بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 6 يونيو، 2013

دفاع عن الحقيقة وليس عن غونتر غراس-د . علي عبد الأمير صالح

علي عبد الامير صالح
دفاع عن الحقيقة وليس عن غونتر غراس

د . علي عبد الأمير صالح
draliabdulamir@yahoo.com

تناولت الأوساط الإعلامية والثقافية محلياً وعربياً وعالمياً وبصخب وتناقض وبصورة مثيرة للجدل قضية انتماء غونتر غراس إلى القوات النازية الخاصة. ففي صحيفة (المدى) العدد 752 الصادر في يوم السبت الموافق السادس والعشرون من آب (أغسطس) وصف الزميل فاضل السلطاني موقف غونتر غراس بالشجاع قائلاً : " لقد تطوع الرجل ، وهو في خريف عمره ، ان يصفي حسابه مع ماضيه ، ومع نفسه ، حتى لو كانا ينتميان إلى مرحلة الحماقات . " وفي صحيفة (التآخي) العدد 4843 الصادر في يوم الخميس الموافق الحادي والثلاثون من آب (أغسطس) 2006 العدد 151 من (أبعاد ثقافية) كتب الأستاذ الشاعر الفريد سمعان موضوعاً تحت عنوانٍ (أدباء تحت مقصلة التاريخ ) ذكر فيه أن " غراس كشف عن نفسه في مقابلة في ألمانيا بأنه كان عضواً في القوات الخاصة النازية وفي الشرطة السرية ( الأس أس ) وهو السر الذي احتفظ به طوال هذه الفترة ".. يضع الأستاذ الفريد سمعان الكاتب الألماني ضمن قائمة الكتاب و الأدباء الذين تورطوا في تجنيد أقلامهم وأفكارهم للنظام الدكتاتوري ، وقائده الضرورة سواء كان صدام حسين أو هتلر أو موسوليني أو فرانكو .. وغيرهم .
ولأنني أحد المهتمين بأدب غونتر غراس ومتابعي مسيرته الأدبية والفنية وسبق لي أن ترجمت روايتين له هما " طبل من صفيح " ، و " قط وفأر" -من ثلاثية دانزك- المنشورتين في بغداد ـ دار الشؤون الثقافية العامة عامي 2000 و2001 ، أعتقد أن عامة القراء وجمهور المثقفين والأدباء ينتظرون مني أن أقول شيئاً ما في هذا الشأن المثير للجدل .
قبل كل شيء لنتعرف على غونتر غراس من خلال ما صدر له بالعربية ، وعذراً للتفاصيل المملة التي سأذكرها أدناه كوني أحتفظ بأرشيف جيد عن هذا الكاتب بالعربية والإنجليزية ، وبادىء ذي بدء أقول لم يترجم أي كتاب ( رواية أو مسرحية أو مجموعة شعرية أو مقالات ....الخ ) لغونتر غراس إلا بعد فوزه بجائزة نوبل للآداب في الثلاثين من أيلول (سبتمبر ) 1999.. إنما كانت هناك دراسات ومقالات كثيرة عنه وله فضلاً عن مختارات من أشعاره ، ذلك أن غونتر غراس بدأ مسيرته الأدبية شاعراً وانضم إلى جماعة ( 47 ) وهي حركة أدبية اضطلع بها مجموعة من الكتاب والمثقفين وكان لها دور حاسم في إحياء الثقافة في ألمانيا ، ومنها :
1. مقالة محمود قاسم الموسومة "غونتر غراس نجم الأدب الألماني المعاصر " العدد 281 نيسان (ابريل ) 1982 من مجلة " العربي " الكويتية ص 88 - 93 وهي دراسة جميلة ووافية .
2. حوار مترجم بين غونتر غراس وسلمان رشدي–عدد كانون الأول ( ديسمبر ) 1985من مجلة (آفاق عربية )_ فقدت هذا العدد لسوء الحظ .

3. مقالة اردموته هللر الموسومة " الكتابة بمختلف الصيغ- الرسام الشاعر غونتر غراس "– العدد 38 من مجلة ( فكر وفن ) الصادر في سنة 1983 ص 41– 48 .
4. مقالة غونتر غراس " البالرينا : أفكار حول الخلق الفني والإلهام والشكل "- العدد43 من مجلة (فكر وفن ) الصادر في سنة 1986 – ص 40 -44 .
5. مختارات شعرية ورسوم مع تقديم بترجمة د . عيسى علاونه – العدد 4 من مجلة الموقف الثقافي الصادر في تموز – آب 1996 ص 95 – 98 .
وعقب فوزه بجائزة نوبل للآداب لعام 1999 استمرت الصحف والمجلات في الكتابة عنه وترجمة بعض دراساته وأشعاره مستعرضة مسيرته الأدبية والفنية ومن المجلات العراقية التي خصصت محوراً له :
1. مجلة الموقف الثقافي – العدد 25 كانون الثاني – شباط 2000 وفيه دراسة مترجمة ومسرحية مترجمة حملت عنوان ( سفينة البحيرة المالحة ) –قام بترجمتهما الأستاذ القدير كاظم سعد الدين .
2. مجلة الثقافة الأجنبية – العدد 3 لسنة 1999 – أعد الملف الزميل حسب الله يحيى ويضم مقالة مترجمة لعدنان المبارك وقصة قصيرة مترجمة لغانم محمود (الواقع هي جزء من فصل من " قط وفأر" ) وحوار أجراه وترجمه الدكتور مصطفى ماهر . وكذلك العدد الأول لسنة 2000 من المجلة ذاتها وتضمن فصلين من روايته ( طبل من صفيح ) ودراسة مترجمة حملت عنوان ( غونتر غراس : طبل الحياد) – قام بترجمتها كاتب هذه السطور، كما ترجم الأستاذ كاظم سعد الدين مسرحية له بعنوان ( الطوفان ) وترجم الأستاذ المرحوم سعيد الحكيم دراسة في أدبه كتبها مارتن ايسلن إضافة إلى الدراسة التي قامت بترجمتها الأستاذة إشراق عبد العادل .
أما المجلات العربية التي تناولت الكاتب وحاورته فهي :
1. مجلة (نزوى) الصادرة في دولة عمان – العدد 23 يوليو – ( تموز ) 2000 – ففي هذا العدد حوار مع غونتر غراس قام بترجمته خالد المعالي ومنى النجار – ص 85 -88 .
2. مجلة ( البحرين الثقافية ) – العدد 33 تشرين الأول ( أكتوبر ) 2002– ففي هذا العدد دراسة مترجمة عن طبل الصفيح ص 64 -68 . قام بترجمتها كاتب هذه السطور وسبق أن نشرت في مجلة (الثقافة الأجنبية ) .
ومؤكد أن عشرات المجلات تناولت الكاتب وخصصت محاور عديدة له إلا ان سنوات الحصار المقيتة لم تتح لنا فرصة الاطلاع عليها .
أما كتبه المترجمة إلى العربية فهي :
1. طبل الصفيح ( رواية ) – نشرت بالألمانية في سنة 1959 – بثلاث ترجمات لحسين الموزاني( عن الألمانية – الجمل – ألمانيا ) ولكاتب هذه السطور( عن الانجليزية – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ) ولموفق المشنوق (عن الفرنسية – دار الجديد – لبنان ) .
2. قط وفأر ( رواية قصيرة ) - بثلاث ترجمات أيضاً لحسين الموزاني ( عن الألمانية – دار الجمل – المانيا ) ولكاتب هذه السطور ( عن الإنجليزية – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ) ولأبي العيد دودو ( روايات الهلال ) .
3. سنوات الكلاب ( رواية ) – دار الجمل – ألمانيا – 2003 بترجمة أحمد فاروق .
الكتب الثلاثة أعلاه تشكل ثلاثية دانزك .
4. سمكة موسى ( رواية ) – ترجمها الأستاذ الدكتور علي يحيى منصور وهو أكاديمي عراقي مقيم في اليمن – صدرت الرواية في صنعاء في 2005 ، في الأرجح .
5. حديث عن الخسارة – مقالة طويلة صدرت بهيئة كتاب بترجمة شيرين عبد السلام - المجلس الأعلى للثقافة – 2003 يتناول فيه غونتر غراس النتائج السلبية للوحدة الألمانية من وجهة نظره مع رؤية سياسية ثقافية اجتماعية للمجتمع الألماني بعد الوحدة الألمانية . يقع الكتاب في ثماني وأربعين صفحة من القطع المتوسط .
إن مبرر هذه المقدمة المستفيضة عن غونتر غراس هو الوصول إلى رأي موضوعي ومدروس ومتأن حول قضية انتماء الكاتب إلى القوات النازية الخاصة - لأننا لا نريد أن نبني أحكاماً متسرعة ً وارتجالية ً .. وإذا ما استخدمنا كلمتي الأستاذ المفكر محمد أركون فإننا لا نريد أن نتخذ موقفاً نقدياً استناداً إلى ( جهل مؤسس ) بل ينبغي للعملية النقدية أن تكون مستندة ً إلى عمق معرفي وفلسفي وحضاري عام كما يقول الناقد المغربي سعيد يقطين .
وعليه نقول :
ولد غونتر غراس في العام 1927 بمدينة دانزك ( أو جدانسك – إذا شئت ) عن أبوين نصف بولنديين ونصف ألمانيين . كان أبوه بقالا ألمانيا ، أما أمه فمن الكاشوبيين وهم قوم سلافيون غربيون مؤلمنون يسكنون الجزء الشمالي الغربي من مقاطعة بروسيا .. الخ } انظر إلى صفحة 638 من رواية ( طبل من صفيح ) – ترجمة كاتب هذه السطور – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد { وقد تربى غراس في جو غريب يشهد مولد الرايخ الثالث .. وظهور كتاب ( كفاحي ) لهتلر وإعادة تنظيم حزب نازي . انضم وهو في العاشرة من عمره أي في العام 1937 إلى منظمة " أشبال هتلر " ثم إلى منظمة أخرى تسمى " شباب هتلر " . في العام 1941 أي بعد اندلاع الحرب الكونية الثانية بعامين . وفي العام 1944 سيق إلى الجندية وفي العام التالي وقع في أسر الأمريكيين بعد أن جرح .
في السطور الأخيرة بيت القصيد .. أي أن غراس سيق إلى الجندية شأنه شأن الملايين من الألمان في ظل نظام دكتاتوري . عمره سبعة عشر عاماً ، شاب غر، طري العود ، لم يكن له أي موقف فكري واضح . وجد نفسه مرغماً على ارتداء البزة العسكرية مثل زميليه هاينريش بول وبورشرت .. اللذين أصبحا كاتبين مرموقين فيما بعد – نال الأول جائزة نوبل للآداب عام 1972. لم يكن غراس يومذاك رجلاً بالغاً وناضجاً مثل توماس مان وهيسه وبرتولت بريخت وتوخولسكي كي يهرب إلى خارج ألمانيا ويواصل مسيرته الأدبية والفنية .
هناك فرق بين أن تؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية وبين أن توظف قلمك لخدمة دكتاتور مستبد وظالم ومتعطش للبطش والدم ويسعى إلى إبادة شعبه وانتهاك حرمات الشعوب الأخرى .. في ظننا أن هذا هو الإشكال الذي وقع فيه الأستاذ الشاعر الفريد سمعان في مقاله المنشور في صحيفة " التآخي " فلو تهيأ له أن يقرأ " طبل الصفيح " والدراسات المكتوبة عنها لما وصل إلى هذه القناعة .. أرجو من الزميل الفاضل سمعان ومن القراء كافة أن يقرؤوا فصل ( قافلة النمل ) من رواية ( طبل من صفيح ) ليعرفوا موقف غونتر غراس من ألمانيا النازية .
كيف يمكننا أن نتوقع أن ينال كاتب مدح النازية ومجد أفعالها السود جائزة نوبل للآداب وكل هذه الشهرة والانتشار .. كما ترجمت أعماله إلى ما يزيد على ثلاثين لغة عالمية .. مع انه كاتب عسر الهضم كما يقول القاص والروائي العراقي نجم والي – على فكرة تربط غونتر غراس علاقات صداقة مع نجم والي والأستاذة الشاعرة أمل الجبوري . بطبيعة الحال لا يمكننا أن نتاجر بأقلامنا من أجل المكاسب المادية .. ولنعيد إلى الأذهان حكاية الشاعر الفرنسي آرثر رامبو الذي تخلى عن الكتابة عندما أصبح تاجراً للعبيد .. نعم الكتابة حرفة مقدسة .. امرأة جميلة لا يجوز خيانتها .

الأربعاء، 5 يونيو، 2013

( نلكح من طلع نخلتنه كل بستان )النخلة العاشقة-حامد كعيد الجبوري


( نلكح من طلع نخلتنه كل بستان )
النخلة العاشقة
حامد كعيد الجبوري
       الكثير يعتبر النخل سيد الشجر وهناك بيت شعر للجواهري الكبير بمقصورته العصماء بهذا الباب يقول فيه  ، ( على النخل ذي السعفات الطوال / على سيد الشجر المقتنى / على الرطب الغض إذ يجتلى / كوشي العروس وإذ يجتنى) ، وربما النخل الشجر الوحيد الذي يستفاد من كل جزء فيه ، بدءاً من الساق وصولا للجذع والسيقان والأوراق ، وحتى الجذر الذي بجوف الأرض له فوائد جمة يعدها المختصون بالزراعة ، ناهيك أن التمر من أغنى الفواكه بالفيتامينات التي تمد الجسم بما يحتاجه من طاقة وسعرات حرارية ، ( بيت لا تمر فيه جياع أهله ) هذا ما روّي عن الرسول الأعظم ( صلعم )  ، أضف لذلك أن الكحول تستخرج من التمر ، والكحول دخل الصناعات الطبية وغيرها  ، وكذلك مادة ( الدبس ) التي تعتبر من متطلبات بيوت الفقراء ، وكثير من صناعة الحلوى تنتج من مادة التمر ،   ونوى التمر مفيد كعلف لكثير من الحيوانات وفي مقدمتها الجمال لاحتوائه على الكثير من المواد ( البروتينية ) والدهون  ، وجذع النخلة يستخدم كسقوف لبيوت فقراء الناس ، وما أكثر الفقراء في العراق ،  و (( جريد )) النخل هكذا يسمى عند العامة ) أي السيقان ( الطرف ) بعد نزع الأوراق ((الخوص )) وهذه تسمية العامة أيضا ، ويستخدمه العمال المختصون بهذه الصنعة النادرة في كثير من الصناعات وهي ( الأسرة ، الكراسي ، أقفاص الطيور الأليفة والمهجنة ) ، وأما الأوراق ( الخوص ) فتستخدمه النسوة في كثير من الصناعات البدائية ومنها ، ( الزنبيل ) وهو السلة أو السلال الصغيرة لوضع ما يشترى من الأسواق فيها ، المروحة اليدوية ( مهفة ) ، مكنسة لتنظيف البيوت ، الحصر -  الحصران -/ وهي عبارة عن نسيج من الخوص يخاط بعض لبعض ويفرش في بيوت الفقراء للجلوس والمنام عليه أيضا ، وأما الآن فأصبح من الصناعات التراثية لانقراض هذه الصنعة ) .
الحج لبيت الله الحرام خمسينات القرن الماضي يختلف عن حج أيامنا هذه ، كانت الرحلة تستغرق أكثر من شهرين وقد تصل لثلاثة أشهر متتالية ، وقسم من الحجاج ينطلق لبيت المقدس أولا ومن ثم الذهاب للديار المقدسة والعودة عن طريق إيران بعد زيارة مشهد الإمام الرضا ( ع ) ،ومنهم من يذهب لإيران ثم الديار المقدسة ثم العودة من بيت المقدس ، وتهيأت الفرصة لوالدي الفلاح أن يحج بيت الله الحرام ، أنطلق موكبهم لبيت المقدس مرورا بالديار المقدسة وعودة عن طريق المحمرة ثم البصرة ثم الحلة ، جاءنا يحمل بين يديه لينة ( فسيل نخل ) ، قلت له وأنا الطفل الصغير الذي لم يدخل صفوف المدارس بعد ، ما هذا يا أبي  ؟ ، أين هديتي ( الصوغة ) ؟ ، ضحك بوجهي وقال لا تستعجل لنزرع هذه النخلة أولا ،  لا يزال بملابس سفره وأقاربي تحيط به للسلام عليه وتهنئته بسلامة العودة وهو مشغول أين يزرع نخلته ، أختار لها مكانا قريبا لبيتنا الطيني وهيأ تربتها بعد أن مزجه بشئ من السماد العضوي  وزرعها وأمرني بسقايتها وعاد ليرحب بضيوفه الأقارب والأصدقاء ، كان يرقبها ويحيطها بعنايته وسورها بسعف النخيل ليحميها من حيواناتنا المنزلية ، سألته ما هذه النخلة يا أبي ؟ ، أجابني بثقة تامة أني أكلت تمرا من أمها في المحمرة ولم أجد ألذ منه ، وسألتهم عن أسمه فقالوا أنه ( الشُكَر ) بضم الشين وفتح الكاف ، وأضاف أن هذه التمرة طرية وحلاوتها ليست من النوع الذي يحرق القلب ونسميه نحن أصحاب البساتين ( تمرة باردة ) ، قلت له في بستاننا نفس هذا الصنف ، قال لا فهو يختلف عنه وهو أي التمر قابل  للجني اليومي وقابل للتخزين السنوي بعد أن يوضع بما نسميه ( كيشه ) ، وهي عبارة عن حاوية تصنع من سعف النخل لحفظ التمر فيها ، شاء الله أن تكبر نخلتنا ( الأحوازية ) وأكلنا من تمرها ، وفعلا كان لذيذا أفضل من ناتج نخلتنا شبيهتها بالتسمية ، ولأن والدي رحمه الله خصها بعنايته فقد ضَخُم جذعها وكبرت سيقانها – الأطراف - واخضرت بشكل ملفت لنظر من يدخل بستاننا الصغيرة ، لم نحصل من تمرها إلا القليل لأن والدي كان يوزعه لأصدقائه المقربين ولأقاربنا ، ومؤكد أن النخلة سيكون لها فسائل كثيرة لذا أحتفظ ببستاننا أكثر من فسيل ووزع الباقي لمن يحب ، فوجئنا أن رأس النخلة بدأ يميل جهة الشرق وبدا ذلك واضحا بمرور أشهر السنة ، ذهب لدائرة الزراعة ولم يحصل منهم على جواب شاف ، قال أحد الفلاحين المعمرين أنها أصيبت بداء ( الجرنيبه ) - تسمية محلية تختلف من مدينة لأخرى - وهي حشرة تشبه الأرضة تنخر رأس النخلة وجذعها لتصل إلى اللب وهو الغذاء لتلك الحشرة ، عالجها بمبيدات كيميائية ولم يحصل على نتيجة ، قالوا له أحرق رأس النخلة بالنار ، وفعلا حرقها وماتت الأطراف فترة  واخضرت من جديد وبقي رأس النخلة مائلا أيضا ، أحتار في ذلك كثيرا وخاف أن يفقد نخلته النادرة ، ونصحته جارة لنا من أهالي الناصرية أتت مع أبنتها المعلمة التي عينت على ملاك تربية بابل واستأجرت دارا لنا قرب البستان  وقالت له أن نخلتك عاشقة ، أجابها بتعجب واضح نخلتنا عاشقة !!!؟ ، قالت هكذا يقال لمثل هذه الحالة في الناصرية ، وحرام عليك أن تلقحها من طلع ( الفحل ) الموجود ببستانكم وعليك أن تطلب لها طلعا من ( فحل ) البستان الذي مالت أليه ، وفعلا السنة القادمة أخذ لها لقاحا من البستان التي مالت نخلتنا نحوه ، وأنتجت تمرها دون أن يعود رأسها للاعتدال مجددا ، لم يكترث لذلك وقال ربما السنة القادمة ، ومرت السنين ونخلته كما هي ، وتذكرت شطر بيت أستثمره الشاعر الشعبي الراحل ( كاظم الركابي ) بقصيدته ( مناجل ) بهذا المضمون الذي يقول فيه ( ونلكح من طلع نخلتنه كل بستان ) ، دلالة على الفكر ألأممي الذي أراد أن يسود الدنيا ، ولكن جهود والدي كلها باءت بالفشل وأستسلم لأمره معللا نفسه أنه طالما لم يتغير الناتج ولم تقل كميته عن السنين الماضية لذا أذعن لمصير نخلته وقبل بواقعها المر .
    كبرنا ورحل والدي وأستملك بستاننا لتوسعة مركز مدينة الحلة الفيحاء ، وبنينا دارا كبيرة بنفس مكان بستاننا التي أصبحت جزءا كبيرا من حي يسمى ( الخسروية ) ، وزرعت بحديقة دارنا نخلة نادرة جلبتها من محافظة البصرة  ( برحي ) ، وهي  أفضل من نخلتنا التي مرضت وقصت من قبل بلدية الحلة ، وتمتاز نخلة ( البرحي ) بميزات تشبه نوعية ( الشكر ) وتتفوق عليها  ، والنخلة التي رعيتها  تعملقت ، وكبر جذعها وأطرافها بشكل ملفت للنظر و يسمونها الفلاحون ( طاغية ) ،  و( للبرحي ) ميزات كثيرة تختلف عن بقية النخيل ، منها أن ( العثق / العثك  ) يكبر بأكثر من ضعف عن بقية النخيل ، و( للعثق ) زند – ساق أخضر يوصل الغذاء لحبيبات التمر متصلا بقلب النخلة - أطول بكثير عن أخواتها النخيل ، وأطرافها أكبر وأضخم من بقية النخيل ،  شاءت الظروف أن يميل قلب نخلتي كما مال قلب أو رأس نخلة والدي ، حزنت كثيرا لذلك وليس بيدي حيلة لأن والدي لم يترك سبيلا إلا وسلكه ، وأصبح الحصول على فلاح يقوم بتلقيحها وتنظيفها مهمة ليست بالسهلة ، وخاصة أنا سمنت وكبرت وليس بمقدوري تسلقها  وعنايتها ، وأنا أتابع حالتها خطر ببالي شئ بخصوصها ، لاحظت أن النخلة مالت تجاه الشمال ولاحظت كثرة ( العثوق ) تجاه الشمال أيضا ، بمعنى أن ثقل ( العثوق ) تسحب قلب النخلة تجاه الوزن الأكبر ، تناسيت وزني وعمري وتسلقتها وصعدت لقلبها وبيدي السكين الخاص بقص ( العثوق ) واجتثثتها مع قسم كبير من الأطراف ، وأتبعت عملي  هذا العام التالي فلاحظت أن رأس النخلة ( قلبها ) بدأ يعتدل شيئا فشيئا  وعادت لما كانت عليه ، هرعت لقبر والدي في النجف الأشرف ووقفت قبالة قبره وقرأت سورة الفاتحة وقت له لقد وجدت علاج نخلتك العاشقة يا أبي .



الاثنين، 3 يونيو، 2013

اعمال زيتية جميلة بالسكين فقط











قصة قصيرة -ليس هذا بالضبط-عادل كامل



قصة قصيرة
ليس هذا بالضبط
عادل كامل
أنه يبدو متعباً بعض الشيء، كذلك دار بخلد السيدة فريال. أن زوجها – وهو يحلق ذقنه – أكثر شحوباً مما كان عليه في الصباح وعلى كل أقتربت منه وسألته:
-         ستذهب إلى المتنزه ..
-         بالتأكيد.
     بيد أنها لم تكن ترغب في مغادرة البيت. على الرغم من المتعة التي تشعر بها وهي تشاهد الحيوانات داخل أقفاصها..خاصة ذلك الأسد المثير للضحك. قالت له أنها لا تعرف لماذا يتم حجز تلك المخلوقات البرية داخل الحديد، كررت داخل الحديد. أنه لأمر مثير للأسى.
     لكنه قال:
-         وهل لدينا الوقت الكافي للحديث عن تلك الأمور.
-         هذا أكيد..لكن مشهد الأسد يبعث في الخوف.
-         ذات مرة رأيتك تبكين.
-         عندما لم أفهم لماذا يحجز الطاووس..ألم تر كيف كان قد فقد ريشه الجميل.
      رفعت رأسها وتأملت قسمات محياه. أنه مازال في سن الأربعين..وعندما ألتقت نظراتهما شعرت برجفة خفيفة جعلتها تكتم صرخة كادت تنطلق منها. أنها تقدر كم ضحى من أجلها، حتى كادت تقول أنها سببت له المزيد من الأعياء. قالت له حالاً:
-         وهل لديك رغبة..يا زوجي العزيز..بالذهب إلى المتنزه أم إلى حديقة الحيوان.
      لم تجد لديها ما تتفوه به. أنها كانت حائرة بين المعارضة والأستسلام لعمل يقوم به من أجلها، وهو الذي يبدو متعباً وشاحباً. نظرت إلى محياه..لم يثرها فيه إلا تلك التجاعيد..التي بدت لها مفزعة تماماً..أن مشكلتها، دار بخاطرها، ليست عدم الأنجاب، أو قتل الزمن الثقيل طوال ساعات العصر والليل. بل ما الذي يمكن أن تقدمه له، هو الذي قدم لها ما لايمكن وصفه.
-         أذن ينبغي أن نغادر؟
      أجابها
-         يقولون أن اللبوة أنجبت..
      قالها فجأة ثم عالج الموقف، في حديثه عن الرياح الباردة..إلا أنها رفعت صوتها بسعادة غامضة:
-         أكيد..
       ترى لماذا جرحت مشاعرها؟ كذلك تساءل مع نفسه: أكان عليّ أن أكون قاسياً؟ لكم ود لو صمت. وتابع حلاقة ذقنه، مثل كل يوم، وبهدوء تام؟ لكن لماذا يحدث هذا كله؟ أجابها بحذر:
-         أنها أشاعات على أية حال.
-         لكني، أيضاً، أكاد لا أصدق، أتتذكر..
-    منذ متى؟ أووه..قبل عقد تماماً. في العام الأول من زواجنا قالوا لنا، هل نسيت، أن ولادة قيصرية أجريت للنمرة البيضاء لكن وا أسفاه رحلت الأم. هل تتذكر ماذا قال لنا ذلك العجوز؟
-         أجل ..
     وحاول التحدث في أمر آخر..قال أنه تعاقد مع شركة جديدة..وأنه سيسافر..
-         ستسافر .. متى؟
-         أنها مجرد فكرة.
      ثم قالت بصوت عال، كأنها لدغت:
-    لكن النمرة ولدت..أليس كذلك؟ رباه..ما هذا الذي يحدث؟ بصمت تساءل، وهو يحدق في عينيها المرتجفتين. كلا. قال بصوت مسموع، أن الأمر لم يكن سوى مصادفة. سكت قليلاً ثم أضاف:
-         هذه ولادات نادرة.. ثم لم هذا الحديث؟
-    أنا أفكر في ذلك العجوز الذي قال لنا، وهو يبتسم، كم يدهشني العشاق الصغار..أنت قلت بلا مبالاة: من المؤسف أن ينطفئ هذا الجمال.
       أنهى حلاقته وحسب أنها تجاهلت الحديث عن ولادة اللبوة إلا أنها تساءلت:
-         هل كانت ولادة طبيعية؟
-         سنذهب إلى الحديقة..
      كانت للحق لا تريد أن تصدمه إذا ما أعلنت أنها تعاني من الصداع أنه يعرف كم عانت منه، لكنها لا تريد، لا تريد أبداً أن تكذب. لم تفعل ذلك قط منذ أعترفت بأنه، هو هو الأبن الذي ملأ حياتها. الوليد العذب الذي لا يمكن أن تمسه الشيخوخة بسوء. لكنها أعترفت بأنها، آنذاك، بعد عشرين سنة، لن تأسف على شيء. ماذا لو مات فجأة ؟ لا تعرف لم دار بخلدها هذا السؤال. ولم راحت تحدق فيه، تراقب  حركاته. هاهو يرتدي ملابسه، ويستعد لمغادرة البيت. كادت تنفجر باكية. أنها لا تريد أن ترى أي شيء في الخارج. ولا تريد أن تستمتع بالذهاب إلى المتنزه. أنها تريد أن تتحدث إليه..تتحدث معه..مثلما يحدث ذلك، غالباً، في الأيام التي لا يذهب فيها إلى العمل، واليوم تريد أن تتحدث..تهمس، تتكلم.   
-         غريب ..
     قالها وهو يتأمل قامتها الطويلة، وشعر رأسها الاسود..كان يتأملها كأنه يراها لأول مرة، ثم اضاف..
-         هل ستخرجين بهذه الملابس.
    لقد أنكشفت نواياها دفعة واحدة..لدرجة أنها كادت تود لو فقدت الوعي، أو غابت عن الوجود..أنها كانت تراقبه طول الوقت. شاردة الذهن . ولم نفكر لحظة واحدة بإرتداء ملابسها يالسخرية، قالت لنفسها أنها لا تعرف ماذا تفعل الآن..أتبوح له بأنها تخاف عليه من البرد؟ أم تكلمة عن حوادث أصطدام السيارات؟ بأي الأسباب يمكن العدول عن النزهة؟ قالت ذلك دون أن تحرك جسدها، الذي تصلب، وقد أحست بالبرودة تسري فيه..
     تمتم بصوت خفيض:
-         أهو الصداع مرة ثانية؟
-         ابداً. أن صحتي جيدة. كنت أتمنى لو كان الصداع.
-         ماذا أذن؟
-         صدقني.
      وشعرت أنها تبتعد عن الصدق فهزت رسها لتقول:
-         أنا لا أفكر بالنمرة..بتلك الأم التي ماتت..
      كان سحدق فيها بشرود تام فهي لم تتحدث عن ذلك الحادث قط كما ركزت عليه الآن، تابعت:
-         ولا بالوليد الجديد.
-         مالذي يشغلك أذن؟
-    لا أعرف بالضبط، أحياناً لا أعلم بأي شيء أفكر. أعرف أني منشغلة بشيء وأني أفكر. لكني لا أعرف كيف مضى الزمن. ساعات طوال تمضي كالبرق ثم أكتشفت أني قادرة على التفكير. أنها إضاعة للوقت إليس كذلك؟.
      لم يجب في الحال، وعندما نظر إليها، أقترب منها. قال:
-         أنت مريض. حسناً لنذهب إلى الطبيب.
-         أبداً..أن صحتي جيدة للغاية. ألا تعلم أني لم أمرض منذ عرفتك عدا الصداع..
-         أعرف. لكنك شاحبة.
-         أنت المريض. ألم تر الشحوب في محياك؟ ثم لمَ هذه التجاعيد كلها؟
-         لم أعد أفهم..
     لكنها صرخت..
-    أنا أخاف عليك، أخاف، لا تقاطعني أرجوك، أخاف عليك البرد ومن حديقة الحيوانات ولا أعرف لماذا تخيلتك قد ضعت في المدينة..ثم ما معنى أن تتنزه؟ كلا ليس هذا الذي دار في رأسي..بل فكرت أنك بحاجة للراحة..أبداً وليس هذا أيضاً..لقد فكرت لو أننا خرجنا فأن أحداً منا سيصاب بمكروه..أنت أو أنا. ليس هذا هو المهم. لقد شعرت أننا سنضع في المدينة..وأن أياً منا لن يرى الآخر..كنت أخاف عليك من الهواء البارد ومن الليل ومن الحيوانات الشرسة ياطفلي..أرجوك..
     قال بهدوء..
-         حسناً .. لن نخرج إذا ً.
-         صحيح؟
      وكان قد أستحال، هكذا تخيلت، إلى طفل. كانت تستمع إلى قهقهاته. طفل في الرابعة..في السادسة من العمر..طفل..وعلى مدى ساعات الليل، لم يبح بكلمة فقد كانت سعادته مثل الموت.
  1988