بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 21 أغسطس، 2014

عبدالملك ناقدا ً -د. محسن الموسوي



عبدالملك ناقدا ً


د. محسن الموسوي



تبدو مسيرة عبد الملك نوري حافلة بالتجريب والتصحيح والمراجعة: وهي لهذا السبب ليست مسيرة تحسم بانطباعات قليلة وتقييمات نقدية نهائية. لكنها مسيرة تكاملت عند بعض القصص التي بدت أكثر جودة من غيرها، وهي القصص التي كان مقدرا ً لها ان تصبح بدايات عمر طويل في كتابة القصة لولا محنه الشخصية التي زادت من همه الفني، ومن تردده أمام الكتابة.
ورغم ان اغلب نتاجات نوري ترجع إلى مرحلة اسبق في تاريخ حياته، لكن حضوره الأدبي استمر بعد هذا التاريخ، ضئيلا ً في واقعه وكبيرا ً بمعناه. فالكتابة وحدها لم تكن عدته الوحيدة في الوسط الثقافي، بل كان تأثيره على صحبه مهما ً عند التصدي لدراسة ذلك الوسط.
ولعل تأثيره الضمني في نتاجات التكرلي يحتاج إلى ملاحظة وتدقيق، مادام يقودنا إلى التساؤل الذي حملته هذه الدراسة. فنوري في (صور خاطفة) قدم ما لديه من انطباعات إزاء وضع القصة العراقية! لكنه في مراسلاته مع التكرلي قدم أيضا ً ملاحظاته عن نتاج الأخير. وكان نقده لمسرحية مخطوطة بعثها إليه فؤاد التكرلي نقدا ً متماسكا ً بعين في تقصي تأثيراته. فهو يطرح في (2/6/1951) المواصفات العامة للكتابة المسرحية، من حيث العقدة والأجواء والشخوص والحوار، مستنتجا ً ان فؤاد في هذه المسرحية مازال يسير (في الطرق الخلفية) وكأنه (يهاب المشي في الشارع العام). ويوضح مخاطبا ً صديقه (كنت اعني انك لم تواجه العقدة وجها ً لوجه). لكنه اثار عند التكرلي تلك الشرارة الإبداعية التي تنتظر الاحتكاك المناسب عندما تصدى بالنقد والتقويم والتعاطف لقصة فؤاد التكرلي المطولة غير المنشورة المعنونة (بصفة في وجه الحياة) والتي مثلت بعضا ً من ذلك النزوع القانط المتأثر بشيوع الاهتمام الوجودي مشوبا ً بواقعية شديدة.
فبدءا ًرصد نوري فيها تأثير دستويفسكي و ديهامل وفرانسو مورياك. إذ ْيقول في رسالة بتاريخ(18/10/1950): لا ادري لماذا ذكرت هؤلاء الثلاثة دون غيرهم عندما انتهيت منها؟ إلا أنها تحدث في باطن الإنسان..؟"
وتأتي قيمة ملاحظات نوري من وقعها على التكرلي، الذي استجاب بقوة لهذه الملاحظات من جانب، مبينا ً من جانب آخر قيمة القصة في تأسيسها الفني، فهو يكتب بتاريخ (19/10/1950) موضحا ً لنوري انه لم يكن " ... مهتما ً بأسلوبها قط، مع انه أساس الشكل. وذلك لأن عاطفة عجيبة كانت تمتلك علي ّ لبي ّ أثناء كتابتها"
وبقدر ما كانت هذه العلاقة الحميمة والقائمة أيضا ً على تبادل الخبرة والرأي مفيدة في تحفيز التأسيس الفني وتوجيهه، فإنها تطرح ضمنا ً أهمية ذلك الاطمئنان القائم بين نوري وصحبه. وقياسا ً على هذه العلاقة لابد ان تكون لقاءات نوري بالقاصين الآخرين القريبين منه قد أفادت هؤلاء، كما أفادت نوري نفسه الذي كان يتقبل أراء فؤاد التكرلي عن قصصه. ولعل نوري كان يشعر منذ بدء تلك العلاقات ان مستقبلا ً أوضح ينتظر التكرلي. وإذا كان قد أكد هذا الانطباع في (صور خاطفة) فان قلق فؤاد التكرلي إزاء الكتابة، وشغفه بها وتخوفه من ان تحتويه الحياة العائلية بعيدا ً عنها (9/1/1951)، لابد ان يثير عند نوري حسا ً قاطعا ً بان التكرلي وجد مهمته القصصية وحدد غايته وهواه، على خلاف قاصين آخرين. وجاءت أقاصيص التكرلي المنشورة في مطلع الخمسينات لتؤكد هذا الانطباع وتعززه. ولهذا كان نوري يتوقع ان يحقق فؤاد التكرلي الانجاز الفني تواصلا ً وأداء ً. بل انه بلغ في عام 1952 قناعة قاطعة بان التكرلي تجاوزه، بينما 

عبد الملك نوري رمزا ً -مهدي عيس الصقر



عبد الملك نوري رمزا ً


مهدي عيس الصقر



في أمسية من أماسي صيف بغداد التقيته. كنت قادما ً من البصرة، شابا ً يخطو خطواته الأولى في عالم الأدب. كانت بغداد في نظري مدينة أسطورية أمراؤها الشعراء والقصاصون. إذن جئت لأراهم عن قرب. كنت برفقة المرحوم بدر السياب ـ الدائم التنقل من مكان إلى آخرـ عندما صادفناه في كازينو أو مشرب. قال بدر:
ـ ذاك عبد الملك!
رأيت شابا ً اكبر مني، يميل إلى القصر، ممتلئ الجسم بعض الشيء، بوجه مستدير نصفه الأسفل اسمن قليلا ً من نصفه الأعلى، يضرب لونه إلى البياض يخالطه شيء من الاحمرار. كان وجها ً فتيا ً.
قال له بدر بعد ان ذكر اسمي:
ـ من البصرة.. يكتب القصة.
قلت مصححا ً:
ـ أحاول.
ابتسم وتصافحنا. كانت نظرته حميمة، تجعلك تستريح إليه بسرعة كما لو كنت تعرفه من زمن بعيد. تحدثنا قليلا ً ثم افترقنا. وبعد ذلك عدت إلى البصرة. كان ذلك عام 1950 أو ربما 1951، فالزمن يمسح الفواصل بين السنين.
عندما رجعت إلى بغداد لأقيم فيها بعد زمن اللقاء بنحو عشرين سنة كان هو قد هجر الكتابة واعتكف في بيته. لكن عبد الملك ظل قريبا ً جدا ً إلى نفسي. أحببت كتاباته، وكنت أقراها بشغف. وإذا كنت قد كتبت شيئا ً يستحق الذكر فإنني مدين ـ إلى حد كبير ـ لتلك القصص الجميلة والمعبرة التي كتبها عبد الملك نوري، والتي حفزتني على إتمام ميدان القصة الممتع والمثير للشجون.
قبل نحو ثلاث سنين كنت اقلب صفحات الجرائد، القديمة في المكتبة الوطنية فعثرت على خاطرة بقلم الكاتب عبد الملك في واحدة من هذه الجرائد، قرأتها باهتمام. كانت نثرا ً يشبه الشعر، فيها عذوبة رومانسية، تبدو بعيدة بعض الشيء عن أجواء قصصه التي اعتدنا قراءتها. ويخيل إلي ّ ان هناك خواطر أخرى مماثلة هنا وهناك، في صفحات الخمسينات، خواطر إنسان حالم، مسكون بحب بلده وأهله.. ولو اعتكف باحث دؤوب على استكشافها لطلع علينا بوجه آخر لهذا القاص الرائد الذي يستحق منا كل إعزاز وحب.


****

عبدالملك نوري - عمق الرؤية وغنى المادة -موسى كريدي



عبدالملك نوري - عمق الرؤية وغنى المادة


موسى كريدي



منذ الخطوة الأولى ظل عبد الملك نوري بمدّ القصة القصيرة بدم ٍ جديد مقتربا ً كثيرا ً من دائرة الفن القصصي ولحظات الصدق. ومنذ ذلك الوقت يمكن القول ان القصة انتقلت على يديه من (الحسي) إلى(الرؤيؤي) ومن (الخطابي) إلى (الشعري) دون تخل ٍ عن احتمالات الواقع وموحياته.
كان يريد، جهد إمكانه، ان يتجاوز مواصفات (السرد) المعلن، و(الحوار) الجاهز، و (البناء) القصصي التقليدي إلى ما هو مطلق نحو خلق (ثيمات) جديدة يحتويها نمط أدبي من القصص قد يوهم بإغرابه وانحراف المخيلة.
لكن هذا لم يكن ليُرضي (طموح) عبد الملك نوري ونزعته الى (نمط) و (تجاوز) اكبر في إيجاد (نموذج) يختزل كل ّ المراحل التي سبقت تجربته ليكون مدخلا ً عميق الدلالة إلى أفق فن ٍ عال ٍفي (التكنيك) خارق، مدهش، بالضرورة لا يؤلف (إضافات) بل (فتوحات) في عالم القصة.
غير ان الرجل لم يخط بشيء من هذا (الطموح)
فاثر الانكفاء..
وانقطع إلى الحلم ..
ولم ينقطع الزمان، عن الجريان.
ان كاتبا ً في (عالم صغير) كعالمنا يستطيع ان يكون معاصرا ً دع ْ عنك شاهدا ً لعصره بيد انه غير مستطيع، وقف الزمن عند مفترق اذ ليس ثمة لعبة، او موهبة، فحسب، بل هناك تاريخ وتقاليد وأسئلة وقبل ذلك حرية مخيلة تستتبع، دون ريب، القدرة على (إيجاد) نمط متفرد من القص قد نتجاوزه (نحن) يوم نصير (نحن) في مناخ غير مدجن وتملك من حرية الخيال ما يمكننا من تفجير الكامن من (الطاقة).
لم يقف الزمان ولا يمكن إيقافه.
لكن عبد الملك نوري وقف عند مجموعتين قصصيتين (نشيد الأرض) و(ذيول الخريف) وبضع مسرحيات لم تنل ْ ما تستحقه من أضاءه. وعلى الرغم من ذلك كان نتاجه عموما ً يحتفظ بنكهته، وخصائصه، وان عمق رؤيته، وغنى مادته سيظلان خطين، يجعلاننا، نوقف طويلا ً لنقول مل ّ الفم: كان عبد الملك نوري إبّان خمسينات هذا القرن رائدا ً بحق لفن القصة القصيرة الجديدة في العراق وليس هذا بقليل.


****

عبد الملك والأسلوب الجديد -عبد القادر حسن أمين



عبد الملك والأسلوب الجديد


عبد القادر حسن أمين


اختلف الكثيرون في عبد الملك، كل يرى فيه رأيا ً معينا ً: ففريق يعتقد ان عبد الملك مسخ مشوه متشابك المعالم، يستمد أجزاءه المتناثرة مما يقرأ لا من تجاربه الشخصية. وفريق آخر يرى ان النتاج العراقي القصصي كله ما خلا نتاج عبد الملك طبعا ً يجب ان يرمى بمياه دجلة أو يهمل إهمالا ً شنيعا ً، لأن منتجيها ليس بأدباء مطلقا ً!
بعد مجموعته "رسل الإنسانية" يبدأ عبد الملك في :نشيد الأرض" طورا ً جديدا ً، في الصورة والمضمون، فبعد ان كان يكثر من الازدواج ويستعير العبارات، التي رسخت في ذهنه من مطالعاته الأدبية اذا به هنا يتجه نحو أسلوب جديد، يقل فيه ترادف الجمل، وتتقلص الأخطاء، وتشيع العامية، يتكلفها تكلفا ً وهو يهدف إلى تلوين الأقصوصة بلون المحيط الذي يعايشه البطل. وهذا الأسلوب وان طفق يأخذ سمة معينة دالة عليه إلا ان القاريء يجد عسرا ً في متابعة ما يكتب القاص لانعدام السلاسة، ولاعتماده أيضا ً على حديث النفس وتداعي المعاني، إذ ْ قد يعدي هذا اللون من الأسلوب القاريء فيجد نفسه مدفوعا ً هو الآخر إلى فيض من الشعور بالرغم من إرادته...
ويصدم القاريء في "نشيد الأرض" ـ لأول وهلة قلة الحركة، فالإبطال فيه جامدون، يعيشون في عالم اللاوعي، يطلقون لخيالهم العنان يسبح في عوالم بعيدة أو قريبة، تتوالى الصور في أذهانهم متكاملة وغير متكاملة، وتتداعى الكلمات يجري بعضها وراء بعض من غير نظام ولا اتساق ولا ربط، ومن هنا هذا الإبهام الذي نجده في كتابات عبد الملك.
وأسلوب عبد الملك هو الأساس الأول في كيان أقاصيصه وهو تحليلي يستمد مادته من اللاوعي يتعمد تطعيمه بكلمات عامية وبأصوات مختلفة ليجر القاريء جرا ً إلى واقع أبطاله.
وجملة القول في عبد الملك انه قاص قد استطاع ان يقدم نماذج جيدة من فنه القصصي. ولكن ما نعرف من آثاره قليل جدا ً، اذا قيس بآثار قصاصي العرب، كما يستحسن كثيرا ً ان يرخي بعض الشيء من هذا الإرهاص النفسي والشد العصبي ليحل مكانه شيئا ً من الحركة والتوجيه، وبذلك ينقشع كثير من ضباب الغموض الذي يغلف آثاره، فيستطيع القاريء ان يجد غذاءه العقلي...




هذا هو عبد الملك نوري -فؤاد التكرلي





هذا هو عبد الملك نوري


فؤاد التكرلي



في نهاية خريف سنة 1949، حينما كنت موظفا ً صغيرا ً مستجدا ً في محاكم بعقوبة المدينة، وصلتني برقية مدهشة صباح احد أيام الخميس، لم تحتو إلا على كلمات قليلة؟
" سنجيء صباح الغد الجمعة .." وكانت موقعة بتوقيع عبد الملك نوري. كنت قد التقيت به قبل أسبوع أو أكثر بقليل في مقهى "سويس" حين كنت امضي يومين أو ثلاثة في بغداد لقضاء بعض الحاجيات. كان اللقاء بواسطة صديقنا المشترك ساطع عبد الرزاق وبطلب من عبد الملك. امتد بيننا، حال التقينا. نوع من الألفة، والتفاهم الصافين.
كان عبد الملك آنذاك كاتب قصة معروف، فازت أقصوصته "فطومة" في السنة الماضية بجائزة مجلة "الأديب" البيروتية لأحسن أقصوصة عربية، وكنت شابا ً صغيرا ً لم انشر شيئا ً، إلا أني كتبت بعض الأقاصيص التي لم اقتنع بها وأعطيتها ـ كما أتذكر ـ إلى صديقي نزار سليم للاطلاع عليها فأعطاها بدوره إلى ساطع ليعيدها إلي ّ فوصلت ليد عبد الملك فاطلع عليها، ومن هناك كان طلبه من ساطع ان يلتقي بي.
* ولكن ماذا عن أدب عبد الملك نوري واتجاهه في فن كتابة القصة ؟
ـ مبدئياً كان عبد الملك شديد الإيمان بالواقعية وبوجوب استيحاء محيطه العراقي، إلا انه كان يضع الصناعة الفنية في الأدب القصصي وجودة الكتابة فوق ما يمكن ان يسمى بالمضمون الاجتماعي ولكن ليس على حسابه. كان منحازا ً إلى الأدب القصصي الغربي الجيد ضد أي ادعاءات أو مباديء أخرى لا تنتج غير أدب رديء فنيا ً. وعلى هذا المستوى لم يساوم عبد الملك أحدا ً ولم يجامل، وكان حادا ً في نقده، عصبيا ً، لا يطيق ان يسمع دفاعا ً عن قصة يعتقد أنها سيئة. وفي اعتقادي انه كان يعيش تناقضا ً بين أفكاره عن الإنسانية والاشتراكية وبين الأدب الذي يجب ان ينتج لخدمتها والذي يرى انه لا يمكن تقنينه بهذه السهولة. نشر عبد الملك مجموعته القصصية الأولى "رسل الإنسانية" سنة 1946 تطبيقا ً لنهجه الواقعي، ولكنه لم يرض عنها كما هو متوقع، فانقلب أواخر الأربعينيات يجرب ـ مع ارتباطه بالواقعية ـ أساليب أخرى للتعبير عن أفكاره القصصية. وهكذا كانت "السياج الرمادي" ثم "جيف معطرة" المنشورة في مجلة "الأديب" البيروتية في عدد شباط 1949. كتبها عبد الملك أواخر سنة 1048، وطبق فيها محاولة التعبير عن مجرى الشعور لدى شخصيات متعددة خلال فترة زمنية معلومة. نعم، إنها استعارة لما ابتكره "جويس"، إلا ان الملفت للنظر ان يحاول ذلك شاب عراقي وان تكون المحاولة بعد قراءة "يوليسيس" وبعد تأمل وإمعان فكر. وجاءت الأقصوصة غريبة تبعث على الدهشة كثيرا ً؛ ففي ذلك الجو الأدبي، خلال الأربعينات، حين كان ذو النون أيوب ورفاقه منكبين على قرع طبول الأقاصيص "الاجتماعية" الساذجة، تبدو محاولة عبد الملك نوري هذه كأنها نيزك أضاء بشدة سماءنا السوداء. ولم يلتفت إليها احد ولم يهتم عبد الملك بذلك وبدأت محاولات أخرى كان يريدها هذه المرة ان تلتقط انفعالات "الوهلة الأولى".
* ماذا كان يبغي، حقيقة، من كل تلك المحاولات؟
ـ في اعتقادي، ان عبد الملك لم يكن مدعيا ً ولا كان يريد إدهاش القراء بكل ثمن، لكنه ـ مدفوعا ً بإعجابه الشديد بالأعمال القصصية العالمية ـ كان بوده ان يسلك كل الطرق الممكنة التي قد تؤدي به إلى تخطي الأساليب القصصية المستهلكة، من اجل الإمساك بعد ذلك بهدفه الفني.
ويخّيل إلي ّ ان عبد الملك نوري لم يفشل قط، فلقد لاحق بطاقاته وعيه الفني إلى اللحظة الأخيرة ولم ينكص، ولا يزال لم ينكص، ويجدر بنا جميعا ً ان نفهم معنى ذلك.


****

عبد الملك نوري في بيته - ميسلون هادي


عبد الملك نوري في بيته


ميسلون هادي






الأغصان الكثيفة تندفع من السور المعدني للسياج الخارجي وخلف السياج سلّمان مغريان يلتويان قليلا ً ليلتقيا في القمة الواطئة عند باب خشبي كبير جدا ً.
التفت إلى "عادل" وقلت له:
ـ انه يبدو مثل بيت من بيوت قصص أجاثا كريستي.. فابتسم عادل وهو يضغط على زر الجرس .. ووقفنا ننتظر انفتاح الباب ونحن نتأمل واجهة البيت العالي بصمت.. ونشكر الله ان المطر قد كف عن الهطول..
سمعنا صوت انسحاب الرتاج من الداخل ثم أطلت امرأة كبيرة من خلف الباب وهي تقول: من؟
قلت: هل هذا منزل الأستاذ عبد الملك نوري؟
قالت:
ـ نعم ..
قال "عادل":
ـ نريد ان نراه ونسلم عليه.
قالت:
ـ هل أنتما من آفاق عربية؟
قلنا:
ـ لا .. من "ألف باء"
فاختفت خلف الباب لوهلة وجاءت بعد قليل ومعها "عبد الملك نوري". هبط الينا عبر السلم الملتوي وهو يرحب بنا.. صافحناه ثم صعدنا معه.. نحن من سلم وهو من سلم آخر وعند القمة التقينا واجتزنا الباب المفضي إلى مدخل صغير يؤدي الى صالة واسعة سقفها عال جدا ً..رحبت بنا شقيقته ودعتنا إلى الجلوس. فجلسنا وجلس "عبد الملك نوري" في الزاوية اليسرى لأريكة واطئة.. فقالت شقيقته:
ـ [هذا مكانه..انه لا يغيره مطلقا ]
ثم اخرج سيكارة من علبة سكائر (بغداد) وراح يدخن.. المكان قديم..ولكنه أليف: مكان من تلك الأمكنة التي يقع المرء في حبها منذ النظرة الأولى.. رائحة حلوة فيها نكهة الجدات.. طراز البناء يدل على الثراء والفخامة .. ولكن الأثاث بسيط جدا ً ومتواضع .. أربعة كراسي وأريكة تتوسط الصالة وتحيط بها مكتبتان مليئتان بالكتب.
فتح "عادل" الحديث معه بالسؤال عن مجموعة ذيول الخريف.
فقال "عبد الملك نوري":
ـ فؤاد التكرلي هو الذي جمعها وقدمها للنشر.
ثم ضحك وهو يضيف:
ـ لم أفراها حتى الآن..
وراح عادل يذكره ببعض قصص المجموعة: "فطومة" و "معاناة" و "نزهة" ثم انفتحت مغاليق الكلام ودار الحديث عن الأدب والصحافة والترجمة والقراءات .. كان يضع بالقرب منه كتابا ًضخما ً باللغة الانكليزية يبدو انه كان يقرأ فيه قبل مجيئنا سألناه عنه فقال:
ـ انه تولستوي لهنري ترويا.. لقد أخذته من فؤاد التكرلي، ولاحظت ان المكتبة تحتوي مجموعة كبيرة من الكتب الانكليزية: اللغة التي يجيدها "عبد الملك نوري" إضافة إلى الفرنسية.
قلت له:
ـ الا تقرا ما يصدر بالعربية؟
قالك
ـ قليلا ً.
ونهضت لألقي نظرة على المكتبة الصغيرة التي كانت رفوفها تزدحم بكتب اغلبها باللغة الانكليزية: روايات لهمنغواي وآرثر هيلي ودوريس ليسنغ وفوكنر، قصص من الخيال العلمي وقصص أشباح، روايات بوليسية وكتب سيرة ذاتية.. كتب عن الموسيقى وأخرى عن نجوم السينما.. كتب كثيرة مختلفة .. وعلى منضدة بقرب المكتبة كان هناك درع فضي داخل علبة قطيفة حمراء نقش عليه اسم ملتقى القصة الأول الذي انعقد في صلاح الدين عام 1978.. انطلقت من الساعة الجدارية إحدى عشرة دقة رنانة فضغط (عبد الملك نوري) على زر الراديو وقال:
ـ مؤشر هذا الراديو لا أغيره.. انه على إذاعة لندن.. وفي الحادية عشرة صباحا ً من كل يوم استمع إلى مختارات من الموسيقى الكلاسيكية. انسابت الموسيقى من المذياع ومر الوقت ونحن نستمع معه إلى قطعة موسيقية عرّفها لنا.. ونتبادل أطراف الحديث عن صحته وقراءاته وحديقته التي يعتني بها بنفسه. وأحسست وأنا انظر إلى المنضدة الواطئة التي يضع عليها "عبد الملك نوري" مذياعه وحاجاته التي تلازم مكانها دائما ً .. ان لهذا الإنسان عالمه الخاص الذي اختاره بنفسه: الكتاب والموسيقى والدواء (ربما!) وفسحة من الوقت للتمشي أو استقبال الأصدقاء أو الاعتناء بالحديقة.. عالم يبدو محدودا ً للذين تشغلهم الحياة والوظيفة والمصالح.. إلا ان "عبد الملك نوري" يبدو مكتفيا ً بعالمه مستغنيا ً عما سواه و(عبد الملك نوري) الإنسان الذي تعرفنا عليه وحادثنا وشربنا القهوة معه .. كان شيئا ً مختلفا ً عما توقعناه.. فالصورة التي في أذهاننا ونحن نذهب إليه كانت قديمة ومشوشة مثل صورته الوحيدة الموجودة في أرشيف كل الصحف والمجلات.. أما الصورة التي رأيناها ..فكانت حيوية وشابة ومليئة بالدفء والألفة .. صورة إنسان مرهف لم يسأم الحياة كما قيل لنا بل انه أبدى استغرابه بشدة أثناء الحديث عن الانتحار لأن "ستيفان زفايج" انتحر هو وزوجته بسبب الحرب العالمية الثانية.
وقال:
ـ لماذا ينتحر؟ كان يجب ان يكون أكثر أملا ً بالغد.

صورة فنان عاش حياة زاخرة [ اطلعنا على صوره في أماكن مختلفة من العالم وروى لنا جوانب من الأحداث التي دفعته إلى بعض القصص .. وترددت ضحكاته وضحكاتنا وهو يطلق النكات على ـ اللقطات ـ التي طالبناه بها للكاميرا]
هذا هو (عبد الملك نوري) . متجدد وصميم ينظر إلى الغد بأمل ويؤمن بان الحنين إلى الذكريات هو إفلاس وينتظر انقضاء الشتاء لكي يتخلص من "اللفاف" الذي يدثر بلعومه .. ويخرج إلى الهواء الطلق والى حديقته التي يحب.


****

عبدالملك نوري : لا أحب الوصف ، ولا أحب الزوائد ! -عادل كامل


شارك في الملف :

ـ عادل كامل
ـ ميسلون هادي
ـ فؤاد التكرلي
ـ عبد القادر حسن أمين
ـ د، محسن الموسوي
ـ موسى كريدي
ـ مهدي عيسى الصقر.


****




عبدالملك نوري : لا أحب الوصف ، ولا أحب الزوائد !


عادل كامل



كان لدينا ـ أنا وميسلون هادي ـ حذرنا ونحن نذهب، بلا موعد، إلى عبد الملك نوري! كنا نعتقد ـ كما قيل لنا للأسف ـ ان الرجل لن يستقبلنا ، وإذا استقبلنا فلن يتكلم.. على ان هذه التصورات لم تكن إلا وهما ً مؤلما ً لا نعرف كيف تكون وغدا مثل الحقيقة. لقد استقبلنا بابتسامة مشجعة، مرحبا ً بنا كأنه يعرفنا منذ زمن، وكانت كلمته الرقيقة تفصح عن محبة رفيعة المستوى، ومتحررة من الهواجس، بل وتعرب عن صداقة عميقة..
كان ذلك في اللقاء الأول، وفي اللقاء الثاني، تكلم بحرية وعندما دار الحوار عن لقاء كانت أجرته معه رشيدة التركي، ذلك اللقاء الوجيز الذي لم يتكلم فيه إلا قليلا ً ـ نشر في آفاق عربية نهاية العام الماضي ـ قال انه لا يعرف لماذا يتكلم الآن.. بل حتى ان شقيقته استغربت من الأمر. ولكنها همست لنا " انه أحبكما كثيرا ً.." وعلى كل قال في آخر هذا اللقاء، مبتسما ً " آمنا بالقضاء والقدر " قالها مازحا ً بالتأكيد.. والحال أني لم أفكر بإجراء حوار مطول، على الرغم من استعداده لذلك وقد جاء الحوار عفويا ً، آمل ان نستكمله في حوار آخر، بعد ان وعدنا بذلك:
* قصة "ريح الجنوب" لماذا تترجم دائما ً، دون سواها؟
ـ ربما لأنها تمتلك طابعا ً شرقيا ً، أو محليا ً على وجه الدقة، اعتقد ان قصة "غثيان" أفضل فنيا ً، ان لم اقل أفضل قصصي، لكنهم يصرون على ترجمة :ريح الجنوب" لأن الأجانب يبحثون عن الأشياء المحلية، ولكني أتساءل: ترى لماذا لا يترجمون "الولد الصغير" وهي قصة، في نظري، جيدة؟ الغريب ان الناشرين لا يستشيرون الكاتب عند اختيار نص له، وخاصة على صعيد المختارات، واعتقد من الأفضل استشارته مع مراعاة حقوقه! ثم ان الناشر يستطيع الاتصال بالكاتب، حول اختيار القصة، لأن هذا التقليد نوع من التحضر، وضرب من التقاليد السليمة المعمول بها في العالم.
* كيف، أو ما الذي جعلك تكتب قصة "ذيول الخريف"؟
ـ استوحيت هذه القصة من الخبازات اللائي كنت اذهب إليهن، فانا أحب رائحة الخبز، كم هي طيبة، وهي تخرج من التنور.. لقد كنت أقف عندهن، وكن يقدمن لي رغيفا ً حارا ً وهن يرحبن بي، وان رائحة الخبز الحار مازالت تأتي إلى هنا حتى الآن.. خصوصا ً في الخريف.
* وماذا عن قصة "صديقتان"؟
ـ كتبت هذه القصة بفعل فيضان بغداد في الخمسينات.. كان ثمة فضاء.. ومياه.. وفقراء.. وكانت هناك بقرة وحيدة.. تخيلت أنهم ابعدوا عنها صديقتها.. باعوها.. وكان موضوع العزلة هو الذي دفعني إلى كتابتها.
* من قصصك الأخيرة "معاناة" ماذا عنها؟
ـ لم أضع اسما ً لهذه القصة.. وقد كانت عند فؤاد التكرلي.. وعندما سألني عن اسمها.. قلت له: "معاناة" وهي في الواقع محاولة جديدة لدي ّ.. حيث كنت اصف حياتي أثناء الكتابة.
ثم تحدث عن حياته:
ـ ساعتان تكفي من النوم.
فعبد الملك نوري يستيقظ في الفجر، يعمل في الحديقة بمعدل ست ساعات، ويستمع إلى الموسيقى..
بعدها راح يحدثني عن القصة، عنده:
ـ لا تعجبني التفاصيل، على الفنان ان يأخذ اللب، إلا الذي يفكر بكاتبة كتب كبيرة، وأنا أفضل ذلك: ثم أنني لم اكتب رواية. القصة القصيرة أصعب من الرواية ومن الأعمال الطويلة، لأن القصة بحاجة إلى حبكة فنية دقيقة جدا ً، فانا اكتب القصة خلال ثلاثة أشهر، أو أكثر، أغيرها وأنقح، واختزل، حتى أرضى عنها.
* كيف تصف لنا رحلتك مع القصة، هل كانت سعيدة ..؟
ـ كانت سعيدة، لكن صاحبتها معناه، لأنني لا أرضى بسهولة عن الأشياء التي اكتبها.. فانا أول من ينتقد نفسي.. والكاتب لا يتطور إلا اذا كان ناقدا ً لنفسه.. فانا اذا لم اقتنع بقصتي ترى كيف اقنع القراء.. فالقصة تعني ـ لدي ّـ إيهام القراء بأنها واقعية ـ أي ممكنة ان تحدث ـ ولابد من إقناع القاريء بهذا.
* ترى لماذا اخترت هذا الفن؟
ـ انه محض ميل لهذا النوع من الكتابة.. فانا كتبت القصة في كلية الحقوق (الأربعينات) .. قصص تعتمد السرد.. بعد ذلك كتبت أشياء فنية.. ولم أكن، على أية حال، راضيا ً عنها.. واعتقد أني نشرت قصة منها تحمل عنوان "الديك الملحد" نشرت في مجلة المجلة.
* أول من أعجبك من الأدباء؟
ـ دستويفسكي، بلزاك، همنغواي، جيمس جويس..
وتحدثنا عن أضرار التدخين، فقد كان مصابا ً بالتهاب اللوزتين، ومع ذلك كان يدخن.. لماذا ؟
أجاب بمرح:
ـ لا ادع الدخان يمر على الأجزاء المريضة!
* حسنا ً، كيف تبدأ فكرة القصة لديك؟
ـ تأتي مثل البرق.. ربما تأتي من العقل الباطن.. من الماضي.. أو بفعل التراكمات والخبرة.. أو بسبب الانطباع الحاد، الخاطف، مثلا ً ذات مرة شاهدت "وشما ً" في وجه امرأة.. فكتبت "ريح الجنوب" أحيانا ً الشخصية توحي بهيكل القصة وليس على الكاتب إلا ان يكسوها باللحم.. كتابة القصة متعبة، وأنا بحاجة إلى صحة جيدة من اجل كتابة قصة قصيرة.
* ولم تجرب كتابة الرواية؟
ـ لا.. على الرغم من انها أسهل من القصة.
ثم قال بدقة تخص رؤيته لفن القصة:
ـ لكني أحب ان اكتب حدث القصة على مدى صفحات القصة.. أي ان يكون زمن القصة متطابقا ً مع زمن القراءة، لا أحب ان يمتد الزمن.
* لهذا تبتعد عن التفاصيل؟
ـ لا أحب الوصف، ولا أحب الزوائد.
* اعتقد انك لا تحب قراءة أميل زولا.
ـ يقال انه "علمي" ترى هل أميل زولا عالم أم فنان؟
* هل تحب ان تظهر في شاشة التلفزيون؟
ـ دعني أكون طبيعيا ً.. لا أريد ان اطلع في التلفزيون.. أريد، في الكلام، ان اخذ حريتي، ففي التلفزيون لا بد ان تحسب حساب كل كلمة.
* ثم سألته ميسلون هادي: هل كنت مغامرا ً..؟
ـ كنت أحب الخيول.. واركبها.. وكان ذلك بسبب والدي.. ولكن دون علمه طبعا ً.. أي انه وفر لي الخيول.. ثم بعدها تعلمت سياقة السيارة.. ودون علم والدي أيضا ً .. وللحق كنت مغامرا ً.. فقد كنت ارمي نفسي من العربية وهي تجري.. ثم اصعد إليها.. وهكذا .. بلا خوف .. انها مغامرة لذيذة وممتعة جدا ً.
* ما أحلى فترات حياتك ؟
ـ هناك فترات حلوة وأخرى مرة.
* وفترة الخمسينيات؟
ـ فترة جيدة، فيها شعور حماسي للابتكار، وفي الخمسينيات ظهر عدد من المبدعين في الرواية والرسم والنحت.. كانت مرحلة نهضة في العراق قبل باقي الأقطار العربية، وكنا متحمسين، وكنا نأخذ الأمور بجدية، ونعمل على انجاز أشياء جيدة، ولم نكن نقتنع بما ننجز لأننا كنا نقارن أنفسنا بالكتاب العالميين. كانت بدايتنا من لاشيء.. إلا انها كانت مثل نبتة عنيدة.
* ترى هل اخترت عزلتك بنفسك؟
ـ أنا الذي اخترت هذه العزلة.


****

ملف القصة العراقية : عبد الملك نوري- اعداد عادل كامل

ملف القصة العراقية : عبد الملك نوري






اعداد عادل كامل

هذا الملف …

عندما نشرت كتابي الخاص برواد التشكيل الحديث في العراق، عام 1980، وأنا غارق ـ حد الشرود ـ بحقبة لم يعد للعصر (الذهبي) ـ أربعينات القرن الماضي وخمسينياته ـ إلا ان يُدفن، كي تجري سلسلة من (الصدمات)، كل منها اشد أثرا ًمن الأخرى، لا في التأسيس، بل في المحو. كانت ستينيات القرن الماضي فترة تمرد، وعصيان، وتحرر، وإضرابات، وانشطارات، ونزعات تدميرية لم تستقر عند خاتمة حتى يومنا هذا.
فهل كان جيل عبد الملك نوري، ذهبيا ً، مع انه مازال يحمل آثار قرون تركت أثرها عميقا ً في الإنسان، وفي حضارته، وفي مقدمتها: هويته.
وليس لأن الصحافة سمحت لي بالتعرف المباشر على عدد غير قليل من هؤلاء الرواد، أو لانشغالاتي بالمعرفة الموضوعية، ودراسة الظواهر بأسبابها فحسب، بل لأن العدالة ـ ذاتها ـ لا يمكن عزلها عن المجال الجمالي، وبأي كمفهوم من مفاهيمه.
وأنا استعيد الزمن الذي تكوّم لدي ّ، أكاد أدرك لماذا ليس لدينا إلا هذا الولاء للموتى! لدى الشعب، ولدى نخبه أيضا ً. وقد لا تكفي تأملات نصف قرن تجريبية للحديث عن قوانين، أو عن ثوابتها، لكن الآثار التي تراكمت في وادي الرافدين ـ كباقي الحضارات ـ كانت غير غافلة عن: ان مهمات (النخب) السياسية، لابد ان تحافظ على حدودها، مع (الحرية)، كي تأتي النتائج متوازنة في إنتاج الأثر.
الدولة والحرية، وبمعنى آخر: المركز ـ المحيط، وهو الذي لم يسمح لفئة ما ان تعيد تقسيم المجتمع إلى: عبيد وسادة، ضحايا وطغاة.
فهل كان العصر (الذهبي) الذي شهد تكون أساتذة كبار ـ مقارنة بألف عام كاد العراق فيها ان يكون مجهولا ً، وغائبا ً، ولا تاريخيا ً ـ ذهبيا ً حقا ً، كي ينتج ـ في الحقول كافة ـ: من الطب إلى المعمار، ومن التاريخ إلى الآداب، ومن الفكر إلى الفن، ومن اللغة إلى النزعات التقدمية، ومن الصناعات الوطنية إلى النزعة العلمية التجريبية ..الخ، وكأن الدولة (الملكية) قبل ان (تتبخر/ وتسحق) كانت قد أقامت دولة (العدل)..؟!
عبد الملك نوري ـ إلى جانب ريادات في مختلف الحقول ـ كان مراقبا ً أمينا ً للحريات الغائبة، وللفقر، والاستبداد، وللرداءة ..الخ، مما سمح له ان يعتني بالفن، بالتقنيات، كمعادل للرؤى، والبناء كأساس للهدم. فكانت مهمة الرواد، بالدرجة الأولى، الانتقال من زمن (الريادة) ـ كتاريخ ـ إلى زمن: الفن.
والفنان الحديث، عن لم يكن مقيدا ً بحريته، فان (حريته) لن تصبح إلا إرهابا ً!، ليس لأن المباديء العظيمة عليها ان تستبعد مقولة مايكفلي: الغاية تبرر الوسيلة، بل لأن الفنان ـ إن كان حقوقيا ً أو فيزيائيا ً أو مؤرخا ً أو اثاريا ً أو لغويا ً أو تشكيليا ً ..الخ ـ ليس لديه إلا ان يصنع خطابا ً تتوازن فيه الأسئلة بما لا يغلق الدرب، أو ان يصنع أوثانا ً للعبادة، بل حريات تأتي بما لم يدشن بعد، وبما كان مجهولا ً.
وقد يكون مفهوم (التمرد) ـ في يومنا ـ من الماضي، إزاء دماء لطّخت السماء والضمائر، إنما كان عبد الملك نوري، مثل الجيل الذي حمل معّول البناء، لإقامة مبدأ الديمومة، والتواصل، وليس العكس، غذى رهافته بالمعرفة، وغذى ثقافته بالحفر في ايكولوجية الواقع. فالمهمة لم تتوقف عن كتابة (نص)، أو صناعة شهرة، أو الحصول على كل ما هو قيد الغياب، بل مواجهة القدر ـ برمته ـ بالأسئلة ذاتها التي دوّنها كاتب ملحمة (جلجامش): كيف يكون العمل بديلا ً عن الفراغ، ويكون العشق نسقا ً معرفيا ً، ويكون الجمال ضربا ً من التهذيب الذي تعمل به الوراثة كشرط للعبور من الظلمات نحو الانعتاق، ويكون اليقين معادلا ً للوهم، آنذاك يكون الإبداع قد لامس ـ أو اقترب ـ أو غادر قيود اللغة ـ ولكن ليس إلا بها ـ نحو ما يستحق ان يدوّن.
وللمناسبة، لم أجد، لا عند عبد الملك نوري، ولا عند الرواد بصورة عامة، إلا ما يكاد ـ اليوم ـ يشكل نظاما ً للمحو، فقد كان عبد الملك، كفائق حسن، أو طه باقر، أو علي الوردي، أو حقي ألشبلي، أو مدني صالح، أو جواد علي ..الخ، يتمتع بطفولة كافح ان لا يفقدها: براءة حولت (الخامات) إلى قلائد، والغياب إلى حضور.
وهذا الملف ـ هنا ـ إشارة سمح لي موقع (القصة العراقية) بنشرها، ضد تيار يعمل على دفن تقاليدنا، وأعرافنا، وعلاماتنا الإبداعية، كي يأخذ الرائد موقعه في الريادة، والإبداع القصصي العربي الحديث. وكان حواري، وإشارة القاصة ميسلون هادي، وكلمة فؤاد التكرلي، قد نشرت، في ملف خاص، في الصفحات الثقافية لمجلة (ألف باء) البغدادية، عام 1979.

عادل كامل

23/10/2013

****


عبدالملك نوري في سطور :


ـ الولادة: في عام 1921، في مصر وعلى شاطىء قناة السويس.
ـ أكمل دراسته الابتدائية في المأمونية، والمتوسطة في الغربية. وأكمل الدراسة الإعدادية بين بغداد وبيروت.
ـ لم يقبل في الكلية الطبية لهذا درس الحقوق، وتخرج عام 1944 واشتغل مدة 8 سنوات في المحاماة.
ـ سافر إلى باريس، لبنان، تركيا، اليابان، اندنوسيا، براغ، ومدن أخرى ضمن عمله الوظيفي في الدولة.
ـ صدرت له "رسل الإنسانية" عام 1946 و :نشيد الأرض" عام1954 ، الطبعة الثانية عام 1980 . مسرحية " خشب ومخمل" من ثلاثة فصول عام 1972، و"ذيول الخريف" عام 1978 عن دار الشؤون الثقافية العامة. ونشرت اعماله الكاملة، عام 2001ـ بغداد.



غالب المسعودي - مو حزن لكن حزين...........