بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 5 فبراير، 2016

القصيدة النقدية و القصيدة العلمية مدخل الى الادب العلمي و الشعر العلمي .- د أنور غني الموسوي 5\2\2016

القصيدة النقدية و القصيدة العلمية مدخل الى الادب العلمي و الشعر العلمي .
لقد اطاحت الاسلوبية بفكرة الالهام و المصادر الفوقية الغامضة للشعر ، و بينت و بوضوح ان الشعر عملية اختيارية كأي عمل انساني ، لكننا مع ذلك نفهم الشعر و الادب عموما كظاهرة خارجية وهذا فهم مختلف عن فكرة الاسلوبية الا انه ايضا لا يخرج عن الاختيار بل اننا نفهم الشاعر و الاديب على انه ظاهرة خارجية ، لذلك نتعامل معه بشكل نظام خارجي مرتبط بعلاقات مع الخارج و يكون للخارج تأثيره على شكل الشعر و الادب في كل عصر .
ان الاختيار -  وهو المحور المركزي الذي تستند عليه الاسلوبية و النقد الاسلوبي - يمكّن من القول بوجود ( تقنيات ) في انتاج النص الادبي و القصيدة المعاصرة عموما ، و لا بد لأجل تحقيق نتاج معتبر في هذا العصر من ان يكون الكاتب على مستوى معين من القدرة الادائية و الامكانات التقنية للكتابة ، أي ان عليه ان يمتلك الحد الادنى من تقنية الكتابة ، و لا نقصد بذلك اللغة و اسسها فحسب بل تقنية انتاج الجنس الادبي المعين ، اذ ما عادت الموهبة كافية لانتاج نص ادبي ، و لأجل ان يكتب الانسان الموهوب قصيدة لا بد ان يمتلك التقنيات . و كما انه لا يمكن لورشات الكتابة ان تنتج كتّابا مبدعين من دون موهبة ، فان الموهوبين لا يمكن ان يكونوا مبدعين من دون امتلاك التقنية .
ان التقنيات الاسلوبية في الكتابة يمكن احصاؤها و استقراؤها بجلاء و وضوح مما يمكّن من تحقيق حالة ( الكتابة الادبية العلمية ) بحيث ان هذه التقنيات تبلغ حدا من الضبط يمكّن من تحقيق اقصى درجات التوقع في انتاج اهدافها حتى لو كانت شعورية ، و تحقيق حالة التجريبية و الرياضية . و قد يكون هذا الكلام مرفوضا بالكلية من كثيرين الا انه الحقيقة و الواقع ، و اننا نرى السينما كيف يتدخل العلم و بقوة في انتاج الاثارة فيها ، و ان الاسلوبية هي البوابة الواسعة في انتاج الادب العلمي و القصيدة العلمية ، و لا يجب ان ننسى ان النصوص البلاغية انما انتجت بواسطة تقنيات علم البلاغة ، و لقد بينا في مواطن كثرة ان الاسلوبية تقترب كثيرا بل و تحاكي البلاغة و ان النقد التعبيرية  المابعد اسلوبي الذي نتبناه هو الوريث الشرعي لعلم البلاغة ، و كما ان البلاغة حققت النقد العلمي و ان لم يكن بتلك النظرة الواسعة فان النقد التعبيرية بنظرته الواسعة سيحقق حتما النقد العلمي بكل مقوماته . وان تنظيري بهامش لكل قصيدة شعر اكتبها كما يلاحظ الكثيرون انما هو متأت من الشعور العميق بان الانتاج المهم انما هو بالقصيدة النقدية و بالنص الابداعي المتبّني للفكرة النقدية ، و لا يعني ذلك تراجعا في حرية الابداع و انما يعني النظر الى عملية الابداع من الخارج و توجيه عناصر التأثير فيها الى المواطن التي اثبتت التجربة و الخبرة بل و الاستقراء قوة تأثرها ، لذلك فان فكرة كون النص مقدسا بحيث لا يصح المساس بصورته و لبناته الاولى  و ان العبارة الابداعية مقدسة بحيث لا يصح تغيير صورتها ،  هذا الفكرة غير واقعية و يجب ان تلغى تماما بل يمكن تشكيل النص بصورة مختلفة كما يمكن كتابة العبارة بصورة مختلفة ، بل ان النص و العبارة الادبية التي تخضع للتعديل و المعالجة الرؤيوية و النقدية هي امتن و اكثر تأثيرا و ابداعا .و لقد وجدت ان العبارة الفنية و الشعرية التي  انما اجري عليها تعديلات مهمة و خاضعة لفكرة نقدية و مرجعيات جمالية و تأثيرية و تعبيرية تحقق تميرا في لغتها و اسلوبها و طبيعة تعبيرها و اشارتها و تأثيريتها بل و كمها الجمالي و التعبيري كما بيناها في اشارتنا الى النقد الكمي و النقطة التعبيرية الرياضية .
ان الاستفادة من التجريب العلمي و الاستقراء و الاحصاء و تبين العناصر الكتابية المؤثرة و اجراء التعديل الرؤيوي و الفكري و النقدي و بما ينتج نصا اجري فيه اشتغالات كثيرة سيكون مدخلا مهما و كبيرا نحو ادب علمي تطبّق فيه التقنيات العلمية المناسبة للادب ، وهذا طبعا يحتاج الى قوانين و قواعد في (علم الادب )  و (علم النقد )  و  (علم النص)  ، و هي فكرتنا  و مشروعنا الذي سنعمل عليه و الذي قطعنا شوطنا كبيرا في تحقيقه بل اننا يمكن القول اننا حققنا القصيدة النقدية بشكل واضحة و نتجه نحو تحقيق القصيدة العلمية .

د أنور غني الموسوي 5\2\2016

مهمّة المثقّف

مهمّة المثقّف: في سياق ما سُمّي إشكالية «الحقيقة والأيديولوجية» كانت الأدبيات الماركسية قد أسندت إلى المثقّف مهمّة محاربة الوعي المغلوط ومقاومة الاستلاب الفكري، وذلك بهدف تغيير وعي الناس وتمكينهم من «الحقيقة». الحقيقة المقصودة هنا هي تلك التي تمكّنت من تبيّن حركة التاريخ ومسعاه، فأدركت المنطق الذي يسير وفقه، والاتجاه الذي ينحو نحوه، والغاية التي يرمي إليها. على

الخميس، 4 فبراير، 2016

جائزة رافع الناصري لعام 2015"






جائزة رافع الناصري لعام 2015

      مع انتهاء الموعد المحدد للمشاركين بجائزة رافع الناصري السنوية للحفر والطباعة في 31 كانون الأول 2015، تود لجنة التحكيم أن تقدم جزيل شكرها وامتنانها للمشاركين الذين أرسلوا أعمالهم المحفورة والمطبوعة (graphic arts) للتنافس على جائزة رافع الناصري في سنتها الأولى، مشيدة بالمستوى الفني المرموق الذي توافرت عليه الأعمال سواء أكان من الناحية التقنية أو الإبداعية المبشرة بمستقبل فني ومهني متميزين.
بلغ عدد المتقدمين للجائزة ثلاثة عشر فنانا وفنانة من مصر والأردن وسورية والسعودية وتونس والعراق. وعرضت على لجنة التحكيم المؤلفة من:
ضياء العزاوي، رسام وحفّار
زياد دلّول، رسام وحفار
مظهر أحمد، رسام وحفّار.
بعد فحص الأعمال وتمحيصها والتداول حولها، اعتمدت اللجنة في اختياراتها على توفر شروط أساسية في الأعمال الفائزة مثل المستوى الفني المرموق والقدرة الإبداعية إلى جانب الرؤية الفنية الخاصة بالفنانة أو الفنان.  وعلى هذا الأساس تتشرف لجنة التحكيم أن تعلن اختيارها منح جائزة رافع الناصري للحفر والطباعة Graphic Arts  في دورتها الثانية 2015، للفنانة أميمة رشاد من مصر، وقدرها 1000$ وذلك لما تتمتع به أعمالها بقدرة أدائية احترافية، ومادة بحث بصري متسق ينم عن رؤيتها الشخصية
الفنانة أميمة رشاد تحمل شهادة بكلوريوس الفنون الجميلة، قسم الجرافيك، جامعة المنيا 2004، وتمهيدي ماجيستير تاريخ الفن بالفنون الجميلة، جامعة حلوان 2013. شاركت في العديد من المعارض في مصر، وعدد من الدورات العملية workshops خلال السنوات 2003-2015. كما حصلت على جائزة في فن الحفر من جمعية محبي الفنون في مصر، ولها أعمال مقتناة من قبل متحف الفن المصري الحديث.
اتسمت أعمالها المحفورة على الزنك etchings بالدقة والحساسية في معالجة موضوعاتها المستوحاة من بيئتها المحليىة. واللجنة إذ تقدم شكرها للمشاركين جميعا، تتقدم بالتهاني إلى الفائزة أميمة رشاد من مصر.
وبينت مي مظفر، راعية الجائزة، بعد التعبير عن امتنانها لأاعضاء لجنة التحكيم، أن من دواعي الشرف أن نستطيع الإسهام، في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها أمتنا، بتقديم الدعم للفنانين الشباب، ودفعهم للارتقاء بطاقاتهم الإبداعية إلى آفاق أرحب، من أجل مستقبل فني ومهني ناجحين.
                                                                  

.التعبيرية بين الانفعالية وحركة الجسد في أعمال اياد- -مؤيد داود البصام




 تشكيل

.التعبيرية بين الانفعالية وحركة الجسد في أعمال اياد

-مؤيد داود البصام

شكل النحت العراقي قراءات متعددة خلال مسيرته في العصر الحاضر وفترة التأسيس الحديثة، فعمره بمقدار ظهور الأعمال النحتية ذات النهج الواقعي، وبتقنية أكاديمية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، ثم عندما بدا خط الشروع للفنان العراقي في تقديم أعماله التي استندت فلسفتها إلى أغلب أعمال الفنان الرافديني لتستقي منه خطابها، ويعد نصب الحرية الانجاز الذي أكد طموح الفنان العراقي لإيجاد معادل موضوعي بين الماضي والحاضر، ومحاولة أيجاد الصيغة التي تجعله يضع فلسفة للربط بين الأصالة والحداثة، حتى لتضيع عليه فرصة ما يحدث من تطورات ومتغيرات في عالم الثقافة عامة والفن خاصة، وأن يبقي جذوره على اتصال بتاريخه وماضيه وحاضره،ولكن هذه المسالة جاءت مع زحمة الإعمال التي خضعت لمنهج التجريب (إذا وضعنا التجريب كمنهج افتراضي ، لان المنهج يفرض قواعد، والتجريب قواعده في داخل العمل المنجز خصوصا وليس عموما) فاتخذت الأجيال ما بعد الرواد الأوائل طريقا يبتعد حينا ويقترب أكثر الأحيان مما بناه الرواد، في أسلوبهم بين الواقعية والواقعية التعبيرية، ويعتبر ما وضعه جواد سليم النموذج في نصبه (نصب الحرية في ساحة التحرير) وإعمال أخرى له ولفنانين آخرين، العمود الفقري للنقلة الشكلية والمضمونية لفن النحت العراقي الحديث، أو الثورة في الشكل والاستمرار بالنظر لأهمية الموضوع في العمل، ومن هنا نجد أنفسنا مضطرين لمعاينة المنجز من خلال منظور قدرة التجريب لدى الفنانين ما بعد فترة الرواد على تقديم ما يؤسس بما يوازي ما وضعه الأوائل، وأيضا تأثيراتهم على الأجيال اللاحقة، والنحات إياد حامد لا يختلف في التقييم عن ملاحظة ما أوردناه أعلاه في أعماله من حيث الشكل أو المضمون، وهذا لا يعتبر انتقاصا او ثلمة فيما يقدمه من منجز، فهو يمتلك النضج الفني في بناء طريقه لإيجاد ذاته، والانطلاق بفلسفة تجعله، يتقدم ولا يمحو خطواته التي تركها خلفه، بما تحمله من بصمات توضح تأثير أساتذته على أعماله أو تأثيرات المدارس والفنانين في العالم، من دون أن يخضع بنائية أعماله إلى الاستنساخ.
البناء الفكري وروحية العمل 
يعمل النحات إياد على الرؤية المتسقة التي توحد بين الذات والموضوع، والتي تجمع جيله والاجيال التي سبقته في الرؤية لصراع الإنسان مع الحياة، أو صراع الأضداد، من فكرة (أن الشر قوة تفرض وجودها أكثر من قوة الخير)، في عالم يرتكز في بنائيته على مفهوم استغلال الأخ لأخيه والقوي يأكل الضعيف، أن هو أدركها من خلال منابعه الذاتية، أو من خلال أساتذته الذين درس على أيديهم، او الذين درس أساتذته على أيديهم، من أمن وعمل ضمن هذه المفاهيم، وكلهم عمالقة فيما قدموه من منجز على الرغم من قصر الفترة الزمنية في انجازهم الفني، او الفترة الزمنية التي تفصلهم عن نحاتي الزمن الحاضر، فكلهم يخضع للزمن الحديث، فما زال عبق ذكرياتهم لمن رافقهم او زاملهم موجودة على قيد الحياة، مما يعني أن المؤثرات مستمرة، حتى وأن لم تتضح بصورة مباشرة على أعمال الجيل الحالي، وهو ما يدركه إياد، ولا ينكره على الرغم من جهده الذي يعمل عليه لبناء الذات المستقلة، التي تعي أهمية التعبير الذي لازم النحت، كونه جزء من فهم الفنان لطبيعة مجتمعه وانفعاله في المشاركة للواقع الذي يعيش فيه، ومدى تأثير الحدث على العمل الفني، ومن هنا فان الرواد ومن جاء بعدهم، لم ينتزعوا وجودهم من الواقع الذي تقتات رؤاهم عليه، ولم يتخلوا عن اللحاق بركب التطورات التي صاحبت العمل الفني والأدبي والفكري، ولكن كيف يمكن لهذه الإحالات النفسية والفكرية، أن تتحول إلى واقع ملموس عبر جمالية الصورة، نحتا ورسما، واستمرار الارتباط بالجذر، أن أحد اختيارات الارتباط في إعمال النحات إياد، هي المنحوتات التي يغلب عليها طابع المصغرات، فن اللقي (المصغرات)، في الفنون الرافدينية، وهو ما نجده في أعمال فنانين عراقيين آخرين، على سبيل المثال وليس الحصر ولكن لكونه ممن يشتغل عليها بكثافة وبرؤية جمالية فيها توهج الواقع مع الفنتازيا، الفنان محمود العجمي، وكما لدى العجمي هذا المزج بين الواقع والحلم وتضخيم الواقع لابراز قيم جمالية غير مرئية، واتساع ساحة الرؤية في هضمه الفن الرافديني برؤيا معاصرة، وابراز الكثافة التعبيرية التي كان يحررها الفنان الرافديني للتاثير على المشاهد، كذلك نجد في أعمال إياد أعطاء مساحة واسعة للواقعية في إعماله ودمج الرؤية الواقعية بالحلمية، وفسح المجال للرؤية التعبيرية في أن تضخ بكثافة من خلال مضامينه، وهذه المصغرات البرونزية التي قدمها في المعارض التي أشترك مع الآخرين او انفرد بعرضها في معرضه الخاص، هي استمرار للتواصل بمنجز الفنان العراقي القديم، ولهذا نجد أن اللمسة الأكاديمية تأخذ أبعادها في أعماله، بناء على الحرفية التي أكتسبها في مداومته على تنمية الخبرة والصقل، ومن خلال البناء الصحيح لتطوير إمكانياته الأكاديمية .



التأسيس الفني وفلسفة العمل 
أن أعمال النحات إياد يغلب عليها طابع الانفعال، والحركة العنيفة المصاحبة للشخوص (figures)، جدران تقف حائلا ً بين الإنسان وانطلاقته، لكنه يسعي للانفلات منها وكسر القيود التي تكبله،بالحركة الدافعة، أنها الدهشة وكأنها لحظة استفاقة يسعي للخلاص منها، وهنا تأكيد على الجسد وحركة الأجزاء والعضلات، ولأجل أن يجعل المتلقي مستعدا لتقبل الفكرة يترك الجسد عاريا لإبراز حركة العضلة في الجسد وبناءها الأكاديمي، ولتوضيح الأبعاد التعبيرية بين التقنية والخطاب، فهو يبحث في أغلب أعماله، عن مشكلات الإنسان المعاصر، ولإيجاد الصلة الانطباعية بين مدركاته المعرفية وبناءه العملي، يلجأ إلى تحديد السمات، من خلال قربها من الواقع، ويضع الشخص (figure) ضمن أبعاد رياضية، بين المربع والمستطيل، حتى يتيح للفراغ والكتلة حرية صياغة الفضاء الذي يؤطر العمل، أن تعدد الإعمال التي تبرز فيها حركة الجسد المأسور وهو يحاول فك أسر نفسه، تحيلنا إلى مجمل الصراع الذي يكابده الإنسان بمفرده، أمام عالم واسع لايفهم منه الذي يحدث، أن في أعماله حالة الإنسان وكأنه يستفيق من حلم مزعج، فيجد أنه واقع، مما يضعه في لحظة من العزلة والارتباك، و يتوضح هذا في تخطيطا ته التي يمكن التعرف عليها من خلال الشكل الهندسي الذي يتبعه في تخطيط العمل، وكيف يتعامل مع الفكرة لأجل التطبيق ضمن الرؤية التعبيرية، وتبيان القوى الضاغطة التي هي خارج إمكانياته، بين الخطوط المستقيمة الصلدة وبين الإشكال الهندسية، لرصد حالة التعبير بين الوجه وحركة الجسد، عبر التشكيل الرياضي وحصره في المربع والمستطيل عند التنفيذ، وإلغاء بعض الخطوط، محاولة لفهم الكتلة بمقدار تعبيرها من الداخل، وليس شكلها الخارجي، كما في أعمال رودان الذي يتحدث عن تمظهرها، مثالها (تمثال بلزاك) لاشك أن المضامين بشكلها العام التي يشتغل عليها إياد هي في محصلتها النهائية متقاربة في البحث عن مشكلات الإنسان الأساسية، عدم قدرة الفرد على فهم هذه الآلة الجبارة التي تسحقه كل يوم، أينما حل وأرتحل، أنها نفس الفلسفة التي أنطلق منها جياكومتي قبل عدة عقود، بعد أهوال الحرب، في ترقيق شخوصه للوصول إلى حالة الكشف عن المعاناة، المعاناة الداخلية التي تسحق الإنسان من الداخل، وليس له إلا الاستكانة لعدم قدرته على فعل شئ ما، حتي يتحول الكائن البشري إلى شبح انه بحث ضمن الحقيقة وليس في حل مشكلة الحقيقة، كما في أعمال رضا حداد وإسماعيل الترك وآخرين .
الاسم: بنائية الأعمال عند النحات إياد، تستقي مرجعياتها من عدة مراجع بإبعادها المحلية والعالمية، ولكنه يصوغ خطابه عبر محاولته فهم ذاته، ووجودها وكيفية فهمه لهذه الذات والتعبير عنها، من دون أن تنفلت خارج واقعها ولتجد أرضية تقف عليها، أن الطريق طويل أمام شاب مثل النحات إياد حامد، والزاد قليل، لتحديد أبعاد الرؤيا لديه، ولكن هذا ليمنع أن نقول، إذا استمر علي هذا النهج في البحث والاستقصاء، فانه سيصل ويحقق ما يصبو إليه ، إما إذا أخذه الهوس بتحقيق النجاحات الآنية، بعدم الاستمرار في البحث والتقصي، ورفد ما يملكه من خزين معرفي، فسوف يقع في نفس ما وقع فيه الكثيرون، النسخ والإعادة والتكرار.
















قصة قصيرة ولادة -عادل كامل





قصة قصيرة

ولادة

عادل كامل

    وأخيرا ً، بعد انتظار زمن طويل، وضعت الأتان وليدها، فلم تنشغل إنها قد تكون تأخرت، أو ولدته قبل الأوان. بل لم يدر بخلدها إنها قد تكون أرغمت على الإجهاض، أو قد لا يكون المولود هو المنتظر!  فاستدارت، رغم شدة الظلام، لتلقي نظرة....،عليه، فأحست إنها لم تعد تتوجع، وإنها غير مضطربة، ورأسها غدا اقل ثقلا ً...، لكنها لم تر إلا كتلة لم تقدر على تحديد ملامحها... فارتبكت، للحظة، ثم راحت تتحسسه بلسانها، تلحسه، مستنشقة رائحته وهي تتخيله شبيها ً بمن وضعتهم من قبل. فقد منحها شعورها هذا إنها لم تتأخر، وان آلامها لم تذهب سدى، وإنها تستطيع أن تستريح، ولن تنشغل ما إذا كانت قد أرغمته بالخروج، مبكرا ً، أو تأخرت بولادته بعض الوقت، إلا إنها شعرت  بتشوش اضطرها للامتناع عن التفكير...، ذلك لأنها عندما لم تستطع إلا أن تعيش، في المزرعة، من غير إرادتها، فإنها ـ دار ببالها ـ لم تستطع أن تختار موتها بإرادتها أيضا ً، وليس عليها أن تذهب ابعد من ذلك!
ـ هذه هي المحنة تحديدا ً....
   مع إنها انشغلت بسماع صوته، يتكلم، إلا إنها استبعدت أن يكون هو من تكلم، وللتأكد راحت تشمه، وتتحسسه، مصغية لنبضات قلبه، وما كان يبثه جسده من حرارة لم تثر قلقها، إن كان فارق الحياة أو ولد معاقا ً...
ـ أن تكوني مرغمة على ... الحياة، وان تكوني بلا إرادة على اختيار الموت، تلك هي المحنة!
    لم تتردد من الاعتراف ـ مع نفسها ـ أن الصوت لم يأت من مكان آخر، ولكنها لم تصدق انه يكون حدس ما دار ببالها، وخاطبها، حول فكرة إنها طالما قاومت الذئاب، وتجنبت الضواري، من اجل إنقاذه، هو، وليس من اجل نفسها. فقربت رأسها كثيرا ً منه:
ـ هذه هي المحنة: انك ِ وجدت ِ صعوبات لم تسمح لك ِ إلا بالاختيار الذي يسمح لك بحملي...، طوال هذا الزمن!
    انه يفكر، بمعنى ـ هزت رأسها بذعر امتزج بالحذر ـ وقالت لنفسها، إنها ربما تكون مازالت نائمة، وإنها تحلم،  وان ما تراه، ربما إلا أصداء مخاوف، تآلفت معها، فصارت الذئاب، والضواري، والبشر جزء من منها، ومن خلاصها، رغم إن حملها كان على حساب تحملها المشاق، والأوزار...
ـ أبدا ً...، فالنائم لا يستطيع اختراع أحلامه!
   تذكرت إن جدها قال تلك العبارة، فحفظتها: الحمار لا يستطيع أن يصير إلا حمارا ً كي يحلم انه لم يعد حمارا ً! ذلك لأن الحلم هو الذي يستدرج الحمار إلى السبات!
ـ ولكنني قاومت المفترسات، وعندما أدركت  استحالة إحراز النصر...، أي نصر...، لم أجد حماية لي إلا في الهرب...، وليس في المواجهة...، فانا لم أكن أتوهم أحلامي...، أو ادعها تستدرجني إلى الوهم!
    هزت رأسها بعنف، ممتلئة بالغيظ أن تكون مازالت نائمة، أو إنها عرضت  حياة ابنها للخطر، في ركن قصي داخل حظيرة الحمير والبغال ..
   لكنها عادت تسمع ما يشبه الصوت، وهي تتأمل لمعان نجوم نائية بدت لها تماثل لمعان أنياب ذئاب كفت عن العواء، لتقرب رأسها منه لعلها تفند ما إذا كانت تعاني من الحمى، أو الإعياء:
ـ لا! فانا لم أتأخر ...، ولم أسرع...، مع إنني كنت طوال الوقت أدرك محنة إنني أنا ـ معك ـ لم أكن امتلك إلا قدرة أن أميز بين أن أدرك إنني كنت مرغمة على البقاء حية، أو استحالة أن أقرر قرارا ً مغايرا ً، يتنافى والأعراف...!
ـ آ ...
تأوهت: كأنه سمعني وهو يترنم بكلماتي! وأضافت: بل يكاد يستنسخها بحذافيرها.
  ورفعت صوتها:
ـ ولكنني حرصت أن لا أربكه بما كنا نخشاه، وما كان يفزعنا... بعد أن أفلحت بتجنب الضواري...، والبرمائيات الشرسة، وكل ما ينتسب إلى ذوات المخالب، والأنياب...، بل تجنبت حتى تلك التي تخفي عنا مكرها، ووسائلها الدفينة في إظهار الوداعة، واللطف...
ـ تلك هي...
    وعندما لم تر ضوءا ً يساعدها بسماع  صوتها، أو صوت الآخر، أغلقت فمها، كي لا يربكها الصدى. إنما كانت لا تمتلك قدرة إيقاف ما لا يمكن إيقافه، الشبيه بنزف يحدث قبيل تلقي وخزات الموت، وصمته، فقالت تخاطب لا احد:
ـ بالفعل...، هذه هي المحنة...، لا أنا استطعت أن أعيش بسلام، ولا أنا استطعت أن اختار موتي بكرامة!
  تجّمدت، لأنها سمعته يقهقه:
ـ هذه هي المحنة...، الحالم يعتقد انه آفاق...، لينقذ مصيره....، ثم يكتشف انه لم يستطع أن يفعل شيئا ً ما أبدا ً....
ـ كأنك ِ ....!
   ذعرت أن تكون سمعت صوت جدها هو الذي كان يتكلم، لأنها كانت قد رأت مصيره أمامها وجسده تمزقه أنياب الكلاب ...، ثم هل أكون....
   أضافت وهي تلامس جسد وليدها الطري:
ـ أكون .... طوال هذه السنين...، حملت ..
ـ هذه هي المحنة....!
   وودت لو صرخت أو استنجدت، ولكنها خافت أن تلفت سمع احد، والليل امتد حتى بدا لها انه ذهب ابعد من مداه، فهمست في أذنه:
ـ اسكت!
     فتندر قائلا ً:
ـ لكن هذا لن يقلل من المصيبة، ولا يعجل فيها....
ـ المصيبة...؟
    فوجدت ردا ً سمح لها بالإصغاء:
ـ  بل شيئا ً شبيها ًبها...، لأن المصيبة سابقة علينا!
همست بذعر اشد:
ـ ماذا قلت؟
ـ أقول إننا سنتوارى ولكن المصيبة وحدها وجدت كي تدوم، وتبقى...، فهي وحدها لا تفنى!
ـ آ ...... يا جدي!
   تمرغ وليدها بالتراب من شدة الضحك:
ـ أنا وليدك ...، أنا هو من سبب لك ِ العذاب...، أنا هو من أمضيت حياتك تكافحين من اجله...، أنا وليدك ....، فافرحي!
ـ أفرح؟
ـ نعم...، وإلا ... هل هناك لغز غير هذا اللغز أبى إلا أن يمتد...، وأبى إلا أن تكون له خاتمة أخرى...؟!
ـ كأنك ـ مثل جدك ـ تقول لي: ليس إلا النجوم تلمع في ظلمات هذه السماء!
رفع صوته:
ـ وإن كنت لا أود أن أتلفظ بكلمة نابية، يا أمي، إلا انك ـ كجدي ـ تحملين بذرة المكر، والفسق...، وإلا لكنت قلت لي: لا جديد بإمكاننا استحداثه إلا الذي علينا حمله..
ـ أنت قصدت: لا جديد تحت الشمس؟
ـ لا...، لأن الشمس أصبحت عتيقة، مثل سقراط، لأن الشمس، مع هذه الأرض، كلاهما لن يقدرا إلا على الامتداد....، لأنهما، كلاهما له تتمات لا يمكن إلا أن تستكمل....، وإنهما لا يقدران على دحض ما هو أكثر قدما ً من القديم!
ـ الآن لا اعرف أأقيم لك جنازة ....، أم احتفل بعيد ميلادك...، أيها الولد الغريب؟
ـ مادمت ِ لا تقدرين أن تحتفلي بعيد مولدي، فأنت لا تقدرين أن تقيمي جنازة لي أيضا ً! ولكنك، أيتها العنيدة، لم تكن لديك إرادة في موتي، لأنك كنت مرغمة على حملي، وعلى ولادتي...، فأنت غير مذنبة، ولكنك غير بريئة أيضا ً، وهذا هو ما  قصده جدي بالمعضلة. فلا أنت ستمتنعين عن إكمال ديمومة هزيمتك، بوصفها نصرا ً، ولا المنتصر سيحفر قبره بمخالبه ويكف عن الاحتفال بهزائمه! فالجديد لن يغوينا، بل يرغمنا طوعا ً، ولا القديم ينغلق،  بل يجد ألف ألف ألف غواية كي يحافظ على ذهابه ابعد من ميلاده، وابعد من موته. فهو وحده الذي لا يموت!
ـ ها أنت ملأت روحي بالمسرة....!
ـ آمل لها أن تدوم...، رغم إنني بدأت استنشق رائحة الشمس!
ـ آ ....، تلك حكاية أخرى...
ـ لا...، إنها الحكاية ذاتها، لكن لا خاتمة لها! لأن المنتصر وحده لا يجيد إلا إخفاء هزيمته...
ـ ها أنت تؤكد: لا جديد تحت الشمس؟
ـ ولكن ، حتى بحدود عقل حمار يفكر، أقول لك ِ: لو دام القديم أكثر من مداه...، فما أقسى أن تغوينا المسرات بخاتمتها؟!
ـ آ ....،  أصبحت اجهل أولدت أبنا ً أم أبنا ً ولدني؟!
ـ الحفيد... يلد جده...، وهذا هو لغز الحكاية، لأن الجد هو ذاته ابن حفيده...، لأن المعضلة التي لا حل لها ليست معضلة، وهكذا: أنا ولدت أمي، لأنها هي من ولدت أسلافي، وهذا هو لغز المسرة، تفترس موتاها، لتلد الذي يحتفل بالميلاد!
1/2/2016
 اللوحة للفنانة المصرية: اميمة رشاد

الذات والآخر في السرد: قراءة تحليلية لمعضلة الهوية في الرواية العراقية 2/3 - سعد محمد رحيم


الذات والآخر في السرد: قراءة تحليلية لمعضلة الهوية في الرواية العراقية 2/3

 

سعد محمد رحيم
     
 
أما رواية ( الأمريكان في بيتي ) لنزار عبد الستار فتبدأ بمشهد ساخر يرسمه لنا الراوي بضمير المتكلم ( جلال ) الذي وقف وإلى جانبه زوجته حنان، يحلق لحيته ويغني بعد ليلة عصيبة احتلت فيها قوة عسكرية أمريكية بيته في مدينة الموصل حيث أمضى الجنود أكثر من ساعة يراقبون الشارع من نافذة غرفة الطابق العلوي ويعبثون بأغراض البيت.. يقول؛ "بللت وجهي بكالونيا أولد سبايس لتطهير مسالكي التنفسية من رائحة الزيت المحروق التي أشاعها تنفس الجنود الأمريكان". لكن هذا لا ينهي محنته بأية حال. فليست هذه هي المرة الأولى التي يفعلون فيها ذلك، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة. أما المشكلة الأكبر فليست في أن أولئك الجنود يلقون في نفوس أفراد عائلته الروع، ويسلبونهم راحتهم في وقت النوم فقط. وإنما يوصمونه ( هو الصحافي والناشط في المنظّمات المدنية ) بتهمة التواطؤ مع قوات الاحتلال أمام الناس، ومنهم جماعات متطرفة ومتعصبة لا تفهم ملابسات ما يحدث. وعليه أن يبرِّر أمام الآخرين موقفه. وأن يتخذ قرارات حصيفة في ظرف مبلبل ومشوش.
تعد رواية ( الأمريكان في بيتي ) وثيقة ذات مضمون واقعي وتاريخي تستثمر المتخيّل لتحكي عن كفاح مدينة عريقة هي الموصل، في السنوات الأولى بعد الاحتلال، من أجل استرداد حقها في حياة حرّة ومبدعة تحاول قوى ظلامية سحقها وإفراغها من روحها الحضارية.
يستعير د. محمد برادة في كتابه ( الرواية العربية ورهان التجديد ) مفهوم جاكبسون لـ "التلفظ"، والذي يعني "أثر الذات ( الكاتبة ) على نص ما"، فتمثل الكتابة عندئذ "جماع تفاعل وعي الكاتب مع شروطه التاريخية وأسئلة ذاته المنقسمة داخل مجتمع يمور بالفوارق والصراعات والاستلابات". فيتخذ الكاتب موقفاً من عصره "عبر الاستتيقا وإعادة تأويل القيم من زاوية تزاوج بين توضيع الذات، وتذويت المجتمع، بين التمثّل الواعي ومكنونات اللاوعي". ثمّ يعرّج إلى ما يسميه "استقلالية النص الروائي وتذويت الكتابة". وبالتذويت، مع ما يوضح برادة، نصغي إلى صوت الفرد الذي بقي لزمن طويل مستلباً ومخنوقاً، ومصادراً في خطاب إجماعي مؤدلج وشعاراتي، ولغة فاشية مغتصبة ومتخشبة.
تفتح الرواية بصوت الرواة الخارجين عن الطاعة كوّة أولى للحرية والعقل، مشرعة لعتبة حياة جديدة متنورة.
الذات وآخرها
تبقى الهوية مختزلة، ناقصة، هشة، مترددة، ما لم تتضمن صورة الذات وآخرها. الذات وقد تمثلت، من بعد رؤية وحوار، آخرها. إن غياب الآخر أو إقصائه وسلبه حقه في الكلام يجعل من صوت الذات ذي بعد واحد.. أنا لن أعرفك إلا في مواجهة آخرك.. لن أتعرف على موقعك إلا إزاء موقع آخرك.. وهذا ما غاب عن كثر من الروايات العراقية والعربية أيضاً.
"إن الهوية بما هي نتاج تاريخ ومكوّن له منحوتة كما لو كانت ذاتها والآخر الذي يمثل أمامها. إن الذات ومنذ الأمد مسكونة بالغيرية فـ ( الذات عينها ) هي ( الآخر ). مما يحملنا على القول أن الحياة سرد أو هي للسرد. فلا تتحقق الهوية إلا بالتأليف السردي حيث يتشكل الفرد والجماعة معاً في هويتهما من خلال الاستغراق في السرديات والحكايات التي تصير بالنسبة لهما بمثابة تأريخهما الفعلي"(3).
محدودية وجود الآخر في الفضاء السردي للرواية العراقية مردّها إلى عزلة المجتمع العراقي التي فرضتها الحكومات الشعبوية الثوروية المتعاقبة. فمعظم العراقيين لم يقابلوا شخصيات أجنبية، ولا يتقنون لغة أخرى.. إن الأجنبي في الاعتقاد العراقي الشائع، وهو ما كرسته الإيديولوجيات الراديكالية؛ العلمانية منها والدينية، هو مريب، نجس، سيء النية، متآمر، جاسوس، عدو، ومن الخطورة بمكان الاتصال به. لذا لم يكن الحوار مع الآخر/ غير الوطني، ثيمة متداولة في الرواية العراقية. فالآخرون لا يظهرون إلا كأطياف غريبة في تلكم الروايات.
واحد من أهم أسباب افتقادنا للمتعة في قراءة كثر من الروايات العراقية هو أنها منغلقة على الداخل؛ ( النفس، البيت، المدينة، الوطن ) أكثر بكثير من انفتاحها على خارجها. وبذا فإننا في القليل النادر نقع على رواية بوليفونية، وإن حصل فإنها تظل محدودة وناقصة.. فمثل هذه الرواية هي نتاج رؤية نرجسية، ضيقة النظر، وقامعة.
إن الذات في الفضاء الثقافي ـ الاجتماعي كينونة حوارية، فهي تستدعي الآخر لأجل أن تثبت ذاتها في مقابل ذلك الآخر، ساعياً إلى الحصول على اعترافه.. فنحن نتشكل في المبدأ الحواري، والتشكّل هذا عملية مستمرة لا تنتهي إلا مع الغياب الفيزيقي الحتمي للذات الإنسانية، أي الموت.. إن طرد الآخر من مجال الفاعلية والوعي قد يرفع من منسوب النرجسية، لكنه يصيب الهوية بالتكلس والضمور.. الهوية المتورمة بالنرجسية تقلل من فرص الحضور الفعال في العالم، وتحفِّز جرثومة التلاشي والموت.
ومثلما قلنا؛ لم يُمنح الآخر مساحة كافية في الرواية العراقية ليقول رأيه ويمثل نفسه.. إنه مقموع بالصوت الواحد الذي يستلبه ويمثله في صورة مختزلة شوهاء. وهذه السمة تكاد تكون ظاهرة في الرواية العربية، إلا باستثناءات، والتي أفقدتها صدقيتها، فما باتت مقنعة بعد ذلك.. تقول د. ماجدة حمود في كتابها ( إشكالية الأنا والآخر )، أن الرواية العربية: "ألغت صوت الآخر، في أغلب الأحيان، فافتقدنا اللغة المتعددة ( الغيرية ) مما أفسح المجال لهيمنة صوت واحد هو ( أنا ) المؤلف، الذي اعتنى بالشخصية الرئيسية، التي تمثل وجهة نظره في الحياة، وأهمل وجهة النظر الأخرى، التي تناقضه، أو في أحسن الأحوال قدّمها بطريقة مبتسرة، ومشوهة، فبدت مقموعة، تعاني استبداد مؤلفها، وهيمنة صوته عليها، وإقصائه لفرادتها، مع أن الشخصية التي لا تحمل بصمتها الخاصة، والتي توحي باستقلاليتها، تبدو هزيلة على المستوى الفني، تعاني استلاباً جمالياً، وقد عانت الرواية العربية مثل هذا الاستلاب، الذي يعكس استلاباً فكرياً"(4).
تواجه ( نجاة ) بطلة رواية ( الشاهدة والزنجي ) لمهدي عيسى الصكر مرغمةً ( الآخرَ ) في موقف دراماتيكي مؤلم، بعد أن تنزل قوات المارينز الأميركية في البصرة وتعسكر فيها، ( هذا في المتن الحكائي للرواية قبل نزول تلك القوات، بعد عقود، في المكان ذاته في الواقع التاريخي ).. الآخر الغازي الذي حضر قسراً، ينتهك بسلطته القاهرة وجودها الهش.. يغويها أحدهم ( إبراهيم ) ويستدرجها إلى أحد البساتين ليلاً، وهناك تتعرض للاغتصاب من قبل اثنين من الجنود الأمريكان وهما من أصل أفريقي. وحين تداهم الشرطة العسكرية الأمريكية المكان يضطر أحد المغتصبين إلى قتل شرطي عسكري، ويهرب الاثنان.
هذه المصادفة التعيسة تجعل من نجاة شاهدة على جريمة القتل تلك، حيث يكون عسيراً عليها تمييز وجه الجاني بعد ذلك، حين تُعرض عليها عشرات الوجوه من ذوات البشرة السوداء، فيلتبس عليها الأمر.. هنا تشعر بذاتها ضائعة ومستلبة الإرادة إزاء ( الآخر ) الذي لا تستطيع تحديد هويته. وبطريقة ما تجد نفسها متورطة في هذه القضية التي فضحتها أمام الناس، وبسببها طلقها زوجها.
ليس لنجاة أن تحتج، وصوتها يبقى خافتاً دائماً وخائفاً، فهي الشاهدة التي تكاد أن تكون متهمة أيضاً، أو على الأقل متواطئة في حادث قدري تعرضت له بسبب سوء الحظ وسوء التقدير.، وفي النهاية ليس لها إلا إعادة تجربة الاستجواب المرهقة للأعصاب، مراراً وتكراراً، والتي لا تبدو أن لها نهاية.
إن واقعة الاحتلال ( الاغتصاب ) تجعل بطلة الرواية تصحو على واقعها الكابوسي الشائك.. نقرأ في الرواية؛ "هل جاء مزيد من الجنود الأمريكيين لاغتصابها، الواحد بعد الآخر؟". وها هي تخسر كل شيء، في هذه المواجهة غير العادلة، قبل أن تخسر حياتها أيضاً. حيث يكافئ فعل الاحتلال فعل الاغتصاب الذي ما كان له أن يقع لولا غفلتها هي، ولولا خيانة وجبن من قادها إلى ذلك المصير التراجيدي.
يتسقط الراوي الذي لا اسم، ولا ملامح له، في رواية ( سابرجيون ) لعامر حمزة شظايا تاريخ مكان ما، مضمخ برائحة زمن فردوسي آفل.. هذا النص هو الآخر من الصعب تصنيفه في خانة الرواية لأنه مشبع بتفاصيل سِير أشخاص غائبين. فهل نقول أنه المثال للسيرة/ الرواية إن صح لنا اجتراح مثل هذا الاصطلاح المركّب؟!. والغريب أن الراوي لا يتكلم عن نفسه.. إنه الشاهد الكاتب الذي يسترجع ذكريات حميمة مفعمة بالشجن والوجع. فصوته يصلنا من غير أن نراه. فهو يحدِّثنا بضمير الجمع ( نحن ). لكننا لا نستطيع أن نتخيله إلا فرداً يشبه الآخرين، وقد أمضّه حبه لهم. و ( سابرجيون ) كما ( الحلم العظيم ) تحكي عن حلم تبدد في غياهب الزمان. وهو حلم جمعي يتصل بتاريخ وطن؛ ارتقاؤه وانحداره.. مسرّاته وأوجاعه. فبعد ذبول الأشياء التي تربطه بها واختفاء الشخصيات من على مسرح الواقع، وتشتتها في كل فج عميق؛ بعضهم أخذته المنافي وبعضهم طواهم الموت، وبعض ثالث قيدوا في سجل مجهولي المصير، تعيد لهم ذاكرة الراوي الحياة عبر السرد..
تجري الأحداث على خلفية مشهد سياسي متقلب مضطرب عنيف وقاتم... إذ كانت نذر الهول تتجمع، هناك، في أفق النظر.. في البدء لم يأبه أحد، وكأن سلام الدنيا وجمالها مصانان بقوة علوية غامضة.. وكأن كل شيء يسير على وفق المنطق الإنساني السليم.. لم يتنبه معظم الناس لما يحدث تحت الجلد الرقيق للواقع، وكيف تنخر دودة صغيرة، لئيمة في قلب العالم، تتكاثر بالانشطار، تسد الشرايين، وتهدد الحياة.
يقدّم الراوي الشخصيات غالباً بصيغة الجمع، أو في حالة تجاور وتعاضد، وكأن لا معنى لوجود أي منها إلا في ظلال الآخرين. "حياة وجدنا فيها ( روميل ) بعينيه الصفراوين الباهرتين بنظارته البيضاء بإطارها الأسود برائحة أحاديثه و ( ميري ) بأغنيتها الأثيرة دمعي شهودي، و ( ريمون ) بزغب جسده المذهَّب وحركة يديه العازفتين، والخياط بأولجيه المرقّم ومقصِّه الضخم ومرايا الحياة التي أمامه.. حياة وجدنا فيها ( أوسي ) بنزقه ونضجه.. حياة وجدنا فيها ( كاكا خالد ) و ( كاكا سردار ) يفرّان من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، مالئين جرارهم الفضية بعشق ذلك العيد الكبير".
تختصر الرواية/ السيرة ( سابرجيون ) الزمن العراقي المتعرج والمتداخل، والحلم العراقي، والمحنة العراقية، من غير مواقف طنانة مفتعلة.. إنها بانوراما عريضة لذلك التنوع الأثني الوطني المتعايش الذي فتكت به السياسة وألاعيبها.. أو أنها ترنيمة حزينة في رثاء ما اختفى، ولكن ليس من غير بصيص أمل في النهاية.. فها هو محمد ( شخصية في الرواية ) يتلقى إيميلاً من ( ديانا )، وللأسماء هنا دلالاتها الاجتماعية؛ "هل تذكرني أنا من أطلقتَ عليها اسم البرنسيسة". هذه الرسالة التي ستجعله يخرج من عزلته صارخاً في ظلام الحي الطويل؛ "إيشا معي، البرنسيسة معي، ذاهباً حتى الطرف الآخر من الحي عند كنيسة المار كوركيس... مارا بالشوارع الواحد تلو الآخر، غير عارف بما يفعله بنوره الخاص، بفرحه الخاص.. فرحه اللذيذ.. فرحه الذي لن يقدر على إخفائه مرددا لمرات ومرات أغنيته.. أغنية ضيائه وعذابه.. أغنية حياته الأولى والأخيرة ( سابرجيون كخدرين بنوشي.. جوالاً أروح وأجيء لوحدي )".
إن الحرية الحقيقية التي تُكتب بهديها الرواية الحديثة هي في تحرير رؤيتنا إلى العالم مما علق بها من قيم سقيمة متخلفة.. لا معنى في تحرير الشكل الروائي ما لم يترصن ذلك بوجهة نظر عصرية متقدمة ذات مضمون إنساني تنويري إلى أنفسنا وإلى الآخر وإلى الحياة. فالرواية هي خطاب الحياة في عصر القسوة والعنف واللاتسامح. فقد يمجد الروائي القيم الإنسانية العليا ظاهرياً في عمله، ولكن المهم ألا تكون رؤيته المضمرة، في لاوعي العمل ونسيجه، مغرقة بكراهية الآخر، أو ازدرائه، أو بالنرجسية المريضة المتورمة، أو متضمنة لما يحط من قدر المرأة لا يتغنى إلا بجسدها الذي يجده موضع متعة أنانية وتسلية.. فالمعيار للتحرر من التابو الجنسي ليس في كم المشاهد الخليعة وإنما في تمثيل المرأة كياناً حراً إنسانياً مبدعاً مشاركاً في الفعالية الحضارية، وحتى في الفعل الجنسي، بوصفها الطرف المكافئ الذي به يتوازن الكون، وتتوطد قواعد المدنية.. هنا فقط يصبح المشهد الجنسي ترنيمة إنسانية حرّة، وذروة شعرية مشعة، يتألق خلالها كائنان ينتصران للحياة والحرية.

الأربعاء، 3 فبراير، 2016

ركنٌ منعزلٌ-د. غالب المسعودي

ركنٌ منعزلٌ
د. غالب المسعودي
تحت جؤجؤ طيري
أتناول قهوتي مرّة
مومسات النهار والليل
يتراجمن جيئة وذهابا
فنجاني
يقرأ شراع الفرح
رويدا رويدا
 تقترب شفتيها
نورسٌ عطشانٌ
 فوق جدار البحر
قبلتني
تورمت اجنحتي
تؤلمني
لكني حلقت
فرس يحترق
حيزبون تحرز النبيذ
ابلٌ محلّقة بوسمها الابيض
حلك الشيب بنا
النيات قرار
المواضيع فقدت حريتها
اصبحت تلقين محض
هل تصدقين
إني اناشد امتعتي
كي ترحل معك
فيها شذى
من عطرك
غابت به السنون
الشواذ
كيف تمرّدتِ
دنٌ قصيرٌ
يسيع داخله القار
يلمع
كرقراق السراب
شقٌ سباسب
عاثوا به ولم نعث
كانت خاتمة المطاف
أن فقدت عذريتها الكلمات
أصبحت كالماء في النار
والنار في الحديد
 والحديد بالخشب
ذاتي اصبحت حرة
وها انا الان
ذهبٌ

حظِل

غالب المسعودي - ركنٌ منعزلٌ

الاثنين، 1 فبراير، 2016

أختام*- عادل كامل














أختام*




عادل كامل
[6] ملغزات المحو ـ الانبثاق
    حتى عندما لم يعد هناك فقراء، ولا وجود لفيالق من العبيد، والمستعبدين، قسرا ً، بلا تعليم، وليس من المعرفة ما بعد (الايدولوجيا)، وقد فرضت التعددية، في الحريات كافة، نسقها، وحتى عندما لا تشكل الخساسة والنذالة والمغالاة هيمنة على السكان، وردود أفعالها، الخالية من الحياء، والانضباط، وعندما لم يعد للملكية (الاغتصاب) هيمنتها في التقسيمات الهرمية للسلطة، وللمجتمعات، وحتى عندما تستبعد الحياة محركات التصادم، بالاستناد إلى التصوّرات، والأساطير، والاحتمالات ..الخ، حتى يأتي هذا اليوم، الذي حلم به إنسان ما قبل (الكتابة) وما قبل (التاريخ) بوصفه فردوسا ً، يتآخى فيه الذئب مع الحمل، وتتوازن فيه الحقوق مع الواجبات، وتكف الانشغالات عديمة الجدوى من إضاعة الوقت، وحتى أن يكون هذا الحلم قد دمج الفجوات الحاصلة بسبب التنافس، والتصادم، وعدلها، وشذب الدوافع، وصاغ مفاهيما ً لا يشكل الاغتراب، والغربة، والاغتراب، قضية تذكر، تكون الحياة، بما هي عليه، قد اقتربت من حتفها! فاليوتيبيا، منذ البدء، لم تدفع أسلافنا في الغابات، والكهوف، والبحار، إلى صناعة السحر، وصياغة حياة قائمة على: صياد ـ طريدة، فحسب، بل ستكون محاولات تفكيك السحر، ضرورة منهجية في الانتقال من البسيط إلى المركب، لتعزيز الفجوات ذاتها، لا على صعيد الوعي، ومجتمعات المعرفة، والشفافية، بل على صعيد عدم الاكتراث لأي مفهوم يعزز ان الحياة ليست فائضة، وإنها جديرة بالعناية، والاحترام...
    حتى حضور ذلك (الأمل/ الوهم)، فان ملياري إنسان يعانون من وضع ما تحت الفقر، ومن تدهور بيئي، وانخلاعات مازالت تقتلع الإنسان وتقذفه إلى فراغات يصعب التكيف معها، أو مع لا إنسانيته شديدة القسوة، والجور، وسيادة مبدأ: اللا متوقع ـ اللا محتمل ـ الموازي لمفهوم المعجزة ـ وانتظار المخلص ـ فان هذا التأثير العام، لشعوب الأرض، وأنظمتها، لم يعد عابرا ً، في أي بناء ـ وسلوك ـ وإدراك للعبور نحو: الأمل.
   فكيف، يا ترى،  اسقط دوافع الكلمة التي أدونها، والفن الذي أكرس حياتي له، وأنا غير قادر ـ إلا بصعوبة بالغة ـ أن أجد جدارا ً احتمي خلفه من الموت...، واخلص وجودي من طعنات شركائي في المصير؟
    ها أنا انتقل من لا معقولية العالم، وقد شكلت نظاما ً مضطربا ً خسائره تعرض ـ كتسليات أو هكذا تصبح للترفيه ـ عبر الثواني، وليس خلال الدقائق، إلى لا معقولية الحياة، وبأي معنى من المعاني، في أدق مفاصلها، وتفاصيلها اليومية ـ وأثرها في ما سيشكل أدبا ً ـ أو فنا ً.
    فالتقارير تؤكد، عبر حرية عمل المواقع الالكترونية ـ وهي حرية ما بعد ليبرالية نتائجها مازالت مبهمة قياسا ً بما أدته الأنظمة الأحادية، إن كانت رأسمالية، أو اشتراكية، أو همجية، أو من غير ملامح أصبحت تعزز كل ما يغذي البرمجة في تنوعها، وفي اختلافها، للحفاظ على النظام ذاته: الهرم.
ـ إن ثلث العرب، لم يدخلوا المدرسة، بمعنى ان هناك 100 مليون ـ من أصل 300 ـ لا يقرأون ولا يكتبون.
ـ  وان معدل دقائق القراءة، عند العربي، هي 6 دقائق، مقارنة بـ 200 ساعة، لدى الأوربي.
ـ وان جامعة بغداد، التي طالما مثلت، حتى سبعينيات القرن الماضي، مكانة مرموقة بين الجامعات العربية، والإقليمية، أصبح تسلسلها يحمل الرقم ما بعد العشرة آلاف بين الجامعات في العالم!
ـ وفي بلد مثل العراق، يتمتع بمساحات من الأراضي الصالحة للزراعة، والشمس، والأيدي العاملة، والموارد المالية الكبيرة، أصبح يستورد أكثر من 95% من ضروريات الحياة، ومنها، على المثال: الماء، وأشجار النخيل الطبيعية، والبلاستكية! (والأخيرة للزينة! ومازالت قائمة حتى عام 2016)
ـ وإذا كان مسموح للعراق ان يستورد5% من مستلزمات الحداثة، قبل 1990، على حد قول رئيس المجمع العلمي الأسبق، فان الحصار عليه شمل  حتى أقلام الرصاص!
ـ  وجود أعداد متزايدة، بعد 1958، من الأرامل، والأيتام، وبنسب مروعة  نتيجة الحروب، الداخلية، والحروب مع  الدول المجاورة، ومع العالم، ومن ثم ازدهار الإرهاب، الذي قلب شعار: الكل مشاريع للاستشهاد...إلى شعار: الكل مهددون بالموت.
ـ تصفيات منظمة للعقول/ للعلماء/ أساتذة الجامعة/ وفرار الملايين من النخب، ومن مكونات الشعب الأصلية، وهرب رؤوس الأموال، والحرفيين ...الخ
     مما يقود للحفر في مناطق نائية: ما هو دور هذه (المحركات) أو (العلل) في: الوعي ـ وفي الوعي الكامن في الثقافة، إن كانت عالمية، أو إقليمية، أو كانت ذات جذور عميقة، أو عرضية، لتصدعات الحاضر، والمستقبل...، وما اثر هذا كله في الفن: إن كان مستقلا ً، أو انعكاسا ً، في الحياة، ومن سيعيد قراءتها، على صعيد التحليل، التأويل، أو البحث عن (أمل) لا ينبني على منافع محدودة، وهمية، وغير جمالية ...الخ
   بإيجاز: لا توجد أشكال مستقلة، ولكنها، ليست معادلات تنقصها المرونة، أو كأنها تعبر كما تعبر الأطياف التي لا تترك أثرا ً يذكر.
    فنظرة أولية لتجارب عام 2012 والسنوات التالية، لا تساعدنا على إصدار نتيجة، ليس لأن المراقب تنقصه المعلومات، بل لأن ما يسمى بـ (الحرية) لم يعد يمتلك شيئا ً منها.
    وسيقال: وما علاقة هذا بالأسلوب؟ لنجد إجابات مغايرة تفند تحول الفن ـ والثقافة عامة ـ إلى سلع، مهما كان ثمنها كبيرا ً، فهي لا تحفر في الإشكالية الانطولوجية (الوجودية)، بمعنى لا توجد مقاربات للفن، خاصة التيارات المضادة للفن، منذ (الدادا) لم تولد بمحض المصادفة.
   ها أنا لا امتلك إجابة، ليس لأنني لا امتلك وجهة نظر فنية، أو خاصة بتاريخ الفن، ونظرياته، وتحولاته، أو إنني لم اختر ـ الذي لم اختره ـ أو الذي اخترته بحسب قناعتي، بل لأنني، في الأصل، نتيجة برمجة ـ مهما اجتهدت ـ فانا لا استطيع مغادرتها. هل تتذكرون الدادائي الذي صرخ: كلنا دادا، حتى من لم يكن معها، بل ومن وقف ضدها!
   وهذا ليس تصوّرا ً مضطربا ً، لكن من ذا يستطيع ان يخبرني بوجود عقلانية، أو واقعية خالية من التشوش؟ ففي نظام كلي للمعاني ـ وأشكالها، بدءا ً من الجزء اللا مرئي في الذرة، وصولا ً إلى المجرات العملاقة، وبدءا ً من تكون خلايا الخلق البكر، وصولا ً إلى البرامج ذات القدرات الذاتية في التحكم، ما: معنى ان تجد ان تاريخ الأكوان لا تشكله إلا دينامية الصراع المرير، وقد برمج، للأغلبية، بأنظمة يجد فيها (غريغوري سامسا ) قد تحول إلى حشرة، أو مدينة كهيروشيما، إلى مخلفات، وتجد العرض الشامل لعالمنا تحكمه أكثر الخرافات قسوة، وجورا ً، التحكم بالمصائر...
    وهذا كله لا تجد له إلا أصداء ً متناثرة، هي الأخرى، ستدخل المتحف، وكأنها ترغمنا الاعتراف بان (الهزيمة) وحدها سيدة الأنظمة، وان الموت، لا يتحكم بالحياة، بل ـ عبره ـ بما هو خارج الإشكال، ومنها اللغة والتصورات، وعلينا ان ندرك إن كنا سيزيف أو صخرته، أن نؤدي العمل ذاته، إن كان خاليا ً من المعنى أو ابعد من معناه، وعلينا ان نجد لأجسادنا، كأرواحنا، ملاذات لا يتحكم فيها اقل البشر نفعا ً، بل أكثرهم ضررا ً، وقد تحول (الطيف) إلى (طريدة)، مهددة بالهلاك، أو بالانتهاك، فإنها لا تستطيع ان تغادر منفاها، وان القيد (الشكل) غير منفصل عن سياق الضرورة، فحسب: بل ان يدحض المرء نتائج ما آلت إليه البرمجة، وتشبثت بالخلاص، الشبه مستحيل، ليكرر رمزية (تموز) أو (المسيح) أو (الحسن): ليس للبذرة إلا أن تجد موتا ً تموت فيه كي تنبت!
    ويا له  من منفذ، درب شديد الضيق، إنما، ككأس سقراط، حرية ان لا تختار إلا موتك، ومثال الطائر (الحر)، كأقدم، وانصع، رمزية مبنية على معادلات، ومشفرات، منحت الأمثلة السابقة غواية تجعلها غير قابلة للنسيان، والزوال. وأنا أرى نفسي بلغت الارتواء من السم، لأنني لا أرى سوى حتفي، قياسا ً بحرية، لا وجود لها، فلو أعدت قراءتها، وفق هذا النهج، سأدرك تماما ً إنني أدرك كم كان هذا القليل من الضوء (المعرفة) قد أتاح لي أن أدرك كم كانت الفراغات تمتد خارج أية نهاية يضعها الضوء لها! فسم الأفعى لم يكن إلا اختيارا ً شبيها ً بنهاية جلجامش ـ وهي نهاية سقراط، ومن قبل هي نهاية تموز، ومن بعده في قصة الحسين ـ اختيارا ً لا شعوريا ً ـ ولا واعيا ً ـ حتم على مالك بن الريب ان يدحض الاندماج ـ والمحو، مع جيش غريب عنه، ليدوّن رائعته المعروفة.
  إنما هذا الذي أكاد أراه، هذا الذي يبدو كالطيف، أو كالصفر غير المادي، غير المعّرف إلا بحروف سود فوق شاشة الكومبيوتر، أو كومضات في الدماغ، أو كبقع رمادية فوق الورقة البيضاء، ليس أملا ً استمد حضوره من وهمه، أو وهما ً تأسس على أمله، بل كأنه (الأفعى) عبثت بخلود جلجامش، وقدره، ولم تسمح له إلا بالنتيجة ذاتها التي دفعت بمالك بن الريب أن يكّون قصيدته، وسقراط أو تموز أو المسيح أو الحسن، بترك كلمات مازالت تعمل عمل كل ما هو مضاد للدفن، لكن لحياة كأنها اخفت معناها، أو لغزها، خارج احتضار الكون، موته، وانبثاقاته.
    أليس الضوء وحده أكثر ريبة مقارنة بلا حافات الظلمات، أم لا معنى للأخيرة، من غير بزوغ أنوار تقول كل الذي يكون قد سبقنا إلى أبديته...؟ يا له من حضور وجد ليدوّن مروره فوق صفحات في الأصل خارج مدى هذا الحضور...، عدا الانشغال بجمع تراكماته التي بلغت ذروتها في الصفر، قبل أن يمتلك اللا ـ كل، كليته، عميقا ً في هذا الانبثاق، وبمنأى عن غيابه في الحضور، وحضوره في الغياب. أليس اللا ـ كل وحده يجدر أن يكّون حافة لوجود لم يبلغ ذروته بعد....، أم ها أنا ذا لا افعل إلا من امسك بالسراب، ليدوّن، رغم حتفه، مشهدا ً لا اختيار فيه، ولا تسوية لي فيه، وقد جعلني مثل الأعمى لا ابحث إلا عن مباهج الألوان، إن كانت تقع في خلايا الدماغ، أو خارجه، أو كعلاقة ما بينهما، وإنني ـ وأنا أحث خطاي نحو اللا ـ كل ـ لم احصل إلا على الذي أومأ لي، فتبعته، فكان القفل، وكان المفتاح، ولم يكن متاحا ً لي أن أكون سوى المسافة بينهما. فلا أنوار إذا ً، ولا ظلمات، لا ولادة ولا موت، لا طاغية ولا ضحية...، إنما لا وجود إلا للمرور بينهما: مسافة بأبدية الزوال.
 وكي لا تبدو (الميتافيزيقا) إشكالية عديمة الجدوى، في مواجهة موقفها إزاء المصائر، أي مصائر النوع البشري، وليس مصائر نخبها، وكي لا يبدو الكفاح من اجل الخبز، وحريات الشعوب، خالية من الجمال، والإمتاع، ولذائذ اللعب، والمرح، فانا ـ مع نفسي ـ أتوغل في الارتباك حد الشك ـ كمصدر من مصادر الثقة، في ما إذا كنت امتلك إدراك السؤال، أو حتى: شرعيته؟
    فانا عشت أراقب نصف قرن من الفكاهات المريرة: لا يسحق فيها الإنسان، ولا يرغم أن يهتف لموته، ويدوس على ضميره، بل لا يبحث إلا عن لا مبالاة لا متعة فيها. لقد كنت أتندر، مع أستاذي مدني صالح، طوال لقاءاتنا اليومية، وحتى قبيل رحيله بعد أن كف عن النطق، وأقول له إنني أصبحت ابحث عن اللامبالاة الأجمل!  وقبل ذلك، في سبعينيات القرن الماضي، كنت اكرر ـ لفاضل العزاوي ـ بان المستقبل ـ من حولي ـ شبيهة بوردة قطفت. كان فاضل العزاوي يتهمني بالمثالية، وهو على حق، لأنني لم أكن امتلك قدرة تفكيك قرون لم تخلف إلا رمادا ً، كان فاضل يبحث عن عالم لا تمحى فيه أثار القلب قبل حضورها.
     هو ذا مدخل لختم مندرس: اللاوعي إزاء التاريخ، فالأدوات الأولى، شبيهة بمن يجري عملية إصلاح حروف تالفة بسكين عمياء، أو الانخداع بالشفافية التي لم نقدر أن نراها حتى في مناديل النساء، وليس في ملابسهن الداخلية!
    هو ذا ما لا يصح أن يبلغ حتى درجة: العبث، وليس من اجل لذّات اللامبالاة الأجمل!
    فثمة عماء لا يسمح بالتعرف على ما يجري لإنساننا المعاصر، عماء يرغم الأعمى أن يمشي خلف لا احد.
    ذلك لأن اقرب إنسان تلتقي به، أو تعيش معه، لم يعد يمتلك أدوات الإصغاء، فماذا عن الوعي، ومن يصغي إليك، في الغالب، لا يبحث إلا عن مكسب عابر. وسواه، لا يفكر إلا بانتصار على اليسار المتطرف، أو انتصار اليسار المتطرف على اليمين، ثم البحث عن مصالحة، أو عقد هدنة، لإشعال حرائق تعقبها ظلمات....، وبمعنى ما تفقد المقدمات منطقها، كي تأتي النهايات كباب نجهل فتح قفله، وهو ما يسمح للميتافيزيقا أن تدوم، ولحروب الفقراء أن تزدهر، وتمتد، وكأنها مسرحية ترغم جمهورها على المتابعة، بالشكل الذي تتحول فيه الحياة إلى: غوايات لن تذهب ابعد من عميان يخترعون لنا ألوان الخرافات الخالدة!
     فهل يحق لي أن اشغل ـ القارئ  الكريم ـ  الذي لا اعرفه، وأنا اشغل نفسي، بلهو يكاد يفقد براءته! بكلمات كائنات أدرك لا جدوى عويلها، ولا جدوى صمتها أيضا ً...؟
    انه ختم يصعب تنفيذه إلا بصمت يختزل الكلمات كي يقودها نحو محوها، أعالي التاريخ، ومغادرته، بأسف كظيم، بل ومن غير أسى، أو حزن، فالحب، ذاته، لم يعد لا مبالاة للإمتاع، بل للمعاقبة! وهنا يجدر بي أن اعثر على طبيب لا بحثا ً عن التشخيص، أو العقار، بل عن: السم! لأن الديمومة، بحسب مقدماتها، تتستر على مكرها، وتمويهاتها، غشها، فهي حاصل حصاد خسائر قائمة على مكاسب من تحولت الميتافيزيقا عندهم إلى يقين، وراحوا يجدون ألف ألف عذر لديمومة كلمات، لا ديمومة لها، إلا في ما لا يمكن تعديله، وقبل هذا: أن تحوله إلى يقين لا يدحض، والى: قتل مشّرع، والى: إرهاب بنيوي مغزول بغزل شفاف، وخالص!


[7] تساؤلات
   هل حقا ً، بعيدا ً عن نفسي ـ عنها تماما ً ـ، وبعيدا ً عن آليات عمل اللاوعي في الوعي، وتداخل اللاشعور بما تخفيه التصورات، عبر اللغة، أسعى الذهاب إلى ما لم اعرفه ـ أدركه ـ وليس الذي غدا من المسلمات أو الثوابت، ليس للذي تمت معرفته ـ كما يخيّل إلي ّ وأنا أتأرجح بين الظنون وما تنتجه الافتراضات ـ هو الذي أريد أن اذهب ابعد منه: ليس أن أعيد قراءة أيهما اخترع الآخر: الإنسان للأسطورة، أو الأسطورة للإنسان، وليس أن أتجول في المسافة بينهما، الواقع للوعي، أم الوعي للواقع، أو الفجوات ما بينهما، الموت للحياة، والحياة للموت، أو للرحلة بينهما، الظلام للنور، أو النور لاكتشاف لا حافات الظلمات ....الخ، بل ذلك الذي كلما بدا قريبا ً استحال نائيا ً، ولكن ليس عدما ً، بل شيئا ً ما يحدث في الدماغ: لغز إشعاعات، ومضات، فاستعيد قدرة تحمل المتاهة، وليس وحشة الدرب، كي ارتوي بهذا: اللا ـ كل، بأكثر أجزاءه قدرة على التوازن في المناورة، والغوايات، والتظاهر، والاكتفاء حد الاستغناء عن  البوح ـ والاعتراف ـ ومحاكمات الذات ـ وجلدها.
   هل ـ هو ـ إعادة تحمل الصدمة: الرج، أداة القتل بأدق أشكالها جمالا ً وظيفيا ً، المثلث، والآخر، الرمز الأنثوي للغواية: الإنجاب والقبول بالمقاومة، حد القول: من ليس معي فهو عدوي! المثلث، بين أن يكون رأس رمح، وقذيفة، وبين أن يكون مدخلا ً لأكثر المصانع سرية، وقدرة على المواجهة، يتحول إلى ديالكتيك أعمى شارد في استبصاراته  بالعلاقة بين: المنفى والمنفي.
   فالسلطة ليست حرة إلا في إدراكها إنها قدرا ً وحيدا ً ـ كنظرية المؤامرة تماما ً ـ لا اختيارات لديها عدا الذي يتم نسجع، وتنفيذه ببالغ المهارة، الحذق، والإتقان.
     فالمثلث، هنا، سلطة في مواجهة المعرفة. سلطة وجدت نفسها تقاوم عدمها.
    وها أنا أعيد قراءة هذا التراكم: أي معرفة أريد لها أن تكون جديرة بهذا العناء، حد الاستسلام للموت...، وأنا اكتشف أن (المنفي) لا يتمتع بالبراءة. فأعيد كلمات المثل السومري: ما من امرأة ولدت ابنا ً بريئا ً قط. فالمثلث لم يعد من صنع (دماغي) ـ وعيي ـ ليس لوجود مثلثات سبقتنا في الوجود حسب، بل لأن الهندسة، بدمجها للرياضيات ـ وحسابات التوازن ـ قد شملتني بعمل قوى أكاد لا امتلك إلا الاعتراف بحرية غياب أي اختيار لدي ّ فيها.
    إنها ليست تعبيرية محض، بأي شكل من أشكالها، وليست رمزية، ولا ذات دلالة بحدود ما تريد أن توصله، وإنما هي تقدم في اللا معرفة ـ عبر هذه الحدود.
     إنها إشكالية تحّل عددا ً من تعقيداتها، لتخترع الباقي: ديمومة كل ما لا يغدو شكلا ً، لكن عير الأشكال، مثلما يحقق الموت وجوده عبر ثنائية الوليد ـ الميت، والميت الوليد.
   فهل الثنائية بذاتها شبيهة بقفل لا مفتاح له، وبمفتاح لا يمتلك قفلا ً...؟ كي أدرك إن (المثلث) إن كان أداة قتل، أو عضوا ً مزدوج العمل بين اللذّة والإنتاج، ليس إلا تحقق اللا ـ كل، عبر أجزاءه، حيث لي ّ أن  أقاوم موتي، كي يحقق الموت غايته، بعد أن أصبح خارج أدوات البحث: لا في الصور، ولا في اللغة، ولا في الحياة، فالموجودات كلها ملك الناس، إنما لا احد ما باستطاعته أن يأخذ منها شيئا ً. ليس لأنها زائلة قبل وجودها، بل لأنها موجودة في زوالها تحديدا ً.
      إنها تماما ً كالمصادفة تبرهن، بوجودها، عن اللا كل وقد استبعد أية مصادفة ـ وأية حرية ـ بمعنى إرادة ـ في الذهاب وراء المسافات، وعلاماتها، وإلا هل ثمة ـ منذ تكونت أولى أجزاء الخلايا الحية ـ جدارة أو أهمية تساوي ما بذل من جهد، عناء، أم إن الإنسان بانتظار العبور إلى المعنى، كان واجبا ً عليه دفع الثمن، لتذوق هذا الذي حضوره لم يكتمل إلا بغيابه؟
تأملات أثناء العمل ـ وقد سبق أن نشرت حلقات من التجربة تحت عنوان: اختما معاصرة.

زينة سعيد والفن الرقمي-د.احسان فتحي