بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 28 فبراير 2016

22 قصة قصيرة جدا ً -عادل كامل


 
 تخطيط للفنانة سيمون فتال

22 قصة قصيرة جدا ً


[ لتكن ملعونة تلك المدينة التي تضطرنا إلى قتل الناس في سبيل المحافظة عليها...]
دستويفسكي

عادل كامل


[1] الفيل والضفدعة
     عند بركة الماء، ذات صباح، التقت الضفدعة ملك الغابة ـ ولم يكن سبعا ً أو تمساحا ً، بل كان فيلا ً ـ ، ولكنها رأته على هيأة خروف جرد من الصوف، فظهر هيكله شبيها ً بهيكل كلب أجرب، فأبدت تعجبها ودهشتها:
ـ ما هذا...، ما الذي حل بك...، حتى أني بصعوبة بالغة عرفتك..؟
   لم يجد الفيل رغبة لديه بالرد، إلا انه ود أن لا يترك لها مجالا ً للنقنقة، بوصفها وكالة أنباء متنقلة، فقال لها بمرح وجدته كان بلا لياقة:
ـ أنت ِ تعرفين مصير زعيمنا الديناصور الأعظم...، لم يترك، بعد خلعه، وطرده، إلا هذه المخلوقات المتسترة وراء الدغل، وفي الأنقاض، وداخل شقوق الجدران المتهالكة....
ـ آ ....، أتذكر ....، سيدي، ولكن هل حقا ً هكذا الحياة، لا عمل لها، إلا أن تعاقب سادتها ..؟
   ارتج جسده، بعنف، فرد عليها، بعد أن هز خرطومه بلا مبالاة:
ـ بالعكس...، فانا عدت إلى الأصل...، أما أنت ِ، فقد ازداد وزنك حتى إنني لم اعد أميزك عن الأبقار السمان، ولا عن الجاموس، ولا عن الخنازير...، في حديقتنا، فهل الحياة عمياء حقا ً...؟
    لم يترك لها إلا أن تعالج كلماته اللاذعة، وهي تهم بالغطس في ماء البركة:
ـ  لم تكن الأولى هي القوانين الصائبة، التي صنعت منك زعيما ً وقدوة...، ولا هذه هي القوانين التي صنعت مني بقرة أو جاموسة أو خنزيرا ً، كما قلت؟
    ذعر من جوابها، فقرب رأسه منها، متمتما ً بسخرية:
ـ سيدتي، إنها القوانين ذاتها، تارة يصير العصفور صقرا ً، وتارة يجد الفيل نفسه صار يبحث عن حفرة ليموت فيها ولا يجدها!


[2] وصية!
    وهي تلفظ آخر أنفاسها، لم تجد النملة أحدا ً تخبره بأنه لا معنى لكل ما كانت حفظته، عن أسلافها، وأجدادها، وانه لا معنى أبدا ً إنها لو كانت أمضت حياتها تتأسف، ندما ً، أو لا تجد لديها الرغبة بترك اثر دال على إنها كانت شعرت بالحنين إلى أمر تأسف عليه!


[3] اثر

    وهي تراقب تبخر آخر قطرة ماء في الجدول، خاطبت نفسها:
ـ آ ...، حقا ً...إذا جف ماء الجدول، واختفى...، فهل إن مصيرنا الذي طالما عملنا من اجله، ليس إلا الماضي الذي كنا نخشى عليه من الضياع، والتلاشي...؟
     سمعتها جارتها، فقالت لها من غير أسف:
ـ اجل...، طالما كنا منشغلين بإقامة الجنائز، على موتانا، وعلى إقامة الأنصاب لهم...، أما اليوم فلا احد يكترث لو هلك الجميع،  مادام الجدول هو ذاته لن يترك أثرا ً لوجوده..
قالت لها بتعجب:
ـ الغريب إنني أجد من يهتم  بأمر موتي!
فردت بحزن:
ـ سنزول بعد زوال جدولنا الذي ولدنا فيه، وسيزول الجدول عندما لم يترك أثرا ً له، ولكن هل سيتم القضاء على أرواحنا، وهي تحمل رائحة ما ستبقى ترفرف حتى لو غاب الجدول، وزالت ذكراه عن أعيننا، وأبصارنا؟



[4] انتصار
ـ سيدي، سيدي لقد انتصرنا!
ترك القائد مساعده يتكلم، لأنه كان  على علم  بأن أحدا ً ما من المنتصرين لم يعد من الحرب:
ـ لم نهزم، فلم يرتد احد، ولم يتراجع...، فقد كان شعارنا النصر وليس إلا النصر...!
ابتسم القائد، وسأل مساعده:
ـ  ومن أخبرك إننا انتصرنا...؟
ـ سيدي، لا احد اخبرنا بأننا هزمنا!


[5] وجهان

سأل الحفيد جده:
ـ بعد أن رأيت هذا العدد الكبير من الطغاة، وبعد أن رأيت العدد الأكبر من الضحايا....، فمع من أنت؟
أجاب الجد بصوت هادئ:
ـ لا مع الطغاة ضد الضحايا...، ولا مع الضحايا ضد الطغاة! ليس لأنهما، يا حفيدي، وجهان لعملة واحدة، بل لأنهما  مثل شاهد القبر، لا تعرف من الدال على الآخر، مع إنهما، الميت وعلامته، يصعب تحديد أيهما يعمل على محو الآخر!
ـ يا لها من محنة...؟
ـ أبدا ً...، لا محنة في الأمر...، لأنني لم أقم إلا بحملها، من الميت إلى العلامة، ومن الأخيرة إلى الميت!
ـ ولا تدعوها محنة...؟
ـ يا حفيدي، لو كانت محنة، لهرمت، وزالت، وانتهى أمرها، أما وهي مازالت تعرف كيف تقاوم اندثارها، وغيابها، فلابد إنها مازالت بانتظار المزيد من الضحايا، ولكن، بانتظار المزيد من الطغاة! لأنك، في الأخير، لا تمتلك قدرة أن تعرف من كان الطاغية، ومن كان الضحية؟!




[6] مدنية
ـ هل شاهدت ما حدث....؛ كانوا يمسكون بهم، فيشطرون أجسادهم، يقطعونها، يمزقونها، يثرمونها، ثم ينثروها  في الفضاء...، فتتلقفها أسراب الطيور، بنهم كأنها لم تذق الطعام منذ دهر، ثم يطلقون الرصاص عليها، فتتهاوى أرضا ً، لتنهشها أنياب الضواري، تفترسها، بشراهة، بانتظار أن تلقى مصيرها، هي الأخرى...، حيث كانت اشد المفترسات بانتظار دورها في الهجوم.....؟
ـ نعم...، شاهدت، ورأيت..
ـ وماذا فعلت؟
ـ تذكرت كلمة دستويفسكي : " لتكن ملعونة تلك المدنية التي تضطرنا إلى قتل الناس في سبيل المحافظة عليها..."

[7] معضلة
   صدر الأمر بإطلاق النار، فاستقرت مئات الرصاصات في جسده:
ـ سيدي...، انه لا يموت!
اقترب القائد من الضحية:
ـ تضرع... استنجد.. اطلب الرحمة!
فأجاب بصوت هادئ:
ـ كي تحتفل بنصرك، أم تبتهج بهزيمتي؟
ـ لا الأولى ولا الثانية، وإنما كي لا ادع الضواري تتلهى بجسدك!
ـ المعضلة إنني لم أكن ضدك...، ولا مع نفسي...، المعضلة إنها هي وحدها اختارتك فاخترت أن تكون معها!
صرخ القائد الذي نفد صبره:
ـ  أطلقوا ...
  صوبوا فوهات بنادقهم نحو الجسد المضرج بالدم، مرة أخرى، وأطلقوا النار:
ـ سيدي، سيدي ألا تراه يبتسم!
   ابتعد القائد عنه خطوات، ثم اقترب، وحدق في عينيه:
ـ كأنك تحتفل بهزيمتي؟
ـ أبدا ً...، لكن أحدا ً ما لن يتحدث عن نصرك، لأن المعضلة، أيها القائد، وحدها وجدت لتدوم!

[8] بحث
    حدق في المرآة:
ـ كأنني أشبه نفسي!
   ليشاهد أجزاء محياه تتناثر:
ـ وها أنا أشبه روحي!
   وعندما لم يجد شيئا ً يراه في المرآة، ابتسم:
ـ هذه هي الحقيقة، ما أن تغيب، حتى نستجمع قوانا للبحث عنها!

[9] غواية
  خرج الحمل من وكر الذئب، مهرولا ً باتجاه القطيع، وهو يهتف بأعلى صوته:
ـ عاش الذئب..، عاش الذئب...
فصاح القطيع بصوت واحد:
ـ عاش، عاش، عاش الذئب...
   لكن نعجة هرمة اقتربت منه، وسألته:
ـ لِم َ خنت القطيع، ورحت تهتف بحياة الطاغية؟
حدق في عينيها الشاردتين:
ـ لقد عفا عني، ولم يفترسني، بل وغفر لي ذنوبي أيضا ً!
فقالت بأسى عميق:
ـ لكنه سيفترسك في وقت لاحق...
ضحك الحمل:
ـ لا! لقد همس في أذني: أريدك أن تخبرهم إن رحمتي بلا حدود!
ـ الملعون....، حتى الذئب تعلم فن التمويه، كي يوقعنا في فن الغواية!



[10] ذنب
قبل أن يطبق التمساح فكيه على الغزال، طلب منها أن تغفر له، وتقبل اعتذاره، فسألته:
ـ على ماذا...؟
ـ قد أكون أذنبت بحقك!
فهتفت:
ـ لا ... لا أبدا ً ... بل أنا هي من أذنبت في حقك، واطلب الاعتذار!
فصاح بصوت حاد:
ـ ماذا تقولين أيتها الغزال...؟
   ما أن فتح فمه، حتى وثبت هاربة، بعيدا ً عن فمه، وهي تقول:
ـ أؤكد لك مرة ثانية إنني أنا من أذنبت بحقك، لكن، بعد هذا اليوم، لن أذنب بحق نفسي!

[11] غواية
  سأل العصفور أمه:
ـ لماذا ارتكبت جدتنا الخطيئة الأولى...، هل كي نطرد من  الفردوس؟
ـ اقترب... اقترب... ماذا قلت؟
   فقال ضاحكا ً:
ـ لو لم يقع جدنا بالغواية لما أصابنا هذا الشقاء!
ابتسمت وقالت له:
ـ  بل كانت لا تعرف شيئا ً عن الفردوس أيضا ً!
فقال لنفسه بصمت تام: ما اغرب هذا المنطق...، في هذا العالم، فلو لم يشتركا في ارتكاب الإثم، لكنا لا نعرف شيئا ً عن الخلاص!

[12] طيف
   وهو يحتضر، دار بخلده: لو كانت صانت فرجها واحتمت بالعفة، لما وقعت في الغواية، ولما كنت طلبت الغفران، بعد أن تذوقت كل هذه الآثام، والخطايا!
    فشاهد طيف جدته الأولى يحوّم أمامه:
ـ ما كان جدك شريرا ً وما كانت جدتك لعوبا ً....، أيها الابن الذي لم يترك شرا ً إلا وارتكبه، ولم يترك دناءة إلا وفعلها!
ـ وها أنا أتضرع بالتطهر، وطلب الغفران...، والرحمة!
ـ  وما فائدة ذلك...، بعد أن زرعت بذرتك وتركتها تترعرع يانعة في القطيع...؟
ـ الم أخبرك يا جدتي إنني لم اطرق أبواب جهنم بإرادتي أبدا ً!
ـ ولكنك صرت تطرق أبواب الفردوس؟
ـ  أما تشاهديني وقد وهن جسدي، وأصاب الشرود عقلي، وكل عضو من أعضائي ذبل، واشتعل البياض في رأسي، فماذا تفعل جهنم بحفنة عظام وبجلد سد على ّ منافذ الهواء؟


[13] هزيمة
ـ هل حصلت على ما تريد...؟
رد ابن أوى يخاطب الكلب الذي امسك به:
ـ نعم، سيدي، فانا لم اترك للهزيمة مكانا ً في ّ لم أجربه، واستثمره، واستهلكه...، ثم أعيده إلى الأصل!
ـ تقصد انك لم تترك نصرا ً لم تحرزه؟!
ـ لا ... سيدي، فلو لم أدرك أن الهزيمة هي قدري، لكنت شعرت بالأسف، وتضرعت أن تطلق سراحي! أما الآن، فما عليك إلا أن تفترسني، فقد لا تجد حتى هزيمة تختتم بها حياتك!

[14] كابوس
    عندما أدرك انه أصبح داخل جوف الأفعى، ولا مجال للهرب، ترك جسده يتراخى، مستسلما ً، بدل بذل جهد لا فائدة منه. لكنه سرعان ما وجد نفسه يقف أمام فم الأفعى، وهي توشك أن تبتلعه، فصاح:
ـ ألا يكفي انك لم تتركي لي حتى أمل الهرب...، والفرار...، كي تعيدين الكرة، مرة أخرى، وتضعي خاتمة لحياتي!
ـ أيها الفأر الوديع...، مادمت فكرت...، فاهرب...، فانا لا اعتدي على من لم يتخل عني ويمجدني في أحلامه!
   عندما نجا واختفى ترك صدى كلماته ترن داخل رأس الأفعى:
ـ لم يكن تمجيداً ، بل كان كابوسا ً لا اعتقد أن الخلاص منه يمكن أن يدوم طويلا ً، أو يمكن أن  يصبح حقيقة!


[15] ورطة
  راح يردد، مع نفسه، وهو يتخبط في الجري:
ـ أينما أولي، فلا أرى إلا وجه الجلاد أمامي...
قالت حبيبته التي كانت تجري خلفه:
ـ هذه أنا...، هذه هي من عشقتك، أيها الحبيب!
ـ وهل اقدر حقا ً أن أميز بين وجه من لم يتركني أعيش لنفسي، إن كانت حبيبة، أو كان جلادا ً؟!
ـ لا تهرب مني...،  فأينما تواريت، فانا لن ادعك تغيب عني!
ـ آ ...، هذا ما كان جلادي يقوله لي: أينما ذهبت فانا لن ادعك تذهب ابعد مني!

[16] وصية
   نادت الجدة حفيدها، لتوصيه، وهي توشك على الرحيل:
ـ في هذه الحديقة، حذار أن تعمل إلا بحدود أن لا تدع أحدا ً يراك فيها تعمل!
صمتت برهة، ثم قالت:
ـ وحذار أن تراقب من يعمل، فانه سيظن انك تفكر بسرقة عمله، فيؤذيك!
ثم أضافت:
ـ  وحذار أن تفكر ...، وحذار أن تحلم...، وعش كأنك بلا وجود..، ومت كأنك لم تولد...، فسكان هذه الحديقة إن شاهدوك تعمل سخروا منك، وإن لم يسخروا منك، بتروا أصابعك، وإن لم يفعلوا ذلك، قطعوا يديك! وإن عرفوا انك تفكر...، فأنهم سيرسلونك إلى المشنقة، أو يقطعون رأسك ويرمونه إلى الضواري!
قهقه الحفيد حد انه راح يبكي، وقال لها:
ـ كأنني أنا هو الذي يودع هذه الحديقة، وليس أنت ِ يا جدتي الغالية؟
ـ ما الفارق؟ فانا سمعت وصية جدي، عن جده، الذي بدوره حفظها عن أجداده، وأجداده حفظوها عن أسلافهم، وها أنا أكملت وصيتي إليك، أيها الحفيد الغالي!
هز رأسه متمتما ً:
ـ  علي ّ ـ إذا ً ـ أن أجد عملا ً يبعد عني شبح الموت، وأفكر بوسيلة تمنعني من التفكير، واحلم كأنني لم أولد أبدا ً!

[17] نهاية
ـ انظر...، الذئاب ترقص مع الغزلان، السباع تلهو مرحة مع الثيران، انظر: الصقور تحّوم مع العصافير ، وبنات أوى يستمعن إلى تغريد البلابل....
متابعا ً، أضاف الغراب لغراب عجوز كل ّ بصره، وصار لا يرى:
ـ لقد هدموا الأسوار، وكسروا أقفال الأقفاص، وحرروا الجميع من عبوديتهم...، وها أنت تراهم يحتفلون، يلعبون، يرقصون، من غير ذعر أو حذر أو خوف!
   رد العجوز الأعمى:
ـ أتعرف لماذا فقدت بصري...؟
ـ لا.
ـ لأنني ـ بعد أن فقدته ـ عرفت إن هؤلاء يؤدون الأدوار التي لا مناص من أداءها!
ـ وأنت؟
ـ  بعد أن فقدت بصري...، صرت أرى!
ـ وماذا رأيت؟
ـ إنها لعبة شبيهة ببركان ما أن يقذف حممه حتى يهدأ...، وما أن يهدأ حتى يعمل على تجميع قواه كي يزمجر!
ـ  لم افهم قصدك؟
ـ لأن الذين يفكرون، أيها الفتى، لا يمتلكون إلا أن يفكروا! فانا ـ بعد أن أصابني العمى ـ ساترك لك فرصة انتظار نهايتك المقررة!


[18] ديمومة
   عبر شاشة الحديقة العملاقة، المطلة على جناح القرود، واصلت الطائرات تدك أهدافها، فترتفع أعمدة النار والدخان عاليا ً، حتى تحولت الشاشة إلى مساحة بيضاء!
قال قرد لزميله:
ـ من... في تصورك...، سينتصر؟
هز الآخر رأسه ولم يجب. فقال الأول:
ـ كنت تريد أن تقول: لا احد! فكما قال حكماء الصين: على المنتصر أن يمشي في جنازته، وكما قال قدماء قومنا قبلهم بألفي عام: على المنتصر أن يحفر قبره بيديه!
ارتبك، فأجاب بصوت مشوش يسأله:
ـ لماذا كنت تتجسس علي ّ؟
ـ سألتك.. ولم تجب، فكان على أن اعرف ماذا كان يدور في راسك!
    لكمه بضربة قوية أوقعته أرضا ً، فتمتم بصوت حزين:
ـ  أنا لم أخسر...، وأنت لم تنتصر....، لأنني لن اغفر لك هذا الاعتداء!
ـ أصغ إلي ّ...، الآن تبلور لدي ّ الجواب..
ـ ....
ـ مادامت المعركة بلا نهاية... فان شبح الهزيمة يدعوا الجميع إلى النصر! وتستطيع أن تقول: مادام النصر مستحيلا ً في معركة لا خاتمة لها، فلا احد سيستسلم للهزيمة!
ـ كأنك بدأت تفكر؟
ـ  تقصد... بدأت استعد لاسترداد حقوقي المغتصبة؟


[19] دورة
   في أعلى الشجرة، راقبت الحمامة المجزرة، فأدركت استحالة الهرب بعيدا ً عن عشها، فقالت لرفيقتها:
ـ غريب أمر هؤلاء الناس...، يذبح احدهم الآخر بسلاسة، وهدوء..، ثم، بعد أن يصابوا بالتعب، والإعياء، يدفنون قتلاهم، من ثم يعملون على المصالحة!
بأسى أجابت:
ـ  استعدادا ً لمجزرة أكثر هولا ً...!


[20]قدر
   صاحت القملة في أذن السبع القابع في قفصه:
ـ ألا تخجل أن تأكل الفضلات؟
ضحك السبع:
ـ عندما لا استطيع القضاء على قملة تمتص دمائي بهدوء...، فعلي أن انتظر لحم الحمير البارد...، وبقايا عظام الثيران...؟


[21] قيود
  كف البلبل عن التغريد، وهو يتأمل، من وراء قفصه الحديدي، مجموعة من القطط، والكلاب، تقترب...، لتدور من حول القفص، فقال لشريكه:
ـ  الآن فقط أدركت أهمية هذه القيود، في هذا القفص!
أجاب بمرح:
ـ غرد!
   تأملهم يحدقون نحوهما بنظرات اشد قسوة مما لو كانوا يمزقونهم بمخالبهم، ويفترسونهم بأنيابهم...، فقال للآخر:
ـ المؤلم جدا ً إننا لن نتخلى عن هذه القيود...، إن لم نمجدها...، ونتغنى بها، في كثير من الأحيان!

[22]
ـ سيدي، لِم َ أفكارك معتمة، وتصوراتك سوداء، حتى إن كلماتك لا تبث إلا عفنا ً مر المذاق؟
ـ اجل..، هذه ـ هي ـ المحنة...، إني لم أصل إلى هذه الخاتمة إلا بعد أن حاولت العثور على بصيص من الضوء....، فلم أجد!
ـ لكن أشعة الشمس تملأ الرحب، والفضاءات، والحدائق...؟
ـ  لو تأملتها بإمعان...، وحللتها، فانك ستدرك إن هذا القليل منها يجعلك  تخرس وأنت ترى كم ـ هي ـ  مساحة الظلمات بلا أسوار، جدران، وحافات!
24/2/2016
Az4445363@gmail.com



ليست هناك تعليقات: