بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 13 فبراير، 2016

مكابدات عزيز بن عذاب-مؤيد داود البصام

مكابدات عزيز بن عذاب


القادم من سومر..
مكابدات عزيز بن عذاب


محفوظ داود سلمان



1
… ويقال أنكَ قادمٌ من سومر ..
لكن سومرَ غادرت في الريح ، أو دلمون
قد رحلت بعيداً في بحار …
2
ويقال أنكَ سومريٌ حالمٌ …
لكنما أنكيد قد سُكب المساء كخمرة في
حانة منسيةٍ وتحطمت فيها الجرار ..
3
ويقال أنكَ قادمٌ من بابلٍ…
مازلت تبحث عن إله الشمس ، والكلمات
لم تكتبْ على كسرٍ من الفخّار او
مزق الحجار…
4
كانت عذارى النهر تأتي
حاملات جرارهنّ
وكان يقطر من جدائلهنّ نزفٌ من ندى
وتجيء أسراب من الورشان تقفو
خطوهنّ من القفار…
5
ويقال من آشور كنتَ تجيء ، والثور
المجنحّ كان يحمل في جناحيه النجوم ، ويحرس
الاسوار فجراً ، في جبينكَ لم يزل وسمٌ
من الصحراء تعبرها ومن أرض البوار…
6
ويقال أنكَ طالع من ألف ليلة ، إن ليلتكَ
الأخيرة ما آبتدت ، مازال يفتضّ الزنابق
وهي تقطر في البكارة شهريار …
7
والسندباد يغادر المدن الجميلة فوق ظهر الحوت
منتظراً يجيء النجم ، او يأتي المجوس وليس
ثمَّ نبوءةٌ تأتي ولا ومض آنتظار …
8
هل كنت تحمل نخلكَ الدامي صليباً فوق ظهركَ
كنت مشروعاً لتقتل كل يومٍ في الفيافي والوهاد …
9
ما كان غير الله في جنبيكَ ، هذا الفيض
يأتي من دمائكَ ، أو يفيض بدجلةٍ
هذا الرماد …
10
ام كنت قد ضاقت بكَ الكلمات ، لا تكفي العبارة
أو تعبّر عن رؤى ، هل كنت تجمع في المحارق
ماتبقّى من سهاد…
11
هل كنت رباً قد أكلنا تمره جوعاً ، وليس هناكَ
في أجراننا حشف يذوق النمل منه والجراد …
12
ويقال أنكَ قادمٌ من سومرٍ …
تنأى بعيداً ليس من جلجامشٍ يأتي ولا عشب الخلود
13
هل كنتَ ترحل في 
غيوم الأفق ، ام تأتي مع
الامطار ، تهبط ذات يومٍ أنتِ مشتملٌ
وليس هناكَ أبعاد تخبرّ عن مدى أو عن حدود .



مكابدات عزيز بن عذاب وحلم السومري...

     - مؤيد داود البصام

ما بين العنوان وثيمة النص، يضعنا الشاعر محفوظ داود سلمان، في عمق القضية التي دعته لاختيار نصه المشتبك والمختلف وحواره المنبجس من عمق الرؤية والرؤيا التي خزنها عن بطل قصيدته(عزيز بن عذاب )، المنشورة في جريدة الزمان العدد 4766، يقدم القصيدة في البداية عبر عنوانها الباذخ والمجهول، حينما يتقدم اسم الفاعل،(القادم من سومر ) في الافتتاح على الرغم من إل التعريف، إلا انه يبقيه مجهولا، ليظهر لنا الحركة الدرامية التي يخلقها الفعل، وتجعلنا ندير الرؤوس ونتساءل، من القادم من الزمن الغابر ؟،هكذا تنمو مقاطع القصيدة، في ظل الفعل الذي يتسيد مجمل المقاطع ليثبت حركية الانفعال وديمومته، بتشويق متلاحق بين السؤال والجواب والاستفسار، ما يعني أدراك الشاعر أنه يتعامل مع زمنين في آن معا ً، الماضي والحاضر اللذين يتجسدان في استحضار الزمن الماضي إلى الحاضر بشخص (عزيز بن عذاب)، ليجعلنا في لحظة ترقب وتساءل عن القادم المجهول من أعماق التاريخ، من بلاد سومر وأكد وبابل، على وقع أصوات سنابك خيل الغزاة، وصهيل الخيول المندفعة المدافعة بالمقابل عن أرض الإسلاف، منذ بداية التاريخ والحضارة والصراع مشتبك على أرض لم تتوقف الأحداث الجسام على أديمها، قبل أن يدخل في صلب القصيدة، ليبدأ صيغة السرد قبل الشعر، ويعلنها في عنوانه الفرعي ويكشف عن مجهوله القادم، أنها (مكابدات عزيز بن عذاب ). أذن القادم كشف عنه ولكنه حدد لهو صفة، أنه يحمل مكابدات وآلاماً يخزنها في أعماقه، منذ فجر الحضارة وليومنا هذا.
من هو عزيز بن عذاب وما هي قصته ومكابداته؟
         عزيز بن عذاب بن حسون، خزين الشرود الفلسفي في البحث عن المجهول والحقيقة، وصرخة فيثاغورس (وجدتها)، في عالم أضاع توازنه وراح يبحث عن المخلص، واحد ممن يتبعون عقلهم وقلبهم بآن واحد، ولا يسكتون على ضيم مهما تعاظم شان القائمين على ظلم العباد، من بين هذه الزحمة وتراكم الأفكار وتلاطمها، ظهر وألقت به الرواسي من رحلة آجتاز بها التاريخ والسهول والجبال والوديان ليحط ركابه في بلد الرشيد وحسين مردان وعشرات من الطائعين والمتمردين على أرادة السلطان في مختلف وجوهه وأشكال حكمه، طولها الزمني بمدى تاريخ ارض سومر وأكد وبابل التي تجاور مسقط رأسه (مدينة كربلاء)، فهو أبو بابل وسومر وعشتار، سليل الحكاية التي لم ترو كاملة، عما حدث على ارض كرٍّ وبلاء إلا على ألسنة الرواة بعد ذلك، ونقلتها الألسن وآمنت بها دون أن تراها، إثناء ترحاله في الفترة الزمنية التي غادر مدينته كربلاء، إلى مدن العالم الأخرى  تخلى عن الحج الذي يحني ظهور الكثير، كطقس دنيوي لتقديم الطاعة للعائلة والعشيرة والمدينة والدين والمذهب والفئة والجماعة والحزب والإيديولوجية، وتمثل بالكون كله، وراح يفكر ويتأمل عالما غير عالمنا الضاج بالسوء والنميمة والدمار والاستغلال والكذب والجشع، يرنو لعالم النقاء والإنسان الجديد، ورود تتفتح على أنغام موسيقى عذبة، وشدوا لبلابل يحركها هواء عليل نقي، فتحولت لديه البقعة التي يحبها وتعيش معه ( أرض كر وبلاء ) العالم باجمعه ، هي ليست في رأيه ارض كر وبلاء، وإنما عالم من الفنتازيات والمخيال الجامح الذي نقله من جزء إلى كل، ليحمل مأساة قرون ترزح تحته آلام وأفكار وآراء المأساة التي تعيش في سرير النوم وبين الجدران وعلى الأسطح وفي الشوارع والطرقات والعقول والقلوب، يغفو ويصحو على أصوات عشرات الرجال والنساء والأطفال مثل يوم الحشر، يصرخون ( ياحسين، ويندهون أبا الفضل العباس للخلاص ).
قرء منذ بواكير حياته سارتر وكامو وكانت وسبينوزا، واستمع لرؤى ماركس وانجلز وعبر المصدات والقواطع والحدود المليئة بالجنود المدججين الذين يبحثون عن ثوار (كومونة باريس ) مع لينين والثوريين في القرن التاسع عشر وبداية العشرين، ليصل إلى مونمارتر ودهاليز الفوضويين والسرياليين والدادائيين، ويجالس أصدقاء تازار وبريتون ولويس أراغون، ويشتبك في النقاش والحوار، منذ عقود في درابين الحيدرخانة وطرقات شارع الرشيد الخلفية، وباب الشرقي وشارع أبي نؤاس، وسار يحف الخطى مع صديقه سلام مسافر للحاق بأمير الصعاليك الشاعر عبد الأمير الحصيري قبل أن تفوتهم حفلة الليل النؤاسي، طارد أحلامه مع جيفارا وهوشي منه وثورات الشباب في كل إنحاء العالم، وكل طرقات حاملي الشعلة التي ما انطفأت إلا على أيديهم قبل أيدي الطغاة، بعد فراق ثلاثة عقود ونيف، يظهر عزيز بن عذاب يجلس على تخت في مقهى حسن عجمي، ويشير صديقي السينارست والفنان طه حسن إلى الجالس أمامه، الذي اكتشفه قبلي حال دخوله المقهى، شاهده جالسا وحده يتأمل قبل إن تطأ قدماي المقهى، وكنت أنا القادم متأخرا في تلك الجمعة، وسألني طه هل تعرفه ؟ عزيز عذاب في تلك اللحظة من الانبهار والدهشة التي قدر لنا إن نعاود اللقاء، بعد سنين من الفراق دام عدة عقود، أجده أمامي واسمع صوته الجهوري، يردد إنا عزيز بن عذاب من عرف كل شئ ورأى كل شئ، ولم يصمت لأني أبن هذه الأرض التي أورقت الحضارة على أديمها وأينعت زهورها، بلدي الذي احتله الأوغاد ودمروا بناءه الحضاري، وشتتوا مثقفيه وعلماءه، والقوا بما تحقق في غياهب المجهول، هو عزيز بن عذاب الجرئ منذ كان في عز الشباب، لم يتوقف عزيز عذاب المتخرج من كلية الصيدلة والذي عاشر مظاهراتها وإضراباتها في السنين الغابرة، عن الدفاع عن عظمة البناء الحضاري الذي تأسس في العراق عبر سبعين عاما ليعيد ألق حضارة وادي الرافدين، ولكنه تهدم برمشة عين، تحت سنابك دبابات المحتلين الذين قالوا إننا محررون، هو من المثقفين الذين أدركوا الكلمة وعاشروها، بكثرة القراءة والاطلاع، فهو قد قرء ما يوزن بالأطنان، وخزنه في كتلة صغيرة، يحملها على كتفيه، أنه حمل مخيف إذا ما انطلق ليتحدث في إي موضوع هو يرغب إن يتحدث عنه، لأنك دائما ما تجده منصتا جيدا يستمع بإذن فار، ولا تفوته شاردة ولا واردة، حتى إني اندهش بعض الأحيان كيف لم ألاحظ قول المتحدث، لأنه يعيد كلامه نصا، ولهذا فهو ودود ومخيف ومرعب في آن معاً، لا يستطيع المقابل إن يفلت من نقده إذا أخطأ، فهو يواجهه بما تحدث فيه بالنص، وكأنه آلة تسجيل، عزيز بن عذاب روح هائمة في حب الثقافة، والثقافة مزروعة في داخله، شخصية مختلف حولها، وينظر له الوسط الثقافي قبل عامة الناس بشئ من الغرابة، لأنه شخصية تحمل ندرتها وفرادتها وقلقها، يحمل هم الإنسان العراقي والإنسان عامة، لم يتخلّ عن الدفاع عن الحق، أينما حل وفي أي موقف كان، من هنا تأتي مكابدات عزيز بن عذاب مع عالم من الكذب والزيف، أنه يتعايش كل لحظة مع آلام شعبه وأمته، يعيش مأساة تدمير بلده أمام عينيه، والحلم الأزلي الذي راوده منذ مطلع الشباب مع كل الوطنيين والثوريين، أن يتشكل عالم أسمه العراق، فكيف تناول الشاعر محفوظ داود سلمان هذه الشخصية الفريدة والقلقة في قصيدته (القادم من سومر ).
(1)
ويقال أنك قادم من سومر
لكن سومر غادرت في الريح، أو  دلمون
قد رحلت بعيدا في بحار
*******
هذا هو المقطع الأول الذي يبتدئ فيه القصيدة، بالتساؤل ويوجه سؤاله إلى القادم حسب رواية الآخرين، وقبل أن يتلقى الجواب، يجيب هو نفسه عن تساؤله، ويشرح المفارقة. لقد استطاع محفوظ داود بشاعريته وقوة إدراكه وتفحصه للشخصية، من التقاط مجسات الموضوع الذي كتب فيه، فهو يحاور شخصية غير اعتيادية، لهذا لا يترك لها المجال للتحدث، إنما ينقل لها هواجسه واستفساراته، وما يقوله الآخرون، فهو ليس الوحيد الذي أكتشف المجهول، وأن كان لا يعرف عنه شيئا، ولكنه يدركه ويعرفه، وهذا هو سر قوة القصيدة، تتحدث بالمجهول وتروي عن المجهول وتجيب عن المجهول. روعة القصيدة أنها تختلف عن كل ما كتبه الشاعر محفوظ داود من شعر سابقا، ففيها ما يمتلكه من قوة اللغة والتلاعب في الألفاظ، وهذه المتعارضات بين السؤال والجواب، وبيان نابع من قوة إدراك وعين ثاقبة، لا تصور الشخصية وتكتب عنها انطباعاً خارجياً من السطح، وإنما ترسم الشخصية، فكريا واجتماعيا ونفسيا من الداخل، وتضعها في إطارها الحقيقي، عبر منظور يسحب التاريخ ويعيد تركيب سرده بما يتناسب وروح الشخصية التي يكتب عنها، ويغوص في أعماقها، ليستخرج كنهها، وتموضعها في الماضي والحاضر.
" ويقال أنك سومري حالمُ...... ويقال أنك قادم من بابل......ويقال من آشور كنت تجئ...... ويقال أنك طالع من الف ليلة، إن ليلتك الأخيرة ما آبتدت.. " .أنظر إلى التحولات في بدايات المقاطع، في اختصار تاريخ العراق، بكل حضاراته التي ظهرت على أرضه، مختصرا إياها في هذه الشخصية، وعبر ضربات تكرر السؤال الذي ينبش في التاريخ ويعيد تركيبه على ضوء ما يراه في عمق هذه الشخصية، ثلاثة عشر مقطعا، ست مقاطع منها ترديد لأقوال الآخرين، وباقي المقاطع، تساؤل الشاعر للشخصية، في هذا النص يتحرك محفوظ عبر التاريخ، ليكشف لنا أن الشخصية التي يروي عنها، تحمل كل هذا الإرث الحضاري ومفاهيمه، وتضع وجود العالم ووجود تاريخها كفة بكفه، وهنا تأتي مناجاة الشاعر لبطل القصيدة ليذكره في نهاية القصيدة، ليقول له انك تحلم، لان كل الأشياء تغيرت وأنت ما زلت تحارب، وان حربك هي مكمن معاناتك ومكابداتك وهذا هو ما وراء النص الذي أراد الشاعر أن يوصله لنا في المقطع السابع عما جاء في كلمة ( مكابدات )، " والسندباد يغادر المدن الجميلة فوق ظهر الحوت منتظرا ً يجيء النجم، أو يأتي المجوس وليس ثم نبوءة ٌ تأتي ولا ومض انتظار "، هنا يكشف الشاعر محفوظ عن السر الذي احتفظ به عبر المقاطع السابقة ليوصلنا إلى حقيقة معرفته بما يحدث. " في المقطع الثامن بعد إن يستنفد الشاعر مقاصده في التعريف ببطله يبدأ الحوار مع الشخصية بالمواجهة عن حاضرها، يذكر لبطله كل ما قيل ويقال، يحاوره مباشرة عن مكابداته وآلامه، ليعرف حقيقة ما جاء عنه الخبر. " هل كنت تحمل نخلك الدامي صليبا ًفوق ظهرك .. كنت مشروعا ً  لتقتل كل يوم في الفيافي والوهاد.." ، يقوم الشاعر باستشعار الأشياء والحوادث، ويضع في داخل كل سؤال قضية ما حدث وما يحدث في العراق، في وطن السومري الذي أجتاحه الجراد، وعاث فيه الفساد، " أم كنت قد ضاقت بك الكلمات، لا تكفي العبارة أو تعبّر عن رؤى، هل كنت تجمع في المحارق ما تبقى من سهاد.." ، أن الشاعر محفوظ في ملاحقته لبطله من أجل أن يصل إلى الحقيقة المخزونة في داخله والتي يحملها كمكابدات تعيش معه، يحاول أن يجيب عن التساؤلات التي سبقت قراءة القصيدة، من بداية الافتتاح بالعنوان، ( القادم من سومر .... مكابدات عزيز عذاب ) ليربط بين هذا القدوم المفاجئ والعجيب، وبين ما يحمله هذا القادم من ارض سومر التي توالت عليها المآسي في كل الحقب، وكل واحدة من هذه الحقب تحمل آلاما ً  ومآسي ما حدث لهذه الأرض، وكأنما يتحدث بلسان عزيز عن الصورة المعاكسة التي يجب إن يكونها وتكونها ارض سومر،  " هل كنت رباً قد أكلنا  تمره   جوعا ً، وليس هناك في أجوائنا حشف يذوق النمل منه والجراد..." ، وهو لا ينسى أن يذكره بالحلم الذي جاء معه من تلك الحقبة الزمنية  وليومنا الحاضر، ولم يتحقق منه شيئ سوى الدمار والخراب، وهذا هو الذي يجعله يكابد، " ويقال أنك قادم من سومر ...  تنأى بعيدا ً ليس من جلجامش يأتي ولا عشب الخلود. " ، وإذ ينهي الشاعر محفوظ قصيدته يكون قد حدد الغاية من كل كتابتها، ويتوجه لسؤال عزيز بن عذاب، وهو يقول له لو لم يكن في هذه الأرض وكنت في أرض أخرى، " هل كنت ترحل في غيوم الأفق، أم تأتي مع الإمطار، تهبط ذات يوم ٍ أنت ِ مشتملٌ .... وليس هناك أبعاد تخبرُ عن مدى أو عن حدود ."



ليست هناك تعليقات: