بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 يوليو، 2016

أدب خارج شروط اللغة-*د. آمنة بلعلي


أدب خارج شروط اللغة

*د. آمنة بلعلي
مع تسارع أثر الوسائط التفاعلية التي أسفرت عنها وسائل الإعلام والاتّصال الجديدة، خاصّة الإنترنت، ظهر تصوُّر جديد يسمّى التصوُّر الرقمي أو الإلكتروني، الذي يجعل من النصّ مجموعة من الشذرات التي تربط بينها محدّدات رقمية هي ما عرف بـ«الروابط»، وذلك من أجل خلق تفاعل بين النصّ والوسائط وتسهيل التنقُّل بين ثنايا النص، وتوجيه القارئ للتفاعل مع النص بواسطتها، وكان ذلك بتأثير من تحوُّلات الكتابة الرقمية عند الغرب، منذ بداية ستينيات القرن الماضي، والتي تحقَّقت، بصورة واضحة، في تسعينيات القرن الماضي. فاقترحت مفاهيم ومصطلحات جديدة تجاوزت المصطلحات التي روّجت لها الدراسات النصّية مثل النصّ، والتناصّ، والبنية، إلى مصطلحات مركّبة تجمع بين النصّ والوسيط، كالنصّ المتفرّع HYPERTEXTE، وقد تُرجِم بـ«المفرَّع، والمتشعّب والمترابط، والشبكي»، ثم شاعت صيغ أخرى تعبِّر عن علاقة الأدب بالوسيط الإلكتروني كالأدب الإلكتروني والأدب التفاعلي والأدب الرقمي وغيرها. وقد سعى سعيد يقطين إلى شرح مفهوم النصّ المترابط الذي خلق إمكانيات متعدِّدة للقراءة التي يتفاعل القارئ فيها مع النصّ بفضل الروابط، ويعدّه نمطاً جديداً قائماً على الانفتاح(1). ونشهد، اليوم، مع الكَمّ القليل الذي كُتِب حول هذا النمط الجديد ومع التفاعل المحدود من الأدباء معه، مجموعة كبيرة من المصطلحات التي يُرَوَّج لها في الثقافة النقدية العربية، والتي توثِّق العلاقة مع التقنية أكثر من الأدب، من قبيل: الأدب الافتراضي، والأدب الإلكتروني والرقمي، والأدب التوليفي، والأدب التوليدي، والأدب الفرجوي، وغير ذلك.

إن هذا النمط الجديد من الأدب يفرض شروطاً خارج شروط اللغة التي تُعَدّ المكوِّن الأساس للأدب، وعوض التّعامل مع اللغة أصبح التعامل مع الوسيط الإلكتروني، وعوض امتلاك القدرة على التشكيل غير المألوف للغة وعقد علاقات غير طبيعية بين الكلمات لإنشاء صور، وإحداث إيقاع أصبح هناك شرط امتلاك القدرة على الإلمام ببرامج معيّنة ومهارة الإبحار في الشبكة، أو الاستعانة بمن يملك هذه المهارة من مهندسي الإعلام الآلي، وقد عُبِّر عن هذه الحالة بـ«التفاعل» الذي وُصِف به هذا النوع من الأدب، كما أصبح صفة لقارئ هذا الأدب.

والذي يهمّنا هنا هو: هل جاءت العلاقة بالرقمية بنمط جديد في الكتابة، فخلقت بلاغة جديدة نستطيع من خلالها أن نتحدّث عن جنس أدبي جديد؟

لقد طُرِح هذا السؤال في النقد الغربي في البدايات الأولى من هذا التلاقي، وعلى الرغم من أنهم كانوا يبشّرون ببلاغة جديدة،إلا أننا نجدهم لم يتمكّنوا من تبيّن هذه الجِدّة إلا فيما تتميّز به الكتابة من روابط وطريقة بنائها، وتصبح القضية- ببساطة- حديثاً عن تفاعل وعلاقات بين روابط، مقابل تفاعل بين عناصر النصّ الواحد أو النصوص الأخرى، مثلما دعت إليه البنيوية والتناصّية، لكننا نجدهم، فيما بعد، ومع نهاية الثمانينات يضعون القيمة الجمالية والتخييل محلّ اهتماماتهم في معاينة تطوّر العلاقة بين الأدب والوسائط الرقمية.

ولقد تلقّى النقّاد العرب هذا التحوّل الغربي في علاقة الأدب مع التقنية تلقّيهم للفتح العظيم، فربطوا هذا الانخراط بالتحديث وبِرِهانات الثقافة وبالمستقبل؛ حيث ذهب سعيد يقطين، مثلاً، إلى المقارنة بين معرفة التقنية الحديثة، ومعرفة بَرّاية القلم عند العرب القدامى بوصفها وسيلة تقنية من أجل كتابة جيدة، ومن ثمة، فالكاتب المعاصر ليس بمقدوره مساير التطوُّر التكنولوجي وكتابة نصّ جيّد إلا بتعلُّم التقنية لأن «عدم معرفة وظائف الحزمة المكتبية، وكيفية صناعة الروابط من خلالها، أو من خلال غيرها من البرمجيات الخاصة، أو كيفية استخدام برنامج خاصّ بالكتابة الرقمية، لا يمكن أبداً أن يجعلنا قادرين، كتّاباً وقرّاء، على كتابة النص الرقمي وتلقّيه»(2)؛ وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على المتلقّي لكي لا يبقى مجرّد متلقٍّ تقليدي يبحث، فقط، عن المعلومة، وكان سعيد يقطين قد ربط مستقبل الثقافة العربية كلّها بالنصّ الرقمي، في كتابه الأول «النص المترابط والثقافة العربية». 

واضح من هذا الموقف أنه تَمّ ربط المعلوماتية والرقمنة بالتحديث، فبالرقمنة يتجدّد فكرنا، هذا في الوقت الذي يحذّر فيه الغرب، اليوم، من الدور الذي لعبته هذه التقنية في تشيئ الإنسان وجعله غير قادر على الإبداع الحقيقي؛ حيث عطّلت قدراته الذهنية والعضوية.

إن الوعي الإبداعي والوعي النقدي لا يمكن أن يكونا رقمَّيين، لأن التقنية تشكِّل جزءاً بسيطاً من الوعي، فسوء التدبير السياسي، والتزمُّت الديني، والتعصُّب للرأي ليسوا من آثار عدم الوعي بالتقنية، وإلا كيف نفسِّر العطاءات الإبداعية وبلوغ التفكير أرقى درجاته في مراحل معيَّنة من الحضارة الإسلامية!؟ وتبقى المناظرة الإسلامية أرقى ما يمكن أن يصل إليه التفاعل الإيجابي في التفكير الذي كان سمة أساسية من سمات الحضارة الإسلامية. 

لعلّ ما يمكن أن يلاحَظ في تلقّي هذا النوع من الأدب الذي لا يزال مجال إبداعه ضئيلاً، على الرغم من الكَمّ الهائل من الكتب التي أُلِّفت حوله، هو التعامل الرومانسي معه على حساب الأدب الورقي، ويتجلّى ذلك من خلال ربط التطور الفكري بمزيد من الاندماج في الافتراضية التي يفرضها الإبحار الإلكتروني، وجعله سؤالاً مهمّاً من أسئلة الثقافة العربية، وربط الحداثة في الأدب به، إلى حَدّ أن البعض لا يتورّع في وسمه بـ(جنس جديد)، أو حتى (مدرسة جديدة).

صحيح أن الأدب يساير علاقة المبدع والمتلقّي مع متطلّبات التطوّر الحضاري للمجتمع، ويعبّر عن تحوُّل هذه العلاقة، ولكن، هل عبّر الأدب الرقمي ذاته على حالة جديدة، ومنطق جديد في التفكير عند الغرب، أم أنه كان مجرَّد تجلٍّ من تجلّيات التطوّر الفكري للفرد الأوروبي؟ ثم، كيف نفسِّر اعتراض المفكّرين والنقّاد في الغرب أنفسهم، على إمكانية إعطاء هذا الدور للتكنولوجيا على حساب الفرد والإبداع؟ فنراهم يحذّرون من الأخطار التي أحدثتها التكنولوجيات الجديدة في الفرد والمجتمع، وخاصّة أن هذا النوع من الممارسة الإبداعية لم تحقّق ما به يشكّل ظاهرة طاغية، فمازال الغرب ينتج الكتب الورقية، وما زالوا يقروّن بأهمّية الكتاب الورقي، الذي أصبح ضرورة في الوقت الراهن. 

يبدو أن سؤال التقنية في الأدب أصبح سؤالاً مركزياً في الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، غير أن هناك من يستبصر رؤية مستقبلية أخرى، تطرح سؤال التقنية على المحكّ، جنباً إلى جنب مع سؤال الإبداع والإضافة والمشاركة في الفعل الثقافي العالمي والحقّ في الاختلاف، مثلما ذهب إليه المفكِّر طه عبد الرحمن، وفي الاتّجاه نفسه نجد محمد أسليم يرى أن مفهوم الإبداع الرقمي بالطريقة التي فُهِم بها سيؤدّي بالأدب إلى الانقراض، ليفسح المجال لشكل من اللعب التفاعلي بين الإنسان والآلة، تزول فيه الحدود بين الإبداع والتلقّي، أو الكتابة والقراءة، بل سيختفي هذان النشاطان مفهوماً واصطلاحاً، وتنشأ منظومة من المفاهيم والمصطلحات التي تعبّر عن تجربة أخرى يفنى فيها مفهوما الكتابة والقراءة(3)، وسواء أعَبَّر هذا الرأي عن نظرة تفاؤلية أم عبَّر عن نظرة تشاؤمية، فإن ما أشار إليه محمد أسليم، ينبّهنا إلى عدم قدرتنا على امتلاك رؤية لما سوف يكون عليه الأدب الرقمي، وأننا لن نشهد سوى انقراضه، ونتلمّس أبعاد هذه النظرة عند الذين نظَّروا وللأدب الرقمي ومارسوه. 

ساد الاعتقاد بأن حداثة هذا الأدب ترتبط بالموضوع الرقمي، وهم يعيدون مفهوم الأدب إلى الثنائية التقليدية التي كانت تنتصر إلى المضمون، وتجعل منه معياراً للتحديث، مثلما جاء في ما اصْطََلح عليه محمد سناجلة بـ«الرواية الرقمية الواقعية»، حيث يسحب مفهوم الواقعية إلى العالم الافتراضي الرقمي، وتصبح الرواية نوعاً جديداً؛ لأن مضمونها حديث على الواقع الافتراضي، كما يصبح معيار الجِدّة في الرواية الرقمية، هو التأكيد على «أن الرقمية والعوالم الافتراضية هي بصدد الحلول- حرفياً- محلّ الواقع بكافّة قطاعاته وأنشطته بما يقتضي التعامل معها بوصفها واقعاً، أي أمراً ملموساً وموجوداً، يمكن أن يجلب الفرح للمرء ويسعده ويكافئه، مثلما يمكن أن يجلب له الشقاء والبؤس»(4). وسواء أقَصَد محمد سناجلة التنظير أم لم يقصده، فإن ما يثيره هذا التعريف هو ربط هذا الشكل الجديد بموضوع العالم الافتراضي، فيما يذهب البعض إلى ربطه بالوسيط الإلكتروني بوصفه حاملاً، ونجده عند الذين تستهويهم فكرة التفاعل ربطه بدور الروابط في إحداث التفاعل بين القارئ والنصّ الرقمي، مثلما تذهب إلى ذلك فاطمة البريكي في كتابها «الأدب التفاعلي»، أو زهور كرام في «الأدب الرقمي». غير أن الأمر بالنسبة للشعر الرقمي مختلف عند الشاعر مشتاق معن، الذي يبدو أنه لم يستسغ اصطلاح الواقعية الرقمية، فقال بـ«المجازية الرقمية»(5)، وكأنه يؤكِّد على أن موضوع الشعر الرقمي ليس هو الواقع الافتراضي، ولذلك نلاحظ أن قصيدته الرقمية لا تكاد تختلف، في نصّها اللغوي، عن الشعر الحداثي الذي يكتبه بعض الشعراء الحداثيين الذين يوظِّفون التناصّ كاستراتيجية تجسّد رؤية مجازية للواقع العربي كما تجلَّت له في 2007.

إن مطالبة القارئ أن ينخرط في التفاعلية مع المبدع، تفرض عليه أن يصرف اهتمامه إلى التقنية على حساب النص، وإن المشاركة التي يتحدّثون عنها هي مشاركة شكلية وافتراضية لا غير، ما دامت مجرّد اختيارات للقارئ في تعديل البرمجة وتغيير مواقع النوافذ؛ أي إنه بإمكان القارئ الدخول إلى ملفّات البرمجة والعرض الموجودة في قاعدة بيانات النصّ، وإحداث ما يشاء من إعادة لتشكيل البرمجة بما يتواءم مع ذوقه، دون المساس بالمتن الرئيس للنصّ.(6)

ذلك هو هاجس سؤال التقنية الذي يثيره الحديث عن الأدب الرقمي في الثقافة العربية المعاصرة، سواء ما تعلَّق بالرواية الرقمية، أو ما ارتبط، خاصةً، بالشعر الرقمي، بالإضافة إلى ما ينبغي أن يكون عليه دور هذه التقنية في تحديث القصيدة العربية، وهل تكتسب القصيدة بهذه التقنية بلاغة جديدة؟ وما علاقتها بالتقاليد البلاغية لتحوّلات الشعر العربي، ودور هذا الشعر في عملية التواصل؟ وكيف تسهم في جعل النصّ الشعري يمتدّ إلى وعي القارئ العربي وإلى لاوعيه وإلى تاريخه الشعري الذي شكّل جزءاً كبيراً من مخيّلته، بخلاف الرواية التي هي جنس طارئ في الثقافة العربية؟ وهل يكشف هذا النوع من الشعر عن تغيُّر في مفهوم الشعر ووظيفته وأدواته، أم أن الأمر متعلِّق بحامل مادّي لا غير.



هوامش:

1 - يراجَع سعيد يقطين، «النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية (نحو كتابة عربية رقمية)» المركز العربي الثقافي، الدار البيضاء، ط1، المغرب 2008، ص 59 - 61.

2 - سعيد يقطين، «علينا اتخاذ الوعي الرقمي نقطة تحوُّل في فهمنا للثقافة والسياسة». حاوره: محمد صبح، المرجع السابق.

3 - محمد أسليم، «نظرية الرواية الواقعية الرقمية»، موقع محمد أسليم.

style="text-align: justify;">


style="text-align: justify;">


تونكي دراخت:ولدت لأروي قصص أطفال خرافية-فاتن صبح


تونكي دراخت:ولدت لأروي قصص أطفال خرافية

فاتن صبح

«الذاكرة هي المَعين الأول الذي يغرف من خيره الفنان. لا توجد ذكريات من دون ذاكرة، بغياب الذكريات نحن لا أحد، مجرد نكرة». هكذا تلخص كاتبة قصص الأطفال الهولندية تونكي دراخت تجربتها لصحيفة «غارديان» البريطانية من على حافة سريرها في مأوى لاهاي، حيث تلفها بطانية كطائر ضعيف.

تتنقل دراخت بين الهولندية والإنجليزية قبل أن تغدو مرهقة من الاهتمام الإعلامي بها، وتعتبر أنه يوجد دوماً مكان خلف الأبواب الموصدة، على المقلب الآخر، وطالما أن الباب موصد، فلن نتمكن من معرفة ماذا يوجد خلفه. أما عن المصدر الذي تستقي منه رواياتها فتشير إلى المقلب الآخر من الباب.

كُسرت اللعنة أخيراً، لتصل إبداعات تونكي دراخت القصصية الطفولية، بعد 52 عاماً إلى بريطانيا. وهو حدث غمرت فرحة حدوثه تغضنات وجه دراخت الذي تحمل تجاعيدها علامات سنّيها الأربعة والثمانين، فتبتسم برضا الناضج وفرح الطفل، وتقول: " أجل، أنا راضية، راضية بالفعل."

وأخيراً تم الأمر، وربما تسلك بقية القصص الطريق ذاتها، من يعلم؟ يسعني أن أحلم، أليس كذلك؟ ينبغي أن أبقي عقلي منشغلاً قليلاً علّي بذلك أنسى وهن جسدي. إنه دوماً أمر جيد أن يكون لديك ما تتطلع إليه».

تعترف تونكي دراخت بفضل تلامذتها «المتعِبين والثرثارين» على حد قولها، في إقدامها على سبر غور الكتابة في لاهاي خلال خمسينيات القرن الفائت، وتصف بداياتها بالقول، إنها اكتشفت أنها تملك المقدرة على جعل طلابها يصمتون لحظة تبدأ بالقص على مسامعهم رواية كانت تخترع أحداثها تاركةً لمخيلتهم رسم صورها وتلوينها. وتبتسم وهي تقول: «وكانت تلك بداية مسيرتي المهنية ككاتبة قصص أطفال».

وتتابع دراخت مسلسل ذكريات فترة التعليم : «بدأت ذات مرة أخبر الأولاد قصة صبي فتح الباب لدى سماعه طرقات خفيفة وطلب استغاثة موجوع. اخترعت اسم البطل وجعلت في يده رسالة يسلمها، بلا أن تكون لدي أدنى فكرة عن محتواها أو كيف سينتهي بها الأمر. كان ذلك في آخر يوم من الفصل الدراسي، وكان الطلاب يصغون بأفواه مفتوحة انشداهاً، ثم جاءت العطلة الصيفية، وبدأت أستفيض بتفاصيل رواية ولدت باسم (رسالة إلى الملك)».

محاولات وبدايات

انطلقت دراخت  في عالم الكتابة قبل ذلك بكثير، حيث تقول: « اكتشفت أنه بإمكاني كتابة القصص في معسكر الاعتقال، حيث كنت أكتب القصص لأصدقائي، القصص المليئة بالأبطال من السجناء الذين تمكنوا من الهرب. وكانت تلك المرة الأولى التي أخط فيها قصصاً خاصة بي. لم يكن من كتب هناك، فحاولت أيضاً الرسم في الرمال وعلى الجدران.. لم يكن هناك من أوراق».

قبعت دراخت وأختاها ووالدتهم في معسكر يضم عشرة آلاف شخص من النساء والأطفال، في حين كان الوالد معتقلاً كأسير حرب في معسكر آخر، وقد عثر عليهم بعد إحلال الهدنة مستعيناً بالصليب الأحمر. وتذكرت دراخت تلك الفترة قائلةً: « لم نكن نعرف خلال السنوات الثلاث الأولى من الحرب ما إذا كان والدي حياً أو ميتاً.

كان يتعين على جميع أصحاب البشرة البيضاء البقاء في المعتقل باعتبارهم العدو. وكان الوضع داخل المعتقل أكثر أماناً من الخارج، وعلى الرغم من أنه لم يكن يوجد ما يكفي من الطعام هناك، وكنت أشعر بالجوع الشديد، لكن الجوع كان منتشر أينما كان».

وتقول: لم تكن الفانتازيا تدخل في حساباتهم لأنها كانت تعتبر نوعاً من الكتب المجنونة الحافلة بالفرسان المعتوهين أصحاب الأسماء الغريبة».


لطالما كانت دراخت معجبةً كثيراً بالتقليد الإنجليزي لأدب الفانتازيا، إلى درجة أنها حين قرأت كتاب «سيد الخواتم» للمؤلف تولكيين لم تتمكن من الكتابة لمدة ستة أشهر كاملة، مخافة أن يتأثر أسلوبها بكتاباته. وقالت: « حاولت مرةً أن أكتب قصةً واقعية جداً.. فبدأت أروي حكاية صف مدرسي ينتقل طلابه في حافلة إلى مكان ما، ثم ما لبث هؤلاء مع انتهاء الفصل الثاني من الحكاية أن بدؤوا بالطيران، تلك هي الطريقة التي يعمل فيها دماغي! أن راوية قصص خرافية.» وأضافت بحزم واضح: « هكذا ولدت ولا أستطيع فعل شيء حيال ذلك».

تشعر دراخت، التي لا تزال تتلقى من الأولاد رسائل ممهورة باسم بطلي روايتها تيوري وبياك بالتواضع إزاء الجاذبية المستدامة لروايتها وتتساءل قائلة: «هذا جنون، فالرواية قديمة جداً في عدد من جوانبها، فهي لا تتقيد بزمان أو مكان، وتنتمي إلى عالم الفانتازيا العائدة للعصور الوسطى. إنها نوع من القصة البدائية البسيطة جداً».

«رسالة إلى الملك».. إحساس عميق في عالم خيالي

أدرك آدم فرويدنهايم، صاحب دار نشر بوشكين المتخصصة بقصص الأطفال المترجمة، أن بحوزته مقتنى ثميناً، حين «تسلل ابني ماكس إلى غرفة نومي وسرق الصفحات المئة والخمسين الأخيرة من رواية (رسالة إلى الملك) ليكملها بنفسه».

كيف لا، والرواية حصدت ثناء أبرز المرجعيات النقدية. فوصفتها كل من «تايمز» و«صنداي تايمز» البريطانيتين بـ«المبهرة الاستثنائية» و«رواية لا تمل من قلب أوراقها». في حين وصفتها صحيفة «مترو» البريطانية بأنها «ملحمة تدق لها القلوب وينتشي مدمنو الفانتازيا بقراءتها من الصفحة الأولى».

تطبع أعمال دراخت سمة الثنائية الطاغية، المتولدة أحياناً من المزج بين عوالم مختلفة، وتزاوج مشهديات قائمة على المقارنات، فيخيل للقارئ أنه أمام مرايا عاكسة للأحداث، تؤكد أن أكثر من شخص واحد يعيش في كل كائن بشري من شخصيات دراخت.

كثيراً ما تستعين دراخت بعناصر من الأساطير والخرافات، وترتكز رواياتها بشكل أساسي على بطل، أو بضعة أبطال ذكور غالباً ما يكونون في سن المراهقة، فيمضون في رحلات بحث شخصية، ويخوضون مغامرات استكشافية تعلل كينونتها عناصر تتجسد بوجود الرسالة مثلاً في رواية «رسالة إلى الملك»، وتودي بهم في نهاية المطاف إلى الغوص في أعماق شخصيتهم وأبعادها ومكنوناتها.

تتعمّد رواية «رسالة إلى الملك» بإحساس إيماني عميق على الرغم من أن ميدان أحداثها يتوزع بين ثلاث ممالك تنتمي إلى عالم الإقطاع الخيالي..

وتتسم مملكتان من الثلاث، بالجمال والمثالية والتنظيم، خلافاً للمملكة الثالثة، التي تهدد سلام وأمان الأخيرتين. أما بطل الرواية، فمراهق في السادسة عشرة من العمر يدعى تيوري، ويميل إلى التفكير بأن رحلته المنتظرة تتخذ طابع الحج، فينطلق في مغامرته الاستكشافية أعزل.. مفلساً، بملابس رثة وغياب حصان يمتطيه.

صور ومعبد

تعرض المشاهد الأولى من الرواية صورةً من قلب معبد يضج بالصلوات، ويحتم على تيوري الانتظار فيه صائماً بانتظار ترسيمه فارساً في صباح اليوم التالي. لكن ماذا عسى المراهق أن يفعل حين يدق رجل غامض الباب مستغيثاً به في «مسألة حياة أو موت»؟ يقبل تيوري متردداً مهمة تسليم رسالة إلى الفارس الأسود صاحب الدرع الأبيض. وبما أن مضمون الرسالة فائق الأهمية ولأن الشاب قادر على تنفيذ المهمة قبل بزوغ الفجر والعودة لشرح موقفه، فهو يقبل بالذهاب.

توليف وجماليات
تسير توليفة الرواية بجمالية تتنقل بين الفقرات المستمدة إلهامها من حكايات الخيال وميثولوجيا الملك آرثر. ويلاحق تيوري عدداً من الشائعات، ويتعرض للاعتقال أكثر من مرة. حتمية إخفاء الرسالة عن أي مخلوق أبرز ما يطبع مسعى تيوري ربما، وتلعب على الرواية على وتر دفع «الأحداث» للتفاعل مع مجريات عالم الراشدين، بما يجعل القارئ يتحرق لمعرفة أشياء بغاية الأهمية، فيما نموه الذاتي محدود بمحدودية إدراكه للأمور.

خطر وتعويذات
تزخر مغامرة تيوري في «رسالة إلى الملك» بملامح آسرة مبهجة وصادقة، وتستكمل في رواية أخرى لدراخت حملت عنوان «أسرار الغابة»، حيث تتوالى فصول رواية السير تيوري وصديقه بياك تنفيذاً لمهمة خطيرة أخرى، حيث كبر المراهق وأصبح رجلاً ووقع في الحب.

تحكي التتمة المنصوصة بقلم دراخت وروحها قصة البطل تيوري المنطلق مع رفيقه بياك إلى قلب أكثر الغابات رعباً، حيث يرافقه الخطر في كل خطوة..فيواجه أقسى الاختبارات بحثاً عن فارس مفقود في عالم مظلم. وتيوري المراهق مهيأ ليكون هاري بوتر المقبل، حيث العمل جار على تحويل القصة لعمل تلفزيوني ضخم نقلت روايته إلى الإنجليزية المترجمة لورا واتكينسون.

شذرات
ولدت تونكي دراخت عام 1930، في مستعمرة الهند الشرقية الهولندية، مدينة جاكارتا الإندونيسية. وهي الابنة البكر لموظف حكومي هولندي. اعتقلت دراخت عام 1942 لثلاث سنوات بمعسكر ياباني لأسرى الحرب. وعادت إلى هولندا نهائياً وهي في عمر الـ 18، حيث درست في الكلية الملكية للفنون، وأصبحت رسامة ومعلمة. اكتسبت شهرتها ككاتبة هولندية شابة عام 1962 مع صدور روايتها «رسالة إلى الملك». وفازت عنها بجائزة القلم الذهبي لأفضل كاتبة شابة للعام.
------
البيان


التاريخ : 2015/10/09 01:19:36

الأحد، 10 يوليو، 2016

جفاف وقصص قصيرة أخرى- عادل كامل

جفاف وقصص قصيرة أخرى




    [ عندما تصبح الفوضى قدرا ً، والظلم حد الجور عدالة، يكون قهر عوامل القهر جهدا ً ضائعا ً، وعندما تصبح اللا شرعية ممرا ً للاحتفالات، فان العمل على إغراق السفينة يكون واجبا ً، بل واجبا ً مقدسا ً! وعندما يصبح العفن مقياسا ً، فلا موقع للعطر، في الهواء، وعندما  يصبح الأعمى علامة للطريق، يكون واجبا ً أن تفقأ عيون المبصرين، وعندما يصبح الأحمق رمزا ً للنبوغ، والكرامات، فان أصحاب العقول السليمة، يستحقون الجلد، بل والسجن، وعندما يصبح الأعرج معلما ً للرقص، والأعور حارسا ً للمرمى، واللص أمينا لبيت المال، والفاسد علامة للنبل، والمأبون قدوة....، تكون الهزيمة وحدها نصرا ً مؤزرا ،ً وأبديا ً، وكل من لا يوافق، لا يرسل إلا إلى المكان الذي لا عودة منه: الجحيم!]


عادل كامل

[1] جفاف
   بعد سنوات طويلة من الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، وندرة المياه، انهمرت الأمطار غزيرة، حتى راحت السيول تجرف ما تصادفه، وهي تهدم البيوت، وتقتلع جذوع الأشجار وما تبقى من سيقانها، معها، في انحدارها نحو البحر.
   فضحك الحكيم، مع نفسه، وهو يردد:
ـ ثم سيحل الجفاف، مرة أخرى...!
فسأله جاره:
ـ ماذا تقصد؟
ـ ببساطة، اقصد: لماذا لم ننشأ، على مدى عقود، سدودا ً للحفاظ على هذه المياه...، أليس الماء هو سر وجودنا، وسر ديمومة الحياة؟
أجاب الآخر حالا ً:
ـ  وهل تريد أن تجفف مياه البحر، وتهلك كائناته الحية؟

 [2] مع الريح
    سألت البعوضة ذبابة كانت تجاورها في تأمل الاحتفال السنوي بالعام الجديد:
ـ متى ستستولين على السلطة، وتصبحين قدوة لنا؟
    ضحكت الذبابة:
ـ  وماذا  افعل بأكثر مما امتلك من نعيم، ومسرات، كي أصدع راسي بإدارة هذه المزبلة...؟
ـ آ ....، لكن لا احد يهتف بحياتك، ويدعوا لك بالأبدية، والخلود، والمجد...؟
ـ وما فائدة الهتاف الذي يأتي مع الريح، ولا يذهب إلا معها؟


[3] اختلاف
ـ أتعرف، أيها العزيز، ما الفارق بيني وبينك؟
رد الكبش:
ـ أنا أتخلف عنك بنسبة 99%..
ابتسم العامل المكلف بالمراقبة:
ـ إذا ً أنا أتقدم عليك بنسبة 1% فقط؟
   ضحك الكبش:
ـ  النسبة ثابتة، سيدي، فأنت مازلت تشبهنا، ونحن مازالتا نعمل كي لا ندع عقولنا تحث خطاها نحو عقولكم،  فإذا كنتم وضعتمونا داخل هذه الزرائب، والأسوار، والأقفاص، فانتم لستم طلقاء أبدا ً! لأننا، ببساطة، نراكم أسرى قوانين هذه الحديقة، ولا نرى الحديقة، إلا داخل قفص بلا جدران، وبلا حدود!
ـ ها أنت تفكر بنسبة 1% ...، أما أنا فلا أفكر إلا بنسبة 99%!
رد الكبش بعد لحظة صمت:
ـ  ولكن ماذا لو أجرينا جمعا ً للنسبتين؟
 ضحك العامل المكلف بالمراقبة:
ـ  لن تكون هناك حديقة!
ـ لا...!، لا يا سيدي،  بل ستتسع هذه الحديقة، ولكنها كلما اتسعت، لن تدعنا نرى إلا وقد أحكمت أسوارها علينا حد انك لا تعرف انك حيوان بنسبة 99%، ولا أنا اعرف أنني امتلك نسبة 1% من عقولكم الشريرة!


[4] شفافية
   بعد أن استمع إلى التقرير العلمي، عبر شاشة الحديقة، تمتم مع نفسه، وهو يفقد توازنه في العودة إلى مغارته:
ـ  أنا لا اعرف ما الجدوى من نشر الإحصائيات، والأرقام، والوثائق....؟
    رد الدب الذي سمعه يتكلم مع نفسه:
ـ  وما شأنك....، إن كان هناك 65 مليون نازح، مشرد، مهجر، وما ـ هو ـ شأنك إن كان  هناك 260 مليون أرملة في العالم ...، وما شأنك  أن 17 ألف طفل يموتون في كل يوم....، بينما لا تسأل لماذا وضعونا داخل هذه القضبان الحديدية، وهم ـ بلا حياء ـ يتحدثون عن الشفافية؟
حدق في عينيه مذعورا ً:
ـ وهناك أكثر من ملياري إنسان يعيشون تحت خط الفقر، مثل الدواب، والبهائم، والديدان...!
ـ أعرف ...، لكن ما شأني، وما ـ هو ـ شأنك، وقد قرروا  حمايتنا من الأعداء، ومنحونا ما يكفي من العلف..؟
   ابتعد، متمتما ً:
ـ  الآن عرفت كيف روضونا، وكيف رضخنا للأمر ...، حتى لم نعد نميز هل هذه الأقفاص وجدت لحمايتنا، أم كي يستمتعوا بمشاهدتنا، ونحن نرقص، فوق الحبال، مع القطط، ومع القردة، ومع الكلاب، داخل هذا السيرك؟



[5] سعادة
    سأل الكبش النعجة وهما يشاهدان الطائرات تقصف مدينة فترتفع أعمدة الدخان ..، ملونة، مثل قوس قزح:
ـ أتعرفين ما هو سر سعادتنا...؟
أجابت النعجة:
ـ اجل، اعرف!
ـ ما هو هذا السر..؟
ـ أنا امتلك قدرة تجاهل أن هناك 99% سببا ً للتعاسة، وإن هناك سببا ً واحدا ً للسعادة مازلت اجهله!
ـ يا حمارة، يا نعجتي الغالية، أنت سعيدة بنسبة 99%، والسبب الوحيد لشقائك انك سعيدة لأنك  لا تريدين معرفته!

[6] حرية
   اقترب الحمل من قفص الذئب وسأله:
ـ ما رأيك بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي؟
فكر قليلا ً، وأجاب الذئب:
ـ  مادمت لا استطيع مغادرة هذا القفص الذي حجزوني داخله...، فهل باستطاعتي أن اعرف كيف حصلت على حريتك،  التي لا تعنيني شيئا ً!


[7] محرمات
ـ اغرب ما في هذا الوجود...، إن الذين يتمتعون بالسعادة، هم أكثرهم إدراكا ً بتعاسات الآخرين!
ـ آ .....، لكن الأغرب من هذا، في هذا الوجود نفسه، أن التعساء، الأذلاء، والممحوين وحدهم يبذلون كل ما بوسعهم للحفاظ على نظام السعادة!
ـ اسكت ...، فأنت تكاد تتجاوز المحرمات، والخطوط الحمراء!
ـ وهل هناك محرمات، أو خطوطا ً حمراء، أبقوها لنا كي نفكر بالاقتراب منها، أو مسها، حتى لو بطيف كلمة؟!


[8] شكر
ـ ماذا تقول للرب، لو استدعاك، بعد الموت؟
ـ سأقول له: شكرا ً، أيها الرب، انك أهلكتني، قبل أن  انجح بمعرفة سر خطتك بخلقي!

[9] السبب
ـ أراك تغرد، أيها البلبل، والموت يزحف للقضاء علينا جميعا ً؟
ـ لم يبق لدي ّ إلا السبب الوحيد الذي اجهله، يجعلني أغرد، فان لم افعل، فقد اعرفه  فازداد طربا ً حد الموت!

[10] حكمة
ـ هل حقا ً تلتقط حكمتك من أفواه المجانين؟
ـ آ ....، كلا، بل انأ استمدها من هؤلاء  العقلاء الذين سلبوا عقولنا منا!

[11] حرية
ـ ماذا تفعل لو أطلقنا سراحك من هذا السجن؟
ـ لا تسخر مني، يا سعادة المحقق، وكأن الحرية توزع مجانا ً، أو تمنح من غير ثمن؟
ـ نعم، انك ستدفع حياتك ثمنا ً لها!
ـ سيدي، أنا لم أر في حياتي إلا القليل من الحرية...، وهذا القليل هو الذي قادني إلى هذا السجن، فدعني احلم بها، بدل أن ترسلني إلى العالم الذي لا عودة منهً.!


[12] علف
ـ لِم َ أعلنت الإضراب عن الطعام، وأنت تعرف إننا أعطيناكم علفا ً يكفي لسنوات؟
ـ أنا لم اضرب عن الطعام، لكن لم يعد لدي عمل اعمله سوى اجترار العلف...، فقلت: بدل أن أموت متخما ً،  لعل الجوع يسمح لعقلي بالعثور على درب للخروج من هذه المحنة!
ـ وهل نحن في محنة؟ وأنت ترى الجميع أكثر انشغالا ً بالحصول على حصص مضاعفة من العلف؟
ـ ألا ترى أن هذه الخطة، أيها الحمار، لا تدعنا نرى إلا الدرب نفسه...، وإن الخروج عليه، يتطلب خطة أخرى...؟
ـ وهل سنعثر عليها بعد الموت،  بعد أن تكون أضعتها وأنت على قيد الحياة؟
ـ سيدي، لا التخمة تسمح لي بالعثور على جواب، ولا الجوع يسمح لي بالذهاب ابعد منه! فلكل منهما باب يفضي على الآخر، ولكنهما لا يلتقيان أبدا ً!


[13] الجاني
   عاد الثعلب المكلف بالتحقيق، يعيد النظر في لغز اختفاء أشبال السبع، من الحديقة، ليجد إنها ـ الأسباب ـ لا تقود إلا إلى السبع نفسه، لكنه تراجع ونفي أن يكون السبع ظالما ً حتى ضد نفسه!
   اقتربت اللبوة من الثعلب وسألته:
ـ  أراك مترددا ً...؟
ـ سيدتي، وهل يسمح الخوف لعقلي أن يعمل؟
قالت اللبوة بمرح:
ـ ها أنا عدت من عرين السبع توا ً...
ـ مبروك! لأننا الآن بانتظار الحمل، والولادة...، فما الجدوى بالبحث عن قضية أصبحت من الماضي؟
   قالت اللبوة بحزن مكتوم:
ـ  وما أدراك إن الجريمة لن ترتكب، مرة ثانية؟
   حدق في عينيها مذعورا ً:
ـ  وأنا لن اضطر للقبول بالبحث عن الجاني!
فقالت اللبوة:
ـ ولكني، أيها المحقق، اعرفه!
اقترب منها، وهمس بصوت خفيض جدا ً:
ـ يبدو إن الخوف منحك شجاعة الاعتراف! ولكن من هو الجاني، بحق السماء، أيتها اللبوة...؟
ـ  وهل باستطاعتي أن أخبرك....، وأنت تعرفه، وقد خبأت الأمر علينا!


[14] خطة
ـ اخبرني...، بما تبقى لديك من ضمير...، هل تتطلب خطة المدير، مديرنا الأبدي،  في هذه الحديقة، أن يترك الطاعون يفتك بنا، بعد أن أهلكنا الخوف، وبعد أن مات صغارنا جوعا ً، وبعد أن هرب معظمنا، وبعد أن عم الفساد حد انك لم تعد ترى منفذا ً للخلاص، ولا جدوى من الشكوى، ولا فائدة من طلب الرحمة...؟
ـ أجل ...، فلو كنت، أيها المتشائم، أمينا على أداء الفرائض، والطاعة، لكنت أبعدت عنك هذه الأسئلة، وهذا الأسى..
ـ ولكني، سيدي، أديتها، كما لم يؤدها غيري، ولا المدير نفسه فعلها أيضا ً! ومع ذلك، ها أنت تراني أوشك على الموت جوعا ً، ومرضا ً، حتى لم اعد امتلك عقلي.
ـ آ ...، أيها الحزين، نعم، هناك خطة لدى مديرنا، مديرنا الأبدي، لكنها أعلى من أن تكون عالية...، وأنا غير مخول بالحديث عنها.
ـ وما ذنبي أنا..؟
ـ  ذنبك...، أيها الأحمق، انك خرجت من عفن هذه المستنقعات، وما عليك إلا أن ترتوي منها، من ثم، وأنت اعرف العارفين: إن من يولد في هذه المستنقعات لا يموت إلا فيها!
ـ حقا ً، إنها خطة بارعة، محكمة، درجة إنها لم تسمح لي إلا بتنفيذها، مع إنني كنت اعرف سبل الفرار منها!


[15] وباء
    بعد أن اكتسح الوباء الحديقة، ولم يترك إلا عددا ً قليلا ً من الناجين، شاهد احدهم جاره يفطس في الضحك، فسأله:
ـ  ما المضحك في الأمر، وقد عمت المصيبة علينا جميعا ً؟
ـ  أنا لا اضحك...، أنا ابكي!
ـ ولماذا تبكي...؟
ـ أنا لا ابكي ...، فانا لا اضحك!
ـ ما الذي يجعلك تتلعثم هكذا ولا تعرف ماذا تقول؟
ـ سيدي، لقد أدركت إن الحرية وحدها أكثر استحالة من الوهم!، والمصيبة التي أدركتها أن الوهم هو أيضا ً أكثر استحالة من الحرية!
ـ آ ...، ما الذي يدعوك للانشغال بهذه الأسئلة...، وأنت نجوت من الوباء؟
ـ صحيح، أنا نجوت...، ولكني لا اعرف ما المصير الذي ينتظر أولادي، وأحفادي؟
ـ وهل لديك أولاد نجوا من الوباء؟
ـ لا ...، ولكني أخشى أن أعاقب إن لم اعمل على إنجابهم!


[16] المحاكمة
   جرجرت بقسوة، وقادوها، عبر الممرات الخلفية، نحو المغارة. لم تظهر البقرة النحيلة، الضامرة، ألما ً، أو ذعرا ً، بل مكثت هادئة، ولا مبالية أيضا ً. حتى إنها عندما وضعت في القفص، هزت رأسها من غير سخرية. وعندما سألها الضبع ـ القاضي ـ  إذا ما كانت اختارت محاميا ً قالت إنها لم ترتكب ذنبا ً أو جريمة، أو إثما ً.
فسألها:
ـ  ألا يعد إضرابك، بحد ذاته، مخالفة بينة، يعاقب عليها القانون...؟
   فردت بصوت واثق:
ـ إنها ـ سيدي ـ حرية شخصية، والدستور ينص عليها.
فسألها الضبع:
ـ  هذا صحيح، ولكن، ألا يعد هذا تحريضا ً للأبقار، والنعاج، ولباقي إناث المزرعة،  للامتناع عن الحمل، بل ولكراهية الذكور...، والاستخفاف بإرادة الحياة؟!
ـ لا!
وأضافت بثقة وبلا تردد:
ـ فانا لم اجعل من اختياري قضية عامة، ولم اسمح لها بالانتشار، لأنها، في الأصل، قضية شخصية خالصة.
ـ حسنا ً، هل بالإمكان التعرف على هذه الأسباب الشخصية، أم إنها شخصية حقا ً...؟
ـ سيدي، وإن كنت لا أريد محاكاة حكمة الشاعر الذي قال: هذا ما جناه أبي علي ّ وأنا ما جنيت على احد...، إلا أنني وجدت نفسي اسلك حكمته، من غير أوامر قسرية، وبلا خوف...!
صمت لحظة وقال بصيغة سؤال::
ـ هذا يعني أن الحياة جريمة ...، وعلينا ألا نرتكبها؟
ـ لا!
ـ هذا يعني أن ديمومتها خطيئة...؟
ـ كلا!
ـ لِم َ إذا ً الإضراب عن الإنجاب، واختيار طريق الفناء.....؟
ـ قلت ـ سيدي ـ لا أريد أن أنجب عجولا ً للذبح، وهذا كل ما في الأمر! فلا داعي لإقحام الفلسفة، والحكمة، في هذه القضية.
ابتسم الضبع:
ـ ولكننا سنرسلك، اليوم أو غدا ً، إلى .....، المسلخ! ولا نرسلك من اجل لحمك، أو جلدك، أو عظامك، بل عبرة!
    هزت رأسها، ولم تجب. فسألها:
ـ  أنت راضية؟
ـ وهل لاعتراضي معنى...؟
   ساد الصمت للحظات، ثم سألها القاضي:
ـ  هل لديك أقوال أخرى...؟
ـ وهل كنت تكلمت؟ كلا، ليس لدي ّ ما أقول.
ـ إذا ً...، سنرسلك إلى الموت؟
ـ اعرف...، حتى اجهل جهلة هذه الحديقة يعرفون هذه البديهة...، فانا سأموت مثلما الجميع سيلقون المصير نفسه..، فما الجديد...، وما الغريب في المعضلة؟
ـ يبدو انك سعيدة، بل وأكاد أراك مسرورة أيضا ً؟
ـ  نعم، لكني لست حزينة، وليس لدي شعور بالأسف على ما يستحق أن آسف عليه! فانا سأموت بإرادتي....بل بحريتي، بدل أن أكون سببا ً بموت آخرين لا إرادة لهم في  اختيار الحياة، مثلما لا خلاص لهم في تجنب الموت!


[17] غزال
   استيقظ الدب فوجد نفسه تحول إلى غزال:
ـ غريب...، فانا كنت آمل أن أتحول إلى تمساح، أو نمر، أو حتى إلى ذئب؟
   لكن الغزال سأل شبح الدب الذي مازال يحّوم في الكهف:
ـ وهل أنا غير جدير بك؟
ـ لم اقصد هذا ـ يا وجودي الشفاف ـ بل قصدت أن الدفاع عنك غدا مستحيلا ً؟
ـ لم افهم قصدك...، أرجوك، أنا بحاجة إلى إيضاح؟
قال شبح الدب:
ـ  ومن ذا باستطاعته أن يدرك أن سر أكثر المخلوقات وضاعة وحده يقدر على إحراز أعظم الانتصارات!

[18] لغة
ـ  تكلم..، اشرح لي قضيتك؟
ـ سيدي، أخبرتك، لا تمتلك اللغة قدرة على معالجة القضية التي دعتكم إلى اعتقالي، وسجني.
هز المحقق رأسه:
ـ  ولهذا طلبت منك أن تستحدث البديل!
ـ وهل باستطاعتي أن اخترع لغة لقضية مازالت قابعة مقدماتها ترفرف في الأثير! ضمن خطة حكيمة تتموج كأطياف أحلام لم تخطر ببال مخلوق لم يتكون بعد!
ـ ها أنت تعترف بجريمتك؟
ـ اجل...، أنا اعترف بوجود أطياف، ورفيف، وخطة...، مثل الذي يعترف بوجود وجود يستحيل دحضه...، وقد بينت لسيادتكم، أن لغتنا وجدت لمعالجة قضايا  عبرها الزمن، وإنها غدت غير صالحة للاستخدام!
ـ ها أنت تؤكد بعدم صلاحيتنا أصلا ً...؟
ـ اجل...، فهل باستطاعة سكين عمياء أن تستأصل ورما ً لم يتم تحديد موقعه بعد؟ كذلك، سيدي، لغتنا لا تؤدي إلا ما تؤديه هذه السكين، تمد بعمر المريض، ولكن ليس إلى الأبد!

[19]   اختلاف
ـ ما الاختلاف بين كائن يذهب إلى الفردوس...، وآخر يذهب إلى الجحيم...؟
ـ ربما الاختلاف يكمن في أن الأول لن يضطر إلى ارتكاب آثام تقود خطاه إلى الجحيم...، أما الآخر فربما يكون تعلم كيف يتطهر من خطاياه كي يخرج من النار!
ـ وأنت ...، أين تود أن تذهب؟
   مبتسما ًأجاب:
ـ  وهل كنت حرا ً في المجيء إلى هذه الدنيا، كي اختار نهاية أعدت لي قبل أن أرى هذه الظلمات، وقبل أن أرى هذا القليل من الضوء الذي سمح لي لرؤيتها كم هي بلا حافات، وبلا حدود!

[20] قلت ولم اقل
ـ هل ترغب أن تذهب بعيدا ً عن هذا المستنقع، وتغادره إلى الأبد ...؟
ـ كلا!
ـ غريب...، أنا أفكر أن أمنحك حرية الهرب...، والخلاص، وأنت تعترض علي ّ؟
ـ أجل...، لأنني لو هربت، فانا سأحمل معي جرثومة الداء ذاته، الذي كافحنا ـ حد الموت ـ من اجل بقاءه مزدهرا ً، وهو لم يتعرض للوهن، للشيخوخة، ولا للهرم...، وأما أن أبقى، وأنا في البعيد، احلم بالعودة إلى مستنقعي!
ـ كأنك عدت تكرر: ما الضوء إلا حزمة ظلام شفاف! وما المكان، ليس سوى أزمنة متجمدة...! وكأنك تريد أن تقول: ما الحرية، في الأخير، إلا أصداء فوضى خلاقة؟!
ـ أنا لم اقل هذا أبدا ً! أنا أخبرتك باني ـ أينما وليت ـ فان الموت اعد إلي ّ، قبل ولادتي!
29/6/2016
Az4445363@gmail.com

فلسفة الضحك-*عبدالسلام ناس عبدالكريم



-

فلسفة الضحك

*عبدالسلام ناس عبدالكريم



الضحك والبكاء ثنائية فيزيولوجية المظهر تلخص حقلين شعوريين باطنيين لدى الإنسان هما السرور والحزن، وعليهما مناط تصنيف الكوميديا والتراجيديا على مستوى الاصطلاح الأدبي الموصول بتمييز المشاعر وحالات النزوع الإنساني. 
وقد تفاعلت الثقافة الإنسانية مع ثيمة الضّحك بحسب اختلاف أطياف النّظر وتنوّع السياقات المرجعية لهذه الثقافات، ومدى تأثيرها في إفراز معايير الخلق الفني وتوجيه الحماس الإبداعي. وفي نظري ليست ثمة ثقافة اهتمت بهذا الغرض ونقلته على مستوى الإبداع الأدبي شعرا ونثرا كالثقافة العربية، فاهتم بها الشعر من خلال تجربة شعراء النقائض في العصر الأموي تحت باب الهجاء، وطوّرها شعراء العصر العباسي والأندلسي بأشكال ومظاهر وأغراض مختلفة، بحسب التحولات الحضارية والثقافية. أمّا في النثر فبالإضافة إلى الجاحظ الذي كان مولعا بالسخرية في جلّ ما كتب، ولاسيما في كتاب «البخلاء» و»رسالة التربيع والتدوير»، فهناك كتاب آخرون اهتموا بهذا الموضوع وخصصوا له فصولا مهمة من كتبهم منهم الخطيب البغدادي صاحب «التطفيل»، والحصري القيرواني صاحب «الجواهر في الملح والنوادر»، وابن الجوزي صاحب «أخبار الظراف والمتماجنين»، من دون أن ننسى كتّاب المقامات. 
ومعلوم أن هذه النصوص حول فن السخرية والضحك قد جمعت بين المتعة التي وصفها كتاب الضحك الغربيون بأكسير السعادة كما سيتعين لاحقا، وبين الفائدة العلمية الموصولة بالسياق التاريخي والحضاري وبالواقع السياسي والمجتمعي. وليس قصدنا من هذا المبحث المزيد من استقراء مظاهر الإبداع الإنساني حول هذه الظاهرة، لأن المجال واسع ولا يكفيه هذا المقام. وإنّما غايتنا في الأمر هي ربطها بمبدأ المتعة في عمقه الفلسفي، ووضعها في السياق المعرفي الإنساني والعلمي كما تبلور من خلال أبحاث الفلاسفة والكتاب وعلماء عصر النهضة الأوروبية. يقول نيتشه في نهاية أطروحته «ما بعد الخير والشر»: «سأمضي للمجازفة بتصنيف الفلاسفة وفق رُتبهم في الضحك» أجل، فلقد كان لنيتشه نفور قوي من الفلاسفة الذين جنحوا، بحسب قوله إلى منح سمعة سيئة للضحك، فأعلن توماس هوبز مدانا بهذه الجنحة. وعلى الرغم من أنّ إدانة نيتشه تلك تنطوي على بعض المبالغة، بحيث ترتكز على اقتباس أسيئ تفسيره لما قاله هوبز عن الضحك في الفلسفة، إلاّ أنه كان مُحقّا بدون شك في تأكيد ما قاله هوبز الذي كان متوافقا مع أغلبية مفكري عصره حول بديهة اعتبار الضحك موضوعا يتعيّن على الفلاسفة الاهتمام به جدّيّا. وفي الواقع لقد بدأ هذا الاهتمام يتزايد عبر العقود الأخيرة من القرن السادس عشر، خاصة من لدن فلاسفة إنسانيين مرموقين من أمثال كاستيكليون في «كورتيجيانو» ورابليه في «بانتاغرييل». وبعد ذلك في نهاية القرن وللمرّة الأولى منذ نهاية العصور القديمة بدأ يتبلور أدب طبّي متخَصّص يتعلق بالمظاهر الفيزيولوجيّة وكذا السيكلوجية لهذه الظاهرة. والرائد في هذا المجال هو لورانت جوبير طبيب مونبيلييه الذي نشر كتابه «علاج الضحك» في باريس سنة 1579. وظل كثير من الأطباء بعده ومنهم سيلسي مانشيسي الإيطالي يتشبثون بهذه المقارنة ويتحمسون لهذا الموضوع باعتباره ثيمة إنسانية بالأساس. وقد خصص ديكارت ثلاثة فصول للمجال الذي يحتله الضحك ضمن المشاعر الإنسانية في عمله الأخير «أهواء النفس» 1648. كما أثار هوبز عديدا من القضايا حوله في كتابه «عناصر القانون»، ودافع سبينوزا عن قيمة الضحك في كتاب «الأخلاق». ودأب على ذلك كثير من مريدي وأتباع ديكارت الذين عبروا عن اهتمام استثنائي بهذه الظاهرة ولاسيما هنري مور في كتابه «حساب الفضيلة». والقضية التي نودّ إثارتها بصدد هذا الموضوع هي بكلّ بساطة، لماذا يجد كلّ الكتاب أنفسهم مهتمّين على نحو جادّ بالضحك؟ وقد يُفضي هذا السّؤال إلى جواب مفاده أنّ كلّ هذا الحشد من الكتاب يتفقون على نقطة أساس هي أن القضية الأكثر أهمية بصدد الضحك موصولة بالمشاعر التي يثيرها. ولعلّ واحدة من بين تلك المشاعر التي يتفق حولها الجميع هي بالضرورة الإحساس بالفرح أو السّعادة. وفي ذلك يقول كاستيليون: «إن الضّحك لا يبرز إلا في الإنسانية وهو دائما علامة على ابتهاج معيّن وانشراح نستشعره في دواخل الرّوح». ومع ذلك يتم الاتفاق على أنّ هذا الفرح والسرور يتعيّن أن يكونا على نحو جدّ استثنائي.
ومن خلال ذلك فإننا سنصل إلى الخلاصة الأكثر تميّزا، ويمكن أيضا أن تكون الأكثر إثارة للحيرة، وهي أن الفرح المُعبَّر عنه من خلال الضحك هو دائما موصول بمشاعر الاحتقار، إن لم نقـُل بالكراهية والمقت. وعند الإنسانيين فإن واحدة من بين أقدم الحجج بهذا الصدد الحجةُ التي قدمها كاستيجليون: «إننا في كلّ مرّة نضحك فيها نقدّم الدليل على أنّنا نسخر من شخص أو من حال معيّن متهكمين وهازئين بالرذائل». ولقد طرح الكتاب المعالجون النظرية نفسها تحت شكل أكثر عمقا. ويعدُّ التحليل الأكثر حذقا حول هذه النقطة لجوبير في كتابه سالف الذكر حيث يقول: «إنّ الضحك كمادّة وموضوع وسياق مقترن بحاسّتين أساسيتين هما السمع والبصر، لأنّ كلّ ما هو مضحك يذكر أو يشار إليه كشيء شنيع لا يستحقّ الإشفاق والرحمة، والأسلوب المشترك لضحكنا هو دائما السّخرية والازدراء». ولقد طوّرت هذه الحجّة بشكل أوسع من طرف الجيل اللاحق الذي أحبّ وصل هذه الخلاصة الإنسانية باهتمامات الأدب الطبّي الذي كان في أوج انبثاقاته. 
والكاتب الذي سعى جاهدا إلى ترسيخ هذه الصلة هو روبير بروتون في نصّه الطريف «تشريح الكآبة» 1621، حيث يقول في مقدمته: «إننا حينما نضحك فإننا ندين الآخر، ندين عالم الجنون، ونضيف أن العالم لم يكن قطّ على هذا القدر من الجنون الذي يتعيّن إدانته، وكذا الأمر بالنسبة لهؤلاء المجانين المثيرين للضحك». وفي هذا الخضم من شعور الذات الضاحكة في تميزها الذاتي إزاء موضوعها، تبرز دائما مسألة التعاظم إزاء الآخر، ومن تجلـّيات الأمر أنهم حينما يضحكون عليك فهم يسخرون منك وينتصرون عليك ويمقتونك. فثمة إذن أمران متلازمان ، ملاحظة النقيصة التي تتحدد من مظهر ضعف، والوعي بها على نحو يثير شعورا بالفرح والبهجة ويشي بقدرة الاكتشاف، باعتبارها قدرة خلاقة وسامية في النفس. وثمّة تشارك مع هذا المنطق البرهاني ينبغي التوقف عنده، وهو أنه بحسب هوبز يتعين رصد التباين الملحوظ بين الضحك والابتسام ومن ذلك ما بينه ميناجير في كتابه «النهضة والضحك» من أن الضحك يعبر عن السخرية، بينما الابتسامة تعتبر تعبيرا طبيعيا عن المتعة، وبشكل خاص عن المودة والتشجيع. فعلى ســـبيل المثال يحيل السير توماس براون، وهو طبيب آخر متشبع بالمعرفـــة الإنسانية على هذه الفقرة التي تشكل لغزا مدرسيا، وهي التساؤل عمّا إذا كان المسيح لم يضحك قط.والجواب من براون أنه لا يمكننا أن نتخيل بأنه أي المسيح لم يبتسم قط، لأنّ الابتســـامة ســـتكون الدليلَ الأكثر يقينا على إنسانيته. 
إنّ هذا التصور عن الابتسام يجعله موصولا بالسّموّ وبالخصوص بالصّورة المسيحيّة عن الجنة كحالة من الفرح الأبدي، ومن ثمّ فإنّ الابتسامات التي نراها غالبا في اللوحات الدينية لعصر النهضة الأوروبي، حسبما يبدو ربّما فُهمت عموما على أنها تعبير عن وعي فرِح بهذه الرِّفعة. وفي العادة في مثل هذه اللوحات يدلوننا من خلال إشارات اليد والنظرات الممتلئة بالرغبة المرفوعة إلى السماء بأن موضوع هذا الفرح هو فعل سماويّ. ولكن في الحالة الأكثر شهرة ضمن هذه النماذج فإن جيوكاندا ليوناردو دافينشي يظلّ منبع الفرح الداخلي للموناليزا المبتسمة يشكل لغزا عصيّ الفهم. وهو ما يمنح للوحة سحرها الأبدي.
____

*القدس العربي