بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 9 يوليو 2015

المعبر يرتشف ألفجر-نجاح المصري زهران


المعبر يرتشف ألفجر

نجاح المصري زهران

أرتشف الفجر بكعب الحياة ؟...
 ألون عصف السؤال تمرح
 في زاوية الاصرار
  الحلم يصمت بغوايتة
نوع آخر  من القلق....!
 يفاجئ حماية البحيرة للسمك
عانقت شمسي حُمرة  القلب
 وما أملحت العين
من  شدّ الرحال
 ألعالم يمشي بنفس الألم
فوانيس الروح
 تعقد رحلتها على الموج
قالت السفينة لمزامير الثورة
 كيف لك أن تنحتي الانتماء
 التفاني هو وطن
ظهره كسير باسوارك العتيقة؟
البحر له قراءات العِرق
الدم  يعلو  على دليل الإسم
 والبوصلة
لن يأت سوى المعبد والنار
 لينام بحضن النفط
سألت النجوم عن مكرها
أتوقظين نبوءات مصابيحك بكتابة المسامير.......؟
نعم أنا صلاة الكادحين
 ودمعة خفية بمناقير الفجر
 إرتعشت نفحة النوارس فوق مائها
هامت تبحث عن الله
في  بدايات الموج
 حدثتها عن خمريات الرأس
وطحالب يلبسها ثوب الرفض
  يا مراسي الماء  كيف يتم البناء 
السفينة  تملأ جدرانها
 بنقيق الضفادع ومقاهي العهر
ألليل  آفل يمر على وجههِ الكادحون  في سجون الرفض 
 هناكَ لزم المعبر
 ليدخل القدس قطرة على جبينه
وقطرة تستهزء ببندقية 
سأعيد للأرض اتساعها
بعيدا عن الجدار
 لا تبتعد عن فريضة الصلاة
وأن كانت على الحاجز
ولمْ  يع  أن جنازته أمام الفجر تبكي...!
 ويحكِ أيّها  المرابط روح القضية ....
  ليَ الحلم بالعشي والآصال
 وقلب منابع الوطن  ..... لكنَّ الزيتون ..... ؟
... ينضج حولنا  بجنازات  الاطفال
 العين ببحورها ترشح فوق البرتقال ونزق عطره
ضجر من تثاءب  الوجود .بحِجره
لك ما تيسر من ضجيج الأعمى
بصيرورة  العشق 
 سترزق باللجوء ذات اليمين وذات العرب.....!
  إنهضْ أيّها الصمت من حلكة الرأس
 ستلبسني السياسة ترجمات القلب   حتى القبر.
في هذهِ الدقائق عربات المنسية في معبد الليل
 البكتيريا تحدث الشمس
عن سفينة الحرية وعصافير أتعبها القفص 
يرتفع آذان الفجر
صرخ الهرم
قروح الشعب براء من سراويلكم نفطكم.
---------------------------------


المعبر : حاجز اسرائيلي يتم تفتيش الفلسطينين فيه

الأربعاء، 8 يوليو 2015

حول هجرة العقول العلمية خارج الوطن-أ.د. تيسير عبد الجبار الآلوسي

حول هجرة العقول العلمية خارج الوطن

أ.د. تيسير عبد الجبار الآلوسي


في لقاء قصير لي مع قناة الحرة العالمية، أجبتُ فيه عن أسئلة للإعلامي ليث العطار والإعلامية نبيلة الكيلاني في برنامج (اليوم) وكان ملخص الأسئلة هو كالآتي: كيف تقرأ ظاهرة العقول العربية وابعادها عي برأيك  الأسباب والدوافع التي تقف وراء ظاهرة هجرة العقول العربية؟ ولعدم توافر الوقت لم ترد مفردات كثيرة من سياق هذه المعالجة هناك بأمل نشرها هنا خدمة للمتابع كونها ماد\ة تمسّ قضية حيوية وخطيرة في حياتنا.

ظاهرة هجرة العقول العربية هي نزيف للقدرات وطاقات البناء وإدارة مسيرة التقدم، حيث تتضمن خسارة جدية عميقة في استثمار تلك الطاقات وطنياً محلياً. وإذا ما نظرنا ماديا للموضوع فإنّ ما يعادل حوالي 200 مليار دولار سنوياً هي خسائر بلدان المنطقة بسبب تلك الظاهرة المرضية الخطيرة. حيث يهاجر سنويا حوالي 100 ألف من العلماء من ثمانية بلدان أبرزها لبنان وسوريا والعراق ومصر ثم تونس والمغرب والجزائر. وفي تسعينات القرن الماضي وبأقل من عقد من الزمن هاجر 10 آلاف عالم عراقي البلاد لظروف معروفة وفي العقد والنصف الأخير وقع منهم ضحية التصفيةالجسدية آلافاً أخرى واضطر عشرات الآلاف للهجرة الاضطرارية، وجابه حملات التمييز والابتزاز مَن حاول العودة على أساس محاولته المساهمة في بناء عراق جديد مختلف المسار وتعرض ويتعرض آخرون للاستغلال الهمجي الأبشع!
والخطورة الأبعد بهذي الظاهرة، تكمن في نسبة هؤلاء إلى حجم الطاقة العلمية وطنياً، وحجمهم إلى مجموع المهاجرين من  تلك البلدان؛ إذ نرى أنّ النسبة تقارب الـ98% في الصومال و39% في لبنان، و17% في المغرب وحوالي 12% في تونس فالعراق وجيبوتي والجزائر و7% في الأردن وفلسطين وسوريا.. ولا يعود من المبتعثين للدراسة إلى بلدانهم سوى 5% فيما نصف حجم الكفاءات [50%] هم من يغادر تاركاً بلاده المضطربة.. وتساهم بلدان الشرق الأوسط \ العربية بنسبة ثلث ظاهرة هجرة العقول العلمية من الدول النامية إلى الدول المتقدمة وبأكثر من نصف نسبة الأطباء وربع نسبة المهندسين!
إنّ هذه الأرقام فلكية خطيرة نسبة إلى الواقع المرير والمعاناة ونسبة إلى معنى الجهد والتكاليف الأعمق من مادية، في تكوين المجتمع للعقل العلمي وإعداده. إن الكلفة الزمنية تعادل مساحة جيلية عريضة متعددة، بما يعني العودة لمنطقة أقدم من نقطة الانطلاق الصفرية مطلع القرن الماضي عندما بدت أولى بوادر النهضة، حيث ستحتاج بلداننا اليوم، لردم (الهوّة التكنولوجية) الغائرة بظروف استثنائية كثيرة العقبات والتعقيدات المرضية.

على أننا يجب أن نقف طويلا أمام هذا الأمر لنبحث في الأسباب والدواعي بجدية وبمعاجلة ومسابقة للزمن. فمعركة مجتمعاتنا ليست حصراً على معركة بندقية مع قوى الإرهاب وقضايا الأمن والاستقرار بل هي بشكل أوسع وأعمق معركة مع قوى التخلف والسير بطريق إزالة الجهل والفكر الظلامي المعشعش.. هذا بالضبط ما نعني به بقولنا: ضرورة المسارعة في جهودنا وحزم أمرنا والالتفات إلى هذه القضية الحيوية، قبل أن نصحو فلا نجد غير سيادة العتمة والخراب. وعلى وفق دراسات موضوعية عديدة فإنّنا يمكن أن نلخص جانباً من أسباب الظاهرة متمثلا بالآتي:
1.  إن البيئة الموجودة هي بيئة طاردة للعقول العلمية  لها. وهذه السمة تتأتى من تراجع مكانة الشخصية العلمية وتراجع الاهتمام المجتمعي بعامة، لصالح ظواهر مرضية فاسدة، في إطار سيادة الأمية والجهل وآليات مجتمع التخلف.
2.  اضطراب الأوضاع العامة، حيث:
أ‌.      تعطّل مشروعات البناء، زراعياً صناعياً والشلل الشامل للدورة الاقتصادية لجملة أسباب متنوعة مختلفة.. وأكثر من ذلك فأغلب تلك البلدان تنحدر في واقعها نحو خراب متسارع النتائج من قبيل زوال غابات النخيل في العراق بدل تكثيرها ورعاية الموجود وزوال بساتين الحمضيات والأشجار المثمرة واعدام الأحزمة الخضراء حول المدن وفي إطارها! مع مشكلات كبيرة وتخبط بمشروعات المحاصيل الاستراتيجية وخطط استثمار المياه والدفاع عن حصص البلاد في الإطار الإقليمي المشترك مع الآخرين، ومثل هذا كثير مما يجري تعطيل القدرات العلمية عن تفعيل معالجاته فيه!
ب‌.     اضطراب الوضعين السياسي الأمني بشكل مترابط وتفجُّر الأمور بمظاهر الحرب الدموية المسلحة على جبهات معارك بعدد من البلدان كما في العراق وسوريا وليبيا، فضلا عن ظواهر الاغتيال والتصفية الدموية الموجهة إلى كوكبة العلماء والمتخصصين من الكفاءات، مما جرى في إطار النزاعات الجارية ابع الأوضاع المستجدة.
3.  عدم توافر الأولوية المناسبة والاهتمام الرسمي إلى درجة أن المساهمة في شؤون التعليم لا تتجاوز ما بين 0.04% إلى 0.3% من الدخل القومي لهذه البلدان بمقابل نسبة قد تصل ببلدان التقدم إلى 5%. وفي وقت تصرف سويسرا على التعليم الأساس ما مقداره 12ألف دولار سنويا للفرد لا يتجاوز هذا في مصر مقدار 170 دولار سنوياً ومعدل الإنفاق على التعليم العالي هنا يقارب بأفضل أحواله 721 دولار سنوياً بينما يتجاوز الـ10000 دولار في الدول المتقدمة. فكيف يمكن أن تكون العناية الفعلية بالتعليم في وقت يدرس طلبة التعليم الأساس بمدارس طينية بل في العراء ببعض البلدان، كما في جنوب العراق راهناً!
4.  ولابد هنا من لفت النظر إلى عدم توافر البنى التحتية المناسبة لا للجامعات ولا لمراكز البحوث فيها وخارجها بمؤسسات الدولة والقطاع الخاص أيضا. إذ لا توجد ميزانيات محددة للبحث والتنمية والتطوير. ولهذا فإن مقدار المنجز البحثي لهذي البلدان يساوي 15ألف بحث بمعدل 0.3% ثلاثة بالألف من المنجز العالمي وطبعا عدا عن هوية البحث والتخصص فيه ودرجة الابتكار. منبهين أيضا إلى أن حجم الباحثين إلى طاقة العمل لا يعادل أكثر من 3.3 باحث من حاملي الدكتوراه والماجستير لكل 10آلاف من طاقة العمل!
5.  المشكلات والتعقيدات الإدارية والبيروقراطية وكذلك النظرة الفوقية وحال المصادرة للحريات البحثية ولسلطة القرار من قبل السياسي. إذ الأخير يمارس مهامه بآليات مستبدة تجاه العالم مثلما تجاه العموم. وآليات اشتغال المؤسسة الرسمية برمتها لا تمنح للعلماء فرصة الحراك المنتظر وما تتطلبه اشتغالاتهم من صلاحيات.
6.  غياب سياسة عامة موضوعية وعدم توافر استراتيجيات عمل بخصوص تفعيل التعليم وأدواره وطاقات العلماء. وطبعاً في الإطار غياب برامج الربط المناسبة بين الجامعة والحياة اليومية أو المراكز البحثية وقطاعات العمل والبناء...
7.  وفي إشارة جد خطيرة ومهمة يجري تغافل الكفاءات العلمية في تخصصات العلوم الإنسانية وتهميشها فتُرمى إلى سوق البطالة المهاجرة فلا هي بموقع العمل ببلدان التكنولوجيا ولا هي بخدمة مجتمعاتها الأم. بينما هذه التخصصات هي خالقة للبيئة من خلال بنائها الوعي المعرفي والثقافة التنويرية. وهي المقابل الموضوعي لحال سيادة التوجهات الظلامية وسيادة الخرافة ومنطقها وآلية التفكير الأسطوري بحطابها البياني على حساب الخطاب العلمي. فيقع المجتمع بمزيد من حفر قوى الظلام ومغاور الجهل والتخلف.
إنّ تسليط الضوء على هذه الظاهرة لا يمكن أن تنجلي كل أبعاده إلا عبر مؤتمر سنوي ومجلس قومي للتعليم العالي مع اهتمام بالجمعيات الأكاديمية وعضويتها ومفردات إحصاءات ومتابعة لمسارات الكفاءات العلمية كافة. ومن ذلك الأوضاع المأساوية التي آل إليها وضع كثير من تلك الطاقات بسبب من الظروف المزرية التي تحيط بهم، بخاصة عندما تصادفهم البطالة والمحاصرة وتغيير التخصص للعمل من أجل لقمة العيش في تخصصات بعيدة كل البعد عما صرفته شعوبهم عليهم من إمكانات تضيع ه\را على مذابح التعطل والتبطل في محيط البحث عن إنسانيتهم والأمن والأمان لعوائلهم.. وكثيرا من تلك الطاقات توفيت وغادرت الحياة في زوايا النسيان والحصارات المرضية بلا رعاية وبلا من يسأل عنهم. وغذا كان بعضها جرى تكريمه في المهجر بالعمل بتخصصه فإنه مع ذلك يرحل بصمت يطمس اسمه في بلاده الأم ويسلبه وورثته حقوقه.. وتلك قضايا أخرى ينبغي الالتفات إليها.
إنّ التغيير في بلداننا الشرق أوسطية لا يمكن أن يتم من دون خطى استراتيجية ودراسات معمقة تمنح الأولوية للتعليم بعامة وللتعليم العالي بخاصة وبإطارهما لخطى البحث العلمي وربطه بالمجتمع وبرامجه العملية الميدانية. كما إنّ علينا وضع الدراسات والبحوث وما تقدمت به من توصيات موضع التطبيق والاستناد إلى رؤية العقل العلمي بمسار الفعل الحكومي وجهود الشأن العام، ولربما كانت حكومة التكنوقراط حال ضرورية اليوم في تناول أمراض مجتمعاتنا بالعلاج. ولعل من ذلك وقف ظاهرة ساهمت بها بعض الجهات الإعلامية عندما تأتي بشخوص للواجهة لسألهم عما ليس في تخصصهم سواء في العلوم السياسية الاقتصادية أم العلوم والتخصصات الأخرى! وفي حياتنا العامة يدلي من هب ودب بتوصياته في كل الموضوعات ويجادل سفسطائيا العلماء والمتخصصين بمماحكات جهل ليست سوى لضياع مفهوم احترام التخصص ومنجز العقل العلمي بميادينه..
هذه مفردات عامة تنتظر معالجات دقيقة في أبوابها.. فهلَّا اتخذنا قرارنا سريعاً وفكرنا في أنّ مرجعية مجتمعات اليوم هي مرجعيات العقل العلمي ومنجزه البحثي وتطبيقات نتائج تلك الطاقات وجهودها التخصصية!؟

قصة قصيرة في الطريق إلى المنصة- عادل كامل


قصة قصيرة


في الطريق إلى المنصة





القصيدة التي تأكل نفسها

[ إنهم لا يجيئون، لا في القصائد أو كلمات السفر
إنهم لا يجيئون، لا في القصائد أو كلمات
إنهم لا يجيئون، لا في القصائد أو
إنهم لا يجيئون، لا في القصائد
إنهم لا يجيئون، لا في
إنهم لا يجيئون، لا
إنهم لا يجيئون
إنهم لا
إنهم
             فاضل العزاوي

1966




عادل كامل



  ـ أمش، امش، لا تكترث...، فان لم تستطع كتابة القصيدة...، فالقصيدة هي التي ستكتبك!
    وأضاف الثور، يخاطب الحمار:
ـ فانا لم تستعص علي ّ المحنة...، ما دامت الأخيرة لن تدوم أكثر من زمن زوالها!
     فقال الحمار، وقد أربكه منطق الثور، وثقته بنفسه،  بأنه لم يعتد نسج، ولا غزل، ولا صياغة مشاعره، حتى الغامضة منها، أو التي يجهل بواعثها الملغزة، ويفضحها أمام الآخرين، بل غالبا ً ما نهق، لا سباب لا تحصى، عدا الإفصاح عن ذلك.
ـ لكنك تعرف إن الامتناع عن المشاركة، في هذا المهرجان، بمثابة إساءة فهم...، ونقطة رمادية في الجبين...، وأنت تعرف، انه لم يعد لدينا ما ندافع عنه، ولا ما نخسره، عدا هذا العلف، وهذا الهواء، وهذه الزريبة.
     وأسرع الثور قليلا ً، بعد أن سمع ملاحظات الحمار، الأخيرة، فتمتم مع نفسه، بصوت خفيض: يبدو انه لم يعد مرحا ً، أو ربما فقد سلاسته بمعالجة هذه القضايا؟
    توقف الحمار عن المشي، فجأة، وقال بصوت لا يخلو من الغضب:
ـ لا! فانا لم امض حياتي في غفلة، ولم افقد مرحي أبدا ً!
ـ ماذا قلت...؟
ـ لأنك قلت بأنني لم اعد مرحا ُ...، فكيف استنتجت، ومن ذا سمح لك باتهامي، واختراع هذا التصوّر...؟
ـ أنا ـ صدقني ـ قصدت شيئا ً آخر....
ـ إذا ً ...، هل خولتك لاستنطاقي...؟ فانا لم أرك مبتهجا ً أبدا ً! مع إننا، في هذه الحديقة الخالدة، لا نواجه مشكلات حقيقية كالتي واجهتنا في الماضي..
     هز الثور رأسه، وهو يشاهد زرافة تقترب منهما، فقال للحمار:
ـ لا بد إنها نسجت أطول قصيدة، بالأحرى: القصيدة الطولية...، وليس الشاقولية أو ذات الأضلاع المقعرة؟
ـ صحيح...، كما يقال؛ لم تعد الجودة تقاس بالحجم، ولا بالضخامة، ولا بالفطنة أو حتى  بالرهافة، بل بطول العنق، وحدة الصوت، وقوة اللكمات...؟
ـ آ ...، هذا يعني أن أعظم القصائد ستكتبها الأفاعي، ولا تكتبها البلابل، مع إن الأخيرة لا تجيد سوى التغريد..، والديناصور ستكون في الطليعة، على خلاف النحل، أو الحمام  ؟
    لم ينتبه له،  فقد انشغل الحمار باستقبال الزرافة بفم عريض:
ـ حقا ً إنها لمناسبة طريفة، ونادرة...
همست:
ـ اسكت، يا حماري الجميل، فالمستشارة ستكون حاضرة، مع سعادة المدير...، لان المهرجان سيقام تحت شعار: المجد للحدائق!
    آ ...، حقا ً إنها مناسبة استثنائية، دار بخلده، أم أنها كباقي المناسبات، لا تذهب ابعد من الثناء، والشتائم، ووظائف الشعر التي مضى زمنها؟
ـ لا.
    اعترضت الزرافة، وخاطبت الثور:
ـ إنها خاصة بأبدية حديقتنا، مجدها الذي تنشد  له العصور.
ـ فلسفة؟
ـ  أية فلسفة، سيدي؛ إنها خاصة بيوم الحديقة الخالد، فأنت تعرف: من لا جذور له لا تتفتح براعمه تحت الشمس!
ـ فهمت، نعم، فهمت!
    وسأل الحمار الزرافة:
ـ هل افهم ـ من هذا ـ  انك ستزقزقين...، كالعصافير ؟
ـ كيف حزرت..؟
ـ وإن كانت قصائد الشتائم، رائعة في بعث الكراهية، والغضب، إلا أن لقصائد الثناء، والإطراء، والمديح، الباب الذي لا يمكن غلقه،بل ولا يمكن هدمه....!
ـ تماما ً...، فانا استلهمت الفاتحة من أقفاص الطيور، وتحديدا ً...، من تلك المخلوقات الناعمة، الحريرية، التي لها نغمات رذاذ الفجر، فهي لا تكف عن الاحتفال...، حتى انك تكتفي بما تنشد، ولا تسأل نفسك: ماذا تقول، ولمن توجه أناشيدها!
    ضحك الحمار، وقال للثور:
ـ لا توجد مشكلة...، إذا ً.
ـ أنا أخبرتك بذلك، منذ البدء، شرط أن تنظف دماغك من النهيق!
ـ سأفعل، سيدي، سأفعل...، ولكن ماذا عن رائحة السكين، حتى لو كانت خالية من الدم؟
     ارتج جسد الزرافة، فأسرعت وقالت:
ـ أنا ذاهبة، عذرا ً...، فالقصيدة بحاجة إلى مراجعة، فانتم تعرفون إن الثابت الوحيد في الثبات هو تتبع اللا ثابت فيها!
    صمت الحمار، فقال له الثور:
ـ نذل!
ـ أنا، أأنا نذل؟
ـ لا، أنا هو النذل...، أنا هو من أرعبها وجعلها تفر، مذعورة....، تلحقها لعنة الحافات العمياء!
ـ ماذا فعلت..؟
ـ تركتها تتخيل حتفها!
ـ لا، يا أحمق، أنا قصدت السيف الكامن في السكين، السيف الأصل، الذي وجد مع الفأس، أقدم هدايا الإله للبهائم..، الأصل،  لأن الكلمة جاءت بعد ذلك، رغم أنها خلعته، أو قل: أجادت المناورة، فهي تقمصت دور: الحمل والولادة!
ـ آ ...، حسنا ً، دعنا نأخذ قسطا ً من الراحة، تحت هذه الشجرة ذات الألوان المتناغمة مع السماء، أمام هذا المستنقع البهيج، وهو يزهو بكائناته الجميلة...، ونراجع قصائدنا!
ـ كما تشاء...، خاصة انك لم تحسن التعبير عن أحزاني، وما في ّ من ويلات! فأنا، يا صديقي، لم أفرط في عاطفتي، وأنت تعرف التاريخ!
ـ نعم، أنا خير من يعرف التاريخ، ولكن تاريخ من...، تاريخكم، أم تاريخ النمل، أم تاريخ الثيران...؟
ـ لا ...، المقصود هو التاريخ الحقيقي للتاريخ...، أي الذي لا نجد فيه صفحة من صفحاته إلا وموهت، وزيفت، وكتبت بالمقلوب...، كالحدود بيننا لا نحددها إلا بالبول! وليس بالدم!  فلا احد وضع إصبعه فوق الجرح!
   انفجر الحمار ضاحكا ً حتى كاد يسقط أرضا ً:
ـ تقصد الجرح الذي يتستر على الإصبع؟
ـ  لا استبعد هذا الحكم...، لولا إن المشكلة، في نهاية المطاف، لا وجود لها في الأصل!
    صفن الحمار قليلا ً، وراح يتأمل غيمة رمادية تحّوم فوق سطح المستنقع:
ـ أنا سأكتب قصيدة لا علاقة لها بوظائف الشعر...، سأكتب القصيدة الخالصة، وليس التي تنمو، كما ينمو الجنين، ولا التي تموت كما يموت البعير!
ـ وما علاقة البعير بالشعر...؟
ـ قل إذا ً الديناصور...، الم يكن مصوتا ً، فربما نسج أبهى الصفحات ودوّن أندر الأسفار....!
ـ آ ...، يبدو إن الغيمة الرمادية ألهمتك هذا المفتاح؟
ـ لا ، ليس غيمة البعوض الرمادية تماما ً...، ولا من ثوراته الدائمة، ولا من حروبه الأبدية...، ولكن إغفال الصراع شبيه بمن لا يرى شيئا ً؟
ـ إذا ً هل هذا هو مفهومك للقصيدة الخالصة...؟
ـ أنا أتحدث عن محركات القصيدة، وليس عنها، لأنها من غير محركات مثلها مثل الذي يموت قبل الولادة.
ـ آ ...، ها أنا خطرت ببالي فكرة كتابة قصيدة لن يكتبها احد.
ـ جيد، مثل الذي يولد ولن يموت؟
ـ ما هذا اللغو... لا تخلط! لأن المسافة بينهما كالمسافة بين هذا المستنقع والمجرات الواقعة ابعد من حافات هذا الكون!
    ولم يدع الآخر يرد، متابعا ً بصوت أعلى:
ـ فالثيران جميعا ًتخور، ولكن هل هذا هو تحديدا ً الصوت الاستثنائي للشاعر...؟
ـ بالضبط...، فانا، كحمار، سأستغني عن النهيق العام، بوصفة صوتا ً جمعيا ً، شبيه بصوت النمل، أو النحل، أو الأسماك، أو باقي الزواحف والكواسر والبرمائيات....، بحثا ً عن الأصل، أي ـ تحديدا ًـ الذي لا وجود له، أو الذي لا يمكن الإمساك، لأن هذا الدرب هو وحده جدير ببعث الهمم!
ـ الأصل المستحدث...، أم استحداث الأصل...، أم لديك الدرب الثالث...؟
ـ تعرف، سيدي الثور، كلاهما يعملان كالخبرة المستقاة من الدرب...! فالطريق بلا مسافر مثل المسافر بلا طريق...! فان لن لم ْ تجد الدرب ستسقط..، وإن وجدته فليس عليك إلا أن تجد الآخر...، فانا لا استحدث الأصل، ولا ادع الأصل يستحدث ذاته!
ـ آ ..، كأنك امسك بالخيط...؟
ـ أي خيط...؟ وأنت ترى البعوض قد حجب عنا السماء، ومنع عنا رؤية الشمس، وسد علينا الأفق؟
ـ ها، أنا سأكتب القصيدة التي لا تمتد، ولا ترتد، ولا تتوقف في الصفر! وسأدعوها بالقصيدة الخالية من الشعر! أي التي ستمسك بهذا الذي لا وجود له، وهو الوجود   الجدير بالبحث!
قال الثور:
ـ خطرت ببالي فكرة؟
ـ ما هي...؟
ـ ها أنت تسمع نقيق الضفادع، وهن يصّغين لنا، وهذا هو كبيرهم..، أنثى كان أم ذكرا ً، لا فارق، دعنا نرى ماذا كتب...؟
   تقدم الثور خطوات من ضفة المستنقع، وسأل كبير الضفادع:
ـ  بالتأكيد أنت احد المدعوين للمشاركة في هذا العيد...، عيد حديقتنا البهي؟
   هز رأسه، وقال:
ـ نقيق.. ببق..ففاقيققق...، بمعنى: ها أنا أقول نعم من غير تردد أو اعتراض! وخلاف هذا الكلام فيعني: لن أقول إلا لا  ، وأنا في طريقي إلى المنصة، سيدي!
ـ جميل!
صاح الحمار.  فسأل الثور كبير الضفادع:
ـ من أين لك هذه السلاسة...؛ تقول نعم مسبوقة بالدحض، وتقول لا مؤيدة بالاستجابة...، وتقولهما بالمعنى الذي يذهب ابعد منهما...؟ إلا ترى إنها بلاغة استثنائية ازدهرت مؤخرا ً في حديقتنا الباذخة...؟
ـ هذه ـ سيدي ـ مرونة القصيدة  من غير أصوات، فالمعنى خاص بالذبذبات، فما دمنا نشترك في إثم واحد...،وواجب واحد، وفي كفاح عنيد واحد ..، وفي مصير واحد يستحيل إزاحته....، فان الانحراف يغدو ضرورة تتجاوز هذه الأحادية ...؟
، وما علاقة البعوض بالأمر...؟
ـ هو عمل اليد بين المغزل والغزل، كعلاقة الجاذبية في نفيها وتوكيدها للكتل!
ـ والشاعر، أين موقعه...؟
ـ لا وجود له، سيدي، لأن اختفاء الشاعر يكمل ديمومة هذا الذي يزول...!
  فسأل الحمار الثور:
ـ كأنه سرق مدوّنتي، هذا الشبيه بالصرصار...
     اعترض كبير الضفادع:
ـ سيدي الحمار، ما شأنك والشعر...؟
ـ وأنت...، يا ابن المستنقعات، ولا أقول المستعمرات، ما علاقتك بالحفر في الظلمات؟
ـ آ ...، هكذا عدنا إلى النظام العتيق...، أما أن أشتمك كي امجد هزائمك...، وأما أن أطريك كي أتجنب نصرك..، وأما السلامة....؟
   اقترب غراب ابيض ووقف فوق صخرة قريبة بمحاذاة ضفاف المستنقع، تبعه غراب ازرق، وثالث من غير لون. فقال الأول:
ـ القصيدة يا سادة يا كرام...، لا يكتبها كاتبها، ولا ـ هي ـ التي تنسج نسيجها، القصيدة، يا سادة يا كرام، لا تعبر عن معنى، ولا عن المعنى، ولا المعنى يعبر عنها...، القصيدة، يا سادة يا كرام، تكمل ماضيها من غير عثرات!
ـ عدنا إلى الحفرة..!
   فقال الغراب الأزرق:
ـ أنا لا اعرف من منا تخلى عن الآخر...، فانا هو الجسر لمرور المحنة وليس للامساك بها. فانا ليس لدي ّ الذي مازال نائيا ً، أو مجهولا ً، أو لغزا ً!
سأل الثور الغراب الثالث:
ـ يا عديم اللون، ما لديك...ظ
ـ أنا كلما نبذت الشعر سكنته! وكلما أمسكت به محوته! لأنني كلما سبرت أغوار المعنى ضاع الصوت، وكلما أمسكت بالصوت تبعثر المعنى، فالأمر يتدحرج وفق قانون الشفافية المستحدث بكمال الأصل!
   هز الحمار رأسه، وخاطب الجميع:
ـ كان لدينا زميل من القرود يعمل معنا في جناح الدعية، كان يقرض الشعر أو الشعر يقرضه، لا أتذكر...، ولكنه كان يسف سفه، ويشتركان بإخراج السفسفة بوصفها شعرا ً...، هذا القرد هرب من حديقتنا، فذهب إلى دنيا أخرى لا تغلق الأفواه...، فماذا فعل هذا ألشاذي، لقد راح يشتمنا، ويحرض أجهزتنا السرية وفرق الموت وحرسنا الأمين على قتلنا، تحريضا ً شعريا ً، لأنه استلهم فعل السكين عوضا ً عن رمزية الكلمة!
ـ غريب!
   وسأل الغراب الأبيض الحمار:
ـ هل هذا شاعر أم ابن كركدن!
ـ لا أرجوك، لا تستخدم الكلمات النابية، ونحن ليس لدينا ما نخفيه، فعلمنا مراقب ...، ثم لماذا تشتم مخلوقا ً لم يخلق فائضا ً عن الضرورة..، فهل سمعت بحرية من غير قيد، وهل ثمة قيد من غير مدى ابعد منه...؟
ـ آسف...، واعتذر للكركدن، وإن كان غائبا ً عنا، وأقول: هذا ابن ....، الزنا!
ـ كم أنت صفيق..، وهل رأيت ابن زنا يدعوا إلى سفك الدماء...؟
فقال الثور لتنجب الجدل:
ـ ما دمنا نحتفل بذكرى تأسيس حديقة المجد، فلماذا نؤذي الشعر بذكر الوساخات، وعذرا ً لزملائنا القردة الذين لا يقرضون الشعر....!
ـ أحسنت ...، فالسيد المدير، زعيمنا الخالد، سيختار نخبة من ابرز شعرائنا للمشاركة في مهرجان الكون للحدائق والمحميات والمستنقعات.
    اقترب الحمار من الثور:
ـ عدنا إلى المستنقع!
ـ أغلق فمك! فالذبذبات تفضح ما يدور حتى في أصلد المعادن!
ـ آ ....، أذا ً فأنت أمسكت بمفتاح القصيدة؟
   فسأله:
ـ بماذا أمسكت؟
ـ بالمعادن، أو ربما بالصخور، وليس بالمفتاح؟
ـ آ ...، يا ثوري الغالي، إنها علاقة سرية لا تعمل إلا عبر التمويهات، والمظاهر...، وهذا هو سر خلود شعراء هذه الحديقة...، يعلنون ما يخفون، ويخفون ما يبدو معلنا ً، ولكن المشكلة، يا سيدي الموقر، إنهم لا يمتلكون قدرات على الإخفاء، ولا على المحو!
ـ هذا هو مضمون قصيدتك العصماء؟
ـ لا...، تعرف إن أعظم القصائد هي التي تتخلى عن وظائفها التقليدية...، فالشعر الذي لم يكتب لن يكتب إلى الأبد إلا بعد أن نكون جميعا ً قد سبرنا تلك المدارج العصية...، ومادام العالم اليوم منشغلا ً بالثورات والثورات الارتدادية وبما يستقصي مكنونات بذرة الخلق الأولى وما قبلها فان المناسبة ستسمح بظهور اللا متوقع تماما ً...
    اقترب فيل تائه يتمايل لا يقدر أن يمنع نفسه من هستريا الضحك، اقترب كثيرا ً منهم، وأغلق فمه، تاركا ً خرطومه يلامس تراب الأرض، فسأل الثور:
ـ كنا نود مشاركتكم بهجتكم أيها الفيل المرح؟
   رد الفيل وقد انخرط في بكاء حاد:
ـ ألا تشاهدون...؟
     حدقوا جميعا ً في عينيه، وقالوا بصوت واحد:
ـ لا ...، لا نشاهد شيئا ً يذكر عدا غيمة البعوض مازالت تحوّم فوق الماء.
ـ واآسفاه عندما تعمى الأبصار، وتكل البصيرة...!
ـ قل ماذا تريدنا أن نراه، ولا تشغلنا بغير خفايا الشعر، وأسرار القصيدة.
ـ يا سادتي إنني احمل، فوق كاهلي، أثقل قصيدة كتبت منذ بدء الخليقة، وحتى يومنا هذا!
ـ أنت إذا ً تتعذب، وتشقى، بسبب وزن القصيدة؟
ـ كثيرا ً.
ـ لابد انك ستلد اكبر قصيدة...، سترشحك لنيل درع الزعيم للإبداع؟
     ترك خرطومه يتمايل، مثل ورقة توشك على السقوط، يسارا ويمينا ً، وقال بصوت مشوب بذرات بلورية:
ـ مازالت القصيدة تجثم فوق كاهلي، أيها الشعراء!
   فقال الثور:
ـ آسف...، بحضورك يغيب الشعر كي يولد! وبوجودك يبلغ  الشعر ذروته كي يدشن عصره الجديد!
ـ عن أية ولادة تتحدثون...، يا سادتي، أرجوكم...، أنا جئت أطلب المساعدة منكم؟
    اقترب الحمار منه، وسأله بصوت ناعم خاليا ً من النهيق:
ـ أية مساعدة تطلبها منا ...؟
    وأضاف الثور يخاطبه من غير خوار:
ـ لن نتخلى عنك أيها العزيز..
   فقال الفيل وقد راح يتمرغ في الوحل، عند ضفة المستنقع:
ـ  النملة الجاثمة فوق رأسي مازالت تدندن!
ـ  آوووو.....
  وأضاف الثور يخاطب الحمار:
ـ الم ْ أخبرك...، منذ التقينا، في مطلع هذا النهار السعيد، إن لم تكتب القصيدة بنفسك، فإنها هي بذاتها ستكتبك؟
ـ أرجوك ...، قسما ً بالفيل، سأستدعي القصاب! فانا أشم رائحة السكين، حتى لو كانت خالية من الدم!
ـ لا تفعل...، يا صاحب ارق الأصوات، وأعذبها، لا تفعل مع شريكك في هذه الحديقة.
    نهض الفيل، وعدل وقفته، وترك خرطومه يتمايل، وقال:
ـ الآن ...، الآن ...، أوقفت النملة جهاز الإرسال!
ـ أين هي، يا سعادة الفيل؟
ـ في رأسي!
ـ غريب.
    وأضاف الحمار يخاطب الغراب الأبيض:
ـ هل سمعت...، فقد قال ما كنت تتحدث عنه؟
ـ أنا قلت: القصيدة هي التي تشغل حيزا ً تستحدث فراغاته لتواصل عملها ابعد مدى في الأبصار، وفي الاستبصار. وسعادة الفيل هو من استحدث هذا المجال للسيدة النملة التي مكثت جاثمة داخل خلاياه!
ـ بالضبط.
متابعا ً أضاف الفيل من غير عويل:
ـ فمنذ سنوات بعيدة...
 اعترض الغراب الأزرق:
ـ نعرف، نعرف...، إن هناك نملة أغوتك...، ونعرف ما حصل بعد ذلك....، بعد أن رحت ضحية عشقك الحرام لها!
ـ أحسنت، ففي الإيجاز تكون البلاغة تحررت من ضرورات التأويل، وفبركات الدارسين، ولغط النقاد!
   طار الغراب الثالث، متمتما ً بنعيب متذبذب:
ـ أخشى أن أقع ضحية هذا اللغط...، الغامض، فأتلوث بلون الشعر؟
   رد الفيل:
ـ من هذا المتكلم...؟
ـ ما شأنك به؟
ـ كيف ...، وقد جذبني لونه؟
ـ ها، ها، ها.
     وسقط الحمار أرضا ً من شدة القهقهة، حتى كاد يفقد آداب الجلسة وأصولها:
ـ ها...، فهو الوحيد الذي كان يخفي لونه علينا!
ـ اعرف...، سيدي، مثل هذه النملة التي جعلتني امضي حياتي انسج لها القصائد...، وهي الآن تطلب مني أن اكتب آخر قصيدة لها!
صاحت النملة:
ـ كيف أخبركم انه باح بما أخفاه علي ّ...، الآن، وقال: إني أنا من أغوته، ولم يقل انه هو من فعل ذلك...، فانا طالما قلت له: ابحث عن البذور المتناثرة بين حبيبات الرمال وذرات الأثير....، تلك التي لا يراها احد شارد مشغول وأعمى...، ففيها تتكوّن أكثر المسافات اتساعا ً...
    وسكتت النملة، جاذبة انتباه الجميع لصوتها، وحركاتها الرقيقة، لتبدد الصمت:
ـ أما حديثكم عن القرد الذي اتهم سيدنا الحمار بالعمل متلصصا ً أو جاسوسا ً لدى أمراء حديقتا وسادتها، على زملائه الشعراء، فاذهب وأسأله: عند من كنت تعمل، قبل أن تفر، متخفيا ً بثوب صرصار، وعند من تعمل الآن...، وإلا لكان حضر معنا وشاركنا ابتهاجنا بهذا اليوم الخالد؟
   ولولول الحمار بصوت مخنوق:
ـ ما أدراك انه سيصبح رئيس الجلسة، والمشرف عليها! مادامت قصيدته سبقته في الحضور إلينا؟
   صاح الثور:
ـ آن لي أن أعود إلى قاع المغطس، فردوسي!
  فقال الفيل يخاطب النملة:
ـ كان علي ّ أن أتعلم منك هذا السر؟
ـ أي سر يا حبيبي؟
ـ سر البذرة التي تخلت عن موتها وقد وجدت مأواها في قلوبنا، بعد أن وجدت سكنها في أقاصي الرؤوس؟
ـ يا أولاد....
   وصاح الثور متابعا ً:
ـ  إلى المنصة، إلى المنصة...، لأن كل من يتأخر سيعرض مصير حديقتنا للدمار والأفول والزوال!
Az4445363@gmail.com

9/5/2015



بغداد ومفهوم الكثافة المغيب والمصير المجهول!-د.إحسان فتحي*



بغداد ومفهوم الكثافة المغيب والمصير المجهول!
 
د.إحسان فتحي*

    لا يخفى على جميع المعماريين والمخططين الحضريين اهمية مفهوم "الكثافة" في عملية التخطيط والسيطرة النوعية على الطريقة التي تنمو بها المدينة وعلى البيئة العمرانية ككل. لكن المشكلة تنبع في الحقيقة من عدم وضوح تعريف "الكثافة الحضرية" فهناك "الكثافة السكانية" و "الكثافة السكنية" و"الكثافة العمرانية"، وعدد كبير اخر من الكثافات التي لا تعنيني في هذا المقال. انا هنا تعنيني الكثافة السكانية، واود ان اشير الى الغياب شبه الكامل الى اي نوع من السيطرة البلدية على تنظيم العمران في بغداد، فلقد انتشرت خلال العشر سنوات الاخيرة ظاهرة تقسيم قطع الاراضي السكنية السابقة، والتي كانت مفرزة اساسا على مساحات تراوحت من 600 الى 200 متر مربع، الى قطع صغيرة جدا بعضها لا يزيد على 50 متر مربع!  وبدأنا نرى تجار العقار يشترون بيوت الاعظمية والمنصور والعطيفية والكرادة وفي اي مكان متاح اخر ليقسموا ال 600 متر الى 10 دور سكنية في تجاهل كامل وتحد صارخ للقوانين السارية، غير النافذة، والتي تحدد المساحة الصغرى المسموح بها ب 200 متر مربع.
فاذا اعتبرنا ان عدد سكان مدينة بغداد حاليا (2015) هو 8 ملايين نسمة وان مساحتها (ضمن الحدود البلدية) والتي اقدرها بحوالي 900 كم مربع، وبالمناسبة لم استطع الحصول على اي رقم رسمي لا لنفوس بغداد وذلك لغياب الاحصاء الرسمي منذ فترة طويلة، ولا للمساحة المعتمدة لبغداد المدينة وليس المحافظة، فان الكثافة السكانية تبلغ حوالى 8850 شخص لكل كم مربع. ان هذا الرقم هو عال في الحقيقة اذا ما قارناه بالمدن المشابهة الاخرى. استنبول مثلا يبلغ عدد سكانها حوالي 15 مليون نسمة وبمساحة 5460 كم مربع وبالتالي فان كثافتها السكانية تبلغ حوالي 2750 شخص في كم مربع. بينما القاهرة الكبرى فتقدر كثافتها ب 10 الاف شخص في كل كم مربع. بينما يسكن حوالي 14 مليون شخص في طوكيو على مساحة 2188 كم مربع لتبلغ الكثافة حوالي 6370 شخص لكل كم مربع، اي اقل من بغداد بكثير. طبعا المشكلة لا تكمن في الارقام لان الارقام لا تعني شيئا في الواقع، ذلك لان طوكيو (زرتها مرتين) تعتبر بحق اكثر مدينة متطورة بالعالم. اما مدينة بغداد فهي تعتبر مدينة منهارة او (فاشلة) بالمعنى التخطيطي والخدماتي.
وهذا يعني اذا ما استمر غض النظر، او السماح للكثافة العمرانية الجديدة، والتي كما اسلفت، فهي قد تزيد ب حوالي 6 اضعاف الكثافة المعتمدة السابقة، فان كثافة البناء ستصل الى درجات غير مسبوقة من التكتل والحشر السكاني مما سيؤدي بدوره الى مشاكل اجتماعية ونفسية مدمرة!   والغريب جدا جدا في هذا الامر بدأت تظهر بيوت بواجهة تبلغ فقط متر ونصف على الشارع العام، او مترين، او ثلاثة امتار في الحالات المرفهة! (راجع الصور المرفقة). ان هذه الظاهرة غير المسبوقة في اي مدينة عربية ( عدا سكان القبور في القاهرة) تعني بكل بساطة ان امانة العاصمة، وبالتالي السلطة المركزية نفسها، قد فشلت في السيطرة على تنظيم ديناميكية العاصمة.  ان بغداد تنمو بنسبة 2% او اكثر قليلا سنويا وهي نسبة عالية، وهي تعني بان عدد سكان بغداد سيصل الى حوالي 18 مليون في عام 2028! وعليكم ان تتخيلوا صورة المدينة اذا بقى هذا "الانفلات الحضري" على حالته ان لم يزد سوءا.
أنا اعتقد إن مدينة بغداد، هذه المدينة التاريخية العظيمة التي صمدت أكثر من 1250 سنة حتى الآن، تترنح حاليا من ضربات ساحقة تأتيها من جهات متعددة لا تكترث بوجودها أصلا. بغداد تصارع الموت بكل معنى الكلمة، فهي مهددة فعليا بالتفتت والتحول إلى كانتونات تحكمها ميليشات مسلحة، تماما كما نراه في بعض أفلام هوليود، حيث انعدام كامل للسلطة المركزية واضطرار سكان كل منطقة بأخذ زمام الأمور بيدهم. طبعا حالة بغداد هي انعكاس مباشر لحالة الدولة العراقية المهددة هي بوجودها، وإذا لم يستطع العراقيون بمراجعة انفسهم للتوصل الى حل دستوري وعقد اجتماعي مدني حضاري على أساس المساواة بالمواطنة وليس المحاصصة الطائفية التي فرضها المحتل الأمريكي واقتنع الكثير من المغفلين والجاهلين بها، فان مصيرهم مهدد بالزوال الحتمي والتاريخ لا يرحم ، ويوم لا ينفع الندم، إن سيبقى نادم!
*معماري ومخطط مدن عراقي
3 تموز، 2015

الاثنين، 6 يوليو 2015

فاضل العزاوي:الشاعر في السجن

فاضل العزاوي:
الشاعر في السجن


"إنه لمما تعجز عن وصفه الكلمات كم كان ذلك الوادي
 مقفرا وشائكا وعصيا على العبور."
دانتي -  النشيد الأول من "الجحيم"

غلاف العدد الرابع من مجلة كيكا للأدب العالمي



كنت أجلس على الأرض في زنزانتي في سجن الحلة ألعب الشطرنج مع زميل لي حينما سمعت الحارس ينادي على اسمي، فنهضت لأرى ما يريده مني. قال لي الحارس، مستعجلا إياي:
-  هيا جهز نفسك، سوف تنقل الى بغداد بعد قليل.
قلت مستغربا، وقد فاجأني الأمر:
-  خير، إطلاق سراح إن شاء الله!.
نظر الي مستهزئا:
-  من أين يأتيكم الخير؟ أي إطلاق سراح؟ أنت تحلم. ارتد ملابسك بسرعة واتبعني!
ثم أضاف بعد أن رآني واجما وحائرا بعض الشيء:
-  خذ أيضا متاعك معك، فقد يطول سفرك.
-  ماذا؟ هل تقرر نقلي الى سجن آخر؟
-  لا تستعجل، سوف تعرف ذلك بعد قليل من مأمور السجن، العجلة من الشيطان.

***

كنت محكوما بالسجن ثلاث سنوات، أمضيت عاما ونصف العام منها، متنقلا بين العديد من المعتقلات والسجون، لذلك لم أعرف سببا يجعلهم يقررون نقلي ثانية الى بغداد. وبدا لي أنهم ربما يريدون إعادة النظر في الحكم الذي كان قد صدر عليّ، اعتمادا على أضابير لجان تحقيق الحرس القومي الملطخة بالدماء في سراديب تعذيبهم المعتمة، بعد أن نشرت حكومة عبدالسلام عارف الجديدة نفسها كتابا أسود عن الجرائم التي ارتكبها الحراس القوميون ضد ضحاياهم من المعتقلين الذين كانوا يرغمونهم على الإعتراف بكل ما يمكن أن يخطر على البال من جرائم حتى أن فتى لم يحتمل التعذيب اعترف ذات مرة بأنهم يخفون طائرة هليكوبتر في بستان يملكونه وأخذهم معه ليدلهم عليها. كان مستعدا ليعترف أن ملكة بريطانيا نفسها تقود أعمال التخريب التي تقوم بها منظمتهم الثورية من أجل الإفلات من التعذيب ولو لبضع ساعات.
إن أصعب ما في التعذيب هو أن يظل المرء حيا رغم كل آلامه، حيث يصبح الموت وحده ما يمكن للضحية أن تهزم به جلادها. ولكي نفهم ذلك علينا أن نعود القهقرى الى فترات مختلفة من تاريخ العراق الحديث، حيث كنا نرى بين الفينة والأخرى زعماء سياسيين ورجال دولة كبارا يظهرون على شاشة التلفزيون ويعترفون بكل ما يطلب منهم، آملين أن يقودهم ذلك الى الموت الذي سيعني نهاية محنتهم مع جلاديهم. بل أن أحدهم وهو جنرال كان حاكما عسكريا عاما للبلاد ذات يوم وقاد هو نفسه الكثيرين الى الموت ظهر على شاشة التلفزيون ذات مرة وراح يعلن بكل وقار:
-  أجل، كنت أعمل جاسوسا مدسوسا منذ البداية.
فيرد عليه المذيع الذي يستجوبه، وكأنه يستغرب ما قاله الرجل ضمن المسرحية التي يمثل هو الآخر دوره فيها:
-  كيف؟ هل يعقل هذا؟ ولماذا؟
فيرد عليه الجنرال:
-  بلى، بلى، كنت والله العظيم جاسوسا جندتني وكالة المخابرات المركزية الأميركية، طمعا بالمال، إنني أعترف بذلك.
كانت فلسفة التعذيب الذي يمارسه الجميع بكل همة في ظل كل العهود العسكرية الدكتاتورية التي مرت بالعراق، وفيما بعد في ظل الإحتلال الأميركي وهيمنة سدنة الظلام الذين يستلمون رسالتهم عادة من الله نفسه على الحكم، تقوم دائما على فكرة تحويل الضحية الى حطام ليكون جديرا بالعيش في ظل راياتهم المرفرفة عاليا فوق خرائب فراديسهم المفترضة الملأى بالحوريات العاريات والغلمان المخلدين. ففي "قصر النهاية" الذي صار رمزا للتعذيب الذي كان يمارسه الجلاد المعروف ناطم كزار، طالب المدرسة التكنولوجية السابق ومدير الأمن العام بعد انقلاب 1968، كانت مهمة الكنس وتنظيف المراحيض العامة تسند دائما الى الوزراء السابقين المعتقلين، أما من كان رئيسا للوزراء كطاهر يحيى وعبدالرحمن البزاز فكان يتولى منصب رئيس الكناسين بحكم التسلسل الوظيفي ويقود فريق العمل بنفسه، مصدرا أوامره اليهم كالعادة: "هيا يا وزراء، حان وقت الشغل!".
في صيف العام 1963 عندما كنت موقوفا في سجن بغداد المركزي كان الحراس القوميون يرغمون الأساتذة الجامعيين المعتقلين معنا على تولي مهمة تنظيف المراحيض وكنس قاعات السجناء العاديين وتنظيفها. ولم يعد سرا بالطبع ما فعله الأميركيون بالمعتقلين في سجن "أبو غريب" من انتهاكات جنسية يندى لها جبين البشرية. أما الإسلاميون فيفضلون كما يبدو الإغتصاب واستخدام المسدس كاتم الصوت وقطع الرؤوس أحيانا لشحنها في سلال مغطاة بالقش الى التجار في الشورجة، وأخيرا إحياء طقس صلب المسيح على الطريقة الرومانية في الشوارع والساحات العامة والرجم بالحجارة حتى الموت او حرق الضحايا أحياء في احتفالات عامة. وهنا يتساوى الجميع، إذ لا فرق كبيرا بين جلاد وآخر، مهما اختلفت الأسماء التي يطلقونها على أنفسهم والأقنعة الآيديولوجية التي يضعونها على وجوههم.

***

عندما رزمت فراشي وحملته مع متاعي القليل على كتفي قادني الشرطي الى مكتب مأمور السجن الذي أبلغني أن ثمة أمرا بنقلي الى موقف السراي في بغداد في انتظار محاكمتي مجددا من قبل المجلس العرفي العسكري على قضية لم يكن يعرف عنها شيئا، فظللت أضرب أخماسا بأسداس، بدون الوصول الى نتيجة. ترى ما الذي يريدونه مني هذه المرة بعد أن حكموا علي بالسجن ثلاث سنوات عما اقترفته من آثام في نظرهم؟ ومع ذلك كنت قد وطنت نفسي مع الزمن على ألا أكترث بما يمكن أن تأتيني به الأقدار. فقد كنت يائسا تماما من أي احتمال في الإفلات من المصيدة التي انتهيت اليها في "جمهورياتهم الخالدة أبد الدهر". ففي ظل ما شاهدته وعشته وأنا لا أزال بعد في مقتبل حياتي فقدت ايماني الطفولي الساذج القديم بما كانوا يدعونه العدالة والإنسانية وأدركت أن بربرية ما قبل التاريخ قد تسفر مثل ذئب مخبول عن أنيابها من جديد حين تسود روح القطيع بين الناس، فيعود الإنسان وحشا لا حد لضراوته
لا أعرف أي جنون ملائكي جعلني أعتقد وأنا لا أزال فتى أن في إمكاني أن أغير العالم وأن ثمة مسؤولية أخلاقية تلزمني كشاعر وكاتب شاب أن أقاوم البؤس الذي كنت أشهده في كل مكان، وأن أطلق صرختي، مهما بدت خرساء، ضد الليل كله، حتى اكتشفت أن الخيار الوحيد الذي تركوه لي لأفعل ذلك كان هو أن أتحول أنا نفسي الى ضحية في لعبة خاسرة في كل الأحوال. ومع ذلك فان اكتشافي لتلك الحقيقة التي قادتني الى ما وراء مفهوم الخير والشر واعترافي بها بدل التشبث بذيل أوهام متعالية على واقع بؤس العالم وهمجية الوعي البشري قد منحني القوة التي كنت احتاجها لمواجهة مصيري الفردي، فحين يكون المرء محكوما بالسجن ثلاث سنوات ومفصولا من الجامعة ومعزولا عن عالمه وبعيدا عن أقرب الناس اليه ولا يكاد يملك فلسا في جيبه لا يعود ثمة ما يخشى أن يخسره بعد ذلك. لم يعد حتى الموت نفسه يخيفني بعد أن رأيت كل ذلك الموت في حياتي.

***

في موقف السراي في بغداد أبلغت مندهشا بالتهمة الجديدة الموجهة الي والتي سيحاكمني المجلس العرفي العسكري عليها، وفق صياغتهم الخاصة لها: العثور عند التفتيش على قصائد ممنوعة مخفية تحت فراش المتهم أثناء وجوده في معتقل العيواضية في العام 1961، وهي خواطر من الشعر المنثور موجهة ضد سياسة الحكومة والجمهورية الخالدة.
قصة تكاد تكون سوريالية تماما، بل أنها، والحق يقال، تصلح أن تكون قصة يكتبها فرانز كافكا بالذات. كنت قد أوقفت في العام 1961 مع عدد من طلبة كلية التربية في بغداد بعد اجتماع احتجاجي في نادي الطلبة، ألقيت فيه كلمة ضد الدكتاتورية العسكرية، ولكن تدخل الرجل الطيب الذي كان يتعامل معنا مثلما يتعامل مع أولاده، الدكتور يوسف عبود، عميد الكلية، والمقرب من الزعيم عبدالكريم قاسم، جعلهم بعد أكثر من شهرين من الإعتقال يلغون القضية ويطلقون سراحنا، فانتهت بذلك القصة.
ومع ذلك لم تنته القصة بالنسبة لي كما يبدو، فقد حدث أثناء وجودي حينذاك في موقف العيواضية ببغداد، وهو سرداب تحت الأرض، أن عثروا خلال تفتيش مفاجئ لنا تحت البطانية التي ألتحفها على قصائد كنت قد كتبتها قتلا للوقت الكثير الذي كنا نملكه، ومن بينها قصيدة طويلة لا أزال أتذكر عنوانها وهو "المسيح يصلب مرة أخرى"، بعد أن كان جمال سري، وهو رجل أمن يعمل هناك، قد لمحني وأنا أخفي شيئا ما تحت فراشي، فاعتقد أنه منشورات سرية جرى تهريبها الينا بطريقة ما.
أوضحت أثناء التحقيق الذي جرى معي أنني عضو في اتحاد الأدباء العراقيين وأن القصائد التي عثروا عليها تحت فراشي هي قصائد لي كتبتها أثناء توقيفي كجزء من هوايتي الشعرية، موضحا أنها كتابة أدبية لا علاقة لها بالسياسة أبدا. لكن معاون الأمن الذي حقق معي ظل يصر على أنها كتابات شيوعية ممنوعة. لم يكن من اللائق أن أقول له إن أكثر ما أبغضه في الأدب هو ما كان الشيوعيون يطلقون عليه يومذاك إسم "الواقعية الإشتراكية"، ولكن حتى لو عرف ذلك لما اهتم به، فقد كان كل ما يريده هو الايقاع بي بأي ثمن.
وللبت في الأمر، وربما أيضا بتدخل من الدكتور يوسف عبود، تشكلت لجنة من أربعة او خمسة من الأساتذة الجامعيين الذين قرروا بعد استجواب شكلي أجروه معي أن ما يعتبره الأمن أدلة جرمية ضدي هو في الحقيقة قصائد ذات طبيعة أدبية بحتة يمكن نشرها في أي جريدة من الجرائد العلنية. وبذلك انتهت القضية التي لم يسألني أحد عنها بعد ذلك حتى الإشعار الذي تلقيته الآن بعد ثلاث سنوات بتقديمي الى المحكمة العسكرية العرفية بسبب ذلك.
كان الأمر أشبه ما يكون بالمهزلة في ظل التغييرات التي شهدها العراق. فالتهمة هي انها قصائد تهاجم حكومة عبدالكريم قاسم التي كانوا هم أنفسهم قد أسقطوها بالدبابات والطائرات وحفلات الإعدام بالرصاص، حيث يقتضي منطقهم نفسه أن أكافأ عليها لا أن أحاكم بسببها، إن كانت تهاجم حكومة عبدالكريم قاسم حقا. ولكن القصائد لم تكن في الحقيقة سوى ذريعة للإنتقام. وكنت أعرف أن المنطق هو آخر ما يمكن أن يخطر ببال العسكريين المتعصبين في المجالس العرفية، فهم يقسمون البشر دائما الى أصدقاء وأعداء. فإن لم يعتبروك صديقا لهم فأنت عدو لهم بالضرورة، وحينذاك لن تنفعك أي حجة لإثبات براءتك او للدفاع عن موقفك.  

***

قبل أن أسرد تفاصيل تلك الرحلة المثيرة التي قادتني من الحلة الى بغداد ومن بغداد الى البصرة ومن البصرة الى بغداد ثم العودة ثانية الى الحلة، وأنا أجر للحاق بالمحكمة العسكرية التي لم أفلح في الوصول اليها الا بعد أعوام من ذلك كما سترون في نهاية هذه القصة، أجد ضرورة في أن أبدأها أولا من تاريخ لا يمكن أن يمحى من الذاكرة أبدا هو تاريخ ذلك الموت الذي عصف بالعراق في الثامن من شباط 1963، رغم أن مأساتنا كانت قد بدأت قبل سنين من ذلك والتي صرت أنا نفسي بطلا فيها بقوة الواقع.
ربما لا يدرك من لم يعش ذلك التاريخ أن الكثير مما يحدث في بلد مثل العراق يحدث غالبا بمحض الصدفة، وهي صدفة قد ترفعك الى السماء السابعة او تحط بك أسفل سافلين. وحتى بقاء المرء حيا يظل رهنا بها. فقد كان يمكن لي أن أموت او أن أقتل أكثر من مرة مثلما مات الكثيرون غيري، سواء برصاصة طائشة من أحمق في الشارع او من قاتل يترصد خطاي في الظلام او تحت سياط جلاد ما في زنزانة سرية في معتقل ناء في صحراء. أجل، لقد نجوت من الموت بأعجوبة أكثر من مرة، وهو ما ينبغي لي أن أشكر الله عليه الآن.
عندما اعتقلت مساء اليوم الثالث من ذلك الإنقلاب الذي هاجم فيه الإنقلابيون المتظاهرين ضده بالطائرات وقصفوهم، كما حدث عند ساحة وزارة الدفاع، وكان قد صدر البيان رقم 13 الذي خول كتائب الحرس القومي التي كانت تتكون أساسا من  طلبة جامعيين وعمال عاطلين عن العمل ومصارعين ورياضيين فاشلين وموظفين ببدلات بإعدام كل من تأسره من الأعداء والخصوم المنتمين الى قبائل سياسية أخرى، في شقة قريبة من شارع السعدون، ليس بعيدا عن
ساحة الزهور، أنزلوني باللكمات والعصي من الطابق الأول الذي كنت فيه الى الشارع، مع زميل آخر لي كان معي، وأسندونا الى جدار بنايتنا التي بدت ساكنة بشكل غريب تحت ضوء مصابيح باهتة متباعدة وحكموا علينا بالموت، مقررين إطلاق النار علينا، بدعوى اننا هربنا من الشقة حينما جاؤوا "يمشطون" المنطقة، باحثين عن الأعداء، وكان ذلك في نظرهم دليلا على المقاومة وسوء النية. وهنا تدخل الحظ السعيد، ففي اللحظة التي كان فيها الحراس الموتورون يوجهون فوهات رشاشاتهم الينا ويضعون أصابعهم على زناد رشاشاتهم، وصلت سيارة جيب عسكرية مسرعة هبط منها ضابط شاب ربما كان في الثلاثين من عمره، وهو يشهر مسدسه، متبوعا بعدد من الجنود المسلحين وراح يصرخ بهم:
-  قفوا، ما ذا تفعلون؟
توقف الحراس القوميون مرتبكين وخفضوا رشاشاتهم:
-  سيدي، لقد قررنا إعدامهم، إنهم معادون للثورة.
سأل الضابط:
-  معادون للثورة، ماذا يعني ذلك؟ ما هذه الخرابيط؟
رد أحد الحراس :
-  لقد هربوا عندما قرعنا عليهم باب الشقة ورفضوا أن يفتحوا لنا الباب، وانظر ما الذي عثرنا عليه عندهم، كتب باللغة الانكليزية، لا بد أنهم جواسيس يا سيدي.
وانبرى واحد آخر منهم قائلا، ربما ليبرر قرار قتلنا:
-  سيدي لقد رفضوا أن يشتموا عبدالكريم قاسم، عندما طلبنا ذلك منهم.
تجاهل الضابط ما قاله الحارس القومي واقترب مني سائلا، وهو يلقي نظرة على بعض الكتب التي حملها بيده:
-  هل هذه الكتب لك؟
قلت:
-  نعم إنها لي. إنني طالب أدب انكليزي في الجامعة. لقد هربنا حقا خوفا، لتجنب الأذى الذي يمكن أن يلحق بنا، ففي مثل هذه الظروف يمكن أن يحدث أي شيء.
-  ولماذا لم تشتموا عبدالكريم قاسم؟
أجبته مبررا:
-  لا يليق بنا أن نشتم أحدا، هذا أمر يتعلق بالكرامة.
رد ساخرا وهو يحدق في عيني:
-  مثقفون على الطريقة العراقية! هل لو شتمت أحدا ما سيقلل ذلك من قدرك؟
ثم جرني أنا وزميلي الذي التزم الصمت الى سيارة الجيب الواقفة وسط الشارع وقال آمرا الحراس القوميين:
-  هيا انصرفوا الى عملكم، سوف آخذهم معي لأسلمهم الى مركز الشرطة للتأكد من هوياتهم قبل إطلاق سراحهم.
وفي الطريق قال لنا مؤنبا:
-  أي غباء هذا الذي يملأ رؤوسكم! هل يستحق الأمر كل هذه المجازفة؟ هل عبدالكريم قاسم هو الله حتى ترفضوا شتمه؟ كس أم العالم كله!
منذ ذلك اليوم لم يغادرني قط الشعور بأنني أعيش في "الوقت الإضافي" او "الوقت الضائع" كما يسميه لاعبو كرة القدم، فقد كان يمكن لي أن أقتل وتنتهي هذه القصة التي لن يسمع بها أحد، مع شعور بالعرفان للقدر الذي ارتدى بدلة ضابط مجهول لم أعرف حتى إسمه وأنقذ حياتي.

***

في مركز شرطة البتاويين الذي استلمنا من الضابط الشاب بدا كل شيء عاديا. سجلوا أسماءنا وقالوا لنا إنهم سوف يسلموننا لمديرية الأمن العامة الواقعة في السعدون للتحقيق معنا. وحتى يتم نقلنا الى هناك رموا بنا في موقف المركز، وهو سرداب واسع تحت الأرض، مزدحم حتى الإختناق بالموقوفين، ما كدنا نهبط اليه حتى نادى الشرطي الواقف في الباب، مخاطبا بعض النزلاء الذين هبوا لاستقبالنا:
-  يا جماعة عندكم ضيوف اليوم، إنهم من ربع الزعيم.
ما كاد يقول ذلك حتى ضج السرداب بهتاف كورالي موحد:
-  وحدة، حرية، اشتراكية.
ثم هجموا علينا وراحوا يركلوننا ويصفعوننا بعد أن أسقطونا أرضا، حتى صاح بهم الشرطي:
-  يكفي، يكفي، اتركوهم، لقد نالوا جزاءهم!
في الساعة او الساعتين اللتين أمضيناهما في ذلك السرداب المزدحم بأكثر من خمسين او ستين موقوفا عرفنا أن معظمهم كانوا قوادين ولصوصا ومجرمين قتلة راحوا يأملون بأن يطلق الإنقلابيون سراحهم حين يسمعون هتافاتهم المؤيدة ويعتبرونهم مناضلين وثوريين مثلهم. ولم يكن بينهم سوى اثنين او ثلاثة من المعتقلين السياسيين الذين كانوا هم أيضا قد تعرضوا للضرب قبلنا.
كل هذا كان في الحقيقة مجرد بداية لقصة لم تبدأ فعلا الا في مديرية الأمن العامة واستمرت طوال سنين في رحلة بدت لشاب مثلي في العشرين من عمره بلا نهاية، ما بين معتقل ومعتقل، ما بين سجن وسجن، ما بين موت في الحياة وحياة في الموت، وكأن كل ما يحدث معي او أمامي فيلم كتب قصته الشيطان وأنتجه مخرج مجنون لا هم له سوى الإنتقام من كل ما يمتلك قيمة في الحياة.
حينما وصلنا الى مبنى مديرية الأمن كانت الساعة تشير الى حوالي العاشرة ليلا وثمة رجال بملابس مدنية يحملون الرشاشات يقفون عند البوابة تحت لافتة كبيرة،علقها الإنقلابيون، خط عليها باللون الأحمر "يا أعداء الشيوعية اتحدوا!"، فاستقبلونا بوابل من الشتائم والصفعات والركلات حتى قبل أن يعرفوا أي شيء عنا، ثم أوقفونا في الفناء قريبا من الجدار حيث جاءنا إثنان يحملان قضيبين مطاطيين يهزانهما في يديهما وقالا إنهما هما أيضا طالبان في الجامعة مثلنا ثم سألنا أحدهم:
-  لماذا أنتم ضد الثورة؟ لماذا تدافعون عن دكتاتور مثل عبدالكريم قاسم؟
رد زميلي: نحن طلبة ولم نفعل شيئا.
قال أحد الشخصين وهو يرفع يده بالقضيب في وجهينا:
-  "حسنا، لتثبتوا براءتكم اهتفوا ضد الزعيم والشيوعيين."
التزمنا الصمت:
-  زين، اهتفوا إذن ضد البعثيين.
واقترح الآخر:
-  حسنا، إهتفوا "يسقط الله"، فأنتم لا تؤمنون به، أليس كذلك؟
كان من الواضح لي أنهما يستمتعان باللعب معنا، كما يستمتع القط باللعب مع الفأر قبل الإجهاز عليه، وأن لا خلاص لنا من الفخ الذي وقعنا فيه، لذلك قلت له:
-  نحن لا نتدخل في السياسة، ولن نهتف ضد أي أحد.
قال:
-  حتى ضد ميشيل عفلق.
ثم أضاف:
-  هيا اهتفوا بصوت عال يسقط ميشيل عفلق القواد، ابن القحبة.
قلنا: لن نشتم أحدا.
ما كادا يسمعان ذلك حتى انهالا علينا ضربا بالقضبان مع سيل من الشتائم قبل أن ينضم اليهما آخرون راحوا يصفعوننا ويركلوننا بدون توقف. وكان ثمة من يصرخ مستنكرا:
-  مبدئيون، كلاب لا يشتمون أحدا، سوف نقتلكم جميعا يا أبناء القحاب.
وأخيرا جاء من أنقذنا من أيديهم وقادنا الى موقف الأمن، واضعا إيانا في زنزانة مستطيلة كبيرة نوعا ما، لم يكن فيها سوى شخص واحد قبلنا، وهي الزنزانة اليسرى القريبة من المراحيض وأغلق الباب علينا، فشعرنا أننا قد نجونا.   

***

ينسى المرء مع الزمن الكثير من الوقائع التي عاشها او التي مر بها، مهما كانت قاسية ومؤلمة، لكن ثمة ما يظل عالقا بالذاكرة حتى النهاية مثل جرح لا يندمل أبدا. كانت ثمة ثلاث زنزانات أخرى في موقف مديرية الأمن العامة، أعرفها جميعا، إذ كنت قد أمضيت في العام 1961 أكثر من شهر فيها، زنزانتان واسعتان بعض الشيء، متقابلتان عند المدخل، ثم الزنزانة التي كانوا قد رموا بنا فيها في مواجهة زنزانة ضيقة صغيرة، مع فناء من بضعة أمتار ينتهي بالمراحيض، ولكن بدون أي حمامات للإغتسال. كانت الغرفة خالية تماما من أي فراش او بطانية فتوجب علينا أن نجلس ونضطجع على الأرض العارية في مثل ذلك الشهر القارس من شباط، إذ كان من الخيال أن نطالب في مثل ذلك الوضع بتزويدنا بالأفرشة او أن نحتج على بؤس حالنا، ولكن كل ذلك بدا لنا ترفا يمكن الإستغناء عنه في مواجهة مشكلة الرجل الآخر المرمي في ركن من الزنزانة. كان الرجل وهو في حوالي الأربعين من عمره مصابا بطلقة في بطنه ويصرخ طوال الوقت، طالبا نقله الى المستشفى لعلاجه، بدون جدوى. كان ثمة من يأتي حين يشتد عويله ويصيح به من خلف الباب ذي القضبان الحديد:
-  إخرس يا قواد، هذه عاقبة من يقاوم الثورة. لماذا المستشفى؟ سوف تعدم في كل الأحوال.
وكان الجريح يتوسل:
-  أرجوكم، خذوني الى المستشفى، أقسم بالله أنني لم أفعل شيئا.
فيردون عليه:
-  بل كنت تطلق الرصاص علينا وأصبت في المعركة، أين أخفيت سلاحك؟ سوف نتركك تموت مثل أي كلب.
وهكذا ظل يئن واضعا كفه على جرحه النازف طوال الليل الذي بدا أطول من الأبدية نفسها، بدون أن نكون قادرين على فعل شيء من أجله. كان الصمت يخيم على زنزانتي المدخل المتقابلتين اللتين لم تكونا تضمان بعد سوى عدد قليل من المعتقلين، مقطوعا بين الحين والآخر بصرخات آتية من الغرف الخارجية، حيث توجد مكاتب رجال الأمن والمحققون والجلادون او بدوي طلقات رصاص في الشارع. لم ننم بالطبع لحظة واحدة تلك الليلة، متوقعين أن يأتي من يأخذنا ليطلق الرصاص علينا، ولكنهم كما يبدو كانوا مشغولين لحسن الحظ بآخرين كثيرين غيرنا، فقد كانت المقاومة في اليوم الثالث من الإنقلاب لا تزال مستمرة في العديد من شوارع وأحياء بغداد. كان ما يقلقني أكثر من أي شيء آخر هو أن يموت الرجل الجريح الذي صار يتوقف عن الأنين بين الفينة والأخرى، فاقدا الوعي لبرهة من الزمن، قبل أن يعود الى نفسه ثانية. ورحت أتساءل مع نفسي "ماذا نفعل إن مات؟ هل ينبغي أن ننادي على الحارس الذي كان يقف عادة خارج بوابة الموقف المغلقة؟" في الصباح فقط وكان الرجل أقرب الى الموت منه الى الحياة جاؤوا وحملوه الى الخارج، بدون أن يكفوا عن شتمه وتهديده بالقتل. لا أعرف إن كانوا قد أخذوه الى المستشفى ام الى مكان آخر ليطلقوا عليه الرصاص.
في الصباح بدأت أفواج المعتقلين تتدفق على الموقف، وهم في الأغلب موطفون وعمال التحقوا بأعمالهم فالتقطوهم من مكاتبهم ومراكز عملهم او قبضوا عليهم خلال عمليات مداهمتهم للأحياء السكنية المعروفة بميولها اليسارية حتى امتلأت زنزانتنا الى الحد الذي لم يعد ممكنا فيه سوى الوقوف على القدمين. ومع ذلك ظلوا يدفعون بالمزيد من المعتقلين طوال ثلاثة أيام الى زنزانتنا، فكنا نظل واقفين ملتصقين الى بعضنا الليل كله. ومما لا أنساه أبدا، وهو أمر قد يبدو أشبه بالخيال، أنني في بعض تلك الليالي الثلاث كنت أغفو أحيانا واقفا فلا أسقط أرضا.
لم يكن رجال الأمن قادرين على التعامل مع هذا العدد الكبير من المعتقلين، لذلك لجأوا الى نقل الكثيرين منهم واحدا بعد الآخر الى المعتقلات والسجون الأخرى والنوادي الرياضية والبيوت التي احتلها الحرس القومي بعد اعتقال أهلها او طردهم منها لتكون معتقلات خاصة بهم. ولأنه كان من المستحيل عليهم البحث عن معلومات عن كل من قادته الصدفة اليهم في مثل تلك الفوضى كانوا يلجأون الى الضرب لعلهم يظفرون بما يبغون الوصول اليه بأسرع ما يمكن وربما أيضا بحكم العادة. ولكن الأمر كان يختلف مع من يعرفونه او يعتبر إسما معروفا لديهم، فقد جاؤوا بالشاعر محمد صالح بحر العلوم، وهو شيخ كبير السن وعلقوه من يديه بالنافذة الى الأعلى في زنزانة منفردة مواجهة لنا فظل هكذا طوال الليل بدون أن تصدر منه حتى نأمة واحدة. وفي تلك الأيام الأولى أيضا جلبوا المحامي حمزة سلمان من سجنه في نقرة السلمان، مكبلا بالأغلال في رجليه ويديه وشدوه الى النافذة في نفس الغرفة التي كان فيها الشاعر بحر العلوم الذي نقلوه الى مكان آخر. كانوا قد منعوا عنه الطعام فقمت بتهريب سندويتشه اليه خفية أثناء خروجنا الى الباحة الصغيرة. في المساء جاء الحراس القوميون وأخرجوه من الزنزانة وجعلوه يقرفص على الأرض قليلا،مكبلا بالسلاسل، قبل أن يقتادوه معهم الى النادي الأولمبي ويطلقوا النار عليه. كنت قد تعرفت على حمزة سلمان حين اعتقالي في الموقف العام ببغداد قبل ذلك بشهور، وأوحى لي فيما بعد بشخصية "سلام" في رواية "القلعة الخامسة".

***      

كانت الساعة تشير الى حوالي العاشرة صباحا عندما جاء الحارس واقتادني الى غرفة خارج الموقف في الممر الذي تقع فيه مكاتب العاملين في الأمن للتحقيق معي. طلب مني المعاون الذي كان يجلس وراء مكتبه وأمامه كومة من الأوراق أن أعترف بكل ما لدي من معلومات حتى لا يضطر الى استخدام وسائل أخرى معي، بينما وقف ورائي شابان كان من الواضح أنهما من المختصين بالضرب وراحا يزعقان بي:
 هيا قل كل ما عندك ولا تجعل السيد المعاون يزعل عليك، وإلا كسرنا لك أضلاعك.
كان من الواضح لي أنهم في خضم ذلك الطوفان من المعتقلين وفوضى الإنقلاب لا يملكون شيئا ضدي وأنهم يلعبون معي نفس لعبتهم القديمة التي كنت أعرفها والتي سوف يبدأونها بالتأكيد بالضرب.
قلت: ماذا تريدون مني؟ إنني طالب في الكلية ولا أعرف حتى سببا لاعتقالي، فأنا لم أرتكب أي ذنب.
ما كدت أقول ذلك حتى انهالا علي ضربا وجرني أحدهم من شعري فانقلب الكرسي الذي كنت أجلس عليه وسقطت على الأرض، ورأيت أحدهم يسحب عصا كانت مركونة جانبا، راح يضربني بها، شاتما إياي بلا انقطاع. حاولت عبثا حماية وجهي ورأسي، فيما كان المعاون الذي لم يغادر مكانه يطلق الشتائم ضدي صارخا ويهددني بالويل والثبور. لا أعرف كم استمر ذلك، لكن كل ما أذكره الآن هو أنني كنت مرميا على الأرض ألهث منقطع الأنفاس حين لمحت شخصا أسمر متين البنية ويميل الى الطول يدخل الغرفة. لم أتبين ملامحه في البداية وأنا في موقفي ذاك حتى رأيته ينحني علي ويقول مندهشا:
-  آه، هذا فاضل! مرحبا يا فاضل.
لم أرد عليه. توقف رجلا الأمن عن ضربي. سأله معاون الأمن المسؤول عن التحقيق:
-  هل تعرفه يا معاون قاسم؟
ضحك الرجل الذي كان قد سلم علي وقال:
-  أعرفه، ماذا تقول؟ كنا سوية في نفس الصف في الثانوية وكان صديقا لي قبل أن يختار الطريق الخطأ. إنه شاعر وأكثرنا ثقافة وموهبة، ولكن الله ابتلاه بمرض الأفكار الهدامة.
ثم التفت الي وقال مؤنبا:
-  ألم أقل لك يا فاضل إن طريقك هذا سوف يؤدي بك الى الهلاك؟ أنظر ماذا فعلت بنفسك!
وخرج بدون أن يضيف شيئا آخر، وهو يدمدم مع نفسه.
كان ذلك الرجل هو قاسم حمد الذي كان زميلا لي بالفعل في نفس الصف خلال مرحلة الدراسة الثانوية في كركوك. كان منتميا الى حزب البعث، ومع ذلك ظلت علاقتي به قائمة، وإن شابتها خلافاتنا السياسية التي لم تدفعنا الى حد القطيعة او الشجار. وحين أكملنا الدراسة الثانوية ذهب كل منا في طريق مختلف: انتميت أنا الى جامعة بغداد لدراسة الأدب في حين انتمى قاسم الى كلية الشرطة في بغداد، ضمن السياسة التي اتبعها حزب البعث حينذاك في إغراق الشرطة والجيش بالموالين له.
لم أعر اهتماما لظهور قاسم حمد الدراماتيكي حتى انني لم أرد عليه بكلمة واحدة، لكنني لاحظت أن معاملتهم لي ولهجتهم معي تغيرت بعض الشيء، إذ لم أضرب بعد ذلك حيث جعلوني أجلس على الكرسي ثانية وراحوا ينصحون لي بالإهتمام بمستقبلي.
بعد قليل دخل الغرفة رجل متوسط الطول ونحيف نوعا ما، يرتدي بدلة أنيقة برباط وقدم نفسه لي بأدب:
-  هل تعرفني؟ أنا مالك سيف، لا بد أنك سمعت بإسمي وتعرف قصتي.
رغم هذه المفاجأة التي لم أتوقعها قلت بتلقائية:
-  يؤسفني أنني لم أسمع باسمك ولم يحصل لي الشرف بسماع قصتك.
إبتسم وهو يربت على كتفي بكفه:
-  لا يمكن لك أن تخدع شخصا مثلي أيها الشاب، فقد مر علي كثيرون من أمثالك وكانوا يصلون دائما الى النهاية ذاتها ولكن بعد أن يكونوا قد دفعوا الثمن غاليا.
ثم أضاف بنبرة أبوية:
-  إسمع ما أقوله لك، أنت تضحي بنفسك من أجل قضية خاسرة وأناس لا يستحقون ذلك. إنهم يستغلون أمثالك من المثقفين ويضحون بهم من أجل أهدافهم الخاصة. مكانك الصحيح هو في الكلية التي تدرس فيها وليس هنا.
ثم خرج تاركا الغرفة.
كنت بالطبع أعرف قصة مالك سيف، وهو صابئي كان يعمل معلما في العمارة، كما أعتقد، فقد عثرت قبل ذلك في مكتبة الكلية على نسخة من الموسوعة السرية التي كانت مديرية الأمن العامة قد أصدرتها وفيها كل تفاصيل قصة مالك سيف الذي تولى قيادة الحزب الشيوعي فترة من الزمن ثم ارتد وراح ينكل برفاقه، مسلما إياهم الى السلطات، حيث جرى تعيينه مستشارا او خبيرا في مديرية الأمن العامة.
كان مجيء مالك سيف للحديث معي غريبا بعض الشيء، إذ لم تكن حالتي ولا المعلومات التي يملكونها عني تقتضي ذلك، فقد كنت في نظرهم واحدا من ألوف المعتقلين الذين جيء بهم من كل حدب وصوب، حتى أن معاون الأمن الذي كان يحقق معي هددني بأنني قد أمضي ستة أشهر في المعتقل إذا ما أصررت على موقفي. ولكن اتضح لي السر بعد ذلك من خلال تعليق للحارس الذي أعادني الى زنزانتي. فحينما ترك قاسم حمد الغرفة راح يروي غاضبا وربما حزينا قصتي لزملائه الآخرين وكان مالك سيف حاضرا بينهم، فأراد الرجل أن يظهر شطارته كجميل يسديه لقاسم الذي صار يملك نفوذا كبيرا باعتباره بعثيا أصيلا وليس مجرد معاون أمن بحكم المهنة، بإقناع صديق قاسم القديم بالعدول عن أفكاره ومواقفه الهدامة او ربما كان قاسم نفسه قد طلب منه القيام بدوره ذاك معي.
وفي كل الأحوال فان مجرد معرفتهم بوجود علاقة صداقة سابقة بيني وبين قاسم، رغم انه شهد ضدي بطريقة أغاظتني وأحرجتني ولم يقل شيئا لصالحي، جعلتهم يتعاملون معي بطريقة مختلفة تماما، لا ضرب فيها ولا شتائم، مثلما ركز المحقق بعد ذلك في أسئلته على أمور عادية تتعلق بهويتي مثل الإسم والمهنة والعنوان وعما إذا كنت منتميا الى حزب سياسي وعن سبب اعتقالي، مدونا أجوبتي كما هي بدون تدخل من قبله.
هذه الحادثة صارت بعد سنوات الأساس الذي بنيت عليه رواية "مدينة من رماد" التي نشرت في العام 1989 وصدرت ترجمتها الانكليزية في العام 2011 بعنوان "المسافر وصاحب الخان".
وهكذا انتهى هذا الفصل الذي جعلهم بعد أيام من ذلك يقررون نقلي الى الموقف العام -  القلعة الخامسة في بغداد مع عدد آخر من الذين انتهى التحقيق معهم في انتظار تقرير مصيرهم لتبدأ ملحمة أخرى قادتني بعد شهرين من ذلك الى معتقلات الحرس القومي التي كانت تمارس التعذيب حتى الموت مع ضحاياها ومن ثم الإنتهاء الى معسكر خلف السدة، حيث كانوا يأتوننا بين الحين والآخر برجال مغطاة رؤوسهم بأكياس سوداء ولا تبين منهم سوى عيونهم للكشف عن رفاقهم المتخفين بين حشود المعتقلين، وبعد ذلك النقل الى سجن بغداد، حيث وضعت في زنزانة ملاصقة لزنازين الإعدام، وعشت أياما في خيمة نصبت للمعتقلين الأكراد (بينهم صالح اليوسفي، عضو الوفد المفاوض الذي جرى اعتقاله بعد فشل مفاوضاته في بغداد) في ساحة السجن، وأخيرا التسفير الى سجن الحلة.   ولكن لأدع كل ذلك الآن جانبا، وأكمل رواية حكايتي التي لا تزال ناقصة والتي كنت قد بدأت بها هذه الذكرى لذلك الزمن الضائع من حياتي.

***

إقتادوني الى سيارة نقل مغلقة ومخصصة لنقل المعتقلين مع ستة او سبعة شبان آخرين بعد أن قيدوا كل إثنين منا بسلسلة واحدة. كان جميع الآخرين هم من البعثيين الذين كانت حكومة عبدالسلام عارف قد بدأت باعتقالهم، متهمة إياهم بارتكاب جرائم مختلفة والذين جيء بهم من مراكز أخرى في المدينة. طوال الطريق ظل شريكي في القيد يعلن عن مخاوفه:
-  سوف يستلم الشيوعيون السلطة، لقد أعادوا تنظيم أنفسهم.
ثم يكرر:
-  سوف يقتلوننا جميعا.    
لم يكن الرجل، وهو شاب أسمر يميل الى البدانة، ربما كان في الثلاثين من عمره، مخطئا كثيرا في تقديراته، فلو قيض للشيوعيين الوصول الى السلطة لانتقموا من أعدائهم البعثيين شر انتقام، ولكن ذلك لم يكن أكثر من كابوس يعكس خوف مثل ذلك الشاب الذي بدا لي أنه كان جلادا من أن يدفع ثمن جرائمه التي ارتكبها.
ما كدنا نصل الى موقف السراي ويبدأ المفوض المسؤول بتدوين أسمائنا لتوزيعنا وفق اتجاهاتنا السياسية على الزنزانات حتى تناهى الى أسماعنا صوت جوقة كبيرة راحت تردد بصوت عال وبدون انقطاع أغنية وحيدة خليل المشهورة:

     سبحانه الجمعنا بغير ميعاد   
     أحباب وتلاقينا، تعاتبنا وتراضينا
     هذا اليوم أجمل يوم عدنا
     سبحانه الجمعنا بغير ميعاد.
    
فضحك المفوض وقال ساخرا:
-  ها هم الشيوعيون يرحبون بكم، لقد عرفوا بوصولكم.
كان موقف السراي صغيرا جدا، وهو مخصص أساسا للتسفيرات او التقديم الى المحاكم، حيث يتكون من ثلاث غرف كبيرة نوعا ما وغرفة صغيرة جدا ومرحاض واحد، مع فناء ربما بلغ طوله خمسة عشر مترا وعرضه ستة أمتار  كانت الغرفتان الأولى والثانية تضمان عادة الموقوفين العاديين من القتلة واللصوص والقوادين والمهربين والمجانين، أما الثالثة والغرفة الصغيرة فكانت مخصصة في كل العهود تقريبا للمعتقلين السياسيين، وهم عادة من الشيوعيين واليساريين. فكان ظهور البعثيين هذه المرة مشكلة بالنسبة للشرطة، إذ ما كان يمكن وضعهم مع الشيوعيين الذين قد يفتكون بهم. لذلك خصصوا لهم غرفة على السطح. لكنني أبلغت المفوض أنني لست معهم، فوضعني حيث يجب أن أكون.
حينما انفتح الباب ودخلت كان كورس من عشرين او ثلاثين معتقلا لا يزال يردد بغبطة:

     سبحانه الجمعنا بغير ميعاد.

***

مكثت بضعة أيام هناك قبل أن يأتوا ويأخذوني ذات صباح في سيارة مقفلة الى معسكر الرشيد ليحاكمني المجلس العسكري على تهمة لا أعرف عنها شيئا، بدون شهود او محام يدرأ التهمة عني، فزج بي في غرفة ما هناك وظللت أنتظر دوري. مرت ساعة وساعتان وثلاث ساعات بدون أن يسأل أحد عني حتى مللت الإنتظار. ثم جاء أخيرا من قال لي: "لقد تأجلت المحاكمة الى موعد آخر سوف تبلغ به. المحكمة مشغولة جدا." فأجبته منزعجا: "وما ذنبي أنا، كنت أريد أن أنتهي من هذا الأمر أيضا." فنظر الي الشرطي شزرا: "سوف تحصل على ما تريده، يبدو أنك مستعجل على الحكم عليك. لا أحد يخرج من هنا بأقل من بضع سنوات سجن." سكت، مفكرا مع نفسي، ليكن ما يكون، فحين يلقى بك في الجحيم لا يعود ثمة فارق بالنسبة لك بين نار ونار، وسيكون العذاب هو ذاته في كل الأحوال.
عدت الى موقف السراي وانتظرت أياما قبل أن يأتوا ويأخذوني ثانية الى المحكمة الغارقة في الشغل حتى الأذنين، فانتظرت هناك كما انتظرت في المرة الأولى، ولكن بدون جدوى، فأعادوني الى مستقري في انتظار موعد آخر لمحاكمتي. ثم حدث ما لم أتوقعه أبدا، إذ جاؤوا ذات مساء وقالوا لي إن المحكمة انتقلت الى البصرة وأمرت بتسفيري الى هناك للحكم علي. وهكذا نقلت الى محطة القطار وقد وضعوا القيد في يدي، مع امرأة شابة في حوالي الخامسة والعشرين من عمرها ترتدي العباءة، بحراسة شرطيين سوف يرافقاننا الليل كله حتى البصرة.
صعدنا  في عربة درجة ثانية فجلست أنا والفتاة على مقعد واحد فيما جلس الشرطيان على المقعد الآخر إزاءنا. كان أحد الشرطيين في حوالي الخمسين من عمره والآخر يبدو أصغر منه وقليل الكلام. قدمت لهما السيجاير مثلما اشتريت لهما وللفتاة بعض الساندويتشات من الفلوس القليلة التي كانت معي، لأجعلهما يتخففان في رقابتهما علينا والتعامل معنا. وحين سألني الشرطي الأكبر سنا عن مهنتي، ولم يكونا يعرفان أي شيء عني او عن الفتاة قلت له:
-  مدرس.
فسأل عن سبب توقيفي:
-  شنو؟ لازم عركة.
فأيدت قوله:
-  عركة بسيطة بين أصدقاء، تنتهي إن شاء الله بخير.
فقال مطمئنا إياي:
-  مو مشكلة، لقد خمنت ذلك حالما رأيتك.
ثم التفت سائلا الفتاة عن قصتها، فقالت:
-  ماكو شي، تحقيق هوية، متوهمين باسمي.
كنت متأكدا أن الفتاة تكذب هي الأخرى وتحاول طمأنتهم مثلي. تجنبت الدخول في أي حديث معها بحضور الشرطيين الجالسين إزاءنا واللذين راحا يتثاءبان بعد قليل وقد  بدا الإنهاك عليهما، فنهض الشرطي الأصغر سنا واضطجع على مقعد فارغ في الطرف الآخر من العربة، ثم سرعان ما تناهى الينا صوت شخيره.
سألت الفتاة: "هل أنت من بغداد؟" قالت: "كلا، إنني من البصرة، لكنني كنت عند أقارب لي في بغداد." يبدو أن حديثي مع الفتاة شجع الشرطي الجالس إزاءنا والذي كان يقاوم النعاس هو الآخر على أن يمد يده بالمفتاح ويفك الطرف الأيمن من القيد الذي كان يشد يدي ويشد معصم يدي اليسرى الى معصم اليد اليمنى للفتاة، قائلا إنه يريد أن يغفو قليلا هو الآخر فالليل طويل وعليه أن يطمئن علينا من أي محاولة للإنسلال او الهروب. لم تعترض الفتاة، كما شعرت أنا الآخر براحة أكثر في تحرر يدي اليمنى على الأقل من القيد. ومع ذلك قلت له:
-  ولماذا نهرب؟ والى أين؟ كن واثقا أننا لن نرمي بأنفسنا من هذا القطار المسرع؟
رد معتذرا، وهو يضطجع على المقعد المواجه لنا، بعد أن نزع حذاءه:
-  أعرف، أعرف، ولكنها التعليمات، ماذا نفعل؟
جرت الفتاة يدينا المقيدتين الى تحت عباءتها فوجدت كفي فوق فخذها، شاعرا برجة كهربائية في أعضائي كلها، فهذه هي المرة الأولى بعد أكثر من عام ونصف العام أقترب فيها من امرأة وألمسها. ورغم انني كنت قد دربت نفسي على الإستغناء عن كل شعور إنساني في عالم لا يعرف  معنى للحياة فان هذه اللمسة الملأى بالعاطفة والحنان من الفتاة جعلتني أسترد بعضا من روحي القديمة. فقد أدركت الفتاة أنني كنت في محنة وأرادت مواساتي على طريقتها، مثلما روت لي خلال رحلة الليل الطويلة الحقيقة عن نفسها وهي أنها كانت تعمل عاهرة في أحد بيوت الهوى السرية في البصرة فطعنت بالسكين شخصا ضربها وهربت الى بغداد حيث ألقي القبض عليها، وهي الآن عائدة للتحقيق معها ومحاكمتها على فعلتها. أخبرتها أنا الآخر بأنني طالب كلية وسجين سياسي وإنني ذاهب الى البصرة لمحاكمتي أمام المجلس العرفي، وحين سألتني إن كان أهلي يزورونني قلت لها إنهم يعيشون في مدينة بعيدة ويصعب عليهم الوصول الي. ما كدت أقول لها ذلك حتى رأيت الدموع في عينيها، لكنني طمأنتها بأنهم على اتصال بي وأن الأمر ليس سيئا جدا. كانت قد غطتنا بعباءتها وتكورت، واضعة رأسها في حضني، فيما راحت أصابعها تداعب جسدي برقة. لقد قدم لي المجلس العرفي العسكري أخيرا هدية كان ينبغي لي أن أشكره عليها وبدت لي هذه الرحلة للحاق به واستدرار عطفه لمحاكمتي قد استحقت عناءها حقا.
في الصباح كنا قد وصلنا البصرة التي ما كنت قد زرتها من قبل، فاقتادنا الشرطيان اللذان كانا قد اطمأنا الى عدم رغبتنا بالهروب، بدون قيود هذه المرة الى ما بدا لي أنه سراي الحكومة، بسبب كثرة أقسامه وتزاحم الناس فيه، حيث جرى ايقافنا كما أتذكر في ممر أرضي تحت شجرة وراح الشرطي الأصغر سنا يسأل عن المكان الذي ينبغي ايصال كل منا، أنا والفتاة، اليه قبل أن يعود ليأخذ الفتاة معه والتي ودعتني بكلمات طيبة وإبتسامة مشجعة، فظللت أنتظر مع الشرطي الأكبر سنا أوبته، لكنه حين تأخر كثيرا ذهب الشرطي الآخر أيضا ليستطلع الأمر، فانتبهت فجأة الى أنني أقف وحيدا بين الناس بدون أي حراسة، فخطر لي أن أهرب. كان كل ما أحتاجه هو أن أختلط بالناس القادمين والذاهبين وأخرج من الباب معهم بدون أن أثير شكا. لكنني لم أكن قد فكرت بالأمر أساسا قبل ذلك وما كنت أعرف أحدا في مدينة أجد نفسي لأول مرة فيها، فضلا عن انني لم أكن أملك ما يكفي من النقود لأقيم في فندق حتى لليلة واحدة او استقل سيارة تنقلني الى بغداد. وحتى إذا هربت ماذا يمكن أن أفعل بحياتي؟ سأظل مطاردا دائما وعاجزا عن العثور على أي عمل. كل ذلك مر في لحظة واحدة في ذهني، فتخليت عن الفكرة وظللت أتمشى في الممر ذاته جيئة وذهابا في انتظار عودة الشرطي الذي ظهر أخيرا وهو يتلفت يمنة ويسرى، بادي القلق، لكنه ما كاد يراني واقفا في مكاني حتى استعاد أنفاسه وفرح وجاء يبشرني:
-   تأجلت المحاكمة، المجلس العرفي رجع الى بغداد.
سألت:
-  وماذا أفعل في البصرة؟
-  لا شيء، ستعود معنا الليلة الى بغداد.
بعد ساعة او ساعتين وأنا أمد يدي أبحث عن شيء ما داخل سترتي عثرت على نصف دينار لم يكن لي. فعرفت أن الفتاة دسته في جيبي خلسة خلال رحلتنا الليلية الطويلة بالقطار، رغم انها كانت تعرف أننا لن نلتقي بعد ذلك أبدا
لا أتذكر كيف أمضيت بقية ذلك النهار في البصرة. لا بد أنهم احتجزوني في موقف ما، ومع ذلك لا أتذكر أنني كنت في أي زنزانة في البصرة. كل ما أتذكره الآن هو انني كنت مرة أخرى في القطار العائد الى بغداد مع نفس الشرطيين بصحبة عجوز ريفي مجنون لا يكاد يكف عن ترداد عبارة أثيرة الى نفسه وهي "شنو هالطركاعة!"، متصورا أن ثمة بئرا أمامه وأنه سوف يسقط فيها "ها .. ها ... شنو هالطركاعة!" ثم يأخذ بالبكاء والتوسل والصراخ.
هذا المجنون الريفي مكث بضعة أيام في موقف السراي قبل نقله الى مستشفى الشماعية، نائما خارج الغرف في الفناء، إذ ما كان أحد يريده أن يكون معه، بل أن بعض الموقوفين العاديين راح يسخر منه ويتخذ منه وسيلة للتسلية "ها .. ها .. دير بالك، باوع زين قدامك!" فيصرخ مهتاجا "ها ها شنو هالطركاعة!" قبل أن يسقط في البئر.
كان عدد الذين لا يملكون مكانا في غرف الموقف ويعيشون في العراء لا يقل عن عشرة أشخاص. كان السياسيون يوفرون مكانا لرفاقهم في زنزانتهم مهما ضاق بهم المكان، لكن الأمر كان يختلف مع الموقوفين العاديين الذين كانوا يطبقون قانون الغاب في ما بينهم، بتواطؤ كامل مع الشرطة المرتشين. فقد كان القتلة وتجار الحشيش والقوادين الأقوياء يتصرفون كسادة يهابهم الآخرون، لهم غلمانهم الذين يخدمونهم كجوار لهم. أما الضعفاء والذين لا يملكون مالا يدفعونه كجزية لهم فكانوا يضربون ويطردون خارجا. لكنهم كانوا يتجنبون كقاعدة أي تماس مع السياسيين او تدخل في شؤونهم، وكان السياسيون يتعاملون بمثل ذلك أيضا معهم. ومما جرح ضميري الى الأبد ما شهدته ذات مرة حين هبط المطر مدرارا فجأة فهرع بعض الذين يعيشون في العراء الى المرحاض الوحيد ليحتموا بسقفه واقفين، ولكن حين زاحمهم آخرون على المكان جرت بينهم معركة سالت فيها الدماء، مختلطة بزخات المطر. ذلك المنظر الذي لا أنساه ما دمت حيا جعلني أفكر في البؤس البشري في مواجهة كل الدعاوى الكاذبة عن التقدم الذي يفترض أننا قد حققناه في عصرنا.
  بقيت أياما أخرى أنتظر أن يرأف المجلس العسكري بي ويحاكمني، لكنهم بدل أن يقتادوني اليه مثل كل المرات السابقة جاؤوا وقالوا لي:
-  لا محاكمة، ستعود الى سجنك في الحلة.
لم أعرف ما حدث: هل ألغيت القضية أم تأجلت؟ لم يقل لي أحد ذلك. لقد حالفني الحظ قليلا هذه المرة، فلو لم ينشغل المجلس بآخرين غيري لما خرجت بحفنة من سنين أخرى يضيفها الى سجني، حيث يكفي حضورك وحده أمامهم، مهما كانت تهمتك متهافتة، أن يصدروا عليك ما يحلو لهم من حكم، بدون حسيب او رقيب طبعا.

***   

فرحت جدا بالعودة الى قاعدتي التي كنت قد تركتها ورائي، فقد كان سجن الحلة أفضل مكان يمكن أن أقضي فيه أيامي العاطلة، فقد كانت إدارة السجن غير آبهة بالسياسة وتقلباتها وما كان يعنيها من أمر السجناء السياسيين شيء سوى سير الأمور بلا مشاكل. والأكثر من ذلك أنها كانت قابلة للرشوة، فقد حدث أثناء وجودي في السجن أن أطلق سراح بعضهم، ومن بينهم طبيب كان محكوما بالسجن عشر سنوات، لقاء مبلغ 600 دينار إتفق عليه أهله مع مسؤولي السجن والأمن. ورغم السرية المحيطة بالموضوع عرفت كيف يفعلون ذلك: كانوا يغيرون فقط تاريخ إطلاق السراح فقط، فبدل أن يتم ذلك بعد سنوات يكون التاريخ بعد شهر مثلا، مثلما يزودون الشخص بجواز سفر يتيح له المغادرة. وبالفعل فان ذلك الطبيب الشاب الذي قصد أميركا حال خروجه أفلت من المصيدة بهذه الطريقة. وبصورة عامة كانت إدارة السجن متساهلة مع السجناء السياسيين وتغض النظر عن كل ما تعتبره ممنوعا مثل الحصول على أجهزة راديو. حتى أن أصدقاء لي كانوا قد حصلوا ذات مرة على قنينة عرق ودعوني الى مشاركتهم الشرب في زاويتهم خلسة، ليتجنبوا إنتقاد زملائهم المتشددين لهم. ولكن سلوك إدارة السجن مع السجناء العاديين الذين كانوا يحتلون جناحا خاصا بهم ولا يكادون يختلطون بنا كان مختلفا تماما، فقد شاهدت أكثر من مرة سجناء توضع أرجلهم في الفلقة وسط الساحة ويضربون بالعصي.
كانت أبواب الزنزانات تظل مفتوحة ليل نهار، مع ساحة واسعة لا تكاد تتوقف الحركة فيها، حيث تجد العشرات من السجناء يسيرون جيئة وذهابا بين جدار وجدار او يجلسون في الزوايا يحوكون النمنم، صانعين منه محافظ وعقودا وأقراطا ملونة ليقدموها هدايا لأحبائهم في مواعيد الزيارات. ولسمعتي بينهم كشاعر وكاتب لم يكن مسؤولو السجن يكلفونني بالقيام بأي عمل، بل يتركونني أنام حتى الظهيرة، بعد أن أكون قد أمضيت معظم الليل في القراءة والكتابة. والأكثر من ذلك هو انني كنت أملك ما يكفي من الكتب باللغتين العربية والانكليزية وما يكفي من الورق لأواصل كتابة قصائدي ومذكراتي التي لم أكن أعدم وسيلة لتهريبها الى الخارج أيضا. وقد أفلحت بالفعل في العام 1964 في تهريب قصيدتين طويلتين لي وهما  "إنني اؤمن بالريح" و"قضية هاملت" الى مجلة "الآداب" اللبنانية فنشرتهما في عددين من أعدادها. لم أبلغ الدكتور سهيل ادريس، رئيس تحرير المجلة، في المظروف الذي أرسل اليه عن طريق البريد العادي في بغداد بوجودي في السجن، فقد كنت أعرف أن ثمة رقابة على الرسائل المرسلة الى خارج العراق. فإذا ما اكتشف الرقيب العسكري الحقيقة فانه لن يصادر القصيدة وحدها فحسب، وانما قد تكون سببا في توجيه تهمة جديدة الي وهي مواصلة نشاطي السياسي من داخل السجن ومحاولة تشويه سمعة الحكومة التي كانت تدعي ليل نهار أنها جاءت لتزيل الظلم الذي لحق بالناس على يد من سبقها. وفيما بعد، في العام 1970 أثناء زيارة لي الى بيروت أبلغني الشاعر العراقي بلند الحيدري الذي عمل فترة مع سهيل إدريس كمحرر للشعر في المجلة أنهم كانوا يعرفون بحقيقة وجودي في السجن، بل انهم اعتبروا نشر قصائدي محاولة للضغط على الحكومة العراقية لإطلاق سراحي. فقد كان بلند الحيدري نفسه قبل عام من ذلك موقوفا معي في "معتقل خلف السدة" في بغداد، مع أدباء وفنانين معروفين آخرين مثل علي الشوك ويوسف العاني. ثم حين أطلق سراح بلند الحيدري، بوساطة من الملا مصطفى البرزاني كما كان يقول، ترك بغداد وسافر الى بيروت التي أقام فيها. كنت أعرف بلند الحيدري من اتحاد الأدباء وكان قد كتب عني بحماسة قبل ذلك. لذلك أطلعته أثناء وجودنا في معتقل خلف السدة على بعض القصائد التي كنت قد كتبتها سرا على ورق السيجاير وأخفيتها في طوايا بطانيتي وهربتها من معتقل الى آخر، فاستغرب أن أكون قادرا على الكتابة وسط مثل ذاك الدمار.
كانت تصلني كتب بالانكليزية أيضا، من بينها كما أتذكر رواية أرثر كويستلر "ظلام في الظهيرة" ورواية د.ج. لورنس "عشيق الليدي تشاترلي" ورواية سومرست موم "القمر وستة بنسات" ورواية جورج اورويل "حقل الحيوان"، فضلا عن الكتب العربية التي كانت تصلنا أحدث إصداراتها من بيروت والقاهرة. وفي ظل ذاك الوقت الوافر كتبت مئات الصفحات عن ذكريات السجن والكثير من القصائد والقصص القصيرة التي فرطت بها بسذاجة عندما تركتها ورائي في السجن عند اطلاق سراحي، حفاظا عليها من احتمال تفتيشي ومصادرتها، لأعود وأسترجعها فيما بعد أثناء إحدى المواجهات. لكنها كما يبدو كانت قد وصلت الى بعض المسؤولين السياسيين الجامدين فكريا فوجدوها ضارة وقرروا هم أنفسهم مصادرتها، حيث ادعوا كذبا حين رحت لأستعيدها أن أحدا ما قد أطلق سراحه وأخذها معه. فكان ذلك صدمة لي ما زالت تؤرقني حتى الآن. فقد حرموني مما لا يمكن تعويضه أبدا، مؤكدين لي الحقيقة التي كنت قد اكتشفتها قبل ذلك في زمن سجني وهي أن الضحية نفسها غالبا ما تتوق الى تقليد جلادها
في ذلك الخريف من العام 1964 كان ثمة ما بدأ يتغير في المزاج السياسي العام، فقد كانت الدولة نفسها ممزقة بين أكثر من اتجاه: عسكريون تتحكم بهم روح الإنتقام القديمة في مواجهة أجنحة قومية انتقلت، ربما بتأثير من اتجاه جمال عبدالناصر الإشتراكي والحملة العالمية ضد القمع والإرهاب في العراق والتحولات الآيديولوجية داخل الحركة الشيوعية العالمية نفسها الى مواقع فكرية وسياسية أقل تشنجا وأكثر وعيا وتفتحا على اليسار. وبدأت السلطة تحاول باستحياء تخفيف الضغط الموجه ضدها بإطلاق سراح بعض من ألوف الذين كان الحرس القومي قد اعتقلهم وسامهم سوء العذاب. أتذكر أن طاهر يحيى، رئيس الوزراء، نفسه زارنا ذات مرة في السجن، ملقيا نظرة متفحصة على المكان، بدون أن ينبري أحد منا للتحدث اليه، مثلما لم يفه هو الآخر بكلمة واحدة. وخرج مثلما جاء وكأن شيئا لم يحدث. بعد أيام من ذلك وصلت لجنة شكلتها وزارة الدفاع من عسكريين وقضاة، معلنة عن رغبتها في إعادة النظر في الأحكام الصادرة من المجالس العرفية العسكرية. حققت اللجنة مع من طلب منهم ذلك ولم أكن أحدهم، فقد كنت فاقدا الثقة بأي عمل تقوم به الدولة، بل وكنت أخشى أن يؤدي حضوري أمام اللجنة الى ما هو أسوأ حتى من الحكم الصادر علي. كنت في الحقيقة قد بلغت الضفة الأخرى من اليأس وغاضبا على البشرية كلها، حتى انني قبضت على نفسي متلبسا بأفكار جنونية حول خوفي حتى من احتمال اطلاق سراحي ورحت أفكر مع نفسي، كيف يمكن لي أن أعيش في الخارج، أنا العاطل عن العمل والمفصول من الدراسة؟ لا يمكن لي أن أعود خائبا الى أهلي في كركوك، وماذا سأفعل هناك؟ في السجن كنت أملك على الأقل مكانا أنام فيه، ولكن أين أذهب إذا ما وجدت نفسي في بغداد ثانية؟
ثم حدث ما لم أكن أتوقعه أبدا، إذ صدر بيان رسمي نشر في الصحف بإعلان العفو عني وإطلاق سراحي، ففوجئت به وكأنني أخرج الى العالم لأول مرة في حياتي. أمام بوابة السجن وقبل أن أصعد في سيارة الشرطة التي سوف تنقلني الى مديرية الأمن العامة في بغداد لإطلاق سراحي وجدت أحدا ما جاء بسيارته وظل يتنظرني حتى خروجي. كان ذلك صديقا قديما لي من كركوك لم أره منذ سنين، قرأ خبر إطلاق سراحي في الجريدة فجاء ليصطحبني معه. مفاجأة وفاء لم أتوقعها حتى في أحلامي. وقد تبعنا بسيارته حتى بغداد وظل ينتظرني ساعات أمام مديرية الأمن حتى خروجي الى الشارع، فاقتادني الى بيته الذي مكثت فيه أياما قبل أن أدبر أموري.
ولكن هل نجوت أخيرا حقا من الفخ الذي وجدته في طريقي؟ ما زال في القصة بقية تستحق أن تروى.

*** 

بعد شهر او شهرين من ذلك عثرت على عمل صغير في مجلة جديدة اسمها "القنديل" كنت أحرر معظم موادها، أتاح لي أن أدفع ايجار غرفتي وأعيل نفسي. وبعد ذلك بقليل عينت محررا ومترجما براتب جيد في أهم جريدة يومية كانت تصدر في العراق حينذاك وهي جريدة "المنار"، فضلا عن تحريري الصفحات الثقافية في جريدة "الثورة العربية".  وفي الوقت ذاته أكملت دراستي الجامعية بعد إلغاء فصلي. كانت مقالاتي السياسية والأدبية وترجماتي وقصائدي تنشر بصورة يومية في الصحف والمجلات. في خلال عامين من ذلك تكرس إسمي في بغداد كصحافي وكاتب معروف، إذ غالبا ما كنت أدعى لإجراء مقابلات معي في التلفزيون والإذاعة او حتى لحضور الحفلات الرسمية حتى انني تلقيت ذات مرة دعوة من رئيس الجمهورية نفسه، بدون أن تطاوعني نفسي لتلبيتها. كما توطدت علاقاتي وصلاتي وصداقاتي مع أناس متنفذين في المجتمع والدولة من مختلف الإتجاهات: رؤساء تحرير ووزراء ورجال دولة وقادة سياسيون وفنانون ومثقفون. لقد استمر ذلك حتى حرب حزيران 1967 التي أدت الى زخم ثوري منقطع النظير ورفض لكل السياسات القائمة على القمع والدكتاتورية. وسط ذلك الغليان الثوري حدثت المفاجأة ثانية: تلقيت بلاغا من المجلس العرفي العسكري، نشر في الصحف، بتقديمي الى المحاكمة.
ولكن أي محاكمة؟ في البداية اعتقدت أن الأمر يتعلق ببيان كنت قد وقعته مع أكثر من عشرين شخصية بارزة في المجتمع، طالبنا فيه بالديمقراطية وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين وإعادة المنفيين. ولكن لا، إذ لم يعتقلنا او يحقق معنا أحد حول ذاك الأمر. صار كل وضعي مهددا مرة أخرى، ولكن هل يمكنهم النيل مني هذه المرة أيضا؟
ما كاد أصدقائي الكثيرون يطلعون على الخبر حتى اتصلوا بي لطمأنتي "لا تهتم بالأمر مهما كان شأنه!" وبالفعل اتصلوا بمحام يعرفون بعلاقاته الوثيقة مع أجهزة الدولة فتطوع مجانا ليس فقط للدفاع عني وانما لجلب كل المعلومات المتعلقة بالموضوع: إنها نفس القضية القديمة التي أخذوني بسببها الى البصرة ذات يوم والتي تأجلت المرة بعد الأخرى. لقد وجد المجلس العرفي العسكري كما يبدو الوقت أخيرا بعد حرب حزيران ليحاكمني على قضية هزلية من عهد عبدالكريم قاسم. ولكي يطمئن بالي أخذني صديق آخر قبل أيام من المحاكمة لمقابلة المدعي العام الذي كان من عائلة القشطيني كما أتذكر، فشربنا الشاي معه. واتصل آخرون برئيس المحكمة، مثلما أُبلغ الشاهدان وهما من الأمن بعدم الشهادة ضدي.
وهكذا بدأت المحاكمة بمرافعة كاد يطلب فيها المدعي العام بتقليدي وساما على المستوى الرفيع لثقافتي وقصائدي. ولكن حين حضر الشاهد الأول، وهو معاون أمن كان يكرهني، سبق له أن شارك بتعذيبي في الأزمنة الماضية، بدا محرجا ومترددا في التراجع عن شهادته المدونة ضدي حيث قال إن قسمه بالقرآن يفرض عليه أن يقول الحقيقة وهي أنني كنت الأكثر ثورية وألقي الخطب وأحرض الطلبة ضد السلطات.
فرد عليه رئيس المحكمة:
-  وماذا في ذلك؟ كلنا ثوريون.
-  ولكنه كان يتبنى الأفكار الهدامة. الجميع يتحدثون عنه، كتاباته التي صادرناها تظهر ذلك.
-  أنت لا تصلح أن تكون حكما في مثل هذا الأمر المتعلق بالأدب والثقافة.
أما الشاهد الثاني فكان شرطي الأمن جمال سري الذي كان قد دلهم هو نفسه ذات مرة على القصائد التي عثروا عليها تحت بطانيتي وكان الأكثر ملاحقة لي. قال جمال وهو يضع يده على القرآن:
-  كل ما يقال عن المتهم باطل. إنه إنسان من أطيب الناس ولم يصدر منه أي عمل سوء.
-  ولكنك قد شهدت ضده فيما مضى.
-  كنا متوهمين يا سيدي، نعتمد على الإشاعات.
وقدم المحامي هو الآخر دفاعا مجيدا عني أشار فيه الى المركز الذي احتله في الحياة الثقافية العراقية وتهافت التهمة الموجهة الي.
لم يكن صعبا بالطبع بعد ذلك معرفة الحكم الذي سوف تصدره المحكمة علي لتنهي به هذه القضية التي ظلت عالقة تطل برأسها بين الحين والآخر طوال كل تلك السنين
في طريق العودة من المحكمة صعد جمال سري في السيارة التي أقلتني الى المدينة وجلس جنبي، شاكيا لي كيف انه خسر حياته بالعمل مع أناس يشبهون الذئاب في ضراوتهم وكيف انهم رموا به في النهاية مثل كلب في الشارع.
حين وصلنا وغادرنا السيارة لحق بي طالبا مني بحياء أن أكافأه على شهادته في الدفاع عني بقنينة من العرق فاشتريت له بضع قنان، مثلما وضعت في جيبه دينارا او دينارين، مازحا معه:
-  أرأيت يا جمال، كيف أن الأخيار ينتصرون على الأشرار في النهاية؟
رد وهو يكاد يبكي، مودعا:
-  الحياة غريبة، سأشرب الليلة في صحتك.
ثم مضى، غائبا في الزحام.


كاتب وشاعر عراقي مقيم في برلين

مقطع من كتاب جديد
بعنوان "الشاعر في السجن"

هذا النص منشور العدد الرابع من مجلة كيكا للأدب العالمي، وقد نشر بالانكليزية في مجلة "بانيبال" العدد رقم 50، تموز (يوليو) 2014.  وننشره هنا بالاتفاق مع المؤلف.