بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 4 يونيو 2016

أختام *- الختم الثاني : عادل كامل



















أختام *


 الختم الثاني

عادل كامل
  [3] الكتمان ـ مرئيا ً


     سأعترف أنني لا امتلك حق القول أنني نفذت أختامي بموازاة ما كنت أريده، أو انه النتيجة المثلى، والأخيرة، ولكني لا اشعر أنني غادرت ولعي  بإعادة صياغة أفكاري. إن أصابعي تعمل فانقاد إليها! أشيّد وأضيف مع الحذف كي ابلغ بالنص نهايته: إشارات تكاد تلغي ما تتضمنه العلامة من تجريد/ رموز/ وإيحاءات. ففي الإشارات يكمن اللا متوقع الذي كنت أراقبه، وانتظره، وليس في العلامات، بل ولا حتى في الأسلوب. فانا ازداد انشغالا ً بمغادرة أشكالي، وكل ما سيشكل خصائص الختم.
     هنا اكتشف أني احفر في مدافني الأولى: في مقبرة شبعاد، قبل أكثر من نصف قرن، بجوار مقابر أور، على مسافة غير بعيدة عن الناصرية ـ مركز ذي قار ـ حيث استعيد حرارة الرمال، في الخارج، وأصداء أصوات ما جرى إبان نزول الأميرة شبعاد إلى العالم السفلي. أتذكر ـ بعد نصف قرن ـ أنني تحدثت إلى البروفسور هاوزه ـ مدير متحف برلين  عام 2005 ـ عن لغز القبر السومري، وعن المعتقدات البكر للايكولوجيا الكونية. ماذا تقصد...؟ سألني. فقلت أن هناك فجوة للعبور، بين الموت والحياة، وبين الحياة والموت، تخيلها السومري كي تتحول إلى جسر، أو صلة يستحيل استبعادها. فثمة كون وجد نفسه فيه متوحدا ً عبر تحولات المظاهر، وهي التي ستظهر تأثيراتها في الهند ـ بعد ألف سنة ـ بعيدا ً عن المثنوية وصراع الضدين. فالوحدة التي تخيلها السومري تركت الزمن لا ينتهي عند خاتمة، بل يمتد، عبر دورات. فرأس الأفعى عندما يبلغ ذيلها، يمتد، عبر دورة اكبر، تتقاطع مع مفهوم الرجوع إلى التراب ـ أو إلى العدم.
     موت له مذاق الأبدية! لكني لم استبعد أبدا ً حدود التجربة بحدود التصوّر؛ حدود الدفاع عن كياني، بما اعرفه، وخبرته، وعشته، مع أني لم الغ أن هناك خلايا تعمل بالنظام الأكثر تعقيدا ً، الخاص بالكون، وليس بحدود وجودي. انه إغراء آخر للعمل، كواجب، وليس ترفا ً أو بذخا ً.
     على أن الكلمات أما تذهب ابعد من النص الفني، أو انها ستتحول إلى يد تدور في مفتاح الباب: الباب الذي ادخله، طالما من المستحيل العثور على سكن فيه، عدا الكون الذي لا علاقة له لا بالموت ولا بالحياة! وهنا  ساترك إحساسي بالزمن، وبما سيقال حول تجربتي، فأنا بالختم اترك كياني مكبلا ً بحرية الضرورة، وبضرورات هذه الحرية.
     فالفن لن يفصل الأثر عن صانعه، ولا صانعه عنه. فأدرك أن السومري صاغ مفهوما ً سترجع إليه البشرية في لحظة إدراكها انها لن تبلغ خاتمتها.  فهي تتضمن دورات، شفرت عبر ما لا يحصى من الحروب والكتب في الجسد/ الوعي/ وفي الكيان بوجوده في الوجود: دينامية تتحول الحياة فيها إلى رقصة (بوذا) و (فناء ً) كما في مسلك الصوفي وطرقه.
     لكن النشاط الفردي ـ الخاص ـ لن يعمم، الأمر الذي يجعل كل ختم، مستقلا ً عن سواه. فكما كل وردة، في البستان، لها تفردها، فان ما لا يحصى من الورود (والأزهار البرية) ستعمل على حماية هذا الختم: الهوية، والأسباب الكامنة في الأسباب، فلا ضرورة لسؤال مثل: لماذا اعمل ... ولا ضرورة لسؤال: ماذا لو تخليت عن العمل؟ لكني ـ هنا ـ اخترع لعبة، أو تسلية، بل وعيا ً له موقعه للتحرر من الأعباء، والضرورات اللا ضرورية، يسمح لكياني أن يتشكل مع الموجودات النائية، والمجاورة على حد سواء.
     انه شرط يحرر الشرط بتحوله من قيد إلى توق. فتكف اللغة عن مجال عملها، في الاستغاثة، أو في المؤانسة، أو في الشهادة، أو الترميز، كي تغدو جزءا ً من الختم. فهو وحده يقول ما يكتمه، وهو وحده يفضح كتمانه.

[4]البحث عن الذي غادرني

     ليس أكثر من تأمل ما ستؤول إليه النصوص: زوالها. وبمعنى ما فانا امسك بما أراه يندثر. ففي عالم كفت فيه قوانينه ـ عدا عنفه وأقنعته وغوايته ـ عن العمل، يغدو الفن ممرا ً للبحث عن الدوافع التي سمحت لأصابع أسلافي أن تنسج هذا الذي حفزني للعثور على توازن مستحيل في الفن:انه قيد لممارسة وهم الخلاص منه. لم يكن أسلافي في المغارات أو في أعالي الجبال يحلمون بأكثر من المرور في الدرب ذاته الذي لا طائل من المشي فيه! إلا أنني ـ وأنا أبصر حبيبات الزمن تذوب في الفراغات والمسافات اللانهائية ـ لا أرى شيئا ً باستطاعته أن يمنع بصري من الاستيقاظ: التاريخ بصفته لم يبدأ! وكأن لغز جلجامش مازال يمتلك غوايته: التفوق! والبحث عن سكينة غير التي يحدثها الفناء، أو الموت. فأتخلى عن المعاني ..فانا أدوّن بحثا ً عن هذا الذي لا أتوقعه: لون ما .. أو تصدعات، أو مخربشات تمتلك كل ما لا يمكن تحديده في الكل اللا متناهي وقد غدا مرئيا ً، أو تحت البصر. فانا لست منفصلا ً عن نفسي! ولا عن ختمي. لأننا ـ كلانا ـ لا نمتلك سوى استحالة نفي هذا الحضور ـ هذا الذي يتفتت، ويتجمع، كي يعلن عن صلابة نظام الامتداد؛ امتداد الفراغات وتجمعها، حد استحالة مغادرة حدود اللامحدود ـ والسكن فيه. لا مكان ولا زمن ـ للمؤجلات! فانا تام الموت، وتام الغياب، وحضوري وحده صار الختم بما يستحيل مغادرته. إنها  لذّات أصابع أمسكت بالمفتاح وهو يدور في الهواء.
     فبماذا امسك...وليس بين يدي ّ إلا ما أراه يغادرني، عدا إحساسي الخفي بان اللا متناهي يمتلك حضوره، لا كغواية، أو مناورة، بل واجبا ً.
     هكذا  ـ كما يحدث لمن تأجل موته ـ يختفي التذمر أو الاستسلام للتعب، فيغدو ـ هذا الغائب ـ حاضرا ً بما فقده. فاستعيد رغبة صياغة علامات أحاول فيها وضع مصيري برمته، لا للمباهاة أو لفت النظر، بل للتواري، والسكن بعيدا ً عن الرقابة. لكنني لم امتلك قدرة أن أصبح أعمى، إلا عندما ازداد ثقة بان مصيري يسبقني، فامشي خلفه، بلا استئذان، أو رغبة بالغفران. انه الذنب التام الموازي لولادة لا اختيار لي فيها بعزلها عن حتمية أن أراها تأخذ ـ غيابها وحضورها ـ كي أحافظ على شرود ـ وعزلة ـ كلاهما يجعلاني امشي في جنازتي ـ أو في موتي.
[5] المحنة: الفجوة ليست بعدا ً



     عندما لا يقذف الفنان عمله (الفني) إلى السوق، بصفته سلعة، أو عندما لا يجد مبررا ً لعرضه خارج حدود المشغل، أو عندما لم يعد نتيجة أسباب خاصة، فانه، في لحظة استحالة العثور على ما يماثل مشاعر الانجذاب في الحب، أو في التصوّرات الاستثنائية، التي اتحدت وسائلها بغايتها، فان ثمة ظلمات لها فعل الغبار البركاني تجعل مصيره معلقا ً، فيرى انه ـ في العمق ـ قد هدم ما علق فيه من تاريخ، لكن ليس لصياغة علامات مميزة، وإنما كي لا يبدو ، في هذه المتاهة الحالكة ـ إلا وقد اجل خاتمته، مثلما أدرك انه كاد ينفصل عن ماضيه.
     أليست هذه أزمة لاذعة، كالتي يكتوي فيها جندي في حرب لا معنى لوجوده فيها دخلها كي لا يغادرها، لا بالربح ولا بالخسارة، أو كحال من وجد انه غير قادر على الاندماج، حتى في الاستسلام لموته!
     إنها ليست حالة سيكولوجية، أو اجتماعية (بسبب استحالة العثور على خلاص يوازي وعيه لوجوده) وإنما شبيه بموقف من وجد أن أفضل الاختيارات باطلة، فيكون ـ هنا ـ كمن حفر في الأرض قبرا ً لينبت فيه أسباب استحالة انه وجد فائضا ً، أو محض مصادفة، تاركا ً الأمل والخسارة والتصورات بعيدا ً عن الخاتمة.
     هو ذا الطريق المائل المضاد للدرب العام، الذي لن يسمح بالارتداد أو الشكوى. فالصوفي يأمل ـ حد الصدق ـ بما سيجده في الفناء ـ أو بما لا يجده أيضا ً ـ وشبيه بمن تخلى عن أناه لقضية ما بلغت ذروتها في الوجد، والانجذاب حد المحو، إنما هنا تحدث المصالحة بين الكيان ـ كياني برمته ـ وما أراه أصبح شبيها بالملكية: الأشياء ذاتها لا تخفي إلا ما تعلنه، وهذا الذي تعلنه ليس هو الذي كنت أريد أن يكون مجموع الأشياء. إنها ـ اذا ً ـ المحنة وقد غادرت لغزها. فأنا أصبحت علامة مضادة؛ علامة بين علامات، كغريق لا يمتلك إلا أن يحيا حياة ما بعد الغرق: حال صوفي أخذه الوجد حد غياب غيابه. وهي ذاتها اللحظات التي طالما قاومت فيها موتي (المادي) كي أصحو ـ كآخر ـ كف أن يموت.
     إن أصابعي تجرجر رفيف رغباتي فأراها تتداخل في وجه، أو في جسد مختزل، أو عبر اللا متوقع وقد أمد في ّ قدرة الموازنة بين المستحيلات والمنجز، وبين الأشكال وما تسترت عليه. فالإحساس الجمعي غدا لا صلة له بعلاقتي مع الآخرين، كما حرر (ذاتي) من قيودها، وغذاني  بالتقدم، مرة بعد أخرى، وأنا أكاد امسك بالذي لم يسمح لي أن أعيش خارج انجذابه: أهو الفن، أم هو ما بجواره، أم هو حماية ما، أم الشيء الشبيه بـ (بالشيء)، الذي لن يقارن إلا بالمسافة بين الظل ونوره، أو ـ بمعنى أدق ـ هذا الذي أراه تكوّن عبر غيابي ..وإلا فإنني أكون قد وجدت غواية ما للاندماج .. أي: للعزلة، كالميت وقد عثر على من يرقد بجواره!


تأملات أثناء العمل ـ وقد سبق أن نشرت حلقات من التجربة تحت عنوان: اختما معاصرة.

أزمة المدونات العربية: التدوين في متاهات البحث عن التنوير- محمد الساحلي




أزمة المدونات العربية:
التدوين في متاهات البحث عن التنوير

محمد الساحلي

لم تكن المدونات وقت ظهورها الأول سوى سجلات إلكترونية لاهتمامات شخصية، ثم نمت وتطورت لتصبح وسيطاً معرفياً ومساحة للتعبير، غير أنها لن تستطيع إحداث التغيير المجتمعي المطلوب دون إصلاحات ديمقراطية حقيقية، كما يرى المدون المغربي الشهير ومنظم جائزة المدونين العرب محمد الساحلي في هذه المقالة.



"الديمقراطية هي التي تصنع المدونات وليست المدونات التي تصنع الديمقراطية" بدأت المدونات العربية في الظهور بشكل تدريجي منذ سنة 2003، لكن عددها كان قليلاً آنذاك، ولم تكن كلمة "مدونة" شائعة باللغة العربية. ورغم قلة عدد المدونين آنذاك، إلا أن جودة المدونات كانت لافتة. وخلال السنة التالية بدأت ظاهرة التدوين في الانتشار وسط مستخدمي الإنترنت العرب، وبدأت الصحافة العربية تقارب، ولو بشكل محدود، موضوع المدونات. ثم ظهرت خدمات تدوين مجانية باللغة العربية، لتبسيط إنشاء المدونات للعرب، وبدا في الأفق أن ثورة جديدة قادمة؛ ثورة على غرار "ثورة المنتديات" التي فرخت في حينها آلاف المنتديات المتشابهة التي ينقل بعضها عن بعض، دون استحياء!

وتحقق ذلك للأسف بسرعة سنة 2007، حيث بدأت المدونات العربية تتناسخ كالفيروسات ناقلة معها "فوضى المنتديات" بكل سلبياتها، وبدأت أحلام المراقبين تنهار بتناقص جودة المدونات العربية ودخولها مرحلة من الركود ما زال في رأيي مستمرا حتى الآن.

خلال السنوات الأولى لانتشار التدوين عربيا، كانت خدمة Blogger المملوكة لجوجل أفضل وأشهر خدمة تدوين مجانية، لكن بحكم أنها كانت بالانجليزية فقط، آنذاك، بقيت حكرا على فئة من مستخدمي الانترنت العرب، القادرين على التعامل مع اللغة الانجليزية وعلى الصعوبات التقنية لبلوجر. لم يكن إنشاء المدونات آنذاك سهلا، لذلك كان عددها قليلاً. لكن في وقت لاحق، ظهرت خدمات تدوين عربية أرادت تقديم خدمات شبيهة ببلوجر، غير أنها، لأسباب مختلفة، ساهمت في تفريخ مدونات لا تقدم أي جديد، وأحياناً تساهم في إحباط مدونين آخرين مميزين.

استحالة القياس ووهم التفوق 



هل ساهمت المدونات العربية في إسقاط رؤوس الفساد في البرلمانات والحكومات العربية؟ هل ساهمت المدونات في خلق تغيير حقيقي ذي أثر مستقبلي فعال؟ كلا للأسف، كما يقول الساحلي


تلك الفوضى لم تغط على كل شيء. فهناك مدونون كثر تميزوا بشكل أو بآخر واستطاعوا ترسيخ مفهوم مختلف للتدوين العربي؛ فبعضهم أنشأ مدونات شخصية لنقل خبراتهم للآخرين، وآخرون اختاروا طريق التعبير المسكون برغبات التغيير، فقادهم ذلك إلى التصادم مع المؤسسات الأمنية، القامعة للحريات، في بلدانهم. لكن لا يوجد نموذج عربي واضح يمكن الجزم من خلاله بقدرة التدوين العربي على التغيير.

وفي سنة 2008 دعا مجموعة من أعضاء فيسبوك المصريين إلى إضراب عام يوم 6 أبريل 2008. والتقط المدونون الحملة وساهموا في ترويجها، وفعلا جاءت النتيجة مذهلة: لقد نجح الإضراب! لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل المدونون هم الذين أنجحوا الإضراب؟ من الصعب الجزم بذلك، ولو أن المدونين المصريين يفضلون التفاخر بقدرتهم على "هز عرش مصر".

ففي ليلة الإضراب تدخلت الحكومة المصرية، عبر وسائل الإعلام، لتنفي وجود أي إضراب وتساهم، بشكل غير مباشر، في ترويع المواطنين وتخويفهم مما يمكن أن يحدث. وفي رأيي أن هذا هو ما دفع المواطنين إلى البقاء في البيت يوم الإضراب وعدم الذهاب إلى عملهم، ليس مشاركة في الإضراب بل خوفا مما يمكن أن يحدث في الشارع يوم الإضراب.

هذا مجرد نموذج بارز لما اعتبر دليلا على قدرة المدونين على التغيير، لكن دون وجود إمكانية إثبات حقيقية على أن ما حدث كان بفضل المدونات. في الكويت يتم الحديث عن حملة "نبيها خمسة" التي أريد منها، سنة 2006، الدعوة إلى التقليص من الدوائر الانتخابية في الكويت. الحملة نجحت وحققت أهدافها، وتم نسب فضل ذلك إلى المدونين، رغم أن عدد المدونين الكويتيين أقل بكثير من أن يحدثوا مثل هذا الأثر. ولا يمكن إنكار مساهمة المدونات الكويتية في التعريف بالحملة، خاصة لمن هم خارج الكويت، أما التأثير الحقيقي للحملة في رأيي فهو ما قام به الشباب فعلا على أرض الواقع.


لا أقصد هنا التقليل من قدرة المدونات العربية على التغيير، بل أتحدث عن صعوبة قياس تلك القدرة. بكل تأكيد ساهمت المدونات العربية في تحريك كثير من القضايا، لكن تلك المساهمات ضُخمت من طرف الصحافة، فاقتنع بعض المدونين بذلك واقتنعوا بأنهم فعلا سلطة قادرة على التغيير، رغم أننا لو جلسنا لنتناقش بهدوء سوف نجد أنه لا شيء حقًا تغير.

هل ساهمت المدونات العربية في إنقاذ أطفال غزة وتقديم المساعدات للمحتاجين كما فعلت المدونات الأمريكية خلال إعصار كاترينا؟ هل ساهمت المدونات العربية في إسقاط رؤوس الفساد في البرلمانات والحكومات العربية؟ هل ساهمت المدونات في خلق تغيير حقيقي ذي أثر مستقبلي فعال؟ كلا للأسف. إذن أي تأثير هذا الذي عنه يتحدثون وله يطبلون ويزمرون؟

مواضيع المدونات وسياسة النعامة

حين بدأت ظاهرة انتشار المدونات في العالم العربي انتشرت معها مقولة أن المدونات ستأتي بالديمقراطية إلى الدول العربية! لكني أعتقد بعد أكثر من ست سنوات من انطلاق المدونات العربية أن هذه المقولة لا أساس لها، فالديمقراطية هي التي تصنع المدونات وليست المدونات التي تصنع الديمقراطية.


"في رأيي أن المدونين العرب يمكنهم مستقبلا، المساهمة في بناء المجتمعات العربية، لكن الأمر لن يكون سهلا ولا يسيرا" حين نتحدث دوما عن نجاحات المدونات الأمريكية، نتجاهل مسألة الديمقراطية المتجذرة لدى الشعب الأمريكي، وما يعنيه ذلك من حق المواطن في التعبير عن وجهات نظره بأمان، ووصوله الميسر القانوني، لمصادر الخبر. حكومات الدول العربية تعاملت بطرق مختلفة مع ثقافة التدوين، والهدف دائما تقويض التجربة: تونس ودول أخرى تعاملت مع المسألة من الناحية الرقابية فحجبت الكثير من المواقع وحدت من إمكانيات التأثير داخليا. السعودية منذ البداية تعاملت بحزم وقامت أجهزتها الأمنية باستدعاء المدونين وإرغامهم على ابتلاع ألسنتهم. مصر واجهت المدونين بعنف عن طريق الاعتقالات، مما ساهم في ترويج فكرة التدوين محليا. وإن كان من الصعب التأكيد إذا كان التضييق الذي تعرض له المدونون بفعل تدوينهم أم بفعل انتمائهم للجمعيات الحقوقية. أما المغرب فعلى العكس، تجاهل المدونات تماما عن عمد، مما حد من قدرة المدونات على الانتشار وعدم وصول قضاياها إلى الصحافة والمواطنين.

النتيجة هي أن البعض أصبح كمن يحارب طواحين الهواء، دون وجود من يتأثر به ولا من يستمع. والبعض اختار سياسة النعامة، فدفن رأسه في مواضيع بعيدة عن احتياجات المواطنين، فمنهم من انكفأ داخل نفسه يسطر ما يمر بيومه من تفاصيل، ومنهم من ذهب إلى الكتابة عن المواضيع التكنولوجية فطفق ينقل ويترجم عن المدونات الإنجليزية. ولكن هذا لا يعني تجاهل حالات متميزة وسط فضاء التدوين العربي.

المستقبل الغامض

التدوين نشاط فردي بطبيعته، غير أن خصوصيات المجتمعات العربية تستلزم تحول هذا النشاط الفردي إلى نشاط جماعي يعتمد على التنسيق المبكر والمضبوط فيما يتعلق بقضايا ذات طبيعة اجتماعية وسياسية تهدف إلى تحقيق تغييرات مجتمعية لصالح المواطن.

في رأيي أن المدونين العرب يمكنهم مستقبلا، المساهمة في بناء المجتمعات العربية، لكن الأمر لن يكون سهلا ولا يسيرا. فأنا أعتقد أن ثمة شروط لا بد أن تتحقق، من قبيل دمقرطة المؤسسات وتيسير الوصول لمصادر الخبر وإصلاح القضاء والرفع من هامش حرية التعبير وتوسيع شبكة الربط بالإنترنت... إلخ، وإلا فإن التدوين العربي سيبقى في حال ركود دائمة.


محمد الساحلي
  العام والمجتمع المدني…وواقع الحال عندنا اليوم لم يتحقق فيه لا هذا ولا ذاك -المدونات في اغلبها صراع ديكة ليس للعقل و الحوار فيها نصيب و الانظمة السياسية تبدع في محاصرة المدونات و التنغيص على المدونين …ان تطور وسائط الاعلام و تعدد وسائل الاتصال لا يصنع وحده ربيع الديمقراطية والعلم والمعرفة بل قد ييسر انتشار الخرافة و الجهل والدجل …لذلك سيكون دور المثقفين و المتنورين هام و خطير وكل تقاعس من جانبهم يعني زحف الظلام.



متابعات نقدية لماذا أوقفتُ مجلة «فراديس»؟-عبد القادر الجنابي




متابعات نقدية
لماذا أوقفتُ مجلة «فراديس»؟
عبد القادر الجنابي

 
في الطريق المعبَّد
بعدما اختتمتُ العدد الرابع والأخير من مجلة «النقطة» بعبارة لكاهن فرعوني قديم: «ألا ليتني أجد ألفاظاً لم يعرفها الناس وعباراتٍ وأقوالاً للغة جديدة لم ينقض عهدها، لا في ما تلوكه الألسن... أقوال لم تصبح تافهة مملّة ولم يقلها آباؤنا من قبل»، قرّرت، عندها، إيقاف المجلة بكراس عنوانه «مهماز النقطة» (تمّوز 1984)، الذي تضمّن نصوصاً شعرية مؤلفة ومترجمة، ونقداً لترجمة عبد الغفار مكاوي لأربع قصائد لباول تسيلان، في كتابه «ثورة الشعر الحديث»، توجّهت نحو نشاطات بالإنكليزية والفرنسية بالاشتراك مع تجمّعات سوريالية، البريطانية بالأخص، أخذت تظهر منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى ذلك اليوم. فأصدرت مجلة «grid» التي صدر منها 5 أعداد، وعدداً من الكراريس أهمّها الرسالة التي كتبتُها بالإنكليزية ووجّهتها إلى التجمّعات السوريالية: «القطيعة ارتباط حقيقي».
وبعدها توقّفت وانعزلتُ لسنوات مركِّزاً اهتمامي على شعر باول تسيلان الذي نشرت له خمس قصائد في العدد الثاني من «النقطة» العام 1981. ونتيجة هذا الانهمام أصدرتُ أواخر العام 1988 كرّاساً ضمّ ترجمتي لـ«21 قصيدة» مع شروح ومقدّمة، يُعتبر أول تقديم منهجي لباول تسيلان في العربية.
وذات يوم اتصل بي خالد المعالي طالباً أن أعطيه شيئاً لينشره في «منشورات الجمل» التي لم يكن قد أصدر تحت اسمها، آنذاك، شيئاً ذا قيمة لا شكلاً ولا مضموناً، سوى كراريس من بضع صفحات. تردَّدت في البداية، ثم وافقت فأعطيته مجموعة قصائد صغيرة صدرت تحت عنوان «ثوب الماء»، وبعدها جمعتُ معظم ما كتبته من مقالات سجالية (1975 - 1988) لكي يظهر في كتاب تحت عنوان «معارك من أجل الرغبة الإباحية»، وهو الكتاب الأول لـ«منشورات الجمل» الذي يمكن اعتباره كتاباً؛ شكلاً وحجماً.
وما إن خرج الكتاب، حتى أخذت تطوف في الذهن الرغبة القديمة بإصدار مجلة بالعربية تعبّر عن «نهاية حقبة» من الأفكار، السياسة وطرق التفكير... مجلة «تعنى بحُرِّ الحاسة التشكيلية»، أي بعيدة عن أي سجال، واخترتُ لها اسماً هو «فراديس» وهو في الحقيقة عنوان قديم سبق أن استعملته أواخر السبعينيات على غلاف كتاب صغير عنوانه «ثمة موتى يجب قتلهم». فرحّب المعالي بالفكرة واستعدّ لإصدارها لدى «منشورات الجمل»، لكنني فضّلت أن أصدر العدد الأول كتجربة في باريس. وبالفعل صدر في تمّوز (82 صفحة 1990)، محتوياً على بعض التراجم، وبعض الأشعار لشعراء عرب من بينهم أمجد ناصر وقصة قصيرة هي «اللكمة» لسركون بولص... وكثير من صور السورياليين الفرنسيين كجويس منصور وأندريه بروتون، ولوحات فنّية بالألوان تُلصق داخل الصفحات أعطاني إياها الفنانون الفرنسيون أنفسهم. والشيء اللافت فيه: ملفّ يضمّ نصوصاً (نقلتها عن مخطوطة موجودة في مكتبة «الدراسات الشرقية» بباريس) أشبه بقصائد النثر الأوروبية للشيخ عبد القادر الكيلاني، وهي عبارة عن بورتريهات مذهلة كتبها الشيخ عن آدم، الحلاج، موسى... تتكشّف فيها القدرة على إلغاء الحدود بين ذاكرة الشيخ والنص القرآني إلى حدّ أن الآية قد كُسِّرت تكسيراً فنُثرت داخل أرضية النص كأنها دُرَرٌ تُرصِّع المعنى المطلوب بالصورة المطلوبة، كما أن تلقائية التعاشق بين الألفاظ تنتج تكثيفاً وتلخيصاً مدهشَين لسيرة الشخص المعني. لوي ماسينيو كان على حق عندما نوّه بأهمية قصائد الشيخ النثرية هذه وأمل أن تترجم إلى الفرنسية لـ«أهميتها»، في نظره، «لشعراء الغرب الحديثين».
عندها اتفقت مع خالد المعالي على إصدارها لدى «منشورات الجمل»، وإذا بصدام حسين يغزو الكويت، فتقع حرب الخليج الثانية... فيتلاشى هدف «فراديس» الإبداعي بين ثنايا المواجهة المطلوبة مع واقع سياسي جديد تنصهر فيه كل القيم رغبة باجتراح صمود ثقافي. فاضطررت إلى إصدار عدد سجاليّ يعبّر عن ظروف الحرب، فكان العدد الثاني  (100 صفحة، تمّوز 1991)، واعتباراً من هذا العدد وحتى العدد السابع أخذت «فراديس» تظهر لدى «منشورات الجمل» - أي تُطبع في كولونيا - بافتتاحية نارية كتبتها ضدّ السلفية والوضع العربي السيء تحت عنوان «غداً كانت الحرب»: «لقد دقّت ساعة الانتقامات، انتقام العربية مما أُنجز باسمها، انتقام القارئ من ثقافة طوت ببطنها عن كل تصدٍّ، وانتقام الفكر من سيرورته العربية التي لم تأتِ إلا بإنتاج متعفّن أفرزته أذهان عوراء ليس فيها التماعة واحدة يُركن إليها عند اهتزاز الروح؛ قادرة على أن تفتح عيناً في مَدمَس الاندحار هذا لكل ما حاولت هذه الأذهان أن تلقّننا به. إن جلّ ما ورثناه في ليل العصور أصبح نعلاً غليظاً يدوس كل ما كان في رأس الأطفال من لُعَب وأراجيح»... وخصَّصت ملفاً كاملاً للشعراء العراقيين من سعدي يوسف إلى سركون بولص إلى صلاح فائق... وملفاً آخر عنوانه «شمال القصيدة» عن الشعر الكُردي. وقصائد لشعراء لبنانيين وعرب من بينهم الياس حنا الياس وبيار أبي صعب وزاهر الغافري، وترجمة لمقالة ماندلشتام عن المُحاوِرن وقصائد لباول تسيلان، مع ملفّ صغير عنوانه «أسئلة الغيب ومفاتيحها» وهو لعبة سوريالية شارك فيها سعدي يوسف وأدونيس وآخرون: على سبيل المثال أطرح على أدونيس أسئلة ناقصة مثل: «ما هي...؟»، «في ظل الظروف الراهنة ما الذي يجب على... القيام به»؟ فيجيب عنها دون أن يكون في علمه عمَّن يدور السؤال. وهنا سأختار هذه الأمثلة من بين 15 سؤالاً وجّهتها لأدونيس، وسأضع الكلمات الناقصة أي التي لم يعلم بها بين مزدوجتَين:
الجنابي: ما هي «الحداثة»؟
أدونيس: ريح تحاول أن تنام، ولا تستطيع.
الجنابي: ما الذي يجب على «الشاعر» القيام به؟
أدونيس: عليه أن يجهل نفسه.
الجنابي: متى تشعر بأنك في حاجة إلى «كتابة قصيدة»؟
أدونيس: عندما تتلاقى يدانا: الريح وأنا.
وأتذكّر أن أدونيس بعد مرور شهرَين على صدور العدد، نشر مقالاً في جريدة «الحياة» أشبه بالتعريفات: للتاريخ، الشعر... إلخ على منوال اللعبة، فكانت معظمها ساذجة، لأنه لم يفهم بأن الصُّدفة هي الكفيلة خلق تعريف عميق وشعري.
واختُتم العدد بصفحة تحت عنوان «ملاحظات» تركتها كي يكتب القارئ ملاحظاته فيها كما يشاء وبلا أيّ مراقبة.

بين درجة الأرض وقدم السماء
وهكذا أخذت أعداد «فراديس» تتوالى كنهر متدفّق بملفّات غريبة ومواد شعرية وثقافية لم يتعوّدها القارئ العربي، ففي العدد الثالث (132 صفحة، شباط 1992)، نشرتُ ملفَّ المرايا «أتمرّى، إذاً أنا موجود»، ضمَّ أجمل النصوص في موضوع المرآة، واستفتاء الحرب الذي شارك فيه: أنسي الحاج، محمود درويش، أحمد بيضون، فواز طرابلسي، لطف الله سليمان، أنور عبدالله، جورج طرابيشي، أحمد قصير، ونصير مروة؛ وملف «طغاة/ جبابرة، سفّاحون» (سِيَرُ أخطر طغاة التاريخ)؛ وملف «أودن شاعر العصر» من إعداد سركون بولص؛ وملف الشعر العالمي، ومقالات لأندريه بروتون، سيوران، وعدداً كبيراً من قصائد وكتابات عربية، ولعبة سوريالية: «حظُّ الكلمات من التعريف الحر» التي قمنا بها، سعدي يوسف، سركون بولص وأنا في منزلي. وخلاصتها: اخترنا حوالى 66 كلمة مراد تعريفها. كُتبت مرقّمةً من 1 إلى 66 على كاغد طويل طوله متر ونصف، ثم عُلِّق على حائط... وكان لكل منا 22 وريقة وقلم مميّز اللون، يُسجِّل به على إحدى الوريقات، كل ما يطرأ - وهو يتحدث أو يأكل أو يضحك - على ذهنه من جملة يخالها مفيدة. بعد الانتهاء من كتابة الوريقات الـ66، الملفوفة على شكل سيجارة - تُخلط الأوراق كلّها في سلّة، ويبدأ السحب حسب التتابع المقترح بيننا - من هو أول، ثانٍ وثالث - حتى تفرغ السلّة. إن الورقة الأولى التي سُحبت هي تعريفٌ للكلمة التي تحمل رقم 1، الملصوقة على الكاغد المعلّق، والورقة التي يسحبها الشخص الثاني هي تعريف للكلمة التي تحمل رقم 2، والثالث للكلمة المرقمة 3، وهكذا دواليك: «الحزب عقل يدور حول سياج مستشفى»، «الشطحة عجوزة شمطاء»، «البديع خيط ذو إبرتَين»، «التراث حمار يضحك مع شرطي»، «الحكمة نافذة حمراء على بياض اللانهاية»، «النعاس قرية ومشعلٌ؛ شحّاذ تترقّبه الشوارع»...


أما العدد المزدوج 4 و5 (288 صفحة، آب 1992)، فقد صمّمته ليفتح ملف جيل الستينيات كتمهيد لثقافة ما بعد صدام. وفيه - للمرّة الأولى - يُخصَّص ملف بهذا الشكل الحر لجيل فترة عاشها العراق بجوّ من الحرّية والنشاط الإبداعي: اشترك فيه معظم الذين حضروا في ميدان الستينيات. وفي الحقيقة فإن ملف جيل الستينيات أُعجب به كثير من اللبنانيين من بينهم هشام شرابي الذي كتب رسالة إلى محمود شريح جاء فيها: «قسم الستينيات لا مثيل له بالعربية، في عمقه وأبعاده الوجودية والفكرية. الرجاء إيصال سلامي الأخوي وإعجابي «الأبوي» إلى عبد القادر الجنابي والعاملين معه».
كما ضمّ العدد ملفّاً ضخماً للشعر العالمي فيه نماذج من الشعر الأميركي المعاصر (أنطولوجيا صغيرة أعدّها سركون بولص)، ومختارات كريستيان مورغنشتيرن (ترجمها فاضل العزاوي)، وملف الشعر الإسرائيلي (أعدّه سمير نقاش)، وترجمات قمت بها لنصوص وقصائد لشعراء عدّة منهم: باث، بيريه، هولوب وآخرون. وهناك أيضاً مقالات لهوركهايمر، وكارل كراوس، كما ضمّ العدد مقابلة مع نعيم قطان، والنسخة الأولى من رسالتي إلى أدونيس، مبيّناً فيها البون الشاسع ما بين السوريالية والصوفية في كل شيء، فالأولى استنارة مادية تريد نعيم الدنيا، بينما الثانية إشراقة إلوهية ترتجي مغفرة الآخرة. الصوفية تستعير المواد الدينية لتجعل منها أساساً لافتراضاتها، بينما السوريالية ترى في هذه المواد عين الحاجز الذي يجب تحطيمه. والمحبوب في نظر الصوفي هو الله، في حين أن المحبوب في نظر السوريالية هو المرأة لحماً ودماً. كما تضمّن العدد استفاء جميلاً: سيرورة فكرك بعيداً عن كل رقابة: «عزيزي المدعو للمشاركة في هذا الاستفتاء، نطلب منك أن تأخذ معك (ذات صباح تقرّره أنت) ورقة واحدة وتدوِّن عليها أثناء هذه المسافة الممتدّة من بيتك إلى مكان عملك/ موعدك، سيرورةَ فكرك الحقيقية خارج كل اهتمام جمالي وأخلاقي، كلَّ ما يطرأ على ذهنك من هواجس مالية كانت أو جنسية، أدبية أو عادية... إلخ. نرجو منك الصدق لأننا لسنا في حاجة إلى نص أدبي». لكن للأسف جاءت أجوبة معظمهم نصوصاً أدبية عادية جاهزة في رؤوسهم. إلا أن الصادم في هذا العدد هو مقتبس للماركيز دوساد حول رجال الدين، أثار رعب الشيوعيين العراقيين، خصوصاً الذين ساهموا في العدد.
وأخيراً ضمّ العددُ اللقاءَ الشهير والمثير مع محمد شكري، والذي يفضح فيه لا أخلاقية محمود درويش والياس خوري، ما سبّب ابتعاد الذين كانوا يعملون تحت إدارة محمود درويش عن المجلة، كفوّاز طرابلسي الذي كان في نّيته إعداد ملف مع عزيز العظمة، عن جيل الستينيات اللبناني.
وهنا أنقل ما جاء حرفياً على لسان شكري لتقديم صورة حيّة عن اختراق «فراديس» لكلّ المحرّمات والإقصاء التام للرقابة فيها. يقول شكري:
«سأُدلي باعتراف خطير، اعتراف ساخر جداً، حدثَ لي مع الشاعر محمود درويش بحضور الياس خوري. ربّما كانا صديقَين لأحد منكم أو أكثر، لكن أنا لا تهمُّني الصداقة بقدر ما تهمُّني حقيقة الأمور. تلقَّيتُ يومها مكالمة تلفونية من محمد برادة رئيس «اتحاد كتّاب المغرب» سابقاً، وهو صديق حميم لي، وكلَّفني بخدمة أؤدِّيها له. وأدَّيتها بكل حبور. فقد سبق له أن أدّى لي خدمات جليلة أشكره عليها شكراً جزيلاً. طلب منّي أن أذهب إلى فندق «سيناتور» في طنجة وأن أوقظ محمود درويش والياس خوري لكي يُشارك محمود درويش في قراءة شعرية كانت مع محمد علي شمس الدين وأدونيس الذي امتنع يومها عن قراءة الشعر، فقرأ درويش وشمس الدين ولم يقرأ أدونيس. أنا جئت إلى هذا الفندق (إني أسوق هذه الحادثة في سياق الحديث عن الجنس ومفهومه في العقلية العربية مبدعةً كانت أم لا، أي في الشارع). إذاً أيقظتُ درويش وخوري من نومهما على أن يحضرا، فقالا لي: انتظرنا في الغرفة. كانت هناك زجاجة ويسكي ملآنة تقريباً وإلى جانبها بعض الفستق، فأخذت آكل الفستق وكانت لي أسنان ما تزال قويّة في ذلك اليوم. اليوم سقطتْ. عندما انتهيا من التنظيف والنظافة خرجا ليقول لي محمود درويش (أنا بسذاجة كنتُ رأيت حقيبة مفتوحة فيها نسخ عدّة من أحد دواوين درويش، فقلتُ له: هل يمكن لك أن تهديني نسخة من ديوانك الأخير؟) هذه العبارة: «ليس من عادتي أن أُهدي دواويني». أنا سكتُّ طبعاً وكان في ذهني أن أفعل تماماً ما طلبه مني محمد برادة. بعد لحظة، استفزازاً قال لي درويش: «آ شكري كيف حالك في طنجة»؟ فقلت له: «والله عادي جداً». فقال: «أليس لديك فيللا في الجبل» (وكان رأى الجبل قبل يومَين حين كان في أصيلة)، فقلت: لا. فقال: «وكيف يحدث أنك عرفتَ تينيسي وليامز وجان جينيه وهذان شخصان معروفان أنهما غنيّان ولم تغتنِ من خلالهما مع أنك كنتَ خليلهما أو صاحبهما»؟ فقلت له: «لم أعرف كيف أغتني لكي أكسب فيللا، لكن ربّما أعتقد أنك أفحل مني، فأنا لم أعرف كيف أصير فحلاً تجاه وليامز وجينيه، لكن إذا شئتَ فمن الممكن أن أُسوِّي لك مع تينسي وليامز أو جان جينيه لكي تكسب هذه الفيللا لأنك أفحل مني». وربّما كان زب درويش أو زب الياس خوري، وكلاهما زوج أزباب بالنسبة إليّ، زبَّين لا ينتعظان ولا ينتصبان. تصوَّر: أهانني لأنني طلبت منه توقيع ديوانه لي ولم يُعطِه، وكنتُ أنا شبه خادم وأوصلتهما إلى الرباط».

العالم العربي ثقب كبير، أفكاره الكبيرة فأر صغير
إلا أن قضية الشعر التي أناضل من أجلها دفعتني إلى تخصيص العدد المزدوج 6 و7 (182 صفحة، نوفمبر 1993) لقصيدة النثر الأوروبية كي يتضح جوهرها للقارئ العربي، بل حقيقة المصطلح الشعري نفسه بمقاربة معرفية جديدة تضيء نشأته، تطوّره، إضاءةً تُرئِّي لنا حمولاته المستقبلية. لذا جاء العدد في معظمه حول قصيدة النثر الأوروبية نموذجاً وتنظيراً، فضمّ تراجمَ لما يقارب الستين قصيدة نثر عالمية مع تقديمات وشروح، ونماذج عربية مكتوبة على شكل كتل وقريبة من النموذج الأوروبي اخترتها من إنتاج قصيدة النثر العربية، فقدّمت نماذج من أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، محمد الماغوط وآخرين مع تقديمات مكثّفة، وأجريت استفتاء حول قصيدة النثر مع 15 شاعراً عربياً من بينهم أمجد ناصر، قاسم حداد، أنور الغساني... كما ضم العدد السيرة المفصّلة للماركيز دوساد كتبتها أنا، وطلبت من صديقي سحبان مروّة أن يترجم نص دوساد الفلسفي العظيم: «محاورة كاهن ومُحتضَر». وهكذا اجترح هذا العدد موضوعَين للمرّة الأولى في العربية: قصيدة النثر الأوروبية والماركيز دوساد.
أما العدد الثامن (110 صفحات، ديسمبر 1994 وسبب انخفاض عدد الصفحات أني قمت بطباعته في باريس بعد جمع تبرّعات من أصدقاء وشعراء منهم محمود درويش، وليس على حساب «منشورات الجمل») فجاء شعرياً محضاً اشترك فيه: عبد الرحمن طهمازي، محمد علي شمس الدين، محمد سعيد الصكار... مع مقال لروبرت بلاي: «الشعر والأدمغة الثلاثة»، ولصبحي حديدي «تأمّلات في الشعرية المعاصرة»، وتراجم لقصيدة النثر الأوروبية مع مقالات عنها، وتضمّن كذلك ردّي على مقال هجوميّ لفاضل العزاوي نشره في مجلة «الناقد» لصاحبها رياض الريّس.
عندها قرّرت إغلاق «فراديس» بعدد استخلاصيّ ونهائيّ، حمل رقم 9 و10 (144 صفحة، تمّوز 1995)، شارك فيه سركون بولص، أمجد ناصر، هاتف الجنابي، وتضمّن ملفاً عن  جان شوستر مع ترجمة كاملة لبيانه الذي نشره في «اللوموند» عام 1969 معلناً فيه حلّ الحركة السوريالية الفرنسية. وضمّ أيضاً ملفّاً مهماً عن شعر الزن الهايكو، مع دراسة حول شعر الموت في الزن، كما ضمّ ترجمات كثيرة لقصائد النثر العالمية، وملفاً عن الشعر المغربي الجديد. وكذلك احتوى العدد على اللعبة السوريالية التي طرحتها في العدد الثاني، وهذه المرّة مع ما يقارب عشرين شاعراً عربياً، وهنا أقتطف جزءاً من الصفحة الخاصة بمحمود درويش، لأنها جاءت معبِّرة للغاية (الكلمة الناقصة أضعها بين مزدوجتَين):
الجنابي: من هو «أدونيس»؟
درويش: معنى يبحث عن عبارة.
الجنابي: من هو «سعدي يوسف»؟
درويش: يوثّق ما يغيب عن الشعر.
الجنابي: من هو «عباس بيضون»؟
درويش: يعرف ما الشعر ولا يبلغ القصيدة.
الجنابي: ما هي «فلسطين»؟
درويش: طاولة من زجاج.

انهض أيّها الكلام وأمضِ إلى عالمك
في الحقيقة، كانت «فراديس» آخر تعبير عن رؤيتي للشعر، مفهومي للثقافة والثورة. كنت أفكّر بكل صغيرة من أجل أن يكون كل عدد له نكهة خاصة ذات متفجّرات لغوية تستفزّ مشاعر القارئ مُدخلةً إيّاه في نطاق المخيّلة الفعّالة، لتعلّمه أن الشعر في متناول يدَيه. فطريقة إخراج المجلّة وتضارب المواد فيها جعل من «فراديس» مجلة ذات طابع حركي، بحيث ظنّ الكثيرون بوجود حركة لسان حالها «فراديس»، وكان لهم حق الظن بسبب التقديمات الحركية التي كنت أكتبها من دون توقيع لهذه المقالة أو تلك الوثيقة: «اقرأ فراديس ولن تموت غبياً»، «تذكّر أن الجنس عند العرب هو الكتاب الوحيد الذي يقرأه رجال الدين في الخليج»، «والآن تنكيلاً بأعداء الشعر استردّت «دار الجديد» أعمال أنسي الحاج الشعرية»، بل لقد أوجدتُ شعاراً طريفاً لـ«منشورات الجمل» يقول: «الجمل يمرّ والأفق يتحرّك» وهو تحريف لجملة شعرية ترجمتُها عن الإنكليزية  لشاعر أوروبي (خالد المعالي يستخدمها إلى اليوم ولا يعرف عن أي شاعر أُخذت). وهنا أودّ أن أؤكّد أن المعالي لم يكتب جملة واحدة في «فراديس»، فمهمّته كانت تنحصر في دفع تكاليف العدد ورقن النصوص، ولهذا السبب كنت أقول له عند تصميم كل عدد: «خذ ثلاث أو أربع صفحات لنصوصك»، دون أن أقرأ جملة واحدة منها. بل حتى المواد المترجمة كنتُ أختارها بنفسي وأطلب من الأصدقاء ترجمتها، فمثلاً طلبتُ من صبحي حديدي أن يترجم مقال جوناثان مور الطويل عن قصيدة النثر، فأعدّ خلاصة منه، ومن سحبان مروة طلبتُ ترجمة ملف الزن، وكذلك تراجم سركون بولص وهاتف الجنابي... ولولا ذلك لما كان ثمة دلالة للعبارة المكتوبة في الصفحة الأولى من كل عدد: «فكرة وتنفيذ: عبد القادر الجنابي».
لقد حاولتُ أن أخلق نوعاً من الموازنة بين الفعل الشعري الصافي والتفضيح حدّ السباب؛ موازنة تمّت أحياناً على حساب الشعر. ولا أجد بداً من الاعتراف بأني كثيراً ما اضطررت إلى نشر قصائد لا تستحق النشر! لا مفرّ من هذا. فلكل حركة إبداعية حرّة حصّتها أيضاً من العشب الضار. آه كم كنت أكره هذه العبارة: «لا يعبّر عن رأي المجلة»! فعلى العكس من ذلك، كان كل ما كنت أنشره لأيٍّ كان، يعبّر بالضرورة عن «فراديس» وبالتالي عنّي. «فالمبدع الحق، كما يقول نيتشه، لا يمتلك فكره فحسب، بل يمتلك أيضاً فكر أصدقائه. فكل صديق له يعيره حواسه، لا بل أكثر من ذلك يعيش من أجله». وهنا يحضرني ما كتبه عباس بيضون عن العدد الثالث من «فراديس» (الملحق، العدد 13، 6 حزيران 1992) حيث يقول: «أنشأ الجنابي «الرغبة الإباحية» و«النقطة» وما لا نذكر من المجلات والنشرات... وكلّها كانت قبل كل شيء لسانه وصوته. لكنه دائماً لسان وصوت يتسعان لما لا يُحصى من اللهجات واللغات والأسماء، بل نحن نجد الجنابي في نصّه ونصوص سواه لا فرق، فكأن المجلة به وبسواه جيش من غير المنظورين. أوسع الجنابي الثقافة العربية والمعارضة العربية نقداً وسبّاً، وانتقد الدين ودعا إلى الحرّية الجنسية. توشك كلماتي للأسف أن تغدو شعارات ميّتة، والجنابي يتقن فناً أكثر حياة، فن الفضيحة. كانت نشراته لذلك فضائح متجدّدة. وقد يرى البعض أنها فاقعة أو يرى بعض آخر أنها صاخبة قتالية فوق ما يطيق التحليل والبحث. إلا أن نشرات الجنابي تدحرج فضائح وكلمات مقذعة في «مهوار» بلادتنا وصمتنا فلا يبقى لها صوت. لذا كان صخبها وإقذاعها جزءاً من وجودها وحياتها. بل إنها على كل هذا الاحتفال والمسرح والضجيج ما كانت تسمع، يكفيها أنها سمَّت وتُسمِّي ما لم يعد له في حاضرنا اسم. ويكفيها أنها التمست هنا وهناك ثقافة ملعونة مخالفة أو التمست أيضاً عرقاً من الأحرار».

وداعاً أيها التمرّد في مجتمع عربي لا يستحقّ حتى التمرّد عليه
بعدما ألقيت نظرة على ما يقرب الألف صفحة من القصائد، الترجمات، الاستفتاءات، الألعاب، الشتائم، النقد الجذري، والاستفتاءات الاستفزازية كهذا الذي طرحته على الرؤساء العرب: «أيها الحاكم، ما الذي ستفعله عندما تستقيل وتبقى حياً؛ أو عندما تُعزل عن الحكم؟ هل ستفكّر بمؤامرة جديدة، أم ستذهب إلى جزيرة صغيرة حيث تُمضي وقتك مع أطفالك وحريمك، أم ستذهب مباشرة إلى مونتي كارلو لتلعب القمار حتى الثمالة ثم تعود إلى البيت، غير قادر على المواطئة، تاركاً زوجتك وحدها مع الخدم، أم ستتجرأ لأول مرّة في حياتك على قراءة كتاب، وأي كتاب سيكون سميراً لك في وحدتك؟» لم يصل أي جواب.
بعد هذا النَّفَس الطويل الذي استغرق خمس سنوات، قرّرت أن أوقف «فراديس» عن الصدور وأن تدخل أرشيف التاريخ، على أن تجترّ نفسها مكرّرة المواضيع ذاتها كأيّ مجلة عربية. فـ«فراديس» ليست «الآداب» ولا «شعر» ولا «المعرفة» وليست مجلة تجارية. لقد تعلَّمتُ من تجربة السورياليين والحركات الطليعية كـ«أممية مبدعي الأوضاع»، بأن مجلة ذات نبرة طليعية، هدفها أن يكون الشعر في فراديسه لا مجرّد نتف للزينة الأدبية، يجب ألا تستمرّ أكثر من بضع سنوات... وإلا ستضطر إلى المساومة والتواطؤ وقبول أي كان فقط لملء فراغ الأعداد التي لم يعد فيها، أصلاً، حياة.
«فراديس» إنتاج وضع مليء بالأحلام، والحرّية بأعلى درجاتها، حيث كان «ينبغي أن تكون الكلمة مطرَ نفسِها» (سهراب سبهري)؛ حيث كان السباب مَخرَج اللغة النقدية الوحيد حفاظاً على ماء وجهها من هذا السَّيَحان المأمورة به لغة العرب. لقد أدّت «فراديس»، رغم التوزيع السيء والطباعة المحدودة النسخ، مهمّة التفضيح؛ مبادرة انتهاك المحرّم الكتابي المتواضع عليه. لقد كانت مركّب شراسة الفكر الغربي ونشاط العربية المنفلت نحو هواء الاستنارات في حارة ترابط الصور والأفكار.
إن ما يميّز «فراديس» هو أنها اختارت الصدام مع كل الجدران الثقافية، الاجتماعية، الجنسية... بينما السائد في الثقافة العربية هو أن المثقفين، الشعراء، الكتّاب ليسوا سوى وطاويط ينحصر ذكاؤها في عمل واحد: ألاّ تصطدم بجدار
أسفي الوحيد هو أن «فراديس»، ككل المجلات التي أصدرتُها، لم تصل إلى يد القارئ العادي، بل إلى أيدي مثقّفين وشعراء وكتّاب منتحلين؛ يغرفون ما يشاؤون دون أي ذكر للمصدر.

مرغريت أتوود : الكتابة تشبه التحديق في قاع هوة مظلمة:

مرغريت أتوود : الكتابة تشبه التحديق في قاع هوة مظلمة


ركزت الروائية الكندية مرغريت أتوود في هذه المقابلة التي أجرتها معها مجلة «جانيوري» الثقافية المتخصصة مع صدور روايتها الجديدة «عالم الطوفان» على الصلة بين هذه الرواية وبين تخيل العالم على ما يمكن أن يبدو عليه في ضوء التطورات العلمية المتتابعة، وأشارت إلى طبيعة العلاقة بين هذه الرواية وروايتها الصادرة عام 2003 «أوريكس وكريك» ووصفت تجربة الكتابة كما عايشتها على امتداد عقود عدة بأنها تشبه التحديق في قاع هوة مظلمة، وفيما يلي نص الحوار.
يتساءل الكثيرون عن طبيعة العلاقة بين روايتك «عالم الطوفان» ورواية «أوريكس وكريك» التي قدمتها قبل ست سنوات. فما الذي تقولينه في معرض الرد على هذا التساؤل؟
لم يسبق لي من قبل قط أن عدت إلى رواية وكتبت رواية أخرى مرتبطة بها. لماذا هذه المرة؟ لأن الكثير من الناس سألوني ما الذي حدث بعد نهاية روايتي الصادرة عام 2003 «أوريكس وكريك». وأنا في حقيقة الأمر لم أكن أدري ما الذي حدث، لكن هذه الأسئلة جعلتني أفكر في هذا الأمر. وكان هذا أحد الأسباب. وهناك سبب آخر هو أن جوهر الموضوع استمر في استقطاب اهتمامي.
وعندما صدرت رواية «أوريكس وكريك» بدت للكثيرين رواية خيال علمي، مغرقة في التخيل، وأكثر غرابة من أن تكون محتملة الحدوث، ولكن في السنوات الثلاث التي انقضت بين صدور هذه الرواية وشروعي في تأليف «عالم الطوفان» مضت تضيق بسرعة الهوة المتصورة بين المستقبل الذي يفترض أنه غير واقعي والمستقبل الذي يحتمل أن نعيش تحت آفاقه.
ما الذي يحدث لعالمنا؟ ما الذي يمكننا القيام به لإصلاح الضرر؟ كم من الوقت بقي أمامنا؟ والأمر الأكثر أهمية هو: أي نوع من «نحن»؟ نتحدث عنه هنا؟ بتعبير آخر، أي نوعية من الناس قد تتصدى للتحدي؟ من المؤكد أنهم ينبغي أن يكونوا أناسا يتصفون بالدأب في المقام الأول.
ولماذا تكترث إلا إذا كنت تؤمن بأن كوكبنا يستحق الاهتمام؟ وهكذا فقد دخلت مسألة الاعتقاد الالهامي إلى الصورة. وعندما تكون لديك مجموعة من المعتقدات ـ في تميز عن كيان من المعرفة القابلة للقياس ـ فإنك تكون حيال دين. و«البستانيون» يظهرون بصورة عابرة في رواية «أوريكس ودريك» أما في رواية «عالم الطوفان» فإنهم في الصدارة. وشأن كل الأديان، فإن «البستانيين» لهم زعيمهم، الذي يدعى آدم ون، وكذلك لديهم قد يسوهم وشهداؤهم الذين يحظون بالتقدير، وأعيادهم الخاصة ولاهوتهم.
وربما يبدون غرباء واستحواذيين بل وحمقى لغير المنتمين إلى عضوية جماعتهم، ولكنهم جادون حيال ما يؤمنون به، تماماً كأسلافهم الموجودين معنا اليوم.
وقد اكتشفت الكثير حول حدائق السقف وتربية النحل في المناطق الحضرية خلال عكوفي على تأليف هذه الرواية. وهناك سؤال آخر غالباً ما يطرح حول رواية «أوريكس وكريك»، وهو السؤال المتعلق بالجنوسة.
فلماذا سردت الرواية على لسان رجل؟ وكيف كان يمكن أن تكون مختلفة لو أن الرواية كان على لسان امرأة؟ لقد مضت بي هذه الاسئلة إلى شخصيتي رين وتوبي ثم إلى حياة كل منهما وكذلك إلى أماكن اللجوء. وفي حقيقة الأمر أن نادي الجنس المخصص للنخبة والمنتجع الصحي المترف من شأنهما أن يكونا موقعين جيدين ينتظر فيهما المرء وباء جائحا، فعلى الأقل ستتوافر لك الكثير من الوجبات الخفيفة من المشرب وكذلك الكثير من المناشف النظيفة.
يبدو السرد في الرواية الجديدة مختلفاً إلى حد بعيد عنه في سابقتها، فما السر في ذلك؟
يقول المؤلف دنيس دتون في كتابة «غريزة الفن» إن اهتمامنا بالسرد كامن في أعماقنا ـ حيث مر بعملية ارتقاء خلال الفترة الطويلة التي أمضاها الجنس البشري في العصر الحديث الأقرب إلى عصرنا، لأن أي كائنات تتمتع بالمقدرة على رواية القصص حول كل من الماضي والمستقبل ستكون لها أسبقية في التطور.
هل سيكون هناك تمساح في النهر غداً على نحو ما كان هناك العام الماضي؟ إذا كان الأمر كذلك، فمن الأفضل ألا تذهب إلى هناك. والروايات التكهنية التي تدور حول المستقبل مثل رواية «عالم الطوفان» هي أعمال سردية من هذه النوعية. أين ستكون التماسيح؟ كيف سنقوم بتجنبها؟ ما هي فرصنا في البقاء؟هل كنت تعرفين على الدوام أنك تريدين أن تكوني كاتبة؟
لا، لم أعرف ذلك إلا بعد أن غدوت في السادسة عشرة من عمري، أما قبل ذلك فلا، حيث كنت أكتب بالطريقة التي يكتب بها معظم الأطفال، وظللت كذلك على امتداد سنوات، حيث لم أكن مهتمة بالكتابة، وكنت أقرأ كثيراً، ولكنني لم أعتقد أنني سأصبح كاتبة.
ذات مرة رأيت لافتة اختصرت الحياة بشكل عام، حيث كتب عليها «هذه مسيرة مظلمة». هل توافقين على هذا التصور.
نعم، ولكن فيما يتعلق بالكتابة فإنها ليست مسيرة، فأنت تمضي سيراً خطوة وراء أخرى.
واعتقد أن فرجينيا وولف كانت هي التي قالت إن كتابة رواية تشبه السير في أرجاء غرفة مظلمة مع وجود مصباح يضيء نوره كل الأشياء التي كانت موجودة هناك دوماً. لقد قالت شيئاً من هذا القبيل، ويتعين عليَّ العودة إلى المصدر لتحديد ما قالته على وجه الدقة.
وأتذكر أن صديقي هنري سنجر الذي كان طالباً للطب تعرفت به في أواخر الخمسينات. وكان يقول إن الشيء الذي يصف كون المرء طبيباً هو أنه يشيه التحديق في قاع هوة مظلمة. وأعتقد أن الشيء نفسه ينطبق على كون المرء كاتباً، فتجربة الكتابة تشبه التحديق في قاع هوة مظلمة.
لقد أحببت رواية «القاتل الضرير»، أحببت القصص الأربع التي هي بالفعل قصة واحدة. ولم أستطع تأمل آليات تأليف هذا الكتاب. فهناك الكثير فيه يتعين عليك جعله يتماشى بعضه مع البعض الآخر.
هذا صحيح. ومن ناحية أخرى ما عليك إلا الاسترخاء في مقعدك لتجد الأمور شديدة البساطة، فالقصص كلها تدور حول القصة المحورية ذاتها، وكلها تفض أسرارها لتكشف عن محتواها، إن صح هذا التعبير.
لقد نجح هذا كله بشكل رائع للغاية، وبدا لي هذا الكتاب أكثر أعمالك نضجاً، وذلك لا يعني أن أيا من أعمالك يفتقر إلى النضج، ولكنه بدا لي تطوراً لأعمالك.
ذلك، في حقيقة الأمر، ما قاله عدد من الناس، وهكذا فإنه أمر يسعدني سماعه. وهذا الكتاب هو أيضاً الكتاب الوحيد من تأليفي الذي يموت الراوي في نهايته.
الراوية التي تموت في نهاية العمل لا تدهشنا بذلك، فهي كبيرة السن، وهي تمضي قدماً نحو ذلك المصير، وهي تتأمل هذا طوال معظم الكتاب.
هذا أمر مهم بالنسبة لي لأنني في سني هذه لا أرى النهاية بعد، لكنك يمكنك تراها، يمكنك أن ترى أنه ستكون هناك نهاية. لقد غاب عني هذا الجانب تماماً، لأنني لم أنظر إليك من هذه الزاوية.


أنا من مواليد نوفمبر 1939، ومسألة الفناء تزحف قليلاً فقليلاً بالنسبة لي، ويتعين على القول إنني لست أرغب في أن أعيش إلى أن أصبح في عامي المئة، ما لم أكن في خير حال من الناحية الصحية.
ولو أنني كنت صحياً على أتم ما يرام فلن يكون وصولي إلى مئة سنة أمراً سيئاً، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك فإن كل أصدقائك سيكون الموت قد طواهم، وهو أمر يتعين عليك التوقف عنده والتفكير فيه طويلاً. وأيريس في رواية «القاتل الضرير» تبدو كومة من التداعي. وهي كاتبة.


المؤلفة في سطور

ولدت الروائية الكندية مرغريت أتوود في 18 نوفمبر 1939، ودرست اللغة الانجليزية في جامعة تورنتو التي تخرجت منها عام1961 وحصلت على الماجستير من كلية راد كليف عام 1962 وعلى الدكتوراه من جامعة هارفرد عام 1967، وعملت بالتدريس في الجامعات قبل التفرغ للكتابة الإبداعية. حيث قدمت فيضاً من الروايات والقصص القصيرة ودواوين الشعر وكتب الأطفال وسيناريوهات المسلسلات التلفزيونية والنصوص المغناة في الأعمال الأوبرالية. وهي تعد من أكثر الكاتبات تكريماً في التاريخ الأدبي الحديث، حيث نالت جوائز أرتر كلارك، أمير أستورياس، الحاكم العام لكندا، الوسام المئوي لجامعة هارفرد وجائزة بوكر عام 2000 عن روايتها «القاتل الضرير، وصدرت لها مؤخراً رواية «عام الطوفان» التي تعتبر أبرز روايات ثلاثية لم تكتمل بعد.

الجمعة، 3 يونيو 2016

المواطنة في العراق - الأستاذ الدكتور : جواد مطر الموسوي *

المواطنة في العراق
                                                       الأستاذ الدكتور
                                                         جواد مطر الموسوي *

       اشتقت لفظة ( المواطنة) من اسم الفاعل (مواطن) وجذره الثلاثي (وطن ) وهو محل الانسان في مكان ما على وجه البسيطة ، فالأسرة والمحلة والقرية والمدينة والاقليم وطــن .
      وهذا الوطن بحاجة الى تنظيم يتمثل بالدولة التي لا يمكن ان تنشأ وتقوم إلا على اساس المواطنة ، فهي جوهر التفاعلات الاجتماعية لتحديد علاقة الفرد بدولته ، وهذه العلاقة تحدد بقانون بين الدولة والمواطنة وحسب العصر الذي تعيش به ، فالتجربة التاريخية تدرس في واقعها وبيئتها ، لذلك لا يمكن ان نضع تعريفاً متكاملاً لمبدأ ( المواطـنة) لأنه مصطلح سياسي حي ومتحركة ضمن الصيرورة التاريخية ، ومع ذلك يمكن القول ( المشاركة بحرية واعية وبأثر فعال في بناء الدولة بقانون بعيد عن انتهاك حقوق الانسان ) .
     يعتقد الكثير من الباحثين ان مبدأ ( المواطنة Citizenship ) بدأ من اليونان وبالذات مدينة ( اثينا) في القرن الخامس قبل الميلاد وانتشر بعد ذلك .
     لكن الحقيقة التاريخية تُثبت ان ( المواطنة ) بصفتها مبدأ ممارسة قد مارسه العراقيون القدماء منذ بزوغ الحضارة عندهم ، وهم اول من علٌّم البشرية بفخر معنى( المواطنة ) واحترام ( حقوق الانسان ) لايأخذ هذا المبدأ البعد الانساني في مساهمات الحضارات البشرية الاخرى بصياغته ووضوحه وتنظيمه عبر مسيرتها من القرون السحيقة حتى الوقت الحاضر .
     فقد ذكر المرحوم ( طـه باقر) في ( مقدمته) إنـنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا ( أنَّ حضارة وادي الرافدين تفرَّدت بأول ظهور لنظام دولة المدينةCity States  على أنه شكل من اشكال الحكم في التاريخ البشري ) .
    ومن المرجح جداً أنَّ اصول هذا النظام ترجع الى ظهور اول قرية زراعية في الاهوار في الالف الخامس قبل الميلاد تطورت في الالف الرابع بظهور المدن والعمران الحضاري (  (Urbanizationلازمه تتدرج للحاكم المنتخب من ( اين  ( En و( انسي  Ensi) ثم ( لوكَال Lugal ) .
      وان المثير للأنتباه ان الولاء القبلي منذ عصور ما قبل التاريخ (Pre history) قد ضعف بصورة واضحة ولا سيما في عصر المدينة العراقية (Early Dynastic) والسبب اعتماد المدينة على الاقتصاد الزراعي والري والتجارة ، فنشأت في المدينة مجالس مدينة جاء ذكرها في اللغة السومرية مثل مجلس ( اوكن Ukin) ، وفي اللغة الاكدية مجلس ( بوفرم Pukhrum ) ومشيخة المدينة ( شيبوت آلم Shiput alim ) .
       بعد ذلك قننت العلاقة بين الفرد والدولة فقد عثر على اقدم قانون في العالم ، وربما قبله قوانين عراقية اخرى لم تصل إلينا ، لأن هذا القانون كان على درجة عالية من النضج وهو قانون ( أور- نمو ) ( 2113 ـ 2096 ق.م) ، ثم قانون ( لبت عشتار ) وقانون( اشنونا ) ثم قانون ( حمورابي) ( 1792ـ 1750 ق.م) ثم القوانين الاشورية .
      وقد اطلق الآثاري الاوربي ( آي.آي سبيزر ) على هذه القوانين بأنها ( لائحة لحقوق الانسان ) ، لأنها حجر العقد في كثير من الوجوه في البنية الثقافية في بلاد وادي الرافدين .. فهي التي ترشد الحاكم وتحمي الرعية .. حتى ولو اصبح الملك رئيس امبراطورية واسعة ، فإنه يظل خادم القوانين ، وليس مصدرها ، ويكون مسؤولاً امام الآلهة من اجل تطبيقه ، إنَّ مثل هذه الحماية الألهية الضامنة لحقوق المواطنة الحيوية والاساسية ، وقد تعني الكثير للمواطن الاعتيادي ، فإنها نعمة ما بعدها نعمة ، هذا يعني ان السمة الاساسية للمجتمع هي الاحترام العميق لحقوق المواطنة ، فالملك العراقي لم يكن ملكاً خارقاً مثل الملك الفرعوني .
     فكان الملك العراقي يعتمد على رعاية الآلهة وموافقة( مجلس الشيوخ ) وهذا التأكيد على الشورى ، وموافقة المجلس ظاهرة للعيان في معظم تاريخ بلاد وادي الرافدين ، وإن السلطة التمثيلية هي الاساس وليس الاستبدادية ، وهذه السمة الديمقراطية حَملت منافعها الى الكثير من البلدان .
      والصورة تتجلى بوضوح في الميثولوجية العراقية فالمائدة الالهية التي عقدها الاله ( مردوخ ) لأخذ رأي مجلس الالهة بالأجماع لغرض محاربة قوى الشر الذي تقوده آلهة الدمار ( تيامة ) ، وهذا انعكاس لما يحدث في المجتمع السومري من عقد المجالس والمناقشات والانتخاب الحر ، ومن دور واضح للمواطن ، لأن الآلهة السومرية تحمل الصفة نفسها التي يحملها الانسان السومري ماعدا الموت فهي خالدة .
      وفي هذا المجال طرح ( جاكوبسن  Jacobsen ) نظرية ( الديمقراطية البدائية في العراق القديم ) التي لم تفند الى حد الآن بل عُدّلت بعض الشيء وفحواها ( كما لخصها الاستاذ الدكتور عامر سليمان ) استاذ الآثار القديمة  جامعة الموصل :( ان اولى الانظمة السياسية التي ظهرت في العراق اتسمت بالديمقراطية البدائية Primitive Democracy ) .
       كانت السلطة العليا في المدينة بيد مجلس عام يضم جميع المواطنين ( النساء والرجال ) يجتمعوا ويقرروا عمله في الحالات الطارئة ، وكان لكل مواطن من المدينة حق الكلام لكن كانت هناك امتيازات للرجال المسنين .
      وهذا دليل لإحترام الخبرة والعمر للذين الّفوا ما يشبه مجلس الشيوخ  دخل المجلس العام وكان النقاش يستمر حتى يتم التوصل الى قرار نهائي وبالإجماع وتتولى مجموعة اخرى تدعى ( مُشرّعي القانون ) بإعلان القرار النهائي وكان من بين القرارات التي يتخذها المجلس بإستمرار هو اختيار من يكون مسؤولاً عن شؤون المدينة ( الاين En ) ، وكانت سلطاته محدودة ومقيدة بالصلاحيات المخولة له من قبل المجلس العام ، فهو يرجع الى المسنين لأخذ استشارتهم اولاً ثم يُعقد المجلس العام لطرح الموضوع عليه وهذا واضح في ملحمة( كَلكَامش)
فكانت سلطة كَلكَامش حاكم الوركاء بيد مجلس المدينة العام .

      واستمرار الحال في العصر البابلي القديم ( 2000ـ 1595ق.م) حيث نجد في كل مدينة بابلية مجلس يضم المسنين للنظر في القضايا التي يحيلها الملك عليها .
      وفي العصر الآشوري القديم ( 2000-1500ق.م) ، وفي اقليم (كبدوكيا ) مجلس للتجار الآشوريين ينظر في القضايا ذات العلاقة بتنظيم حياة التجار .
      كما ان الملوك الذين جاءوا بالقوة الى الحكم لم ينفكوا ان يتمسكوا بالنظام الديمقراطي البدائي وبإحترام المواطنة ، وبإدعائهم أنهم جاؤا الى الحكم نتيجة انتخاب الآلهة لهم من بين جموع البشر .
      وفي التاريخ العربي قبل الاسلام ، نجد "حلف الفضول " افضل انموذج عن مبدأ (المواطنة ) وهي المعاهدة التي اتفق عليها اهل مكة وطبقوها في الواقع على احترام كل الانتماءات ونصرة المظلوم ، لحماية الافراد من اي اظطهاد او قمع او ايذاء يتعلق بجنسهم او افكارهم او معتقداتهم .
      وعلى الرغم من ان مفهوم ( الوطن ) في الاسلام محله مفهوم ( الامة الاسلامية ) لكن هناك محاولة لإحترام ( المواطنة ) منها: صحيفة الرسول الكريم ( صلّى الله عليه وآله وسلَّم ) في المدينة ( يثرب) ، التي قبلت ( الشراكة في الوطن ) بين المسلمين وغير المسلمين ، وكذلك ( صلح الحديبية ) الذي ساوى بين الافراد من حيث القوة والتأثير .
     وفي الفكر الاسلامي نجد مباديء المواطنة موجودة بصورة واضحة ، منها: العدالة ( إنَّ أكرَمَكُم عندَ الله أتقاكُم ) و( الناس سَواسِيه كَأسنان المِشط) والتَكافؤ في الفـرص ( لافَرقَ بَينَ عَرَبيّ وأعجَمي إلا بالتقوى) والمشاركة فـي الحكـم
( مَن رَآى منكُم مُنكَراً فَليُغَيرهُ ) استمر الحال حتى العصر الاموي ، عندما حدثت قطيعة واضحة وتراجع عن مباديء ( المواطنة ) وحكم الجماعة والانتقال الى سلطة فردية وراثية ، الــى الحكم العثماني فأول استخدام للفظة ( وطـن ) عام ( 1839م) كما ذكر الدكتور ( قيس العزاوي ) في فرمان سلطاني هو خـط
( كلخانة) حيث ورد مصطلح ( الوطن ) في موقعين : الاول: عندما تحدث الخط عن الانسان العثماني الذي ( تتزايد غيرته يوماً بعد يوم على دولته وملَّته ومحبته لوطنه) ، والثاني : عندما اعتبر مهمة الجيش هي ( المحافظة على الوطن ) .
      ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة( 1921م) وتولي انظمة حكم متعددة حتى سقوط آخرها سنة( 2003م) تعرض مبدأ ( المواطنة ) الى تهميش وضياع واضح ، وكان ذلك اشد الاخفاق الذي منيت به هذه الانظمة ، وكان ذلك على حساب الدولة ، وانهارت ( المواطنة ) نهائياً في النظام البائد الاخير مقابل الفرد والحزب الواحد فلم يكن هناك ( وطن) حتى تكون هناك (مواطنة ) فكان العراقي دائم التفتيش عن ( وطن ) آخر .
       وبالمقابل حاول النظام ، الإخلال بالنسيج الوطني الاجتماعي ، وليس هذا فقط بل اهمل ( الوطن العراقي ) لصالح اوطان مفترضة لا وجود لها اصلاً من قبيل الوطن القومي والوطن الاسلامي ...
      وزاد الطين بلة لهذه الدولة العراقية الحديثة بالسماح للطروحات الخارجية ان تحتل حيزاً واضحا في الثقافة والوعي الجمعي ، فأصبح الواقع مخترقاً ومهجناً ، وبذلك اصبح الطريق للأنقسام سهلاً .
      وبعد سقوط النظام شيع مبدأ ( المواطنة ) الى مثواه الاخير علـى مقصلة
المحاصصة الطائفية لكنه بقي حياً في قلوب الخيرين من ابناء هذا الوطن الغالي
الذي هو فوق كل شيء ، والخيرون عليهم بناء منظومة وطنية جديدة من الواقع وثقافته الحرة ، للوليد الجديد ( المواطنة ) لضمان سلامة مجتمع رائع ودولة معافاة ووطن كبير بتاريخه .


* كاتب ومؤرخ أكاديمي
profalmosawi@yahoo.com

ساعة محطمة بمعصم دالي-علي السوداني



ساعة محطمة بمعصم دالي
علي السوداني
قال : صورتك مدهشة ويبدو أن رسامها من ثلة المحترفين المهرة .
قلت : لا وحقك يا صاحبي ، أنه كائن مشتق من الرصيف وليس على ما ذهبت وتوهمت .
قال : لم افهم توصيفك وتجنيسك لهذا الرسام .
قلت : هو رسام يستوطن رصيفاً ورزقه على ألله والسائحين والسائحات اللاتي عبرن سن اليأس .
قال : وما الفرق – رعاك الرب –  بينه وبين رسامين واقعيين وحداثويين ومشهورين .
قلت : هم على شهرة ، وهو فاتته الشهرة .
قال : أظنها اجابة خرقاء أو عوراء أو مثلومة .
قلت : مرادي أن هؤلاء تضخهم وتضخمهم وتنفخهم ماكينات أعلامية وآلات دعاية عملاقة ، وهو يكتفي بما يعرض على الرصيف وبدعاء ألأم وإبهار الزوجة وبخداع النادل .
قال : ولمَ هذا الولوج إلى باب التتفيه والتسطيح وتذكير الرعية أبداً بأنك كاتب ضحّاك ؟
قلت : ليس هذا مقصدي ، لكنني وجدت نفسي – وربما أنت مثلي – أخوض في مادة تستدعي دقة المصطلح وفقه القول وحجة النقد .
قال : أذن ماذا بمستطاعك تدبره في هذا الباب ؟
قلت : ألانطباعات والأندهاشات وألتعجبات والقول على السليقة والتلقائية .
قال : لكن الناس ستضحك وتسخر منّا ونحن في معمعة فيها تجريب وتجريد وتشكيل وتكعيب وسوريالية وما بعد حداثة وأخريات لا تفهمها .
قلت : دع القوم تقرأ وتضحك لأن ألإضحاك فن كذلك .
قال : يحدث هذا في القصة والرواية والشعر والمكتوب والحكاية ، لكن ليس الرسم .
قلت : ثمة لوحات مضحكة .
قال : كاريكاتير حجاج وبهجوري وعلي فرزات وخضير الحميري مثلاً ؟
قلت : ربما كان ذلك دقيقاً ان أعتبرت ما ذكرت في باب اللوحة ، لكني ما زلت في باب لوحة الزيت الملطوش فوق الكانفس وورق الشاموا وباليتة ألألوان وألمزج وألكولاج وخلق وأستنباط مواد داخلة جديدة حديثة في بناء أللوحة .
قال : ها أنت تدري وتعلم وتستعمل المصطلح في مكانه .
قلت : لا أغور بعيدا ولا أظنني عميقاً في هذه ألمسألة ، بل أراني أقرب الى السطح .
قال : ما رسمك المشتهى ؟
قلت : الواقعي والواقعية وأنا أكره التجريد حتى في تدوين القص والروي والحكي .
قال : قرأت لك عشرات القصص السوريالية .
قلت : أحسبها الفانطازية .
قال : وهل ثمة فرق بائن ؟
قلت : لا أدري ، ان كان نصف العلم لا أدري .
قال : للرسم مدارس وطرائق وأساليب ومناهج حتى وصل الى ما صار عليه اليوم .
قلت : أحب لوحات ومنحوتات ورسّامي ومثّالي القرون الوسطى وما قبلها ، ولا أعشق شخابيط اليوم .
قال : لديّ لوحتين ، أود أهداءك واحدة ، الأولى للواقعي  فائق حسن والثانية للسوريالي سلفادور دالي ، ماذا ستختار ؟
قلت : دالي بالطبع
قال : ها أنت تعترف بشغفك بالسوريالي .
قلت : ليس هذا أبداً ، وخياري جاء من ان لوحة دالي سعرها عشرة ملايين دولار ولوحة فائق مزادها بخمسة آلاف دولار .
قال : لقد دوّختني يا صاحبي .
قلت : أنا مثلك أيضا قد دخت وأغتممت ، فلنذهب الآن إلى حانة كوكب الشرق وهناك سينضج الحوار وينمو الجدل وتتوضح الصورة والمرسوم والمنحوت !!

   alialsoudani61@hotmail.com
____________________________________________________________________

قصة وتعليق-اسماعيل غزالي




قصة وتعليق
هذيان المثلّثات

اسماعيل غزالي
(1)

نجمة زمردية عزلاء في سماء النهار المصطخد .
بجعة أضلت طريق السرب .
امرأة تتأمل وجهها في غدير فاسد على قنطرة آيلة للسقوط .

(2)
في سماء النهار دائما غيمةٌ مرقّطة شبيهة ببقرة
كأنما يحلب ضرعها لقلاق شريد
فيما ضفادع الغدير الزرقاء تترقب بحماس أفول جمرة الشمس .

(3)
الرجل الذي رصد كل هذا من مرآة سيارته الجانبية
لفته دخان سيجارته التي قفزت منه في لحظة غامضة
بعد أن ابتسم لذرق غراب لطخ زجاج النافذة على شماله

(4)
لم يكن يتوقع ما حدث بعدها لأن فراشة دامغة الألوان
دخلت من النافذة على يمينه رفرفت طويلا قريبا من عينيه
رست على أنفه قليلا وخرجت من النافذة على شماله

(5)
كان بانتظار لحظة صغيرة لاغير
هي اطلالة فتاة من شرفة البيت المنعزل
في تلك الضاحية القرمزية
(6)
صفير غريب في شجرة الصفصاف
شد انتباهه
فيما السراب يرقرق كماء تفتقده الجداول اليابسة

(7)
تمنى لو كان زرزورا
يقف على قرميد شرفتها
حتما ليرصد كل يومها عن كثب

(8)
شيء ليس عاديا تماما
ألاّ تطل الفتاة الخمرية من شرفتها
حتى البهائم الشاردة في الظهيرة لاحظت ذلك

(9)
أجل وقفت جفلة تلك البهائم
فالقطار مر في وقته الأكيد
والفتاة أخلفت الموعد للمرة الأولى

(10)
فجأة خبت نجمة الزمرد في سماء النهار الصاهد
البجعة سقطت جثة هامدة في غدير الجسر
المرأة على الجسر ركضت فزعة صوب الهضبة

(11)
الغيمة المرقطة الشبيهة ببقرة أجهشت بالرذاذ
اللقلاق الشريد عاد إلى عشه فوق البيت المنعزل
الضفادع ترقص مرحا على طحالب الغدير الفاسد

(12)
الرجل في السيارة يخرج رأسه من النافذة مستعذبا زخات الغيمة
عقب سيجارته مايزال مشتعلا في بعر كلب
ذرق الغراب على الزجاج يذكره بخارطة البلد الذي أتى منه .

(13)
تتبع تحليق الفراشة وهي تأخذ وجهة الصفصافة
فكر في أن الأيام المتبقية له في هذه البلاد
رهينة بحياة الفراشة و تمنى لها عمرا أطول .

(14)
استغرب حين نظر مرة أخرى
إلى البيت المنعزل
لم تكن هناك أي شرفة !

(15)
الصفير في الصفصافة
تحول إلى طنين دبابير
السراب لملم لعابه وغادر منتصف النهار

(16)
تمنى لو كان زرزورا
فيتسرب من مدخنة البيت
كي يطمئن على وجود الفتاة الخمرية

(17)
أجل ، شيء ليس عاديا تماما
ما من شرفة أصلا في البيت حتى تطل منها الفتاة الخمرية
والبهائم تغط في نوم قيلولة

(18)
أمر لايصدق
حتى القطار الذي مر قبل قليل
كان بلاصوت يذكر .

(19)
أمر أشد غرابة حقا
فما من وجود حتى للبيت المنعزل
وشجرة الصفصاف أيضا

(20)
مؤكد
لم يحدث أي شيء من كل هذا
والرجل لم يكن سكرانا أو يحلم أو يتخيل

(21)

كل ما في الأمر
أن الرجل كان يلفظ أنفاسه الأخيرة
داخل سيارته المقلوبة على جانب الطريق بسبب حادثة مميتة .


***

قراءة معينة في قصة ( هذيان المثلثات ) لإسماعيل غزالي




 




عدنان المبارك

قد تكون هذه القصة شغلا سرديا فلميا. فالكاميرا تطوف في شتى الإتجاهات : السماء ، الأرض بنجمتها تلك والبجعة والمرأة. ثمة بضع لقطات ليس بالضرورة أن تتعاقب كما الزمن البطيء / المتباطيء ، بل هناك تزامن من النوع الصعب لكن ظاهريا حسب ، فللكاميرا الحق / الحرية ، في أن تتمازج ، بفضلها ، الغيمة الشبيهة بالبقرة ، واللقلق المفترض وتلك الضفادع التي لقامت بإختصار الإنتظار ولركسّت الشمس تحت الأفق...
بعدها تروح الكاميرا الى الرجل الذي ( سرق ) ما كان مرصودا قبل قليل ، لكن ها قد عثرت على أكثر من إكسسوار واحد ل( حكايتها ) : السيجارة والنظرة الى الذرق مما يعني أن ( الحكاية الأولى ) على وشك أن ُتختم بفعلة فراشة ( نزقة ).

بدءا ً ب( 5 ) أخذت الكاميرا تنسج حكاية ثانية : فتاة الشرفة التي طال إنتظار رجلنا لإطلالتها ، لكن لايهم ، فها أن صفير صفصافة يرسم له صورة أخرى للإنتظار ملؤها ذاك السراب الرقراق ، وفيها تنداح أمنية الوقوف على قرميد الشرفة كي يغفر له عشقه أفعال البصّاص ! الرجل محظوظ ، والكاميرا أيضا : مشاغل جديدة للإثنين : تيار وعي تجسّده البهائم الشاردة ، قطار مارق ، حقيقة مؤسية عن الفتاة التي أخلفت الموعد للمرة الأولى. الكاميرا ترصد الآن إحباطا معيّنا : خبو نجمة الزمرد ، جثة البجعة ، فزع المرأة الهاربة ، رذاذ البقرة المرقطة ، اللقلق الذي رحل عن المشهد الى عشّه ، الضفادع الراقصة إحتفالا بإختفاء الشمس.

(12 ) : الكاميرا تعود الى الرجل الذي دخن سيجارته. شاغله الآن الذرق – الخارطة ( لتقم الكاميرا هنا بمونتاج ، بمزج سريع / بطيء للذرق والجغرافيا ). تيار الوعي يجرف الفراشة كي يرهن حياة بأخرى ( ولتقترب الكاميرا من فم الرجل عندما يطلق التمنيات بعمر أطول )...

( 14 ) : الكاميرا تعد لنا المفاجأة : لا شرفة هناك ! ( وقد تجسّدها الكاميرا بنظرة الرجل الخائب صوب شرفة شيّدها خيال المحب ) الصفير إنمسخ الى طنين ، السراب ولى الأدبار. الكاميرا ترصد الآن المخيلة من جديد : زرزور - ( حمار ذهبي ) يحشر نفسه في المدخنة كي يعرف ، كي يطمئن ، غير أن الكاميرا تحذر من أن لا وجود للشرفة ، وأن البهائم في قيلولة ، وحتى القطار الذي كان قد مر قبل قليل فقد ( صوته ) و أصبح إكسسوارا ل( الفلم الصامت )...

( 19 ) الكاميرا تعمق الخيبة : لا بيت هناك ولا صفصافة ! لم يحدث أي شيء سوى أن الرجل كان يحتضر في سيارته المقلوبة. هكذا صارت الكاميرا الشاهد الوحيد لرحيله …

مشروع مكتبة بدون المصرية: الاستشراق كثقافة شعبية وشكل فني- أميرة العال ترجمة: عماد مبارك غانمم




مشروع مكتبة بدون المصرية:
الاستشراق كثقافة شعبية وشكل فني


أميرة العال
ترجمة: عماد مبارك غانمم


أثرت منطقة الشرق الأوسط منذ وقت طويل على الكثير من الفنانين الغربيين. الرابطة الثقافية المصرية "بدون" جمعت قرابة 1000 ملصق وفهرس وصورة وكتب طريفة ونادرة في معرض متجول يوضح كيف أن القوالب النمطية كانت حاضرة بقوة هي الأخرى في الشرق بعد عام 1945. أميرة العال في استعراض لأبرز جوانب المعرض المقام في القاهرة.

صور نمطية من ألف ليلة وليلة: روايات أوروبية رخيصة عن الشرق، موثقة من قبل مشروع مكتبة بدون.

في الغالب يعرف المرء كتب الأدب التافه من الصور الملونة على أغلفتها، التي تظهر في الغالب نساءً جميلات يرتدين ملابس قصيرة، يُنقذهن رجال مفتولي العضلات ويقبلونهن. رواية "الابن السري للشيخ" تنتمي بشكل واضح للغاية إلى نوع روايات الإثارة الرخيصة. لكن ما أن تضاف إلى هذه الرواية روايات أخرى مثل "عروس الشيخ السرية" و"عروس الشيخ العذراء" و"عشيقة الشيخ"، إضافة إلى غيرها من التحويرات الأخرى، حتى يصبح الأمر مبعثاً للدهشة والاستغراب. وفجأة لا يصبح الأمر يتعلق برواية رخيصة بسيطة بل بوسيلة من وسائل الدعاية التي لا تعمل إلا على تعزيز الصور النمطية عن الرجل "الشرقي" المتخلف وتعزيزها.

إن سلسلة روايات الشيخ التي يمكن مشاهدتها في "مشروع مكتبة بدون" Bidoun Library Project، وهي مجموعة من قرابة 1000 مطبوع، بعضها صدر في منطقة الشرق الأوسط ويسلط بعضها الآخر الضوء على هذه المنطقة. وجميع هذه الأعمال تقريباً صدر في القرن العشرين وتتناول بشكل خاص للغاية بالفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، تلك الفترة، التي تم فيها إعادة تعريف العلاقة بين الشرق والغرب وتأثير التغيرات التاريخية.

ثقافة معاصرة في منطقة الشرق الأوسط


: تقدم مكتبة بدون في قاعة تاون هاوس للفنون كتباً فنية وثقافية ومجلات للجمهور العربي، تتناول بشكل خاص منطقة الشرق الأوسط.

أُطلق مبادرة هذا المشروع من قبل ناشري مجلة بدون الفصلية التي تعنى بالثقافة والفن. وتدعم منظمة بدون الفن المعاصر والنتاجات الثقافية في منطقة الشرق الأوسط. وإضافة إلى المجلة ينظم المحررون أيضاً معارضاً ومكتبات متجولة وبرامج مصورة وغيرها من الفعاليات الأخرى. ومكتبة بدون في القاهرة تعد أحدث مشاريعهم.

وهذه المكتبة تقدم مجموعة متنقلة منوعة من كتب ومجلات وأغان مصورة، تُعرض في الوقت الراهن في قاعة تاون هاوس للفنون Townhouse في القاهرة. وأبصرت مكتبة بدون النور في خريف 2009 في أبو ظبي. وكانت الفكرة منها تقديم كتباً ومجلات عن الفنون والثقافة لها علاقة بمنطقة الشرق الأوسط للجمهور في العالم العربي، وهذه المجلات والكتب من تلك التي يصعب أو يستحيل إطلاقاً الحصول عليها في هذه البقعة من بقاع العالم. وإضافة إلى ذلك كان هناك دافع لإنشاء أرشيفاً، يتم فيه حفظ إصدارات هذه المنطقة، التي لم تعد تطبع أو تلك الموجودة في المجموعات الخاصة فقط، ما يبقيها بعيدة عن تناول العامة من القراء.

ومن البداية كان واضحاً أن مكتبة بدون ستكون مشروعاً متغيراً على الدوام، ومجموعة متغيرة الأشكال بشكل مستمر. ولهذا السبب لا يمكن مقارنة المعرض المقام في القاهرة بمثيله في أبو ظبي أو مثيلاته في دبي وبيروت ونيويورك.

كتب نادرة وطريفة


مجموعة من الكتب الساخرة والدعائية في قاعة تاون هاوس للفنون بالقاهرة. كما يضم المعرض سلاسل مصورة وكتباً فنية والمجلة الرسمية لشركة النفط السعودية العملاقة أرامكو. ومن هذه الكتب النسخة العربية لكتاب آدولف هتلر "كفاحي".

ومنذ 2009 عرضت مكتبة بدون أشياء مختلفة للغاية، كما وثق ناشرو هذه المجلة الطفرة الفنية في منطقة الشرق الأوسط في الألفية الجديدة، وجمعوا أعمال دار الفتى العربي، وهي دار نشر مصرية كانت ممولة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، أصدرت في سبعينات القرن الماضي كتباً للأطفال. كما جمعوا طليعة المجلات الفنية في العالم العربي، مثل مجلة "فنون العربية"، التي كانت تصدرها في ثمانينات القرن الماضي مجموعة من المهاجرين العراقيين في العاصمة البريطانية لندن.

أما المعرض الذي أُقيم في نيويورك فكان نقطة تحول بالنسبة إلى مكتبة فنون، فقد كان يخاطب جمهوراً غربياً، كما أشار منظموه إلى التناقض الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، الذي كان كتصميم أقوى بكثير في تقديم الغرب في القاهرة وبيروت ودمشق. جلس منظمو المعرض أمام كومبيوتراتهم وبدؤوا البحث عن مادة تتناول منطقة الشرق الأوسط، مستخدمين في ذلك مصطلحات مثل "العرب" و"إيران" و"النفط" و"1970" في محركات البحث على شبكة الإنترنت. وكانت النتيجة خليطاً من الكتب عن النقاب والعنف في الإسلام وأزمة النفط العالمية وروايات الإرهابيين وفيديو الأغنية الشرقية الأسطورية "تذكر الوقت" Remember the time، التي أداها الأمريكي مايكل جاكسون. وعلى الرغم من أن منظمو المعرض وجدوا بمصطلحات البحث هذه أكثر المعلومات انتشاراً، لكنها ليس الأكثر وثاقة.

تفسير مفتوح

نكت فاضحة عن ملالي مجانين. من بين المعروضات كتاب سيف لاينينغر عن النكات الإيرانية. لم يجر البحث وفق نموذج محدد وكان لا يجب أن تقدم المعروضات رسالة محددة، كما توضح المحررة في مجلة بدون نيجار عزيمي مضيفة بالقول: "جمعنا هذه الكتب بشكل حيادي للغاية وفق المعايير العملية. لكنها ما أن تجتمع، حتى تنتج شيئاً جديداً ومستقلاً. لكن التفسير يبقى بيد الناظر إليها".

الكثير من المعروضات، التي شوهدت في نيويورك، تم نقليها إلى القاهرة أيضاً. لكن على الرغم من ذلك فإن المعرض المقام في القاهرة يعد شيئاً مميزاً مرة أخرى، ومستقلاً في تركيبته. إذ أن هذا المعرض يقدم فكرة إنسانية منحت هذه المجموعة أهمية أكبر. كما أنها تقدم الخطاب الذي وجه إلى الجمهور في نيويورك.

في قاعة تاون هاوس للفنون بالقاهرة عُرضت سلاسل عربية مصورة وكتب فنون والمجلة الرسمية لشركة النفط السعودية العملاقة أرامكو وغيرها من الكتب التي تتناول الحجاب وكذلك نسخة من الترجمة العربية لكتاب آدولف هتلر "كفاحي". ويطمح منظمو المعرض أن يقوم الزائرون بالبحث هنا والبدء برحلة استطلاعية خاصة. وسيبقى في مكتبة تاون هاوس بشكل دائم قرابة 50 كتاباً، تم التبرع بها من قبل دور نشر الكتب الفنية في سويسرا وألمانيا، وهذا سيعمل على تلبية جزءا من الفكرة الأساسية التي انطلقت منها مكتبة بدون.

مجلة كموضوع فني

إنها إيماءة صغيرة، لكنها مع ذلك مساهمة مهمة في مدينة، أصبح من غير الممكن فيها تقريباً الحصول على مثل هذه الكتب في المكتبات العامة، فقريباً ستشد مكتبة بدون الرحال من جديد، إلى العاصمة البريطانية لندن هذه المرة. وأمنية القائمون عليها تتمثل في إمكانية استمرار تنقلها. فلسطين وليفربول والبحرين، أماكن ما تزال قائمة على لائحة أمنياتهم.

يوجد الكثير مما يمكن مشاهدته وقراءته واكتشافه في المعرض، لدرجة أن الوقت يبدو غير كافياً لهذا كله. ويبدو أن الأمر جاء مناسبا،ً إذ إن عدد الخريف من مجلة بدون تتطرق إلى موضوع هذه المكتبة المميزة وتعد بذلك بمثابة نوعا من الفهرسة لهذا المعرض.وهكذا يمكن للزائر القراءة بهدوء في هذه المجموعة فقط، بل وأن يأخذ معه إلى المنزل تحفة فريدة من نوعها. لأن كل نسخة من نسخ المجلة التي يبلغ عددها 500 نسخة تحمل على غلافها صورة فريدة، تخلى عنها جامع الصور والتحف المصري أمجد نجيب من مجموعته مقابل دولار أمريكي واحد لكل صورة. وهكذا تصبح مجلة موضوعها الكتاب، تحفة فريدة في نوعها هي الأخرى.


الأربعاء، 1 يونيو 2016

( هكذا تمرّد ابن عربي ) -المجموعة الشعرية الجديدة للأديب الشاعر والباحث والفنان التشكيلي الدكتور غالب المسعودي

( هكذا تمرّد ابن عربي ) 
المجموعة الشعرية الجديدة للأديب الشاعر والباحث والفنان التشكيلي الدكتور غالب المسعودي
صدرت عن المركز الثقافي للطباعة والنشر
بابل - دمشق - القاهرة 
الف مبارك للمبدع الدكتور غالب المسعودي انجازه الجديد والى المزيد من الابداع والجمال
لوحة الغلاف من اعمال الدكتور المسعودي
يطلب الكتاب من مكتبة المركز الثقافي للطباعة والنشر
الحلة - شارع الامام علي (ع) 
موبايل
07721472444

الثلاثاء، 31 مايو 2016

قصة قصيرة الحمامة رأت-عادل كامل

 
قصة قصيرة

الحمامة رأت

عادل كامل
   ـ أنا رأيت الحلم ذاته: جلس الليل بجوار النهار، في مائدة واحدة، والنمر مع الغزال في مرعى عند ضفاف النبع...
  وأضافت الحمامة تروي للغراب، شاردة الذهن:
ـ  ولما  حاولت الاستيقاظ عرفت أني لا احلم، فما أن أعدت النظر حتى شاهدت النار تحاور الماء، والذئب يرقص مع الحمل، والحديد يتنزه مع التراب، وابن أوى يغني للطيور ...
   هز الغراب رأسه، متسائلا ً:
ـ وماذا بعد..؟
ـ بدأت، مرة أخرى، اشك بأنني مستيقظة، فقد أكون نائمة، أو ذهبت ابعد من النوم...، حتى اختلط الأمر علي َ، فلم اعد أميز بين الشتاء والصيف، ولا بين الأعلى والأسفل، ولا بين الذهب والغبار، الكل غدا فراغات مزدحمة داخل فضاءات بلورية، حتى رأيت الأخيرة تتمايل، وتلعب من غير تصادم، أو عنف...، الألوان لا نهاية لانسجامها ممتزجة بأصوات خالية من الحروف، والاضطراب، والتشوش...
   فسألها الغراب:
ـ وكم امتد زمن الحلم...؟
أجابت من غير صوت:
ـ لم يعد للزمن وجود، كما لم يعد غائبا ً، ولا للمكان حضور  ولا اثر لزواله...، فانا صرت اعرف نفسي بوجود جعلني اجهل، أأنا مازالت احلم أم أن هناك من كان يحلم ويراني في أحلامه...، حتى عندما حاولت استعادة رفيقاتي الحمامات وجدتهن غائبات...، فلم ابك، ولم افرح، لم احزن ولم ابتهج...، فسألت نفسي: أأنا خارج نفسي أم نفسي خارجي، أأنا داخلها أم هي داخلي...، أأنا نور ليس له ظل، أم ظل من غير نور...،  ولكن المشهد سمح لي أن أرى ما وراء الحافات، مثلما كنت المس انعدام الملامس، لا هي ناعمة، ولا هي رقيقة، ولا هي كبيرة، ولا هي خشنة، ولا هي صغيرة...، فقلت لنفسي: ما شأني إن كنت لم أولد بعد أو إنني فارقت الحياة مادمت أشاهد الصقر يغرد كالبلبل، والتمساح يرقص مع الغزلان، والسباع تهرول مع الأفاعي، والجرذان تستحم مع أفراس النهر، فيما الدببة تداعب الأسماك برفق، وشفافية...
ـ وماذا بعد...؟
ـ صرت، كلما حاولت الاستيقاظ، أرى الحلم ذاته، فلم اعد مكترثة إن كنت وقعت في الأسر، أو وقعت في شباك الصيادين، أو أنا في حفرة...، أو أنا في هذه الحديقة!
ـ آ ...
 تأوه الغراب وأضاف:
ـ هذا هو الحلم ذاته الذي رآه جدنا الأعظم ...، الديناصور العملاق...
صاحت مذعورة:
ـ لكني لم أكن اكترث للموت، ولم أكن خائفة، ولم أكن اشعر بالألم، أو بالفزع...!
ـ بالضبط...، هذا ما قاله أيضا ً، لأنه ـ هو ـ تماما ً سلك الدرب الذي لا يعرف نهايته...
ـ ولكني مازالت أراك ـ وربما ـ تراني؟
ـ وهل اعترضت عليك، لأن هذا هو تماما ً الذي حدث لك، يا حمامتي الوديعة، لأنه لم يدم  أكثر من زمن عبوره إلى الزوال، إن لم يكن ولد مسبوقا ً بزواله الخالد!
ـ آ ...، يا لها من مسرة، انك تذهب ابعد منها، من غير الم، وأسف انك فقدتها، بهدوء، ومن غير صخب، أو زيادات!
26/5/2016

دماء كنيسة سيدة النجاة بريشة فنانة عراقية- حاورها/ نهار حسب الله





دماء كنيسة سيدة النجاة بريشة فنانة عراقية

الفنانة التشكيلية حنان الانصاري تتحدث عن تجربتها الفنية:
عشاق الدم.. لايمكن ان يعشقوا ألوان الحياة
لوحاتي تعبر عن قضية المرأة المغيبة في مجتمع مغلق

حاورها/ نهار حسب الله
الفنانة التشكيلية المبدعة العراقية حنان حسين محمد الانصاري، حفيدة أحد رواد الفن ومؤسس جمعية اصدقاء الفن التشكيلي عبد القادر بيك الرسام، والتي شاركت في معارض عدة منها: معارض جماعة افكار، معارض افكار بلا قيود، معرض يوم السلام العالمي، معرض يوم الطفل العالمي، مبدعون بلا حدود مهرجان التعايش السلمي في السليمانية، معرض الرابطة العراقية للفن التشكيلي، معرض افكار بلا حدود، مهرجان السليمانية الشامل، معرض يوم المراة ، المهرجان التشكيلي الجماعي/ الحوار المدني / ثقافة اللاعنف، مهرجان الشباب في السليمانية.. فضلاً عن إقامتها لأربعة معارض شخصية.
تحدثت إلنا عن تجرتها الفنية وكان لنا معها الحوار: 
كيف كانت بداية مشواركِ الابداعي؟
- ابتدأ مشواري الفني بظهوري في أول خطوة فنية تشكيلية وهي إقامة معرض شخصي عام 2004 بعدها انضمامي عضوة في جمعية أفكار للفنون وكنت من المؤسسين لها وهنا يمكنني القول ان لهذه الجمعية واقعاً جميلاً في حياتي الفنية حيث كان لي نشاطات مهمة.. فضلاً عن انتمائي لعدة أنشطة فنية ومن ثم كانت لي حزمة من المشاركات المتتالية ومنها انطلقت في هذا الفضاء الفني.
ما هي العلاقة بين حياة يراد لها ان تموت وفن يراد له ان يحيا؟
- يجب ان ينحني الفنان لتأدية رسالة الفن وهو داخل حياة يراد لها الموت ويهيأ نفسه كمقاتل تماماً لاحياء فنه ذلك ان العلاقة في هذا المضمون ستكون في صراع ما بين حياة يراد لها ان تموت وفن يراد له الحياة ومن المستحيل ان يتواصل إلا إذا كان الفنان مبدئياً.
كيف تشكلت العلاقة ما بين الوان تزهو وموت يحيط بها سواد وبأس؟
- الفنان الحقيقي هو الذي يعبر بريشته حاملاً أفكاراً حالمة تنتقل بشواهد فنية متأملة بأسلوب مميز ومباشر وعليه ان يكون جاداً ويتحدى الصعاب ويتركه حالما يعلن الابحار في عالم الالوان.. تلك الهواجس السوداء وينتقي ما بداخله ليحول كلمة البؤس الى نجاح، وهذا لا يعني ان الفنان يستمد احياناً من البنية تأثيراً سلبياً في خلق لوحة مؤلمة في مضمونها وألوانها ان كان يعيش في حالة بؤس ولكن هو آخراً واخيراً فنان اطلق العنان لريشته ان تتكلم بلغة الألوان والاحاسيس عاكساً تشخيصه لفكرة معينة.
اللوحة إطار وعطاء روحي.. كيف استثمرت هذه الروح الحية في مكان شهد الكثير من نداءات الاستغاثة والتضرع الى الله مثل (كنسية النجاة) فيما اللوحة بوح عن الحرية؟
- لأني اتعامل بروح فنان حقيقي وباحساس الفن ولأن الفن عطاء وجداني كان بداخلي شعور غريب جداً وهو إيصال صرخة استلبت مني للخوض في هذه التجربة لأعلن سرد حكاية أليمة على جدران شهدت صرخات في سماء الله سلفاً فكانت تجربتي في كنيسة النجاة فريدة من نوعها وسابقة لكل تجاربي الفنية، هنا تعاملت بوصفي إنسانة انساقت بتضحية جزئية لتعبر عن وفائها واحسست ان من الضروري خلق رمز اسطوري غامض ومهما يكن السبب وراء خلقه إلا انني يمكن ان اصف لك ان هناك ارادة تمتلكني بالمشاركة والتفاعل بكل إيمان لتؤكد ان الفنان يسري في داخلي حاملاً مشاعر ونزعات ذاتية مجهولة، ذلك ان للفن تأثيرات عديدة وهي الحرية نفسها في اللوحة.. وعندما طلب مني الانظمام لهذا العمل لتقديم جدارية فنية تحكي قصة مأساة ابرياء بدمائهم بدلاً من اغتسالهم بماء الكنيسة المقدس.. ذهبت مسبقاً الى الكنيسة بمفردي، تجولت فيها وكان في مخيلتي كل ما حدث من مشاهد مرعبة ولكني احسست اني سأقدم من الولاء جزءاً وسأترك اسمي وسأكون انسانة وفنانة تحول دماء ابرياء لا ذنب لهم الى ألوان تعزف لحناً حزيناً في عالم الخلود.
هل تعتقدين ان بمقدور اللوحة الفنية ان تتجاوز حالة الاحباط التي تنتاب الانسان وهو يواجه أعمال العنف التي تطال ليس إبداعه حسب وإنما حياته كلها؟
- الاحباط واليأس والقلق والتأثير بالعوامل المحيطة هي امور بديهية وتجاوزها يعتمد على مدى قوة إرادة الفنان، ولا يمكن غض النظر عن ان للفن اجواء خاصة وليس من السهل ان تمارس نشاطاً فنياً ان كانت سماءك ملبدة بالغيوم والحالة النفسية مثقلة بالهموم غير ان الفنان لابد من ان يتجاوز اموراً كثيرة ليس الاحباط حسب وإنما وقع فنه القصير الامد وخصوصاً نحن في بلد صار به ضعف البنية وباتت ملامحه واهنة وانا اتمنى ان يسترد صحته الفنية وان يتجاوز الاخفاقات والاحباط ويلجأ الى التحدي فلا يمكن لاعمال العنف ان تحبط الفنان إلا إذا نفذ ابداعه.
هل ترين ان بمقدور الفن أن يكون رداً سلمياً على بؤر القتل والفساد والتطرف .. هل بمقدور غصن زيتون ان يحول دون اشتعال الحرائق؟
- الخطاب الفني والابداعي بكل اشكاله يحاور المجتمع ويطرح القضايا ومن الممكن ان يكون مدخلاً لحوار سلمي نعبر من خلاله للذين يجهلون معنى الانسانية وتغلبت على عقولهم المقفلة مسألة الفساد والتطرف ولكن من وجهة نظري الخاصة إن تلك الشخصيات السلبية لايمكن ان يكون الفن رداً سلمياً ورادعا حقيقياً لها.. لسبب واحد انهم عناصر لا علاقة لها بالفن لامن قريب ولا من بعيد ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. ان تلك الفئة الشاذة تفتقر للدين وللقيم الانسانية فهل من الممكن تغييرهم من خلال الحوار الفني او من خلال لوحة.. لا اعتقد ذلك.
ألا تعتقدين انك في مكان محفوف بالخطر وبقوى ظلامية تريد إيقاف ديمومة الحياة والابداع معاً؟
- طبعاً انا وغيري في مكان محفوف بالخطر وقوى الشر الظلامية تريد ايقاف ديمومة ابداعي انا وغيري من المبدعين..
بوصفي انسانة مؤمنة بتأدية رسالتي، كان من الممكن ان اتجاوز قوى الشر الحاقدة لقتل الفن والثقافة على الرغم من ذلك ينتابني شعور باننا أنا وزملائي.. نجاهد ونستبسل ونرسم سبلاً للبقاء كما لو كنا نمارس حياة الابداع ونحن تحت اشراف طبي يتخصص بعناية مريض قد يفقد حياته على حين غفلة.. امارس حياتي الفنية وانا اتوسل السماء والعناية الالهية حتى لا يتوقف الامل داخلي وتموت نقطة النهاية التي لم تبدأ بمشواري الفني.
كونكِ حفيدة لأحد رواد الفن التشكيلي العراقي هو الفنان الرائد (عبد القادر بيك الرسام) ما هو اهم درس اخذته من هذا الصرح الفني المهم؟
- لكوني انتمي لسلالة فنية رائدة وحفيدة مدرسة الفن الواقعي الرائد عبد القادر بيك الرسام.. وبحكم الفطرة الابداعية التي تسربت لي من دون ان تكون درساً مباشراً صار ينمو بداخلي الحب الى مدرسة الفن الواقعي وذلك الاحساس المتوارث باللون المتشابه والعنصر المشترك بذات التكنيك كان هذا درس غير مدروس، غير ان العامل الوراثي كان اكثر بكثير من التصريح المباشر.
سبق وان اقمتِ اربعة معارض شخصية فضلاً عن مساهمتكِ في العديد من المعارض والمهرجانات.. ماذا أضافت هذه المساهمات الى فنكِ وهل شكلت لديكِ نقطة تطور؟
- كيف لا.. هل من الممكن ان يكون الفنان فناناً من دون الارتقاء من سلم الى آخر والوصول من محطة الى اخرى.. اقامتي معارض شخصية ومساهماتي ومشاركاتي كانت انتقالات من خطوة ناجحة الى ما هو افضل بعد ذلك.. ومن ثم تحقيق انجازات تضيف لرصيدي في عالم الفن المزيد من الانجازات المتألقة كما ان هذه المحطات الانتقالية تؤهلني الى تجارب ثرية مدروسة للقادمين ولهذا عُرف عني اني اظهر في أعمال مختلفة تحمل مصداقية منفردة في نوعها وغالباً ما ابرز بعمل يثير الجدل.
اللوحة.. لغة الالوان واحساس.. ماهي السبل التي ترينها مناسبة لنشر ثقافة تنويرية عبر الالوان؟
- اللون عالم لكل شيء وخليط من الاحاسيس التي يتعامل بها الفنان على وفق لغة يعبر عنها باللون.. ليست هناك سبل لنشر ثقافة تنويرية من خلال الالوان بل هناك سبل انتقالية لنشر الثقافة الفنية.
عالم الالوان عالم مرن والطرق التي تؤدي لنشر ثقافة تنويرية هي التطلع الى صناعة افكار جديدة تتقبل مساحات خاضعة لمواكبة الفن المعاصر ومن ثم تكون الألوان حديث نجدها من خلال الفكرة وفي نهاية المنجز.
ما مدى تأثركِ بالفن التشكيلي العالمي ؟
- الى حدما تأثرت بالفن التشكيلي العالمي لما تحمله مدارسهم من ابداع اسطوري عريق فهم رواد الاسلوب الكلاسيكي والفن التجريدي والواقعي والانطباعي والتعبيري وغيرها من المدارس وهنا يمكن القول انني من عشاق سلفادور دالي لجنونه المميز في أعماله التي تبصر في خيال جنوني فريد من نوعه.. اما رامبرانت عباقري الفن فيشهد له التاريخ بالتمييز والابداع فهو احد ركائز الفن التشكيلي الاوربي ومونيه والوانه الزيتية للطبيعة فلا وصف لها غير انها حقيقة أخاذة.. هؤلاء اساطير الفن الذي لا يمكن إلا ويكون تأثري بهم الى ابعد ما يمكن وصفه كونهم رموزاً فنية لن تتكرر.
كيف تقيمين الساحة الابداعية العراقية؟
- تشهد الساحة الفنية العراقية خصوصاً في عالم الفن التشكيلي ضعفاً فنياً ملحوظاً.. ربما لان ما يمر به البلد من وهن معيشي وقسوة بيئية حيث ان الفرد صار يفكر بسبل العيش أكثر من اي شيء آخر كما ان هناك عجز فني لعدم توفير الخدمات المطلوبة للفنان ودعمه مادياً ومعنوياً واعلامياً على الرغم من ان هناك طاقات إبداعية حاربت المستحيل لتبرز وتعلن الوجود في الساحة الفنية غير ان ما اراه للاسف وجود الفنان اليوم وهو في حالة ولادة فنية عسيرة وهذا ما يقلق الاجيال القادمة اما ما يقلقني فيكم باصابتهم بالاحباط لقلة الوعي الثقافي الفني في ظل ظروف باتت تهدر ايامنا من دون هدف سوى العيش فقط.
نجد في مجمل لوحاتكِ محاولات لكشف الضغط النفسي عن المرأة.. ما هو السر في ذلك؟
- انا اتناول في أعمالي مواضيع عدة ليست عن المرأة فقط ولكن الغالب في أعمالي طرحها قضية المرأة لانها مغيبة في مجتمعنا وانا احاول ان اسلط عليها الضوء في فلسفة حوارية فنية تثير التساؤلات وتستفز المتلقي لأني افشي اسرارها عبر طرح موضوع اجسده والجأ إليه عندما اقوم بتكون فكرة تحمل قصة انشائية نسوية واشير الى ملاحظة وهي طالما طرحها الصحفيون والمثقفون من انني ارسم ما يحدث في حياتي اجمالاً وهنا اوضح هذه النقطة كما جاء في سؤالك.. انا احاول الكشف عن الضغط النفسي للمرأة بصورة عامة وابراز قضية النساء ولا انفرد بخصوصية تامة في لوحاتي إلا قليلاً وفي حالة تتغلب على الفنان ان يفجر طاقته في حينها.
هل تجدين في لوحاتك خطاباً خاصاً بكِ يمكنك والبوح بكل ما يجول في نفسك؟
- أكيد.. الفن التشكيلي لغة ورؤية فنية خاصة وخطاب يبوح به الفنان في اعماله.. وفي لوحاتي استخدم عناصر مؤثرة معتمدة على ملامح متنوعة من الاساليب تحمل مميزات مختلفة كي احقق الوصول لما اريد البوح بما يصارع داخلي.
يقال ان اللوحة تحتمل التأويل والتحليل لاكثر من اتجاه حسب رؤية ونفسية المتلقي.. ما رأيكِ في ذلك؟
- ربما تحتمل التأويل والتحليل لاكثر من فكرة لكن تبقى مختلفة بهواجسها ومكنوناتها المختزلة لدى الفنان.. البعض من اعمالي اعطاها المتلقي تغيرات عديدة اراها قريبة الى الموضوع او تشكل اضافة وجدلاً استنتاجياً مختلفاً يحمل في طياته شيئاً من المنطقية.. غير ان هناك نقطة لا يمكن الوصول إليها كما تحمل نصاً.
لكل مبدع رسالة.. ماهي رسالتكِ وهل تمكنتم من ايصالها بالالوان؟
- لكل ذوي اختصاص رسالة يقدمها للمجتمع حتى يكون عنصراً له كيان ذاتي وانساني يخدم به الاجيال ولاني والحمد لله تمكنت من اجتياز مراحل في ميداني الفني وذلك من خلال لوحاتي من دون توقف وعلى اني اجعل أعمالي شاهداً تاريخياً يتواصل مع مسيرة جدي عبد القادر الرسام أولاً.. وثانياً انني سأواصل مسيرتي الفنية وساكون على نهج كل فنان ملتزم سيعى لتحقيق الرسالة الفنية وايصالها عبر لغة الالوان.