بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 6 أكتوبر، 2016

أختام *-عادل كامل





















أختام *


 الختم الثالث

عادل كامل
[20] المحركات ـ ورد الفعل
     لست بصدد إثارة سؤال: كيف تكّونت الرهافة، وكيف اقترنت بما سندعوه بالعد الجمالي، وما إذا كانت جميع الفنون ـ قبل بدائية، مرورا ً بإنسان المغارات، وصولا ً إلى النزعات المضادة للفن ـ تتطلب قدرا ً من التنسيق، الخاص ببنية العمل، وما يمثله من معان، وجسور مع الخارج، بل بصدد: هل ثمة مقاربات لمفهوم شامل لهذه المنجزات، غير التهذيب، والتقانة، والشفافية، يشترك في تحديد ماهية الفن، وعلاماته، ومشفراته، كوجود واكب الحياة البشرية منذ ظهور المجموعات المصغرة حتى تحول عالمنا إلى قرية قائمة على شبكة من العلاقات، الاتصالات، والمصير شبه المشترك!
      ما المشترك ان لم يكن فيه قوى مازالت تجدد اقتران الفنون بالدوافع، وبنا يسمى: الحضارة. فأي (القوى) بإمكانها ان تكون موازية لقوى مضادة لها، والمتلقي المعاصر تتوفر لديه ما لا يحصى منها من: وثائق، وأرقام، وصور مباشرة تجعله يدرك انه يعيش في عالم لا احد يتوقع نهايته خلال عقود...؟!
      فالإنسانيون الكلاسيكيون، من فلاسفة وحكماء وعلماء وخبراء ..الخ يؤكدون مسارا ً تصاعديا ً للقوانين ذاتها التي نشأت فيها ـ وعليها ـ وتمثلتها قوى الصراع.
     ولست بصدد كيف استطاع الإنسان ان يحافظ على حياته خلال المليون عام الأخيرة، ولا كيف صنع وسائله في الحماية، والتكيف، والتقدم المعرفي، بل أنا أسير حالة قسرية لأفكار جهنمية لن تترك لي استراحة ان أرى أملا ً ما يعيد لي توازني في وجود يصعب رؤيته إلا عدما ً! قد يكون الجواب الوحيد شبيه بجواب: الأشياء/ النبات/ الحيوان، بعدم الاكتراث، المتضمن تعديلات دفاعية لمواجهة التلوث، والاحتضار المتواصل، والسلبية بصفتها دفاعا ً أخيرا ً لتجاوز أزمات فاتحة الألفية الثالثة. ذلك لأن إمكانية السيطرة على الخط المتصاعد لتراكم أدوات الاشتباك، والصراع، مازالت تغذي قانون الصياد ـ الطريدة.
     والمصورات الوثائقية توضح بجلاء كيف بدأت الحروب باشتباكات الوسائل الطبيعية: الأسنان، والمخالب، والأصابع، من ثم بالعصي والحجارة، مرورا ً بالمعادن والبارود، تمهيدا ً ـ بعد أسلحة الدمار الشامل ـ لأنظمة ذاتية عالية البرمجة، وربما بالغة الرهافة!
     والواقع البشري، عمليا ً، مكث يتقدم من غير تعديلات تذكر. فعندما كانت هناك مجاميع بشرية متناثرة بحسب توفر موارد الغذاء، وصولا ً إلى عالم تحكمه الشركات العملاقة، مكث قانون الصياد يبدع أقنعته في الحفاظ على التراتبية، علما ً  ان الخسائر البشرية، من الحرب بالمخالب إلى الحرب بأسلحة المحو، الأكثر فتكا ً، لا تجد مبررات لها وكأن شيئا ً لم يحدث!
بيرتراند راسل كتب في مطلع ستينيات القرن الماضي:
    ـ" انه لمن الغريب والمثير لأقصى درجات الأسى أن نلاحظ كيف إن سباق التسلح يدمر الحس الأخلاقي. فانا لو تسببت عمدا ً بإصابة شخص بالسرطان وجب ان اعتبر وحشا ً، غير أنني إذا ما تسببت عمدا ً بإصابة آلاف الناس بالسرطان اعتبرت وطنيا ً نبيلا ً"
   مثال مضاد لنزعة التدمير، ولأي دافع من دوافعها، إن كانت متأصلة أو مستحدثة، ان كانت الأسباب اقتصادية، أو ثقافية، أو رمزية، فان أشكال الدمار ـ بتنوعها ـ تترك نسقها في عزل الإنسان، وتجريده، ودفعه بعيدا ً عن معالجة نزعات التصادم، وما تتركه من أسى، ولا مبالاة في مواقف مليارات البشر، حيث ان أكثر من مليار إنسان يعيشون بدرجات لن تقارن برفاهية المحميات الطبيعية للحيوان، أو في حدائق الحيوان، أو حتى في بعض السجون! فضلا ً عن المليارات الأخرى، غير بعيدة عن اثر التلوث وما تؤدي إليه في ظهور أجيال مناعتها أخذة بالاضمحلال!  إنها تقارير معلنة يحرص النظام (الحر) على نشرها، كنقد ذاتي، لكن مبادرة مغايرة لها لا آمل ان توقف حتمية التدهور.
   هذا كله ولدّ لدى الأكثر رهافة، وعند المتضامنين مع البيئة (في النشاط الايكولوجي) كالجماعات الخضر، والنضال ضد التلوث، والضوضاء، ولأجل الأطفال، وحقوق النساء، والقابعين في المحتجزات، ووراء القضبان، وسجناء حرية التعبير ...الخ هذا كله له أثره في شتى أساليب التعبير التي لا استطيع تحديد معاييرها الجمالية، تحافظ ـ بالدرجة الأولى ـ على ما قصده شوبنهاور، بالحياة كإرادة، كامتداد، ومتابعة، واستكمال الدورة، حسب الفكر السومري، و (الحلولية) و (المثنويات) و (المرجئة) و( الدهرية) و...الخ عندما  عملت كل جماعة ـ عادة ما يعبر عنها حكيم أو زعيم أو فيلسوف أو من يؤدي هذا الدور ـ على إيجاد توازن لديمومة الاشتباك، وليس لتشذيبه، في الأقل.
     كيف يحافظ الجمال ـ والجميل ـ على تماسكه، داخل النص الفني، وما يميزه عن عبث الأصابع وباقي الحواس وهي تحدق في السفينة، الأرض، عندما لا يكون هناك من ناج ٍ، والطوفان ليس وهما ً!
    أنا لم اصدم بمواقف المشتغلين في الكتابة، والفنون، والفكر، بصفتهم يعملون كموظفين في الأجهزة ذاتها التي صاغ نظامها أول قاتل، صياد، تميز بالمكر والدهاء، ومن سيؤدي دوره عبر التاريخ فحسب، بل لأن الأمل بوجود (أمل) غدا منجزا ً تشرف عليه المؤسسات ذاتها التي حولت العالم إلى زنزانات اما مزدحمة  بالبضائع، وأما بمثابة (علب) تم حشوها بالفائض من السكان!  أو إلى عالم انشطر إلى نظام لتصنيع: الأسلحة/ السينما/ المخدرات/ الدعارة/ والمتاجرة بالأعضاء البشرية/ وغسل العقول/ والتلاعب بالمشفرات الوراثية/ والأحادية ...الخ وإما إلى إمبراطوريات ومملكات ومعسكران من (النمل)، لكن بعيدا ً عن رؤية مصيرها، وهي ترجع إلى العناصر التي كونها، إنما باليات بالغة الدقة، وخالية إلا من رحمة الموت، أو بحياة أخرى يمسك بلغز نظامها الصياد ذاته، بعد ان يكون قد تحول إلى أثير، ورجع إلى العناصر ذاتها، التي كونت باقي الأنواع!

[21] حدود ـ ولا حافات
     مازال هناك (اثر/ أو ما يشبه الفن/ نص) ـ من الخدوش فوق الجدران إلى كل ما هو مضاد للفن، وضمنا ً  التجارب غير المنفصلة عن العبثيين، والبدائيين المعاصرين والعشوائيين ـ غير مكتشفة، فهي مازالت أما تحت الأرض، أو بعيدة عن التحقيق، والنشر. وفي الوقت الذي تتنوع فيه المناهج، واليات القراءة، واستحالة سيادة مدرسة أو برنامجا ً أخيرا ً للقراءة، أو حتى المفاضلة، أو الدحض، والإلغاء، والتهميش، فان عملية إعادة قراءة (الخزين)، وفق النقد الأقل انحيازا ً لفلسفة ما من الفلسفات،  فإنها تقوم بإعادة تخليق ما تم دفنه، دون إغفال ان هناك اندثارا ً حتميا ً يتوازن بين (الموت/ البعث) في الديمومة. فهذا الذي حمل (ميتافيزيقا) السلعة، ذاته، بحسب ومضى فلسفية لكارل ماركس، مسبوقة بسياق: لا ـ سلعي، لأن عصر (السلعة) ـ عصر الصراع حد المحو ـ ليس قانونا ً أبديا ً، أو غير قابل للتشذيب.  لا لأن مشروع (الحضارة ـ التشذيب ـ الارتقاء الجمالي ـ والإقامة في عالم محتمل ..الخ)  له سلطته فحسب، بل لأن الآليات الكلية للإرادة تسهم بعزل الأقل أهمية، كالموضات، والإعلانات التجارية، وملصقات حقب الانحطاط والتدهور.
     هكذا يتسلل إلي ّ، في لحظة شروق أولى بذور الشمس، من الأزرق العميق إلى الفضي إلى الذهبي إلى البياض المتوهج، في صباح هذا اليوم من تموز (22/7/2011) مفتاحا ً لقراءة ما وراء الأبواب: ذلك المجهول الذي اسمه النص ـ واسمه، في الأصل، علامة وجود: اثر!
    لقد أشرت إلى نصوص تمجد سلطة أعلى الهرم، عبر تقديم الأضاحي، والنذور، والطاعة، حد ان المقارنة بين الطرفين، لا معقولة، وغير منطقية، عندما يقوم 999% من بسطاء الناس، المجهولين، كالنمل، الفانين، غير المدربين على التفكير، ولا على حب الحكمة، بإعلاء شان آلهة، أو من يؤدي دورهم، بأنه سياق شيّد، كما شيّد الكوخ! فهل سنستغني عن ما لا يحصى من تلك العلامات الشبيهة بالفن، والنفعية الاستهلاكية ذات السمات الجمالية، لأننا لم نعد نسكن الكهف، أو الكوخ، أو الخيمة؟
      ان أعظم المدن المشيّدة بالتقانات الحديثة، المتحركة، والتي تلبي متطلبات الرفاهية، إلى جانب الوظائف، لا تخفي نظام الكوخ فحسب، بل لا تستطيع دحضه!
    فهناك السقف، الأساس، الجدران، النوافذ، والباب! فهل سيكون الفردوس أو الجنة شيئا ً آخر...؟ وهل ستكون نساء، وطعام، ولذائد العالم الآخر، للمكرمين بدخول الفردوس، مغايرا ً لتصورات الحواس، والحدس، والمخيال، والعقل...؟
   ان وسائل التحليل، والحفر، والتنقيب، والتفسير، والتأويل، لن تضع برنامجا ً سيستغني عن مراحل ما قبل الطفولة، أو عن طفولة الإنسان ... هذا اذا كان الزمن قد وضع كطرف في: اللا زمن. لا لأن المصادفة وجدت بالمصادفة، ضمن دورة محكمة بما فيها من نظام فحسب، وبعيدا ً عن تاريخ التكيف، والديمومة لأجل الديمومة، وتقدمها، وارتدادها، وإنما لأن شيئا ً ما لم يسمح للزوال ـ وللذي ينبثق منه ـ ان تكون له خاتمة.
   ألا يلتقي، بإحكام، البرنامج العلمي المتفوق، بالرهافة الجمالية، وبالمعتقد الذي تتمثل فيه، وتتوارى، دينامية الخلق؟  وان أي قراءة 0احادية) مهما بدت محكمة، إنما ينقصها التعرف على نفيها، فضلا ً عن الذي أهملته، أو استغنت عنه.
    فقد يأتي زمن تتم فيه معرفة تلك المناطق التي لم ترها أبصرنا، ولا حواسنا، ولا أجهزتنا المختلفة، ذلك الكامن في ترليونات ترليونات المشفرات المشعة، والباثة للأصوات والخطوط والألوان، ولغز اشتغالها، كي تمضي في الوجود الذي وجد بما هو ابعد من وسائلنا في الإدراك.
    وليكن، من وجهة نظر الميتافيزيقا،  اسمه (الرحمة) أو (العدل) ولكنه، من وجهة نظر العلم، ومختبراته، لن يكون لا معقولا ً، أو نسقا ً عشوائيا ً حرا ً، وهو السياق الذي كانت تنقصه، حتى فاتحة الألفية الثالثة، هذا التوحد الذي طالما تجسد في ومضات حكماء أو شعراء أو علماء أو فلاسفة أو فناني أو سحرة، أو خيميائي  الأزمنة منذ عصر صناعة الأكواخ، إلى عصر السكن بلا جدران، وبلا سقف، في الفضاءات..! ذلك لأن السكن القادم ـ عندما يبلغ تعداد سكان الأرض المائة مليار نسمة ـ لن يستغني عن المفتاح الذي يبحث عن القفل، والذي لن يكون ـ كتأويل ارغب ان لا يكون طوباويا ً، أو أحاديا ً أو باذخا ً بلغز الرهافات ـ خاتمة إلا اذا كانت دورة الحياة تكون قد بلغت ذروتها: الوجود ممتدا ً بلغزه، الذي طالما سكن فعل الاشتباك، ولكن الذي صاغ طرقه، من غير ان تكون له خاتمة، أو نهاية.
     أليس هذا سببا ً طالما منح عزلتي ان لا أرى أفواه هؤلاء الذين ينتزعون الطعام من أفواه الأطفال والفقراء والنساء للتمتع بأخلاقيات الصياد ـ وصولا ً للذين يمسكون ـ ويمارسون ـ سلطة الاجتثاث، والمحو، والإبادة. وهل لو كان كارل ماركس، أو رامبو، أو نيتشه، وقبلهم المعري، أو الجنيد، أو محي الدين بن عربي،  أو منعم فرات، أو ملا عبود الكرخي، أو جواد سليم، أو مدني صالح، سيقولون شيئا ً آخر...؟!



تأملات أثناء العمل ـ وقد سبق أن نشرت حلقات من التجربة تحت عنوان: اختما معاصرة.


أحمد العمراوي: الشعر بمفهومه التقليدي تغيَّر الآن-حاوره: فيصل رشدي

أحمد العمراوي: الشعر بمفهومه التقليدي تغيَّر الآن
خاص- ثقافات

حاوره: فيصل رشدي

نستضيف شاعرا من المغرب حيث للشعر مكانة خاصة في هذا البلد، الذي أنجب شعراء كبارا على مر العصور،  تركوا بصمتهم في الشعر الإنساني العالمي. منهم من مات، ومنهم  من لازال يعيش معنا، مفضلا كتابة الشعر لأن الشعر هو أساس الحياة.

وضيفنا في هذا الحوار يفضل كتابة الشعر للتعبير عن أحاسيسه ، رغم كونه يزاوج بينه وبين النقد والكتابة المفتوحة. فهو يرى بأن الشعر هو خلود الإنسان وتراث الدول وفخر الرجال. ضيفنا هو الشاعر المغربي الأستاذ أحمد العمرواي، ابن مدينة فاس التي رأى بها النور عام 1955 وتربى فيها، يعرفها معرفة الأب لابنه. درس بها وأحبها وكتب عنها، يحكي لنا العمرواي ذكرياته فيها وعن شعره وكذلك واقع الشعر في المغرب والعالم العربي.

         أحمد العمراوي هو خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس. وخريج جامعة القرويين بفاس أيضا. ثم خريج المركز الوطني لمفتشي التعليم الثانوي بالرباط .

         عمل أستاذا لمادتي اللغة العربية والتربية الدينية. وتختص في التقويم وديداكتيك المواد الدراسية. ثم عمل مفتشا ورئيسا للجنة الامتحانات بأكاديمية وزارة التربية الوطنية بالرباط إلى حدود  2005 فبل المغادرة الطوعية. هو عضو مشارك في لجان التأليف المدرسي عدة مرات. وهو الكاتب العام لفرع اتحاد كتاب المغرب بالرباط حاليا .

         شغل منصب  المدير المسؤول عن مجلة “فضاءات تربوية” التي تصدرها نيابة وزارة التربية الوطنية بالرباط.·يشتغل حاليا بمحترفات أدب الأطفال وكتابة التلاميذ بالمغرب وخارجه.

         هو عضو مسؤول بخلية حوار الديانات بمجموعة مدارس الإيكام (التعليم الكاثوليكي بالمغرب ) ومؤطر ومنشط تربوي بالتعليم العمومي سابقا وبالتعليم الخاص حاليا. وهومؤطر مادة التربية الدينية بمجموعة الإيكام بالمغرب إلى الآن.

         مشرف على محترفات كتابية للصغار والكبار بالمعرض الدولي للكتاب عدة مرات، وبمختلف مدن المغرب. أطر العمراوي وأشرف على بحوث الطلبة المفتشين بالرباط. كما أسس وأدار المقهى الثقافي راندا بحي النهضة بالرباط. وهو عضو شبكة المقاهي الأدبية بالمغرب وأمين مالها. وهو من أوائل من أنشأ موقعا شعريا إلكترونيا بالمغرب.

         شارك الشاعر أحمد العمراوي ومثل المغرب في عدة مهرجانات شعرية دولية آخرها مهرجان “سيت” العالمي بفرنسا صيف 2013 والذي ضم 115 شاعرا من مختلف أنحاء العالم.

         يزاوج العمراوي بين الشعر والنقد والتربية ، ومن أهم إصاراته :

مجمع الأهواء : شعر  الطبعة الأولى ،1997 فضالة المحمدية، الطبعة الثانية 2001 دار الأمان، الرباط.

ينابيع مائية: شعر، الطبعة الأولى  2003‏ دار الأمان، الرباط.

الينابيع : حقيبة شعرية تشكيلية بالاشتراك مع الفنان الراحل عبد الإله بوعود، طباعة حريرية ، 2003.

يتجددون كأفعى ، شعر، منشورات بيت الشعر بالمغرب، 2015

س : مرحبا بكم أستاذ أحمد العمرواي

ج : شكرا الصديق فيصل رشدي ، وسعيد أن يحاور شاعر شاعرا في زمن قل فيه الشعر وكثر  فيه الشعراء.

س:  أنت ابن مدينة فاس، حدثنا عن بداياتك الأولى بها؟

ج : المكان بأهله يقول المتصوفة، والمكان الأول يرتبط بمسقط الرأس وله أكثر من دلالة رمزية حسب أمبرتو إيكو، ثم أذكر قول أبي تمام:

نقل فؤادك حيث شئت من الهـوى                           ما الحب إلا للحبيب الأول

كم موطن في الأرض يألفه الفتى                  وحنينه أبدا لأول منــــزل

أما عن فاس المكان فهي مقام العابرين كما يسمونها، عبور ضروري من الظلمة إلى الضوء. نشأت بها وعشقت كل حجرة منها. هل أقول أنني أحملها رمزيا معي أينما حللت؟ يطلق على مدينة فاس اسم العاصمة العلمية، وهو اسم يليق بها كثيرا خاصة في ما سبق من الأيام. لقد مثلت فاس العاصمة الإدارية للمغرب مدة طويلة نظرا لموقعها الجغرافي والتاريخي، قبل أن تنتقل هذه التمثيلية إلى الرباط  في السنوات الأخيرة. مكان صوفي بروائحه وأبوابه وتاريخه.

         نشأت بحي قديم من أحياء المدن العتيقة بفاس يقال إنه الموطن الذي وقفت به بغلة المولى إدريس حين وضع أول حجر لتأسيس هذه المدينة التاريخية، ليس بعيدا عن مسجد النوار أول مسجد أسس بفاس، وهو مهمل أيما إهمال للأسف الآن. بعدوة الأندلس حيث مسجدها الكبير.

         البيت الذي نشأت فيه هو بيت أدب وعلم وفقه، فتحت عيني على مكتبة والدي رحمه الله الحاج محمد بن التهامي العمراوي الإمام وعالم القرويين المتخصص في النحو والفقه والقرآت القرأنية والأدب أيضا. أينما وليت وجهك تجد أمامك كتبا متعددة في مختلف المجالات التراثية. هكذا وجدت نفسي في جو مشحون بالكتاب والكتابة. وأذكر أن بيتنا الصغير نسبيا كان مرتعا  لتجمع الفقهاء الذين كانوا يحضرون مع أبي كل خميس تقريبا لإحياء أذكار لتوحيد الله ومدح نبيه الكريم.

         والبيت نفسه سيتحول، فيما بعد، إلى مكان للنقاش الثقافي والسياسي في مراحل السبعينات. والكثير من الأسماء المغربية في المشهد الثقافي الآن تشهد على حضورها الدائم بهذا البيت والنهل من مكتبة المنزل التي لم تبخل على أحد في المعرفة. قد أذكر أسماء وازنة إذا سمحت لي للاستشهاد أصدقاء أعتز بهم: سعيد يقطين، فريد الزاهي، نور الدين الزاهي، عبد الفتاح الديوري، أخي المرحوم إلياس إدريس العمراوي، أخي الشاعر محمد العمراوي، الشاعر عبد الرحمن حمومي، الشاعر سعد سرحان، الشاعر عزيز الحاكم، القاص حميد مشمش المقيم بالنمسا،الكاتب مصطفى الكليتي،،،، ولائحة طويلة قد لا يتسع المكان لذكرها. فكيف لا تكون كاتبا في جو كان التنافس فيه حول وقت قراءة الروايات، بحيث كنا نقضي ليالي بيضاء لإتمام روايات لنجيب محفوظ ونناقشها. هذه أجواء فاس .

         هذا إضافة للجمعيات الثقافية التي أخص منها بالذكر جمعية مسرح الأقنعة التي أسسناها رفقة ثلة من الكتاب والمبدعين والتي استضافت آنذاك كتابا كبارا مثل الشاعر أحمد المجاطي، القاص والروائي محمد عز الدين التازي، الكاتب المعروف أحمد المديني، الشاعر محمد السرغيني… وآخرون…

2–  لك قصيدة بعنوان” إبتسموا إنكم في فاس” وردت فيها هذه العبارة  مكتوبة بأكثر من عشرين لغة، ما دلالة هذا العنوان ؟

         تُعرف مدينة فاس بأبوابها التاريخية المتعددة: باب المحروق، باب عجيسة، باب المكينة، باب فتوح وغيرها، ولعل من أشهر أبواب المدينة : باب أبي الجنود، والذي يطلق عليه المغاربة الآن اسم باب بوجلود. هو مدخل رئيسي معروف لدى السياح المغاربة منهم والأجانب، فأمامه تقام حفلات وسهرات مهرجان الموسيقى الروحية والعتيقة بفاس. على سور محادٍ له وبالضبط على حائط مسجد بوجلود العتيق نجد ملصقا ضخما يحمل هذه العبارة : ” ابتسنوا إنكم في فاس” ، كتبت بأزيد من عشرين لغة. هو أثر خلف في ذهني الكثير من التساؤلات وأنا جالس بمقهى بوجلود، ألاحظ الخلق وأبصر المكتوب. ولكن بمجرد أن تطأ قدمك عتبات المدينة العتيقة وأنت تدخل المدينة تلاحظ مظاهر متناقضة: حب وعنف، جمال وقبح، فقر ورفاهية… كلها تصدمك وأنت تتقدم ، والشاعر بطبعه هو من يلتقط مثل هذه اللحظات ويحولها إلى نص شعري قد يكون ساخرا كما هو شأن قصائد مجموعة “مرارات” المنشورة في ديواني الأخير : ” يتجددون كأفعى” وقد تجد عناوين أخرى في الاتجاه نفس من مثل: ” أنا مغربي ومتخلف طبعا لا” و ” ليس مهما” و” سيان” وغيرها.

3 – هل عنوان ديوانك باب الفتوح يدل على باب الفتوح المكان المعروف بفاس أم له دلالات أخرى؟

         نعم من ناحية ولا من ناحية أخرى، فباب الفتوح هو أقدم الأبواب وهو يوجد بالجهة الشرقية للمدينة، ومنه كان ينطلق موكب الحجاج سابقا، وبه توجد المقبرة الشهيرة  التي تضم رفات أغلب أولياء المغرب وفقهائه. هو باب ينقلك من سراديب المدينة العتيقة نحو حداثة الحافلات وسيارات الأجرة الصغيرة الحمراء التي ستقودك نحو المدينة الجديدة. نشأت غير بعيد عن هذا الحي شبه الشعبي. كل كتابة تأتي من أثر هو ما يطلق عليه ” غاستون باشلار” لفظ الخيال المادي وهو يحلل ذلك في علاقة الشعر بالماء والأحلام في كتابه الهام ” الماء والأحلام، دراسة عن الخيال والمادة”

         باب الفتوح من ناحية أخرى يشير إلى الفتح الشعري والصوفي الذي يحصل للشاعر حين تنفرج غمته بقصيدة أو مقطع شعري، وأجواء ديوان باب الفتوح هي أجواء تمتح من الصوفية ولكن بما أطلق عليه لفظ ” الصوفية الجديدة” . صوفية عميقة في لغتها تزاوج بين الحداثة والمتخيل الصوفي. وقد أتاني العنوان وأنا أكتب قصيدة طويلة أسميتها : “أبواب باريس” حين أقمت بهذه المدينة بعض الوقت، وبعض النقاد كتب أنني أحمل معي  أبواب فاس حتى في باريس. والفرق هو أن أبواب باريس لا وجود لها ماديا كأسوار، بينما أبواب فاس قائمة بجدرانها العتيقة. وإذن فالعنوان قد يحيل إلى دلالتين كما يقول “ريفاتير” الدلالة التي يحملها حرفيا ودلالة أخرى مستترة قد تكون هي الأعمق.

4 – هل يمكن أن توضح لنا أكثر المقصود بهذا اللفظ: ” الصوفية الجديدة” ؟

         ” القراءة العاشقة والصوفية الجديدة” هو عنوان مقال كتبته سيصدر قريبا ضمن كتاب: ” الكتبة وأسرار الرماد” خصصته لتأملات في الشعر والكتابة والفن بالمغرب وغيره على الطربقة البارتية (نسبة إلى رولان بارت) في شذراته العميقة.

         والصوفية الجديدة ترتبط بالقراءة التي تقودك حتما إلى الكتابة عما قرأت بشكل تفاعلى بين متلقٍّ قارئ نموذجي على حد تعبير “إيزر” و ” أمبرتو إكو ” وبين كاتب محترق بلوعة الحرف، أليس هذا ما فعله الصوفية وهم يتأملون أحوالهم ومقاماتهم؟ إلا أن الفرق هو كلمة الجديدة التي أعني بها الربط بين واقع الناس وعشق الكلمة الجميلة، ستجد نفسك مرغما على الكتابة هنا وأنت أنت تقرأ عبد الفتاح كيليطو، أو تسمع صوت العربي باطما ، أو تتأمل لوحة للفنان التشكيلي عبد الإله بوعود أو وأنت غارق في تفاصيل شخصيات لمحمد برادة أو عبد القادر الشاوي، أو حتى وأنت تفكك تعقيدات أرشيف جاك ديريدا. من هنا أتتني التسمية التي سأكتشف فيما بعد أن بعض النقاد الشباب قد أطلقها في بعض تحليلاته ولكن بطريقة مختلفة.

5 – كانت مدينة فاس تشهد سهرات ومسامرات شعرية بين الشعراء، هل لا زالت اليوم تحظى بتلك  السهرات والمسامرات؟

         المتتبع للمشهد الثقافي المغربي سيلاحظ قلة الأنشطة المرتبطة بما أسميته المسامرات بين الشعراء، إلا أننا نلاحظ بالمقابل أنشطة منظمة تقوم بها الجامعة وكلية آداب ظهر المهراز خاصة، وما يقوم به بيت الشعر واتحاد كتاب المغرب أحيانا. إلا أن ما أثارني في السنتين الأخيرتين هو ظهور صالونات ثقافية تقام في بيت الشاعر. وهذا ما قام به الشاعر محمد بنطلحة في بيته حين كرم الشاعر الكبير محمد السرغيني، لقد كانت مسامرة شعرية وثقافية حضرها ثلة من الكتاب والشواعر والشاعرات، تكلف محمد بنطلحة بالإيواء والتغدية ليوم وليلة على حسابه الشخصي، كان لي شرف حضورها كمشارك ومقرر لجلساتها التي ستصدر في كتاب لاحقا، وقد ساهم في جلسات هذا التكريم بصالون محمد بنطلحة مجموعة من الفعاليات الثقافية أذكر منها : الشاعرتين: فاطمة الزهراء بنيس، الشاعرة والمغنية الفلسطينية شادية حامد  ، والشعراء      محمد بنطلحة ،محمد بودويك، عبد السلام الموساوي، عزيز الحاكم ، محمد الصالحي ، أحمد العمراوي ، وحضرها من النقاد والمفكرين، محمد البكري، بنعيسة بوحمالة، إدريس كثير. كل هذا طبعا بحضور الشاعر المكرم محمد السرغيني. كان النقاش والتذكر والمحاورة أهم ما ميز الجلسات التي استمرت إلى وقت متأخر من الليل. لقد أحيى محمد بنطلحة تقليدا قديما كنا نقوم به في فاس بعيدا عن أضواء الإعلام والبهرجة الصحافية رغم أهميتها أحيانا. وسيقيم محمد بنطلحة تكريما آخر لشاعر آخر هو عبد الرفيع الجواهري وبحضور شعراء ومثقفين آخرين. هو صالون ثقافي بامتياز.

         من جهة أخرى نلاحظ كثرة المهرجانات الثقافية الأخرى بفاس كمهرجانات الثقافة البروحية، والموسيقى الروحية، وربيع الفلسفة وغيرها. لقد قلت الملتقيات الخاصة بالشعر في فاس خاصة بالقياس للسابق.

6 – عادة ما نسمع الصالونات الأدبية في المشرق خاصة صالون مي زيادة، هل في المغرب صالونات أدبية شبيهة بالمشرق العربي؟

         في الآونة الأخيرة بدأت بعض الصالونات الثقافية تظهر في المغرب بهذا الاسم أو بغيره، أذكر من بينها تمثيلا لا حصرا : الصالون الأدبي الذي تشرف عليه الشاعرة أسماء بنكيران بأكادير، وصالون الكاتبة زهرة الزيراوي بالبيضاء وغيرهما. وما يلفت النظر هو ظهور نوع آخر من الصالونات الثقافية من خلال المقاهي الثقافية التي أسسنا شبكة لها في مختلف أنحاء المغرب بحيث أشغل منصب أمين مالها. وهي شبكة تستضيف فنانين وشعراء وكتابا من مختلف الاتجاهات في لقاءات حميمية تعوض ثرثرة المقاهي إلى تواصل هادف وفعال.

7 – لماذا اخترت بعض عناوين قصائدك باللغة الفرنسية ، ما هو الدافع؟

         قد لا يكون للشاعر اختيار في اختيار اسم مولوده بما أن الاسم يدل على المسمى، فعنوان قصيدة : Grand A  مثلا قد لا يحمل الدلالة نفسها وهو يترجم للعربية بما أنه إحالة على لفظ عميق استعمله المحلل النفساني الفرنسي جاك لاكان، يصعب ترجمته حرفيا وهو مقصود لإثارة القارئ الذي عليه أن يجتهد قليلا وهو يقرأ النص قراءة عاشقة. والأمر نفسه ينطبق على باقي العناوين. ليس في الأمر تبخيسا للغة العربية أبدا ولكنه الشعر المختلف الجديد الذي يفرض نفسه بقوة.

8-  أدرجت في قصيدة لك الحكاية الشعبية ، وسلطت الضوء على  شخصية “سعدون” لماذا هذه الشخصية دون سواها؟

         وأنت تكتب تحضرك آثار مخلفة على الذاكرة : أسماء أمكنة، كتب، شخصيات… وشخصية “سعدون” إضافة إلى شخصية “عسالة” أو “حربة” مثلا هي شخصيات مهمة في مدينة فاس التقليدية، مجرد ذكر هذه الأسماء يستدعي لديك أشرطة كثيرة. هم مجاذيب المدينة العقلاء. كلامهم حكمة وشعر شعبي. لقد ضحوا بعقولهم من أجلنا. وهي شخصيات مؤثثة لفضاء مدينة فاس كما هو شأن كل المدن التقليدية. مجاذيب لا تؤذي أحدا. أليس المكان بأهله؟

 9– أنت تزاوج بين كتابة الشعر وكتابة الدراسات النقدية والكتابة في المجال التربوي والثقافي عامة. أين تجد نفسك أكثر؟

            أنا أعتبر نفسي شاعرا بالدرجة الأولى، هكذا وجدتني منذ البادية، إلا أن الشعر بمفهومه التقليدي تغير الآن، كما تعرف، فلم يعد الشاعر هو ذلك الكائن المثالي الخارق الذي يأتيه الإلهام من عبقر، الشعر يوجد في القصة والرواية والدراسات النقدية. أحيانا وبحكم القراءة العاشقة التي تحدثنا عنها ، أجد نفسي منساقا لكتابة تأملات قد ترقى أحيانا إلى مصاف الدراسات النقدية، ولكن الهمّ الشعري يبقى حاضرا في كل كتابة. الشعر هو الأصل وكل ما نقوم به هو من أجل ترسيخه. الشعر هو المحبة والسلم ، وهو أيضا تعرية الواقع والارتفاع عنه أحيانا بالحلم والمتخيل. كل كتابة أو إبداع هو شعر الآن ، وأنت تعرف أن اللغة وحدها لم تعد كافية للإفراج عن غمة الذات والأشياء. التواصل عبر الرقمي أثّر على كل شيء وعلى الشاعر أن يعيد النظر في أدواته حتى لا يبقى في عصر الانشداد لماضيه فقط.

10 – استضافك الشاعر والإعلامي ياسين عدنان في برنامجه التلفزيوني المعروف  “مشارف” وكان موضوع الحلقة عن ورشات الكتابة الإبداعية لدى الأطفال، تحدثت عن المحترفات وأهميتها في الكتابة وأكدت على ارتباط القراءة بالكتابة الإبداعية، كما أشرت إلى أهمية الابتداء بالكتابة للوصول للقراءة. هل يمكنكم توضيح الأمر.

         ” الكتابة الإبداعية والمتخيل الشعري للتلاميذ ” هو كتاب يلخص تجربتي المتواضعة في مجال المحترفات الكتابية ، وأعني بها ورشات الكتابة الإبداعية، والاسم الصحيح هو المُحتَرَف. وقد أطلق هذا اللفظ قديما على كل عمل تعلمي لحرفة أو فن، وهو ليس ترجمة حرفية للفظ الفرنسي d’écriture  Atelier رغم التطابق الظاهر بين اللفظين . ملخص ما ذهبت إليه هو نفور الأطفال والمتعلمين من الكتابة بمفهومها التقليدي، إذ أن التلميذ مثلا في المدرسة لا يكتب إلا ما قاله الآخرون  في التعبير والإنشاء، ونحن نادرا ما نترك الحرية للمتعلم ليكتب ما يشعر به، ما يخالجه، وحين نفسح له المجال لفعل ذلك فإنه سيجد نفسه مضطرا لتصحيح لغته بنفسه بالبحث والقراءة. ومن هنا قد تؤدي الكتابة الإبداعية في الشعر خاصة لتعزيز القراءة. هذا ما قصدته حين عبرت في الكتاب قائلا : ” في كل منا يرقد شاعر وما علينا إلا إيقاظه” . والإيقاظ سيتم بمقروء آخر، بالتأويل وبطرق ووسائل متعددة أخرى قد تكون مختلفة مثل ما قمنا به في مهرجان سيت الفرنسية منذ سنتين في صلام الكلمة. Slam  ، وقد كانت تجربة متميزة حبّبتْ الكتابة والقراءة بعدها للمستفيدين من المحترف.

11– هل يمكن للمدرسة أن تنتج شعراء؟

         هو السؤال نفسه الذي طرحه علي ياسين عدنان  في برنامجه المتميز في الفضاء السمعي البصري المغربي “مشارف” و أنت تعرف أنني أخوض في المحترفات الكتابية والإبداعية منذ الثنانينيات من  القرن الماضي وما زلت ولم يكن هدفي أبدا خلق شعراء وكتاب من خلال المحترفات، إن همي الأساسي هو تحبيب اللغة والقراءة للمتعلمين والتدريس بطرق مختلفة، وخلق شعراء في تلك المرحلة فقط. فكم يشعر المتعلم بلذة كبرى وهو يخترق ويقتحم اللغة للتعبير عن ذاته، وقد وصلت مع بعض المستفيدين من المحترفات الكتابية إلى درجة مطالبتهم هم أنفسهم بكتابة قصيدة لكونهم يشعرون بالمتعة وهم يسخرون من عالمهم بطريقتهم الخاصة. هي طريقة فنية تدفع للقراءة من أجل الكتابة.

12 –  كيف ترى دور اتحاد كتاب المغرب في تشجيع المواهب الشابة على الإبداع؟

         يمكن لاتحاد كتاب المغرب أن يلعب دورا هاما في التشجيع على الكتابة والقراءة من خلاله فروعه المنتشرة في كل المدن المغربية. لقد أنشأ الاتحاد جوائز للكتاب الشباب، يمنحها سنويا للكتاب الجدد الذين ينشرون كتابهم الأول، إلا أنه أمر غير كاف في نظرنا. على الفروع أن تقوم بهذه المهمة، ولكن بتشجيع من وزارة الثقافة ومن المجالس المنتخبة والجامعات خاصة، وكذا من الخواص الغيورين على الشأن الثقافي في هذا البلد، والذي بدونه لن تكون هناك قيمة لأي تقدم اقتصادي مفصول عن جذوره الثقافية. نحن نحاول في فرع اتحاد كتاب المغرب فرع الرباط القيام بهذا من خلال النزول للمؤسسات التعليمية وللمقاهي الثقافية للتعريف بالكتابة والكتاب في المغرب إلا إن اليد الواحدة لا تصفق كما يقال.

13 – أريد رأيك في أربعة شعراء مغاربة: محمد بنيس، محمد بنطلحة، محمد السرغيني، محمد الصالحي؟

         محمد بنيس ليس شاعرا فحسب بالمعنى التقليدي للكلمة، إنه فاعل ثقافي ومنظر ومتابع ومدافع عن اللغة العربية وعن الحداثة خارج المغرب. هو شاعر يعرف ما يقول. لقد خاض حروبا شرسة في الماضي لدرجة أن همش من طرف الكثير داخل المغرب في مختلف اللقاءات، وقد انتبه له الكثيرون الآن من خلال التكريمات المتتالية التي أقيمت له. يكفي أن نذكر تأسيسه لبيت الشعر في المغرب ودعوته لتخصيص يوم عالمي للشعر، والتي انطلقت من المغرب لتفعل عالميا فيما بعد.

         محمد بنطلحة علامة بارزة في الشعر المغربي الحديث. مؤسس ورائد  للشعر المغربي. قمة الحداثة. يحفر الكلمة ويعيدها قبل إخراجها للناس. هو أشهر الشعراء المغاربة في المشرق والمغرب. عوالمه متخيلة وجريئة تقتحم اللغة والتقليد مسلحة بثوابت القول عربيا وعالميا. تصاب بالدهشة وأنت تقرأ المختلف في كتابته والذي لا يمكن أن يقوله غيره. هو فاعل وشاعر شديد الحساسية، لا يهادن. هو صوت يعتز به المشهد الثقافي العربي والمغربي والعالمي.

         محمد السرغيني رائد الرواد المتعدد. شاعر بألف شكل. كتب بالعربية وبالفرنسية والإسبانية . وله يد كبرى على أغلب مثقفي المغرب الذين تتلمذوا على يديه بشكل مباشر أو غير مباشر. ترجم وواكب المشهد الثقافي شعرا ونقدا وتشكيلا وصورة. عالمه تتداخل فيه الفلسفة بالفكر بالحكاية والأسطورة مما يدفع للتسلح بعلوم وثقافات متعددة للدخول لعوالمه المتميزة.

         محمد الصالحي صوت شعري مختلف. عرف بشذراته الدقيقة وبانتمائه بإخلاص لقصيدة النثر ولكن بطريقته الخاصة. وما لا يعرفه الكثيرون هو ثقافته التراثية الهائلة. وهو يحفظ دواوين الشعر العربي القديم وخاصة ديوان المتنبي كاملا. هو صوت الحداثة المؤسسة على خلفية فكرية وثقافية عميقة عكس ما نراه لدى بعض الشعراء الذين يلغون كل مقروء سابق بدعوى “قتل الأب” دون معرفة بما يقولون.

14–  وماذا عن شعراء الحساسية الجديدة بالمغرب كما سميتها؟

         قد يكون الشعر هو الأكثر حضورا في المشهد الشعري المغربي من حيث الكم، كثرة الدواوين الصادرة وكثرة الملتقيات الشعرية يؤكد ذلك. الشعر هو الدعوة للمختلف من خلال فسح المجال أمام الخيال والمتخيل. ولكن بامتلاك أدوات جديدة . الشاعر ينوب عن الآخرين في إثبات الجمال بدل القبح. الوردة عوض الدبابة. وكذا بالفضح والاقتحام من خلال اللغة أيضا. لقد ظهرت موجة قوية من شعراء الحساسية الجديدة في المغرب منذ التسعينيات إلا أنها قلت أو كررت نفسها الآن للأسف وهذا بفعل تأثيرات أخرى أكبر. لقد تراجع دور المقروء ودور الثقافة والكتابة التقليدية لدى الشباب ، بحيث أصبحوا ينفرون من كل ما هو تقليدي. بعض الشعراء يواكبون المشهد ويكتبون بحساسية مختلفة، متخذين من السخرية والمغايِر شكلا لها، مع توظيف بعض التقنيات الصوتية أحيانا، وأهم ميزة لهذه الموجة التي ليست شابة بالضرورة هي الحسم مع الثوابت اللغوية والإيقاعية الرتيبة والبحث عن المدهش والمتوهج والمختلف. قد نلاحظ ذلك عند شعراء شباب كما نجده عند كبار الشعراء، كما هو شأن الشاعر الكبير محمد السرغيني الذي تجاوز التسعين، أطال الله في عمره، وما زال يكتب وكأنه شاعر شاب. الشعر مواكبة تسبق ما هو سياسي ومجتمعي. تعبر عن الموقف بوسائلها الخاصة التي تواكب بل تسبق كل مستجد بتنبئ مستقبلي.

15 – أما زلت ترى جدوى وضرورة للشعر في الزمن الرقمي؟

         المحلل النفساني الشهير سيغموند فرويد كان يقول دائما في محاضراته : إننا نتعلم الكثير من الشعراء، وإن آخر كائن سيوجد على الأرض هو الشاعر. وأذكر قولة هولدرلين الخالدة : وما يتبقى يتمه الشعراء. إن الدلالة الرمزية لهذا الكلام هو أن الشاعر هو الكائن البشري نفسه، لأنه يرتبط بالخيال والتخيل الذي بدونهما سيعم الجفاف، ويكثر العنف والقتل. مهما امتدت الرقمية لكل المجالات فسيبقى هناك متسع للشعر والقصيدة. نعم سيطرأ تغيير على الأشكال والمفاهيم، بما أن اللغة نفسها أصبحت تتحول باستمرار وبشكل سريع. الفن ضرورة والشعر ضرورة الضروريات. وإذا أردت أن تقتل شعبا فدمر لغته ومتخيله وشعره أيضا. الشعر ضرورة ويجب أن يبقى كذلك في كل الأزمنة بما فيها الزمن الرقمي الهائل.



الاثنين، 3 أكتوبر، 2016

التحقيق لم يكتمل بعد- عادل كامل

قصة قصيرة


التحقيق  لم يكتمل بعد


" النصر...؛ هو الهزيمة التي لا يمكن سرقتها منا...."


عادل كامل

   ـ " حتى بعد سنوات طويلة جدا ً التي أمضيتها في عملي، فانا استطيع الاعتراف، بثقة، انه ليس لدي ّ أدلة صريحة تتحدث عن وجود هذا  الذي أطالب بالإفصاح عنه...، كالحديث عن جرثومة ما، غامضة، شبيهة بنظرية المؤامرة، أو بتلك الأسرار التي كلما تم تفكيها تزداد غوصا ً في الظلمات....، باستثناء هذا الذي لم يتغير، بعناد يماثل هذه المزاعم، ويحافظ على ديمومتها، حتى يمكنني القول: باستحالة قهرها...."
    وأصغت اللجنة المكونة من ثلاثة محققين، للبروفسور، بعد أن طلبوا منه الالتزام أن لا تتجاوز إجاباته، حدود السؤال، وتلافي مناورات التمويه، بدافع إضاعة الوقت، أو كسبه، بل الانضباط بشروط الأمانة، ودقتها. كان البروفسور، وقد أدرك، منذ وجد أن الصمت، بحد ذاته، تهمة، بل جريمة ليست بحاجة إلى شهود، أو أدلة، أن عليه مراعاة ما كان تدرب عليه: مادامت مهنتك تخص التقدم، فعليك أن تراعي ذلك بوضوح وشرف تامين..!
    اقترب المحقق الأول، وهو فأر متوسط الحجم، سمين، وفي منتصف العمر، وسأله:
ـ أنت قلت: لا توجد أدلة صريحة بوجود سر...، فهل تسمح لنا، قبل التقدم في التحقيق، أن تعّرف لنا السر...؟
   انتفض، مرتبكا ً، واحمر محياه، مصغيا ً إلى نبضات قلبه وقد بلغت قمة رأسه، وتمتم، مع نفسه، بشرود:
ـ هو ذا الذي لا يمكن التستر عليه...، انه هذا الذي نعرفه جميعا ً!
   ضحك الفأر الثاني، وهو نحيل، له رأس شبيهة برأس أفاعي الصحراء، حاد النظرات، وسأله:
ـ كأنك تريد القول: الجاذبية هي الجاذبية وليست هي القوانين التي يعمل بها الكون....؟
   رفع رأسه الصغير، الخالي إلا من خصلات متناثرة من الشعر الأبيض، عن سطح المنضدة المستطيلة ذات الغطاء الرمادي، وقال:
ـ لا ضرورة لاستبدال الكلمات، اعني المصطلحات أو المفاهيم، مع إن ذلك يساعدنا في التقدم...، فأقول.
صمت برهة وتابع:
ـ بالتأكيد هناك القوانين السابقة على وجودنا...، وبضمنها القوانين التي سمحت لنا أن نبلغ هذه الحدود، أو نهايتها...، أي أن نفكر في ما هو أصبح موضوعا ً للتفكير، أو خارج نطاقه، ولكن هذا لا علاقة له بالسر....؟
   تثاءب الفأر الثالث، وهو قصير، نحيل، له رأس دب، وأنياب تمساح، وسأله:
ـ كأنك تتنصل عن الزمن السابق على وجود الجاذبية؟
ـ لا. وأضاف:
ـ ضمن حدود عملي المهني، فانا مسؤول مسؤولية مباشرة عن هذا الذي يحدث....، وليس لماذا حدث...، وليس...كيف ستكون نهايته؟
ـ آ .
   اقترب الأول منه، ولكزه:
ـ اسمع، أنت قلت: لا أسرار هناك....، وقلت: فالخلية الجينية المركبة تعمل وفق نظام يسمح لها أن تقاوم غيابها، وأنت تقصد اندثارها...، أليس هذا، بذاته، يخص عمل السر...؟
ـ لا!
أجاب بثقة، وعلق:
ـ أين السر...؟ فانا أقول: 1+1= 2...، فأين يكمن السر...، وهل ثمة سر...؟
  اقترب الثاني منه:
ـ صحيح، الجاذبية لها أسبقية في الوجود، وليس لنا حق أن ننبش في ذلك، لأننا، لا نمتلك أدواتنا في النبش، ولكن دعنا ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى...
ـ تفضل.
ـ لو كانت الحقيقة، اقصد حقيقة الحياة، خالية من الأسرار...، كيف حافظ السر على أن يبقى سرا ً، ويحافظ على ديمومته الفعالة طوال هذا الزمن...؟
ـ سر ماذا ...، سيدي؟
ـ سرنا؟
ـ آ ....، أعود إلى مثالي السابق، لكن، على النحو التالي: ما هي نتيجة جمع ما لا يحصى من الموارد، أو قل الثروات، أو المال تحديدا ً...، مع ما لا يحصى من كميات مماثلة....؟ أليست النتيجة إننا  لا نعرف حاصل الجمع؟
ـ ممتاز!
نطق الأول:
ـ ها أنت تقربنا من السر....، ولا تبعدنا...، ولكن هل جمع الحقائق بلا عدد محدد يفضي إلى النتائج المطلوبة....؟
ـ ضمن شروط مهنتي، وحرفيتي، يا سادة، هو التزامي بالحقائق، ومنها: العدد....، فانا اشتغلت، مثلا ً، في تطوير خلية مركبة من خلايا مختلفة، فالعدد أس المعادلة...، كالخليط المنصهر الذي يستحدث خامة ليس لها وجود في السابق...، وهذا شبيه بمثال آخر معروف: إن جمع ناتج قوى عدد من البهائم...، خذ مثلا ً حاصل عمل الذباب، أو القمل، أو البعوض يختلف، تماما ً الاختلاف، عن حاصل عمل الأبقار، والأسماك، والنحل أو الدواجن...
ضحك المحقق الثالث:
ـ نقول لك غزال، فتقول لنا: غراب!
ـ لا ..، يا سيدي، لا أبدا ً...، لأن حاصل جمع قوى هذه الفصائل يتقاطع مع برنامجنا في الأصل...، فهناك كائنات لا تنتج شيئا ً، وهي المخلوقات المغتصبة، والمعرضة للافتراس...، وهناك الكائنات التي مهمتها تكمن في تبرعها بما تنتجه...!
ـ جميل!
   أمر الفأر الأول، باستراحة، للتشاور، تاركا البروفسور، وهو ابن أوى عجوز، لا يقوى على الوقوف، للتفكير بما دار من جدل حول ما لم يتم الانتهاء منه، بغية التوصل إلى قرارات اقل التباسا ً، ومضيعة للزمن.
     ما أسباب هذه الاستراحة، تساءل، وكأنها فرضت، ما دامت خاتمتها أقرت قبل الاستجواب:
ـ سأخبركم إذا ً إن وجود هذا ألجين لا يعدو أكثر من تلك القوة التي لا تدع الزمن يمضي بأكثر من وجود عوامل تسمح للضوء ـ اقصد ضوء مجموعتنا ـ أن يتسارع وفق برامج لا تتقاطع مع الأصل..!
    تخيلهم سيستأنفون التلويح بتأجيل التحقيق، وتركه معلقا ً، مما لن يسمح له حتى يتنفس الهواء، ولا الذهاب باستراحة يمضيها عند ضفاف البركة. فالحجر بات شبيها ً بقرار الإزالة، أو الإقصاء.  فأرغم فمه على اتخاذ تعبير يناسب من أفاق توا ً من كابوس:
ـ هذا السر...، بالأحرى ...، هذا ألجين، أو لنقل ...، هذه المؤامرة ذات الأبعاد المترامية ...، الكلية...، لا علاقة لها بالمتورطين، أو المؤيدين، أو المنفذين، أو المروجين، أو المراقبين...أو ....، بل ولا علاقة لها حتى بهؤلاء الذين اخترعوها:
ـ فالحياة تتحكم بها أدوات تحافظ على ما هي عليه...، إنها تكّون أسرارها كي تفندها، تعلنها للإخفاء، وتظهرها من اجل محوها! وهو ذا قانون الديمومة!
     وتخيلهم يفرطون في الضحك، بل يفطسون، ليس لأنه روى طرفة، بل لأن الفاجعة لا تحتمل إلا أن تكون سابقة على وجودها العنيد. ثم تخيلهم يكفون عن الضحك، ليسمعهم يقولون له بصوت واحد:
ـ أتتندر على الكارثة، وتبتهج لوقوع النكبات؟
ـ وهل بمقدوري أن افعل ذلك...؟
   استراحة...، لماذا تم فرضها علي ّ إذا ً...؟ وسأل نفسه: هل المطلوب الاعتراف بان دوري بلغ نهايته، وأنا أصبحت فائضا ً، وعلي ّ ـ بهدوء ـ الإدلاء بذلك؟
ـ لكنني لم أتفوه بعبارة صالحة للاستخدام...، كل ما اعترفت به إنهم تجاهلوه تماما ً، وشطبوا عليه، وكأنني لم أكرس حياتي ....، للعمل على إزاحة هذه الحواجز، وهدم الحدود الوهمية بين الأجنحة، وتحسين الخدمات في الزرائب والحظائر، وليس ترك الحديقة تغطس في المجهول.
ـ عدنا إلى الجرح...
ـ أي جرح؟
   وسمعهم ينطقون بصوت واحد:
ـ  لا ترفع صوتك أعلى ....، ولا تخفضه أكثر....، وامش كأنك لم تر شيئا ً، ولم تسمع بما حدث!
ـ وهل باستطاعة حيوان أن يصبح شيئا ً آخر...، هل بمقدوره أن يوازن بين العقل والغرائز، حيوان تم أسره وتدجينه وتهذيبه وأخيرا ً حجزه داخل حدود ترسمت بالدم، بعد أن كانت ترسم بالبول!
ـ لو سمحت..، أيها البروفسور، اختر كلماتك بأدب، كي نحافظ على عناصر التشويق، والتهذيب، فأنت ترى كم حرصنا على ما سيقال...، فلسان التاريخ ملعون، فلا تغادر الشفافية، وتحول جلستنا إلى مأتم!
ـ آ ...، نعم، التاريخ! الأعراف، الكرامة، وهل باستطاعتي مغادرة هذا الفضاء الرقيق...، الناعم؟
   وسأل نفسه، هل علي ّالعثور على إجابات...، أم على إضافة أسئلة؟ تخيل حوارا ً يجري بينه وبينهم.
ـ فانا لم أغادر السياق.... ، وانتم لا تعملون إلا على إلصاق ذنب لم ارتكبه أبدا ً...، فانا لم اقل، طوال حياتي، إن الجاذبية كانت سببا ً بحصول الكوارث، أو النكبات، مع إنني لم أوجه الاتهام إلى الديناصورات، أو إلى منقرض من المنقرضات، بعدم تدخلها بالأمر!
    بات الأمر أكثر وضوحا ً: هناك قوة ما تعمل على تدمير كل ما كان يسمح لهم  بوضع أفضل.
     وسأل البروفسور، ابن أوى، نفسه: أأبدو في وضع ملتبس، ميئوس منه...، وكأنني صغت نهايتي قبل إغلاق نوافذ هذه المغارة....، بل وقبل أن أرمى فيها؟
   كانت الحفرة شبيهة بسرداب له فتحة صغيرة، مضاءة بومضات حشرات مكثت تحّوم في فضائها، حفرة استطاع أن يحدد موقعها، في الحديقة، فهي تقع تحت جناح الخنازير مباشرة ..، وتحت جناح الجاموس...، لأنه مكث يحاول استبعاد رائحة الروث، والبراز الرطب المشبع بالبول، فكان جسده يتعرض لرجات قاومها بصعوبة، متخيلا ً انه سيعثر على إجابات تتوازن مع أسئلتها. فانا لم تكن لدي ّ أدنى فكرة عن اللا زمن الذي ولدت فيه هذه المخلوقات.
   اهتز جسده فجأة ثم شعر انه لا يقوى على التنفس: لا...، لا اعتقد إنهم نصبوا كمينا ً لي...، أو إنني قدت خطاي للوقوع فيه. فانا منذ سنوات بعيدة قلت: لا وجود لنظرية المؤامرة أبدا ً...، بهذا المعنى...، وقصدت....
   ضحك: ها أنا أصبحت أتحدث مع نفسي، وهذا وحده يشير إلى خلل...، فانا اسمح لهم بالعثور على دليل ضدي: جن !
ـ ولكنني أخبرتكم إن كل واحد منا...، بل...، وكل خلية أحادية، منذ وجدت...، قائمة على القانون الذي لا يسمح لها بالذهاب ابعد من شروط وجودها.....، فهي  خلية ماكرة! ماذا قلت؟
    أغلق فمه، وحدق في الحشرات الضوئية، وفكر من غير كلمات: راصدة...ـ فهي تتبع الأثر قبل تحوله إلى أثير، والى عدم! فلديها قدرة التقاط ذبذبات نظام عمل الخلايا قبل أن تصدر أية إشارة...، آنذاك أكون ارتكبت جريمة لا أساس لها، ولا حتى خطرت ببالي. فالمكر هو دلالة حيوية وعنصر ما يخص بنية الديمومة...، أما ذلك الذي لا يسمح للمخلوقات إلا بالحفاظ على ما هي عليه...، بل والارتداد إلى ما قبل الماضي السابق...، والأسبق، والسحيق، في مواجهة تعديل للعلاقات....، فهو ...
     ولم يتلفظ بكلمة، بل ابتسم وقال للحشرات: ضوء قمري مغذى بمجسات كونية!
     لم يكن مسموح لها بالرد. عمليا ً ـ دار بخلده ـ انتزعت منها حناجرها، وأجهزة التواصل التلباثي، وأصبحت من غير فرمونات، لا صوتية ولا فوق صوتية، للانشغال بإنتاج الطاقة الضوئية، وتلافي متاهة الأخطاء بهذا الشأن. كما لم يغفل، دار بباله، انه كان واحدا ً من برنامج العمل، الذي قاد إلى مشروع العبور من الظلمات إلى العتمة القرمزية، ومن ثم إلى الأنوار الرمادية، الشفيفة. فقد لخص نظريته بالاختزال، وباستحداث تعديلات لتوظيف الأصوات بالعمل على إنتاج الطاقة، وتحويل الأخيرة إلى أثير مشع ذاتي الدوافع، ولكن وفق النظام الكلي لمجموع السكان، وللمكونات كافة. وتذكر ـ بشرود طيفي ـ إن احدهم سأله: ألا ترى إننا كلما تقدمنا في تفكيك الأسرار  نكتشف إننا اكتشفنا ما لم يكن يخطر برؤوسنا أبدا ً...؟ بلى! قال بصوت واثق، بلا تردد، لأن الأسرار إن خمدت فإنها تفضي إلى غيابها، بل وكأنها هي والعدم سواء!
ـ يا للكارثة، يا للنكبة!
   أجاب بخوف تام. وتابع يقول لنفسه مجددا ً: آن لي ـ كما قلت ذلك ما لا يحصى من المرات ـ أنا هو من يقوم بتشذيب هذا النسق من الانحراف.... ، فانا مسؤول، بالدرجة الأولى، عن النتائج: توجد ارض ..، وتوجد مخلوقات...، فان غاب العمل فلا معنى لهما بالضرورة. ماذا قلت؟
ـ مرة أخرى أصبحت أتلافى ما يحدث لي لا إراديا ً...، هذا الذي طالما لمحت نهايته قبل التفكير حتى ببذور نشأته ....، وقبل الشروع بإجراء أي تعديل ممكن، أو ضمن التصور، والافتراضات المحتملة..
    أوقف عمل الخلايا الباثة لا إراديا ً: فانا سأنتقل إلى نظام آخر: وأغدو مثل صخرة تأخذ موقع حضورها في الاتساع الكوني...، ومثل حرف في كلمة يستحيل زحزحتها من الجملة في الصفحة المدوّنة داخل هذا الكتاب المركون في الظلمات...
  إلا انه ـ وفي السياق نفسه ـ شعر انه حقق انتصارا ً: هزيمة لا يمكنهم سرقتها مني...، كما سرقت حياتي! إلا انه ـ ردد من غير صوت ـ لا يرغب أن يوكل نفسه للدفاع عنها! فانا لست مذنبا ً، وأضاف، مع إنني أكدت دائما ً باستحالة وجود كائنات بلا ذنوب!
ـ إن لم تكن مذنبا ً...، فلماذا لا تحصل على البراءة؟
    عاد الثلاثة يتقدمهم رابع اكبر حجما ً، له رأس ثور، من غير مجسات، أو قرون، ودار من حوله. فتخيل انه استنشق رائحة البرية، واستعاد بعضا ً من صورها، الشمس تشرق من وراء الدغل....
  وسمع الرابع يتمتم مع نفسه:
ـ ما الفائدة...، ما الفائدة حتى لو أدلى بما نريد...، أو بما يريد... أو..؟
    اقترب الفار الأول من كبير المحققين، هامسا ً:
ـ هذه هي أوامر الزعيم، مع إنني أشاطرك الرأي...، سيدي.
حدق في عينيه:
ـ كان عليكم أن لا تأتوا به أصلا ً...!
   ودك ارض الحفرة واقترب من البروفسور:
ـ أنت قلت أن الموت فرضية فائضة.....، فما فائدة وجود المحرقة إذا ً...؟
    لم يجب، فسأله مرة ثانية:
ـ الم ْ تسمعني؟
ـ آسف ...، كنت أتصور انك تتحدث مع القادة الآخرين!
ـ ها أنا أتحدث، وما عليك إلا  أن تسمع...، لأنها ربما تكون فرصتك الوحيدة...، أليس كذلك...؟
ـ آ...
     حاول أن ينهض، لكنه لم يستطع، فاضطر للكلام بصوت أعلى كي يسمعه:
ـ أنا اعتقد أن هناك جرثومة...، ثمة خلية، جزء ما لا يرى فيها..، مسؤول عن تنفيذ العمل...، لا إراديا ً، بمعنى، سيدي: يعمل كأنه طليق وقد كبل تماما ً بتنفيذ الواجب..، آسف...، لم يكبل، لم يكبل، بل هو حر تماما ً بالتخطي، لأن الحرية هي الذهاب وراء القيود.
   سأل كبير المحققين الجميع:
ـ عن أية خلية، عن أية جرثومة، يتحدث؟
قالوا بصوت واحد:
ـ ربما قصد أن يعثر على خيط للنجاة...، فهو يعرف إننا مخلوقات فوق ذكية!
ضحك كبير المحققين وسأل البروفسور:
ـ هل السنونو مخلوق أحمق؟
ـ كلا!
ـ والضبع، ثم ما هو رأيك بالغراب...، أول من علم القاتل أسلوب التستر على الجريمة؟
ـ نعم!
ـ مرة تقول كلا لتقول نعم، ومرة تقول نعم لتوحي لنا بـ: كلا...، فهل هناك مؤامرة...، اجب...، من غير نعم ومن غير ...لا؟
ـ هناك...، هناك، جرثومة تعمل لا إراديا ً بأعلى درجات الحرية...

ـ ماذا تعمل...؟
ـ  إنها تعمل...، اقصد إنها تعمل ضد العمل، وتفكر ضد أي شكل من أشكال التفكير!
ـ جميل! كأنك اكتشفت لغز العدالة؟
ـ لا ..، يا سيدي، أصغ إلي ّ...، أرجوك، أنا لا أهذي، فانا الآن اعمل ضد العمل كي أنفذه وفق البرنامج...
   اقترب المحقق الأول منه:
ـ هناك مؤامرة إذا ً...، وخارجية، أي هناك من يعمل فيها، فثمة أهداف لها،  ووسائل ...، أليس كذلك؟
ـ كنت أبديت تحفظي ...، التام...، والآن تأكد لي أن العاصفة ليست هي المسؤولة عن هدم الحدائق، واقتلاع أشجارها، وتخريبها، وإزالتها، ومحوها... من الوجود!
    تابع المحقق الثاني:
ـ ها أنت تدلنا على ... الممرات الخفية....، لطفا ً لا تتوقف عن الكلام؟
ـ أنا لا اقصد إن الحدائق هي المسؤولة عن عدم مقاومتها للخراب، بل قصدت إن ما سيأتي لن يترك أثرا ً دالا ً على ما حدث، وعلى ما مضى...، فحتى الرماد لا يعد دليلا ً...، وإلا من ذا يعرف ماذا تقول الفراغات، وما تكتمه، وماذا يقول ضوء هذه الحشرات...؟
    هز الثالث رأسه:
ـ انه يجدف!
ـ أبدا ً...، من أكون...، سيدي، والكل اللا متناهي لا يراني حتى قشة! فمن ذا أنا كي ابلغ هذه الدرجة..، درجة مذنب، أو جاحد، أو مجدّف...؟
ـ اعرف ...، ولكن موقعك هذا يكفي لإدانتك؟
   رفع رأسه قليلا ً وقال بصوت مرتبك:
ـ سيدي، أنا لم انطق بكلمة واحدة دفاعا ً عن نفسي، فلم أتحدث عن براءتي أبدا ً..! ولكنني مشغول بمساعدتكم لاستنطاق خلايا راسي النائمة، فربما أنا مازلت أغط في حلم عميق؟
ـ جميل.
   أضاف كبير المحققين:
ـ ها أنت بدأت بتفكيك العقد...، وتنبش في الممحوات!
ـ ولكن هذا يتطلب استنطاق جميع الحلقات، ومنها التي اندثرت قبل أن يكون لها وجود يذكر.
   ضحك المحقق الثالث وقال:
ـ ومنها التي لم تولد بعد؟
ـ صحيح، كيف عرفت؟
  هز رأسه متابعا ً:
ـ  فما دام المستقبل برمته هو جزء لصيق آليا ً بسلسلة هذا الذي بحكم المندثر الغائب الذي لا وجود له فان عمل هذه الجرثومة يبدو مبررا ً..، سيدي، وصريحا ً!
صرخ المحقق الأول:
ـ ها أنت تغطس في الوحل!
ـ تقصد في المستنقع الذي ولدت فيه، سيدي؟
ـ في الزريبة، أو في الجحر، أو في المجرى، أو في الحظيرة...، أو في أي جناح أو ركن من أركان حديقتنا الخالدة ...، فأنت اعترفت بالدليل القاطع...
ـ لا ...، أنا لم استخدم أية أداة للقطع!
ـ أصبحت تناور...؟
ـ سيدي.
  وخاطب كبير المحققين:
ـ ما دام المستقبل يمتد إلى ما وراء حافاته، فهو شبيه بمقدماته ليس باستطاعة احد أن يحدد مقاصده ..، وهذا تحديدا ً هو بيت الفرس!
ـ ها أنت تستخدم أمثلة العدو...، ولغته...؟
    أكد لهم انه لا يفعل ذلك إلا توخيا ً للدقة والموضوعية، فمربض الفرس لا وجود له بانتفاء وجود الشاهد!
   ربت كبير المحققين على كتفه:
ـ اخبرنا، يا سعادة البروفسور، كم علينا أن ننتظرك، وصبرنا بدأ بالنفاد...؟
   رفع صوته:
ـ فكوا قيودي.
   أمرهم كبير المحققين بإزالة السلاسل، وباقي القيود:
ـ آ ...، الآن أتكلم كأن الكلمات كانت مدفونة في كهف! فانا بودي، سيدي الموقر، أن أسألك: ما الذي تم استخلاصه من هذا التحقيق...، سوى إنني أمسكت بظل هذا المخلوق العنيد الذي يحافظ على ديمومة الماضي وصار يشتغل بوصفه مستقبلا ً؟
ـ أنا لن اعترض..، وأرجوك، يا كبير علماؤنا... لا تتوقف عن التدفق!
ـ فانا إذا ً ليس لدي ّ ما اخسره...، مادام الذي اربحه هو جزء من أجزاء الحلقة...، الخلية، الجرثومة، وقد بلغت ذروتها!
ـ قلت لك، لطفا ً، تابع، ولا تتوقف...؟
ـ لست أنا هو الذي توقف، ولا فمي، ولا خلايا دماغي، بل العمل ذاته يتطلب مثل هذه الاستراحات؟
   ووجه كلامه للجميع:
ـ تعرفون إنني لست مبشرا ً...، ولا صاحب نظرية، أو بدعة، أو واحدا ً من المجتهدين، الشاطحين، المفترين، من أصحاب بث الإشاعات، وقد سبق لي ولفتت نظركم إلى أن نظرية المؤامرة لها حضور الطيف، فهي مثل الشبح تولد وتزول وكأنها أحكمت قبضتها على لغز غيابها بالقوة ذاتها في حضورها الشفاف!
ـ آ ...، الطيف أم الشبح؟
  أجاب بصوت حازم حاد النهايات:
ـ لا احد منهما! وآسف إن كانت الكلمات سبقتني في التعبير!
ضحك المحقق الأول:
ـ ها أنت تقع في المصيدة، فاللسان مراوغ!
ـ تقصد العقل الكامن في خلايا الدماغ؟
ـ قل الخلايا التي أمضيت حياتك تعمل بها، وتستهلكها حتى بلغت درجة عدم صلاحيتها للعمل...، ودعك من اللسان بوصفه أداة عمل؟
ـ لا...، آسف...، لا يمكن عزل الأداة عن الموجه، ولا عن الوسيط،  فلا يمكن فهمهما إلا باستحالة استبدالهما بأداة أخرى. فاللسان لا يعمل طليقا ً!
قال المحقق الثالث:
ـ ها أنت تبرهن انك فقدت أي أمل بالحصول على البراءة؟
ـ سيدي، لا تصدر حكما ً قبل أن تدرك انه كان قد صدر منذ زمن بعيد...؟
ـ كأنك تقول المستقبل يعمل بمعزل عن ماضيه؟
ـ بل أقول: الماضي لم ينته بعد...
     فانا أكاد اشعر ـ من غير أدلة وبتوفرها كاملة ـ دار بخلده، انه لم يضع نهاية إلا لأنه مازال ديناميا ً..
سأله المحقق الثاني فجأة:
ـ كأنك تجري محاكمة لنفسك بمعزل عنا؟  هل تعتقد إننا خردة أم أدوات للقمع؟
ـ لا.. أبدا ً...، فالأمر يماثل السر، الذي يذهب ابعد من انتفاء دوره...، فهو يشتغل بوصفه يتجدد عبر علاماته...!
ـ انك تغوص أكثر مما كنا نتوقع...، وأكثر حتى مما كنا نرغب!
   ابتسم، للمرة الأولى، ووجد فمه يعمل من غير أوامر، إنما زمه، وشده، وأغلقه لبرهة، بقرار حازم، بانتظار الرد.
   سأله المحقق الأول بشرود:
ـ كأنك تقول إننا أدوات تعمل بمعزل عن إرادتها العليا؟
ـ ليس تماما ً.
     وسكت مرة ثانية، انأ لست من خرب هذه الحديقة، أنا لم اقتلع أشجارها، لم افسد هوائها، ومائها، وترابها، أنا لم اسرق كنوزها، وأبيعها، وأصبح ثريا ً من أثريائها، أنا هذا الذي ابحث عنه بعد أن كنت وجدته ...
ـ ماذا قلت؟
  وجد فمه ينطق:
ـ لأن هذا ينسحب بالضرورة على باقي الأجزاء!
   وأضاف بعينين مغمضتين:
ـ لو عدنا إلى البرية، إلى الغابات، فالأقوى وحده يفرض سيادته، لكن هذا لن يقلل أبدا ً من التصميم المحكم حتى لأضعف الصنوف، والأنواع: فالكل يمتلك نفوذه!
رد الأول:
ـ من غير قصد أم كي تبقى الهزيمة أبدية؟
ـ كلاهما، يا صاحب السيادة، يؤكد صواب الآخر، ويدعمه...، فلا هزيمة تامة، ولا انتصارات بإمكانها وضع خاتمة لها. فالبرمجة تسمح للمناورة بالديمومة حتى إنها لا تعلن إلا عن طيفها الذي يمتلك قدرات هذه الأشباح!
   اقترب المحقق الثاني منه:
ـ دعنا في الغابة...
ـ أمرك!
ـ الكل يموت ليتفسخ منتجا ً مضادات موته وتفسخه أيضا َ، فالكل إذا ً لا يموت، ولكنه يناور دفاعا ً عن موته!
ـ ها أنت تضع براءتك على  المحك؟
ـ ماذا تقصد...؟
ـ  اقصد تحديدا ً انك تمتلك هذا ألجين، الجرثومة،  السر الغامض الذي تحرص على ديمومته؟
ـ أرجوك، فلا يحق لك إثارة مثل هذا الشك، فانا لم أصرح أبدا ً بكلمة لا تدل على معناها...؟
    وهز البروفسور رأسه:
ـ نعم، وأنا لم اقل أن الأسد آثم لأنه لم يصبح إلا أسدا ً، بالعدوان...، أنا قلت إنها برمجة تؤدي دورها لأنها واعية بما هو ابعد من هذا الوعي! فلا احد باستطاعته وضع حد للعدالة؟
ـ تقصد: لطيفها، يا كبير علماؤنا...؟
ـ لا! العدالة ذاتها وإلا ما معنى أن نستبدلها بطيف؟
اقترب المحقق الأول منه وصرخ:
ـ انك تستحق المحو!
فقال المحقق الثاني:
ـ هذا يكفي لإرساله إلى المحرقة، فهو يدعو إلى عدالة بين النمر والغزال...، بين الغراب والصقر...، بين الضفدعة وزعيمنا الخالد؟
صرخ البروفسور:
ـ متى زل لساني بهذه الموبقات...؟ ومتى روجت لها....؟
رد الثالث:
ـ أنت تحدثت كفاية عن وجود جرثومة لا تسمح للأسد إلا أن يكون أسدا ً، والأمر لا يختلف عن الخنزير، أو العصفور...؟
ـ مثلما قلت أن الأقوى يستمد قوته من الضعفاء!
ـ هذا يؤكد وجهة النظر القائلة بان الملكية ما هي إلا حصل جمع الاغتصابات؟
ـ اخبروني...، كيف يحدث هذا التراكم....؟ أنا أقول لكم: انه يحدث للبرهنة على انه سيزول...، والعدالة، هنا، وحدها تنصف الجميع!
ـ أين ذهبت...؟ لأن ما نطقت به يرسلك إلى ابعد من الحرق..، وابعد من تحولك إلى رماد! فلا أمل لك حتى برد الاعتبار!
ـ سيدي، عندما استولى الأعداء على مصائرنا،  استثمروا قانون الأقوى وشذبوه...، فصاروا يتحدثون عن العدالة كحديثهم عن الفردوس ...، وهكذا نسجوا نظرية المؤامرة وكأنها سابقة في وجودها على وجودهم، ووجودنا.
ـ دعك من البشر الأشرار...، لأن لعبتهم تثير الغثيان، سمجة، خسيسة، فاسدة، محشوة بالجذام، والنذلات، ومكتظة بجرثومة عبادة المال، ومظاهر الفخامة، ودناءات داء العظمة...، لأنها قائمة على التمويهات، والخداع، وغسل العقول، ولا يمكن في نهاية المطاف إصلاحها...، فدعنا نتكلم في حدود حديقتنا، الغناء، المزدهرة، دائمة الاخضرار، حيث الغزال يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها الذئب، والبلبل يغرد متى شاء مثل رفيقنا الحمار ينهق على مدار الساعة...، وهذه ليست دعابة، أو دعاية، نفاق، أو ترضية، أو خذلان، كي لا أرسل إلى المحرقة، بل لأن القضية برمتها لا تقبل الدحض!
ـ ها أنت تؤكد بوجود هذا ألجين، الجرثومة المشفرة بالأسرار، التي لا تسمح للمستقبل إلا أن يقع في قاع ماضيه...؟
ـ فسر لي، لو سمحت، يا سعادة المحقق، ما الذي أبقانا نرفع شعار: تقدم خطوة وتراجع ثلاث خطوات، كي نختزل الزمن، أو نحرق مراحله...؟
، نحن نسألك...، وليس أنت من يسأل...؟
ـ أنا لم ادع إنني آت من كوكب آخر...، ولا خرجت من النهر، ولا ولدت من غير ولادة،  ولم ادع إنني امتلك السر، كما لم أروج له...، بل أنا هو واحد من هؤلاء  الذين سكنتهم هذه الآفات!
ـ تقول إنها آفات وليس مؤامرات، ونذلات، وانعدام حياء...؟
ـ لا ...، لا توجد مؤامرة، مادام الجميع يؤكدون إن العمل بها يساوي العمل ضدها! فمادمنا جميعا ً، بدءا ً بالنمر إلى الذبابة، ومن الكركدن إلى البرغوث، ومن التماسيح إلى البعوض، ومن الفيلة إلى الضفادع، ومن النسور إلى الحشرات الضوئية، ومن الديناصورات إلى المنقرضات المستقبلية....، ستموت، أي ستهلك، فما معنى لو حددنا موقع هذا الشبح العنيد الذي أبقانا، نتنعم، بالضوء الكامن في الظلمات، ونحيا كأننا نجونا من جحيم المحرقة، ومن رمادها، ومن كل عقاب محتمل بعد ذلك..؟
    ابتسم كبير المحققين:
ـ لِم َ لا نخرج في نزهة...
ـ آ ...، عند ضفاف البركة، تحت ظلال أشجار الليمون، خلف زرائب الثيران، وحظائر المجترات ...، ما أمتعها!
   ووجد البروفسور انه لم يعد لديه ما يتستر عليه، أو يخفيه، ليس لأن الغاطس بلا نهايات، بل لأن العلاقة بينهما عفي عليها الزمن، فعبور كل ثانية من ثواني الزمن ـ مهما كان موقعها في التسلسل ـ تنتج نسجا ً مغايرا ً للنساج، ثم إن المغزل لا يدور بالأصابع من غير الغزل...، فقال:
ـ ها أنا ابلغ الذروة الحرجة...، فلم يعد لدي ّما أبوح به. ليس لعدم وجود ما يقال، بل لأنني لو فعلت فسأكون كمن أصبت بالاضطراب...!
   صمت لحظة وأردف:
ـ فكل ما يدور في رؤوس النمل، أو القمل، أو البرغوث، أو الصراصير، أو النعام، أو الكلاب، أو الغربان، أو النمور....الخ، مدوّن لدينا! بل لقد سبق أن استحدثنا آليات لا تتنبأ بما سيقع فحسب، بل تتحكم بما سيقع بنسبة تجاوزت ما كنا حتى نحلم به!
فسأله كبير المحققين:
ـ عند من ...؟
ـ الم ْ أكن أنا هو من اشتغل بقراءة خلايا حفظ ديمومة هذا الذي عمل على هزيمة مفهوم الاندثار....، وتفكيك بناءات الساكن بساكن متحرك فعّال كي ّ يحافظ على أنساقه المهددة بالاستبدال، والاستحداث...؟
ـ نعم، أعرف!
ـ وهذا يعني تماما ًأن هناك ذلك الجزء الصريح، بل والمباشر، الذي لا يدع المستقبل يتحرك بأسرع من زحف الماضي نحوه...؟ فالمستقبل، سيدي، كرثة!
ـ غريب....، أستاذ أعظم مثلك يهاجم الغد...، ويفند آمال هذه الكائنات التواقة للذي لم تره، ولم تسمع به، ولم تلمسه، وتتذوقه، وتستنشقه، وتحدسه، وتدشنه....، أستاذ أعظم يفند تطلعنا للذي لم يكتشف بعد...، ويقف مع من يضع العثرات...؟
ـ سيدي الكبير: أتقصد عمل ذبذبات الخلايا ...، أم محركاتها، بانتظار صدمات غير متوقعه مادامت النهايات بحكم المدوّنة قبل تخطيها مسافات العبور...؟
ـ وماذا سيحدث ...؟
    صمت. آ ......، متمتا ً: لرائحة الشمس وهي تتجمد...، وسكت، لينطق بمرح: فانا ما أزال أصغي إلى صدى أقدام الغزلان تهرول في البرية....، وصدى أصوات البلابل تغرد رغم نعيب الغربان ووصوصة الدواجن وفحيح الأفاعي..!
   قال كبير المحققين:
ـ لا يحدث شيئا ً البتة! لأن هذا اللاشيء المبجل وحده المسؤول عن هذه الجرثومة، هذا اللغز الكامن في أقاصي أدمغتنا العنيدة!
ـ أكاد اجن...، تارة تتحدث عن الفراغ الوسيط بين المقدمات ونهاياتها، وتارة تتحدث عن اللا نهايات وقد شملت مقدماتها، وتارة أخرى تتحدث عن أصداء أقدام الغزلان....؟
ـ أوووووه ...، تريث، أغلق فمك، امح هذا الذي لوث عقلك الجميل...، وصر كأنك لم تولد، كأنك لم تمت، ولن تموت...، صر...، مثلي: ذراع تمتد إلى ما قبل الفجر...، وذراع تذهب ابعد من الغروب...، وتجمد، فانا لا اعبد إلا هذا الذي لا يتزحزح!
ـ عدنا إلى الحفرة؟
ـ نحن...، سيدي، لم نغادرها!
ـ لا اقصد هذه الحفرة في هذه الحديقة...
ـ سيدي، طلبت منك ـ والآن اكرر طلبي ـ أن نعمل على إعادة بناء هذه الخلايا...، وتجاهل،  أو إهمال، أو إغفال وجود ذلك الجزء اللعين ...، أو تركه يعمل ضد العمل، تركه ساكنا ً، وفيا ً للذي سيأتي بعد هذه الحقبة من الزمن.....، كالذي مكث أمينا ً على القفل، فلم يترك يدا ً إلا وحجب عنها المفتاح،  فها أنا أدلي بشهادتي وقد أصبحت طليقا ً شفافا ًخارج المراقبة وقوانين الاضطراب وضرباتها القاصمة...، وكأنني أنا هو لغز البذرة وسرها...!
   وسكت، وامتد صمته. فاقتربوا منه، تأملوه، لمسوه عن بعد، استنشقوه، وانشغلوا بمراقبه باثاته، ومديات الموجات اللا مرئية الصادرة عنه، والمجاورة له، ليخاطبه الأول:
ـ  البذرة تفعل ذلك لا إراديا ًبالتناسق مع نظام قهر المتغيرات اللا متوقعة.
وأضاف الرابع بفزع:
ـ أخشى إننا لم نستكمل انتزاع ما تبقى من المخفيات، وانه تمكن من تشفيرها بتمويهها بخلايا قيد الاستحداث، والتكّون...؟
أجاب الأول:
ـ سيدي، ليس لديه، وليس لدينا، ما يمكن التستر عليه!
ـ ماذا قلت..؟
ـ سيدي، يبدو انك بحاجة إلى جلسة!
ـ آسف، آسف، آسف....، فهمت!
ـ دعك من الأسف...، ليس لأن الأخطاء تعدل مساراتها آليا ً، وليس لأن المسارات لا ترتكب الأخطاء، وليس لأن الصواب يذهب ابعد من متاهاته، وليس لأن المتاهات تعمل بعشوائية...، بل لأن ما كنا نبحث عنه شغلنا حتى لم نعد نفكر بالبحث عنه!
ـ آ ......، أنا لن افتح فمي! ولن ابحث في خلايا رأسي عن هذا ألجين الشارد العنيد، ولن ....
   وسكت كبير المحققين. فقال المحقق الأول:
ـ كان البروفسور على حق، بل كثيرا ً ما نبهنا عن تمويهات ضفاف اليقين، واستبعاد الشبهات...!
هز المحقق الثاني رأسه:
ـ فهو، أيها السادة، نبهنا إلى أن الغفلة، لا تحدث، إلا عندما نعتقد إننا تجاهلنها لحظة بعد تسترها  وسكنها وتواريها في المخفيات، وعبر مظاهرها الخداعة، فكاد الحق يندمج بظله، ويذهب الظل ممتزجا ً بالضلال، وكاد الوهم أن يتلبس أركان اليقين ونسيجه!
أجاب المحقق الثالث:
ـ طالما كان البروفسور يردد: لا تسرعوا..، لا تسرعوا، لا تسرعوا ... بمعنى: لا تسرعوا  فالذروة قادمة حتى لو كان خط شروعها لم يبدأ بعد.
     أفاق البروفسور، حدق في الوجوه، ثم تمتم بصوت ناعم:
ـ آمل إنكم، أيها السادة، لم تغفلوا تدوين ما مر علي ّ أثناء فترات الصمت، وعبر لحظات  الفراغ، فثمة بالفعل هناك هذا الذي يصعب انتزاعه من مناطقه المجهولة الكامنة بعيدا ً ووراء كل حدود، وخارج مدى الحافات.
     اقترب المحقق الثالث منه كثيرا ً وهمس في إذنه:
ـ لا تهذي! فلو دوّنا ما رأيته، وما مر بخلايا دماغك، وانتشر في جسدك، وما تحول إلى بلورات، وأطياف، ورذاذ أثير ....، لتحتم علينا الإسراع، أسرع فأسرع من كل ما نمتلك من قدرات، وقوى، ونوايا ....، لبلوغ الذروة، بله معانقتها!
   هز البروفسور رأسه: اجل... أجل، إذا ً أنا لم اخف عليكم حتى الذي كنت اجهله، لأن القضاء على هذا ألجين، أي هذا الداء، يعني، يا سادتي الكرام، القضاء علينا!
29/9/2016
Az4445363@gmail.com

الأحد، 2 أكتوبر، 2016

قصص بغدادية العراق من خلال عيون الأطفال والجنود-بقلم أنا بيلغر ترجمة يوسف حجازي

قصص بغدادية
العراق من خلال عيون الأطفال والجنود
بقلم أنا بيلغر
ترجمة يوسف حجازي





من تصوير إبراهيم




وزع الصحفي الألماني فيليب أبرش أكثر من مائة كاميرا على أطفال وشباب وجنود أمريكيين في العراق ليلتقطوا مشاهد من حياتهم اليومية. الصور الفوتوغرافية تعرض حاليا في ألمانيا وفي الشرق الأوسط قريبا

تجمهروا أمام دبابة، خلف أسلاك شائكة وبالقرب من جنديين أمريكيين. الفتية العراقيون يبتسمون بنوع من الاستياء ويتخذون أوضاعاً مختلفةً أمام كاميرا سيف إبراهيم، البغدادي البالغ من العمر عشرة سنوات. سيف ابراهيم ومائة طفل وفتى آخرون من العاصمة العراقية تتراوح أعمارهم ما بين 10 إلى 16 عاما أصبحوا مصوري ما بعد الحرب.

بصورهم يوثّقون حياتهم اليومية بعد صدام ومع الجنود الأمريكيين، يعرضون الأنقاض والركام. ولكنهم يُظِهرون أيضاً بعض الفتيات الصغيرات اللواتي يستعرضن أثوابهن، أو فتياناً يلعبون كرة القدم في ساحة رملية مسيجة بشجر النخيل. هذه الصور تعبر عن أكثر ما يتمنوه جميعهم - السلام والاستقرار.

من خلال عيون أخرى

يريد فيليب أبرش أن يلتقط بواسطة هذه الصور نظرة اولئك الذين غالباً ما يكونون أشد المتضررين في الحروب. ويقوم هذا الصحفي من برلين بمشاريع تصوير مع أطفال وفتية في مناطق النزاعات بشكل رئيسي.

ففي العراق قام بتوزيع 170 كاميرا مخصصة للاستخدام لمرة واحدة على فتيات وفتية عراقيين وعلى عدد من الجنود الأمريكيين الشباب. ويقول الصحفي البالغ من العمر 28 عاما: "طلبت منهم أن يصوروا ما هو مهم بالنسبة لهم وما يريدون إظهاره للآخرين"، كما وأن "الصور تجعل التفاهم أمراً ممكناً بالرغم من كل العوائق اللغوية."

نشأت فكرة تقديم الحرب من زاوية نظر أخرى عندما كان فيليب أبرش جنديا. إذ عمل أثناء خدمة الاحتياط كمراسل لإذاعة الجيش الألماني عام 1997 في البلقان، وشاهد للمرة الأولى الأبنية المدمرة وحقول الألغام. هذه الانطباعات لابثته منذ ذلك الحين. فبدأ بعد عامين مشروعه الأول للتصوير مع أطفال ألبانيين وصربيين في الكوسوفو. معرض الصور "من خلال عيون أخرى" عرض في كل من الكوسوفو وألمانيا وفي مهرجان فن التصوير "فوتو – بيناله" لعام 2000 في روتردام.

خطرت للصحفي الشاب فكرة المشروع التالي أثناء إحدى رحلاته بالقطار. طرح على نفسه السؤال التالي: ما الذي يحدث في يوم معين في مكان آخر ما؟ عمل أبرش على إنجاز لقطة فوتوغرافية للعالم من منظور الأطفال، وذلك بالاشتراك مع المؤسسة الألمانية للتعاون التقني، حيث ضغط 500 طفلاً في 43 دولة على زر الكاميرا في 30 نيسان 2002. أجمل الصور التي التقطت في هذا اليوم تعرض في المعرض الجوال الذي يحمل العنوان "تخيّل أن صورك ستفتح لي عيني" "
Imagine - your photos will open my eyes" والذي سيعرض هذا العام في أكثر من 30 دولة.

قصص صغيرة هامة

وزع فيليب أبرش على الفتيان والجنود مع كل كاميرا أيضا ورقة استفتاء، ليتسنى من خلال الإجابات على الأسئلة إيضاح زوايا النظر المختلفة. على سبيل المثال يطرح السؤال التالي: "هل تعتقد أنه بإمكانك أن تغير شيئاً في العراق؟ " أحد الجنود يجيب: " نعم، إذا سمح لنا العراقيون بذلك ." أحد الفتية العراقيون يعتقد أيضاً بإمكانية التغيير ويشرح ذلك بقوله: " لأن صدام قد ذهب. ولكننا سنكون أيضاً مسرورين فيما لو رحل الأمريكان عما قريب."

هذه المنظورات المختلفة للحياة اليومية في بغداد يقدمها أبرش مع بعضها البعض في معرض "قصص بغدادية" "
Baghdad Stories" ، الذي يعرض حالياً في مدينة كاسل (Kassel) وعما قريب أيضاً في مدن ألمانية أخرى وفي الشرق الأوسط.

فيليب أبرش مسرور من تمكنه عبر عمله واهتمامه هذا من أن يروي لشرائح عريضة من الناس هذه القصص الصغيرة، العفوية والهامة من العراق (قصص بغدادية).

يجمع فيليب أبرش التبرعات لبناء مدرسة في بغداد بالإشتراك مع منظمة"
Architects For People In Need" "مهندسون معماريون لمساعدة الشعوب المحتاجة".

ـــــ

فرقة جهجوكة: مزيج من الصوفية والوثنية- أريان فاريبورز ترجمة عبد اللطيف شعيب

فرقة جهجوكة:
مزيج من الصوفية والوثنية

أريان فاريبورز
ترجمة عبد اللطيف شعيب



الفرقة التقليدية جهجوكة لا توجد فرقة موسيقية في العالم الإسلامي لها تاريخ غني بالتقاليد الموسيقية مثل الفرقة المغربية المسماة جهجوكة، ومع ذلك فإن الحضارة المعاصرة والتطور الاجتماعي ألقيا بالظلال عليها. تقرير أريان فريبورز.

تقع قرية جهجوكة الصغيرة والتي يبلغ عدد سكانها حوالي خمسمائة نسمة على أطراف جبال الرّيف في شمال المغرب، وجدران بيوتها مطلية باللون الأبيض وأبوابها ونوافذها مدهونة باللون الأزرق. وفي القرية طريق وعر يمر فوق تلة يؤدي إلى مسجد القرية والمدرسة ويكثر على جانبيه شجيرات الصبار والأحجار الصخرية.

لسنا بصدد قرية من القرى المألوفة، إذ أن جهجوكة أنجبت فرقة موسيقية ممتازة، يعود أسلافها إلى القرن التاسع والعاشر الميلادي، وهم قد جاءوا من ايران وما زالوا حتى اليوم مشهورين بموسيقاهم الساحرة والشافية.

أسطورة سيدي أحمد الشيخ

ينتشر بين سكان القرية الصغيرة العديد من الأساطير والخرافات، خاصة أسطورة أحد الأولياء المسمى بسيدي أحمد الشيخ، وهو من وضع الحجر الأساس لهذه القرية وجاء بالإسلام إليها. ليس هذا فحسب، بل إن سيدي أحمد الشيخ يعد من كبار الفلاسفة والشعراء الموهوبين أيضاً. فكان أول من مزج الموسيقى في فنه الشعري وأدخلها إلى القرية.

في القرن السابع عشر الميلادي أنشد مغنيوا جهجوكة قصائدهم الدينية في بلاط السلاطنة العلويين في المغرب، وعاشوا قي قصور الحكام المسلمين وعزفوا وأنشدوا بانتظام في المناسبات.

وفن العزف عند فرقة جهجوكة مرتبط بالصوفية والوثنية. وكانوا يعزفون على الطبول والرق والناي والمزمار والقيثارة. وعلى مدى ساعات من الترنيمات المتتالية تتحول الموسيقى إلى غناء، ويصبح المغني والجمهور في حالة غيبوبة. ويشهد سكان القرية وعشاق الموسيقى بالقدرة السحرية والأثر العلاجى لهذه الموسيقى.

وقد شاعت قدرة الموسيقى على العلاج في القرى المجاورة، لدرجة أن كثيرا من الناس يحّجون إلى جهجوكة سواء كانوا يعانون من شلل أو مرض نفسي أو عقم، ويأملون في الشفاء العاجل بالايقاعات الصوفية وبـ"بركة" سيدي أحمد شيخ.

بوجلود – أبو الرّعب

ليست الألحان الروحية والعلاجية هي من خصائص موسيقى الجهجوكة فقط، بل نجد أن للموسيقيين أهمية كبرى في العادات الريفية والوثنية والرقصات الصاخبة. وأهم شخصية هنا هو الإله الماعز بوجلود، ويسمى أيضا "أبو الرعب".

وبوجلود ما هو إلا إله يشبه "إله الماعز بام" عند الرومان، وهو رمز للخصوبة والإنجاب عند أهل القرية. وتصبح النساء قادرة على الإنجاب إذا لمسها بوجلود بعصاته أثناء الرقص.

وتشعل النيران في ساحة القرية مرة كل عام في نهاية شهر رمضان تكريما لـ "بوجلود" ، وتبدأ الفرقة في العزف ، والكل ينتظر بشغف مجيء "الإله الماعز".

وفجأة يظهر في شكل مخيف مرعب مرتديا جلد ماعز وقبعة من القش ووجهه مطلي بالسواد. ويمسك "بوجلود" بغصنين من الزيتون ويلوح بهما في الهواء ويبدأ في التمايل مع الإيقاعات الموسيقية.

مقابلات مع جيل البيت

لقد أثرت فرقة جهجوكة بموسيقاها على الفنانين الغربيين وخاصة الأميركيين في العقود الماضية. ومن الممكن أن نقرأ أسماء الذين ذهبوا إلى جهجوكة بحثاً عن الإلهام الروحي والموسيقي، فنجد أسماء الباحثين عن ثقافة البوب والأدباء والمتنقلين بين البلاد، بدءً من شعراء البيت الذين يعيشون في طنجة أمثال براين غيسن Brion Gysin ووليام س بوروز William S. Burroughs وباول بولس Paul Bowles حتى عازف الإيقاع برين جونس Brian Jones من فرقة رولنغ ستون Rolling Stones ورائد موسيقى الجاز الحرة أورنيت كولمان Ornette Coleman.

وفي الأربعينيات كان قائد وفنان فرقة جهجوكة هو المغربي المشهور محمد حمري وكان همزة الوصل بين الغرب وبين جهجوكة، وكان أيضا هو الفنان المغربي الوحيد الذي كان على صلة بـ بوروز وغيسن من وقت لآخر.

وبسبب المجاعة التي انتشرت في الأربعينيات في جهجوكة والقرى المحيطة بها في منطقة جبال الريف اقترح حمري أن يجعل هذه الموسيقى الرائعة متاحة لجمهور أكبر وأن تعزف في الميادين العامة بالمدن الكبيرة لكسب المال ومن ثم مكافحة الفقر في القرية.

ألف ليلة وليلة في طنجة

وعقب ذلك تعرف حمري في طنجة على كل من باول بولس وبراين غيسن اللذين اكتشفا موهبته الفنية العالية وشجعوها. وقام حمري باصطحابهما عام 1950 لأول مرة إلى جهجوكة، حيث شاهدا الفرقة. وكان براين غيسن منبهرا لدرجة أنه قال: "تلك هى الموسيقى التي أود أن أسمعها بقية حياتي".

ومن أجل دعم القرية ورفع المستوى المادي لسكانها ولدت فكرة إنشاء مطعم ألف ليلة وليلة في قصبة طنجة عام 1952، حيث تعزف الموسيقى.

وحسبما كتب الناقد الموسيقي جو أمبروز Joe Ambrose في تقريره فإن حمري كان مختصا بالمطبخ وخدمة الزبائن، بينما كان براين غيسن يتولى جلب الصفوة من الزبائن أمثال البوهيميين وموظفي السفارات والدبلوماسيين، كما كان مسؤولا عن تهيئة الجو العام.

وكان الموسيقيون يتعاقبون على العمل في مجموعات صغيرة، فكانت المجموعة مكونة من ست أشخاص تأتي لمدة أسبوع ثم تعود إلى القرية بالنقود التي اكتسبتها وتبعث المجموعة الأخرى. أما نساء جهجوكة فكن يقمن بأعمال المطبخ والقيام بالنظافة.

وإلى جانب المشاهير المحليين كانت زبائن ألف ليلة وليلة من رواد الثقافة المتأثرة بالغرب أمثال تيموثي ليري Timothy Leary والمتخصص في أدب البيت وليام بوروز الذي كان يقدر فرقة جهجوكة كل تقدير وأطلق عليهم ذات مرة لقب فرقة "روك آند رول البالغة من العمر أربعة آلاف سنة".

تجارب موسيقية مع موسيقيين من الغرب

وتعتبر زيارة براين جونس لفرقة جهجوكة في الستينات بداية للرحلات التي يقوم بها الموسيقيون الغربيون حتى اليوم إلى جهجوكة. وقد قامت "فرقة جهجوكة" عام 1968 بحفل موسيقي من نوع خاص لـ براين جونس، وقد سجلت الحفلة وظهرت كألبوم تحت عنوان "برين جونس يقابل موسيقي جهجوكة" ، وهو يعتبر من الألبومات الأولى للموسيقى التجريبية العالمية.

وفي يناير/كانون الثاني 1973 تبعه رائد موسيقى الجاز الحرة أورنيت كولمان وشجعه على السفر إلى المغرب روبرت بالمر الناقد الموسيقي، الذي كان قد زار جهجوكة من قبل. وكان كولمان يختلف عن براين جونس – الذي لم يقم إلا بالتسجيل لفرقة جهجوكة – حيث أراد أن يعزف معهم، ولكن الربط بين نوعين مختلفين من الموسيقى كان أصعب مما كان يتصور.

ولم يسمح نظام عزف الفرقة المغربية ذو الصبغة الدينية أن يتكيف بسهولة مع عزف كولمان الارتجالي الصعب. ويقال إن كولمان استطاع تأليف موسيقى تتناسب مع الجانبين، ولكنه لم يستطع نشرها لأن شركة الاسطوانات طردته قبل أن ينتهي من إنتاج ألبوم جهجوكة بوقت قليل.

وما شاهده أورنيت كولمان في جهجوكة كان له أثر على موسيقاه لمدة طويلة، وبفضل خبرته استطاع رائد موسيقى الجاز الحرة تكوين فرقة عازفي الغيتار الموسيقية "برايم تايم"، التي ظل مشهورا بها على مدى أعوام طويلة.

الإتّجار والتحول الموسيقي

وقد تغير وضع فرقة جهجوكة بطريقة مأساوية وعلى وجه الخصوص في العقدين الأخيرين، ذلك لأن الظروف الاقتصادية لم تعد تسمح لأحد أن يجعل حياته وقفا على الموسيقى؟ وأصبحت لحياة التقليدية في جهجوكة تتلاشى باطراد، حتى أن كثيراً من الموسيقيين قد ترك القرية بحثاً عن كسب العيش وطرق الحياة الحديثة.

ولم تكن التقلبات الإجتماعية وحدها هي التي أدت إلى انهيار فن الموسيقى التقليدي للفرقة، بل أيضا وفاة قائد الفرقة الوحيد الحاج عبد السلام عطار. وبعدها طالب ابنه بشير عطار لنفسه بحق قيادة الفرقة.

وطبقا لما كتبه الناقد الموسيقي أمبروز في تقريره فإن بشير عطار ذهب إلى فرقة جهجوكة في القرية وقال لهم إن والده كان قائدا للفرقة وأنه سوف يتقلد هذه الوظيفة من الآن، وأن عليهم شراء بعض الآلات الالكترونية لإدخالها في الموسيقى حتى تصبح تجارية بدرجة أكبر.

وكان صغيرا في السن آنذاك، وعلى ما أعتقد كان في بداية العشرين. أما الموسيقيون الذين اشترك منهم الكثير في ألبوم براين جونس فسخروا منه وقالوا له:

"من الممكن أن تصبح قائد الفرقة عندما يأتي دورك، ولكنك ما زلت صغيرا، ولن تحظ بالقيادة لأنها كانت مع والدك، وعلاوة على ذلك فإن هذه الآلات الحديثة ما هي إلا هراء."

مشروعات موسيقى عالمية غريبة

وبالفعل ذهب بشير عطار بطموحاته ليربط موسيقى جهجوكة مع اسمه وينشرها في جميع أنحاء العالم. وتعاون مع كبار نجوم موسيقى البوب الغربيين، وقدم تنازلات لدرجة أنه لم يبق إلا القليل من أصل موسيقى فرقة جهجوكة التقليدية.

وعلى العكس تماما من حمري لم ينفق أبدا بشير عطار من الدخول المكتسبة عن طريق الاتجار بفرقة جهجوكة على القرية وسكانها. كما أنه بدأ في تجنيد موسيقيين – ليست بينهم وبين جهجوكة أية صلة بهذا الخصوص - من المدن المجاورة مثل قصر الكبير وطنجة.

ويفتقد آخر ألبوم سجله عطار بعنوان "موسيقى جهجوكة تقدم بشير عطار" - بالتعاون مع دي جي تلوين سنغ - كل المعاني الموسيقية الجميلة لتقاليد فرقة جهجوكة التقليدية.

وأنتج عطار أعمالا أخرى بالتعاون مع عازف الساكسوفن ماكيو باركر Maceo Parker وفريق رولنغ ستون Rolling Stones ، وكانت مشاريع موسيقية كبيرة لا تمت لموسيقى جهجوكة بأية صلة.

ومع ذلك فلم يكن كل الموسيقين في جهجوكة راضين عن طريقة بشير عطار في الإتجار بالموسيقى الدينية والروحية، ولم يسلكوا طريقه لأنه عين نفسه قائدا لفرقة جهجوكة في الصفقات التجارية الموسيقية.

أما المعارضون لبشير عطار فقد كوّنوا فرقة ترتبط مشاعرها بفرقة جهجوكة التقليدية التي أسسها حمري. وهم يعزفون ألحانا موسيقية لها قالب يختلف عما كان قبل عشرين عاما، ولكنها لا تتناسب مع متطلبات نجوم الموسيقى والمنتجين التجاريين.

وبهذا يتواجد اليوم فرقتين تحت اسم "جهجوكة"، إلا أنهم لا يريدون التعاون فيما بينهما. كما أن حدة توتر العلاقة بين الفرقتين تلحق الضرر بجو التعايش في القرية لأن حدود الفرقتين ضائعة بين الإخوة وأولاد الأعمام.

ويعد انقسام فرقة "جهجوكة" حدثا مؤلما، ومثال ذلك يمكن أن يقع إذا دخل العالم الثالث في مجال صناعة الموسيقى. ومع ذلك فقد بقي في جهجوكة نوع من الثقافة الموسيقية العريقة جدا التي تعد فريدة من نوعها بكل المعاني، وهي موسيقى تجذب باستمرار خيال الفنانين والمتجولين بين البلاد بحثا عن التجربة والخلاص عن طريق القوى السحرية القديمة.