اللجوء الإنساني. فأسكنوه في سفينة عائمة في نهر الراين. حصل على الإقامة وجواز الأمم المتحدة، لكنه قرر الرجوع إلى الإمارات ليعمل على سفينة كانت متوقفة في جزيرة (باتام) الاندونيسية.
كان صاحبنا مصاباً بجنون القراءة والسفر، فآنسته القراءة وأنهكه السفر. وجد نفسه بعد هذا الترحال الطويل في أمس الحاجة للعودة إلى العراق، فركب سفينة متوجهة إلى البصرة ليذهب مباشرة إلى بغداد.
عمل عام 2001 في قسم الترجمة بوزارة الإعلام، ثم أصبح كبيراً للمترجمين، فوجد الراحة والمتعة في عمله الجديد. كان يتحدث بكل اللغات التي يجيدها، لكنه كان يعمل في المساء كسائق تاكسي، ثم عمل مع المفتشين الدوليين بوظيفة مترجم أقدم، فكان يتقطع ألماً لمنظر المنشآت الصناعية المدمرة، والثكنات العسكرية المهجورة. عمل بعد ذلك مع وكالات الأنباء الدولية. كانت بدايته مع التلفزيون الكوري ثم الياباني، ثم شبكة CNN وشبكة BBC فكان شاهداً على تقلبات الأحداث السياسية.
كان ضحية لدور الطباعة والنشر، التي سرقت منه أروع كتبه المترجمة. أغلب الظن أن كتاب (جواسيس جدعون)، أو كتاب ( عشرون عملية للموساد)، أو كتاب (على أجنحة النسور) من بين تلك الكتب المسروقة من حقيبته الممزقة، وربما كان ذلك باعثاً ومحرضاً لتعرضه للاغتيال عام 2004 بعيارين ناريين، فسقط مضرجاً بدمه على قارعة الطري.
يقولون: (عمر الشقي بقي)، كان يرى بأم عينه كيف تهرب منه السيارات المارة بجسده المسجى على الرصيف. هرع إليه رجل شهم، فأسعفه وحمله على كتفيه حتى أوصلة إلى مستشفى اليرموك، فرقد هناك لأشهر طويلة. تماثل بعدها للشفاء، فقرر السفر إلى مصر لتجديد شهادته البحرية، ثم عمل في ميناء (طرطوس) على السفن السورية. كان يستثمر وقته في عرض البحر لإشباع رغباته الجامحة في القراءة والتثقيف الذاتي، حصل بعدها على عقد للعمل في السودان، فمنعوه من دخول (الخرطوم)، وأعادوه بطائرة أثيوبية إلى (أديس أبابا)، ثم أرجعوه إلى مطار القاهرة. لم تستطع المخابرات المصرية فك لغز الشفرة التي يحملها هذا المغامر التائه في بحار المواهب المخنوقة. قالوا له: سنعيدك إلى سوريا، فقال لهم ساخراً: سترفضني سوريا وتعيدني إليكم، ثم طلب منهم إعادته إلى العراق، فرجع إلى بغداد بخفي حنين.     
عمل بعد ذلك رباناً بديلاً متنقلا بين العراق والإمارات على سفينة الركاب (مردف)، ثم عمل رباناً أصيلاً على سفن نقل الأسمنت بين الباكستان والعراق، أنتقل بعدها للعمل بدرجة ربان على ناقلات النفط اليمنية، وما أن انتهى عقده في خليج عدن حتى عاد إلى بغداد، لكنه عرج في طريقه نحو المعاهد البحرية الأردنية، فعمل فيها عام 2011 بوظيفة محاضر بمرتب شهري ضئيل. ثم حصل على عقد للعمل بوظيفة مدرس في المعهد البحري في جزيرة مالطا، لكنه وجد نفسه يعيش في عزلة تامة وسط هذه الجزيرة الصغيرة، فقرر العودة للتدريس في الأردن على أمل تحسن أوضاع العراق. 
أكتشف (القرة غولي) متأخراً أن العمر يجري بخطوات متسارعة نحو محطات اللاعودة، فألقى مرساته في مرافئ بلجيكا، وانتهز وجوده هناك ليعادل شهادته البحرية بالمستوى البلجيكي، وحصل على شهادة ربان من المعاهد الهولندية، مستغلاً وقته في بناء بيته الجديد في ضواحي بروكسل، وترميم مستقبله المتصدع، والتفرغ لأسرته.  
كان هذا ملخصاً مقتضباً لقصة حقيقية خاض تفاصيلها هذا الربان المغامر، وصاحب المواهب المتعددة، والأفكار المتقدة، لكنه يعيش الآن خارج العراق صفر اليدين، سبع صنايع والبخت ضايع، لم تستفد من خبراته معاهدنا البحرية، ولم تستعن بمهاراته مؤسساتنا البحرية، حتى أنه لم ينل استحقاقاته التقاعدية مقابل خدمته الطويلة في أسطول شركة صيد الأسماك، أو في أسطول ناقلات النفط.
ختاماً نقول: ما أكثر الربابنة العراقيين الذين رفعوا أشرعتهم بوجه الريح، فجنحت بهم بوصلتهم في بحار الغربة والشتات. ثم اختفوا في المحطات النائية من دون أن يحتضنهم العراق. . .