بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 9 مارس، 2017

العالم كما يراه فيلسوف الحداثة السائلة زيغمونت باومان (5)-* ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي






العالم كما يراه فيلسوف الحداثة السائلة زيغمونت باومان (5)
*  ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

   زيغمونت باومان Zygmunt Bauman ( الذي توفّى قبل بضعة أسابيع ) هو من غير شكّ واحد من أكثر علماء الإجتماع تأثيراً على مستوى القارة الأوربية وعلى مستوى العالم كذلك ، وتشتمل قائمة كتبه – التي تُقرَأ في كل القارات – نحواً من ستين كتاباً واظب على نشرها بمثابرة واضحة منذ أن تقاعد عام 1990 من عمله أستاذاً لعلم الإجتماع في جامعة ليدز البريطانية – ذلك الموقع الذي شغله على نحو مستمر لما يقارب الثلاثة عقود .

   الحوار التالي هو القسم الخامس من حوار مع زيغمونت باومان منشور أصلاً بالألمانية في مجلة Das Magazin  وكذلك بالإنكليزية في مطبوعة 032c  ( العدد 29 المنشور في مطلع 2016 ) ، ويُلاحظ في هذا الحوار توزّعه على معظم المحاور التي عمل عليها باومان في كتاباته الكثيرة ؛ الأمر الذي يجعل من هذا الحوار ذا أهمية إستثنائية في معرفة الخطوط العامة لفكر باومان لمن لم يقرأ أعماله الأصلية .

                                                            المترجمة


                المحور الثامن : القاتل الماكث في  داخلنا


*  في كتابك المعنون ( الحداثة والهولوكوست ) تدافع عن الأطروحة المثيرة التي تفيد بأن فكرة إبادة الكائنات البشرية على مقياس صناعي واسع هي واحدة من أفكار عصر الحداثة وليست ناجمة – بالتخصيص – عن النزعة القومية الألمانية المتشددة . إذن ، هل ثمة إمكانية لأن نشهد ( أوشفيتز ) جديدة في أيامنا هذه ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب ، تحت أي ظروف يمكن أن يحصل هذا الأمر ؟

–  العصر الحديث ليس حقبة إبادات بشرية شاملة ؛ لكنه ببساطة ساهم في تخليق طرق حديثة يمكن بها ممارسة القتل المنهجي لأعداد كبيرة من البشر ، وقد ساهمت إبتكاراتٌ مثل تقنية المصانع والبيروقراطية الصناعية في تحقيق هذا الأمر ، ولكن لاينبغي أن ننسى أيضاً أنّ العالم تغيّر كثيراً وقلب كثيراً من الممارسات ( الوحشية ) السابقة وماعاد الناس يقبلون بالفكرة اللاهوتية التي لطالما سادت في أوربا القروسطية والتي مفادها أن الله الخالق حرّم على مخلوقاته التدخّل في أمور لاتعنيهم حتى لو كانت تلك الأمور ممّا لايحبون . أظنّ لو أن الإبادات الجماعية حصلت في اوربا القروسطية لما لقيت أي شجب أو إدانة ولاعتاد عليها الناس كأمر مسلّم به وفقاً للإعتبارات اللاهوتية .

*  إذن نحن نمتلك القدرة على إعادة تشكيل العالم بالطريقة التي نرغب ؟

–  العصر الحديث كان أيضاً عصر تدمير شامل للأسباب السابقة ذاتها ؛ إذ تطلّب السعي المحموم للتحسينات التقنية الرامية لبلوغ الكمال إبادة اعداد لاتحصى من البشر الذين حُسِبوا غير قادرين على التناغم مع مخطّط الصورة المثالية للأهداف المبتغاة . كان التدمير هو جوهر الحداثة الجديدة ، وجاء الإفناء لكلّ معيقات عدم الإكتمال المزعومة ليكون الحالة المميزة المصاحبة لتحقيق الكمال الحداثيّ ، ويمكن النظر إلى مشاريع النازيين والشيوعيين في هذا الإطار ؛ فقد سعى كلاهما إلى الإجتثاث الشامل والأبدي لكل ماهو عشوائي غير خاضع لضبط أو نظام بغية تكييف كل عناصر الحالة الإنسانية وفقاً لمراميهم .

*  ولكنّ الناس في الحقب السابقة أيضاً ، كما في عصر الغزوات الصليبية ، إرتكبوا القتل باسم الله ؟

–  طموح العصر الحديث كان دوماً جعل العالم خاضعاً لإدارتنا ، وبتنا اليوم تحت أمرة الخوذة العسكرية عوضاً عن أمرة الطبيعة أو الله كما كان الحال في العصور الخوالي . الله خلق العالم – تبعاً للتصورات اللاهوتية – لكنه اليوم غائب أو ميّت ؛ لذا ينبغي أن نمسك نحن بزمام العالم وأنفسنا ونجعل كل شيء جديداً لاعهد له بما سبق . تدمير اليهود الأوربيين كان محض جزء من مشروع أوسع : إعادة تشكيل التراتبية السلالية لشعوب العالم على نحو يجعل الألمان في مركز تلك التراتبية – مشروع شرير هائل الأبعاد متغطرس بقدر ماهو قادر على بعث الدوار في الروح . ثمة عنصر حاسم في هذا المشروع يجعله – لحسن الحظّ – غير قادر على أن يتحوّل حقيقة ماثلة على الأرض – ذلك هو عنصر السلطة المطلقة ؛ إذ أنّ مثل هذا المشروع الجهنّمي لم يكن ليرى النور سوى في بلدان مثل ألمانيا النازية أو روسيا الشيوعية ، أما في بلدان أقل شمولية في أنظمة حكمها ( مثل إيطاليا في عهد موسوليني أو إسبانيا في عهد فرانكو ) فلم يكن تحقيق ذلك المشروع ممكناً لأن عنصر السلطة المطلقة كان مُفتقداً ، وليساعدنا الربّ بأن يُبقي الحال على هذا النحو !!

*  لكنّ المشروع القومي الإشتراكيّ ( إشارة إلى الحزب الألماني الذي تزعّمه هتلر ، المترجمة ) يُفهَم في العادة على نحو مخالف تماماً لكلّ تمظهرات الحداثة : يُفهِمُ على أنه عودة للبربرية ، وتمرّدٌ على الحداثة وعلى كل القواعد السائدة في المجتمعات الحديثة وليس ثمرة لتلك الحداثة ؟

–  هذا سوء فهم خطير : نبع المشروع القومي الألماني من حقيقة أن كلّ أفعاله ليست سوى الشكل الأعلى والأكثر تمثيلاً لثمرات المبادئ الحداثية بغضّ النظر عن المديات المتطرّفة شديدة القسوة التي بلغها ذلك المشروع ، وقد كان المشروع حاضراً على الدوام لطرح أية شكوك أو سوء ظنّ به جانباً ولم يكن يعيرها أي إهتمام يذكر . فعل الإشتراكيون القوميون الألمان والشيوعيون في أوقات إشتداد طغيانهم ماأراد الآخرون فعله بالضبط ، ولكنّ الفرق هو أن هؤلاء الآخرين لم يمتلكوا العزيمة والقسوة الكافيتين ، ولم نزل نحن نفعل في يومنا هذا مافعله هؤلاء ؛ لكنّ أفعالنا تتمّ بأسلوب أقل إفتضاحاً وأقلّ إثارة لبغضاء ونفور الآخرين .

*  ماالذي تقصده من وراء هذا ؟

–  اقصد التباعد المتفاقم بين الكائنات الإنسانية وبين أتمتة automation التفاعلات الأنسانية – تلك الخصيصة التي بتنا ننزلق في وهدتها أكثر فأكثر بحيث صارت نمطاً قياسياً للمعيش ، وهنا ينبغي ملاحظة أن النتيجة الصارخة لهذا التطور التقني الكاسح هو فصل الأفعال الإنسانية عن النوازع الأخلاقية واعتبار تلك النوازع وسوساتٍ غير مجدية ولاطائل من ورائها .

                          المحور التاسع : السّعادة



*  في كتابك الموسوم ( فنّ الحياة ) تتحدّث عن السعادة – ذلك الموضوع الذي لطالما تناوله الفلاسفة القدماء . يُلاحظُ في العصور الحديثة أن السعادة باتت أمراً يلهث الجميع في مطاردته ؟

–  بدأ الأمر كله مع إعلان الإستقلال الأمريكي عام 1776 الذي أعلن صراحةً ( الحياة ، الحرية ، السعي وراء السعادة ) كحقوق معطاة من الله لايمكن إنكارها أو التفريط بها . من الطبيعي القول أن الكائنات البشرية سعت دوماً لأن تكون سعيدة لا أن تكون تعيسة ، وأن السعي وراء السعادة خصيصة وسمت تلك الكائنات عبر التطور الخلّاق ، ولو كان الأمر بعكس هذا الحال لكنّا لانزال قابعين في الكهوف بدل الجلوس على مقاعد وثيرة في أجواء مريحة ؛ غير أن الفكرة الجديدة في موضوع السعادة والتي جاء بها عصر الحداثة هي أن أيّ فردٍ وكلّ فردٍ منّا له الحقّ الكامل في السعي نحو السعادة بطريقته الخاصة التي يراها ملائمة له وحده فحسب ، وكان التصريح الواضح بالحق الإنساني العام في بلوغ السعادة الفردية مؤشراً لبداية العصر الحديث .

*  ولكن لايبدو أمر إجتناء السعادة في يومنا هذا بأقلّ مشقة من عصر الإمبراطورية الرومانية التي سادت فيها فلسفة كلّ من سينيكا ، لوكريشيوس ، ماركوس أوريليوس ، إيبيكتيتوس . ماالذي تعنيه لك السعادة على المستوى الشخصي ؟

–  عندما كان غوته بمثل عمري سئِل مرة عمّا إذا كانت حياته سعيدة ، فأجاب : ” نعم ، كانت لديّ حياة سعيدة إلى أبعد الحدود ؛ ولكن ليس بمقدوري أن أقول كان لديّ محض أسبوع واحد متصل من السعادة ” . هذا جواب أراه غاية في الحكمة ، وأنا أشعر بالضبط بمثل شعور غوته . ثمة أيضاً قصيدة من قصائد غوته العديدة يقول فيها أن ليس هناك مايبعث على الكآبة وانقباض الروح مثل سلسلة  متواصلة من الأيام المشمسة !! . السعادة ليست بديلاً لأشكال الكفاح ومواجهة صعاب الحياة ؛ فالبديل الوحيد لذلك الكفاح هو الضجر المميت : مالم تكن في الحياة مشاكل ينبغي حلّها وتحدّياتٌ ينبغي مواجهتها ( وقد تفوق قدراتنا بعض الأحيان ) فإن الحياة ستكون مملّة بالتأكيد ، والضجر هو أحد أكثر العلل الإنسانية المعيقة إنتشاراً . لكن من جانب آخر ( وأنا هنا أحدّق في عينَي سيغموند فرويد ) فإنّ السعادة ليست حالة ممتدة بل هي برهة أو لحظة فحسب : نشعر بالسعادة حينما نتجاوز المحن والحظّ السيء . يحصل أحياناً أن نخلع أحذيتنا الضيقة التي تضغط على أصابع أقدامنا فنشعر براحة وسعادة غير مسبوقة !! ، أما السعادة الممتدّة فهي أمر مريع شبيه بكابوس .

*  ( كلّنا فنانون في الحياة ) : هذا ماتقوله في كتابك السابق الذكر . ماهو فنّ العيش وفقاً لرؤيتك ؟

–  محاولة تجاوز المستحيل ، فهم ذواتنا باعتبارها نتاجاً لطريقة تشكيلنا الفريدة والمميزة عن غيرها ، السلوك بمثل مايفعل الرسّام أو النحّات ومواجهة المهمات التي نادراً مايمكن إنجازها ، وضع غاياتٍ لنا تتجاوز الإمكانيات المتاحة أمامنا في اللحظة الراهنة ، وضع معايير لنوعية كلّ الأشياء التي نفعلها – أو نستطيع فعلها – بحيث تكون تلك المعايير أبعد مدى من إمكانياتنا الراهنة . ثمة أمر آخر : بات اللايقين هو الموئل الطبيعي لوجودنا الإنساني ، ويمكن في أدنى الأحوال أن تكون القوة الدافعة للسعادة كامنة في محاولة السعي لجعل ذلك الوجود محفوفاُ باليقين البشري الباعث على الراحة .

*  لم تكتفِ بأن تكتب في ميدان التنظير بشأن الإنتقالة البشرية من الحداثة ” الصلبة ” نحو الحداثة ” السائلة ” ؛ بل إختبرت أنت بذاتك تلك الإنتقالة عن قرب . ماالذي كنت تبتغيه عندما كنتَ شاباً يافعاً ؟

–  عندما كنتُ شاباً تأثّرتُ – مثل الكثيرين ممّن عاصروني من الشباب – بفكرة سارتر عن مشروع الحياة project de la vie : إعمل على تخليق مشروعك الخاص في الحياة وواظب على العمل تجاه هذا الهدف المثالي من خلال أقصر المسالك وأكثرها مباشرة نحو هدفك . إتّخذ قرارك بشأن الشخص الذي تريد أن تكونه وحينئذ ستكون أمامك صيغة لصورة الشخص الذي تريد أن تكون عليه ، وأن لكلّ نمط حياة ثمة عدد من القواعد التي ينبغي إتباعها وكذلك عدد من المواصفات التي ينبغي أن نحوزها . بحسب رؤية سارتر فإن الحياة ( منذ البدء وحتى النهاية ) تتقدّم خطوة إثر خطوة في مسار محدّد بالكامل حتى قبل أن نضع الخطوة الأولى في بداية رحلتنا .
____
*المدى