بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 4 مايو 2016

رافق الموت إلى أن سلمت الأمانة لصاحبها ( القدر) ...- نبراس هاشم

رافق الموت إلى أن سلمت الأمانة لصاحبها ( القدر) ...



 نبراس هاشم
هكذا بدأت رحلتي مع الموت، كائن - كان- حي، رافقته وعاصرت حياته بلونها الوردي، وحتى ألعدمي، لم استغرب النهايات، إنها الشيء الوحيد الذي لم يجد الإنسان فرصة للهروب منها لكني استغربت من نفسي لأني كنت المرافق المودع الأخير له . عجيبة تلك الرحلة الميمونة، وأنا بين دموع ذكريات الطفولة وأحلام الصبا وحكايات الشباب، آه كم حملت من معاني وحكم؟ ولأنه رجل حكيم، تعلمت منه الصبر، والصمت أحيانا، كذلك الرفقة الحلوة ...الآن، اجلس وحدي، منكسرة مثل ظل شجرة، مرسومة بألوان مائية خشنة، استغرب من خطى الموت المتسارعة، كأنه يستعجل التحاف التراب، وتطويقي بثياب الحداد، تعبت من الحداد يا حبة القلب، آه من القدر يأخذ ما يريده بكل سهولة، ونحن نتصارع على حفنة تفاهات. خرجت من المستشفى أردة الروح، واجلس في حديقتها الخارجية، أخاطب روحه، أقول له: " اطمئن أنا معك، فكل من حولك غريب إلا أناك، ناديتني وأنت في الغيبوبة الأخيرة، وكأنك تقول، احتاجك في غيبوبتي لأتذكر نهاراتي". يا أيها الوطن العميق، وداعك لم يكن سريعا في أخر رحلة لمقبرة -الغزالي- سرنا معا، أنا وأنت ، في دروب كانت تحتضنك في الشباب والنضالات المسلوبة والطويلة، للتأريخ من فوضى وألم، تاريخ فرضت وجودك عليه، أنت، يا أنت، أنت لم تمت، فقط، ودعت دروب الذكريات والإخفاقات والخيبات والخذلان، ما أقسى الخذلان؟ حتى القدر المريب القابل للصدفة، اختار لك هذه النهاية ، لسلام روحك وسط أُلناس يحبوك، لأنك دائماً كنت محباً للآخرين، سائراً في دروب المحلات العتيقة، وكأنك تسمع جريك في ملاحقات العراك السياسي قديماً ،الكل كان سياسي، إلا أنت، فقد كنت (نزيها)، وما بين القوسين ما بين .. عجيبٌ أنت أيها الوطن -القهر- فيك كل شيء مستلب، وتستمر؟ يا صحبي، قد حط سرب الأحزان في مرقد سيدي أبو صالح، عبد القادر الجيلاني، وسلمته، أقصد، سلمتك أيها الجسد الحنين إلى آخر قطرات الماء في حياتنا المادية، ونادتني باحات المرقد لأزورها، واستنشق عطور الأدعية، أدعية المعوزين والفقراء والدراويش، وسط مجاميع من الهنود الزائرين، كل شيء نظيف ابيض مثل قلبك -هل الموت ابيض كما يراه البعض في أفريقيا؟- أخذت رزمة من السجدات، صلاة الظهر تؤذن، حي على الحزن، تخرجُ ملفوفا بالملايات البيضاء، نقية فضفاضة كانت، مثل قلبك، يتسع للجميع دون فضل، سوى الابتسام.. أردد في داخلي: "عمو لا تخاف، ها أنا ذَا معك، مرافقتك حتى آخر حزن" .. شجرة تظلل روحك المعذبة، فوق لحدك الصغير،الحياة أخذت من جسدك الكبير كثيراً! ها أنت تلوح لي بيدك من بعيد، لأنك نزلت دون اختيار إلى سرٍ في الأرض، دلّنا عليه غرابٌ، أراد أن يخبأ جريمتنا الأولى، عندما قتل الإنسان الإنسان، إنني استنشق هواء الربيع، وبقايا عطر المطر، الذي نزل على روحك ليلاً، وأبنتك تحتضن ذاتها، حزنها، وحدتها، لأنها صارت بلا حبيب، أيها الحبيب... وداعا إلى الأبد.
وداعاً . . . . .


ليست هناك تعليقات: