بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 31 مايو 2016

القاص المغربي أحمد شكر: كل يسعى إلى ترويض أبدية الوجود - حسن البقالي


القاص المغربي أحمد شكر:
كل يسعى إلى ترويض أبدية الوجود

 حسن البقالي


تحت هذا العنوان نود أن نعرف بمن أمكننا التواصل معهم ولقاؤهم على أرض الواقع ضمن لقاء قصصي بمدينة تيفلت، من الأصدقاء والزملاء كتاب القصة. ننطلق في هذا المسعى من نية الاحتفاء بكتابنا وإسباغ الأهمية الضرورية على لقاءاتنا القصصية، كي تتجاوز شكل الحضور العابر والمرتجل في كثير من الأحيان.
ننوه بدءا بأن التقديم قراءة خاطفة لمجموعة قصصية للكاتب (قد تكون المجموعة اليتيمة له، أو المجموعة الوحيدة التي أملكها ضمن مؤثثات مكتبتي الخاصة،أو المجموعة الأخيرة) تقع في منطقة وسطى ما بين التقديم المألوف والقراءة النقدية، ونضع فيها الأصبع على خاصية أو أكثر مما رأينا أنها تسم عمل الكاتب.
نتبع التقديم بسؤال مستوحى من قراءة المجموعة وموجه للكاتب قبل يوم اللقاء والسؤال بورقة الجواب المعدة من قبل الكاتب.و نتبع الجميع بقصة للكاتب ستكون إجمالا هي القصة المقروءة ضمن فعاليات اللقاء، سواء كانت من قصص المجموعة موضوع التقديم أو مجموعة أخرى من اختيار الكاتب.
حسن البقالي
هذا اللقاء مع: أحمد شكر:
التقديم:
قاص لا يجد عن القصة القصيرة بديلا - حتى اللحظة على الأقل - ، ذلك أنها الشكل الأنسب للتعبير عما يود إيصاله ككاتب. ولعله يعيد على المستوى الفردي ما سبق لعبد الله العروي أن طرحه على المستوى المجتمعي..و لا يهمه إلى أين يمضي النهر (نهر الكتابة بالطبع) بقدر ما تهمه الخضرة التي يمكن أن يخلفها وراءه.
صدرت مجموعته الأولى بعنوان أمازيغي جميل "تودة"
والمجموعة الثانية كان للعين الرائية للقاص أحمد بوزفور أثر في تسميتها فإذا "العناصر" تستوي عتبة لها وتستجمع ما توزع من ماء وتراب وهواء ونار ضمن أضمومة.
هناك مدماكان أساسيان تنهض عليهما:
أولهما أن التصفيف النصي للمجموعة جاء مستجيبا لإحدى وظائف العنوان كمبشر بالمحمولات والمتون، مما يجعل من النصوص حزمة سردية موحدة ولو توزعت على أربعة ألوان.
وإذا كانت الدراسات النقدية الحديثة تولي أهمية لكل ما يساعد على إضاءة النصوص من حواش ونصوص موازية ومتخللة وعتبات، فإن عنوان "العناصر" الذي يعلو قمة المجموعة مثل راية حمراء متعذر تجاهله، وأية قراءة للمجموعة لا تنفذ إلى دقائقها إلا من خلاله.
فهنا ربط لسؤال الإبداع بسؤال الكينونة، سؤال النشأة ودهشة البدايات الذي تفرقت دماؤه زمنا بين العناصر الأربعة كإسطقسات متعددة لجوهر واحد هو الإنسان.
ثانيهما الحضور المكثف للسؤال داخل المجموعة، حيث يشكل السؤال المفتتح والاستراحة والمحفز لاستمرار الحكي وانتهاك أي يقين مفترض. إنه إحدى التقنيات الأساسية التي تلح السرود داخل المجموعة على امتطائها منذ أول جملتين سرديتين في أول قصة: "هل ارتاح الجنود يوما؟ ومن أوجد أصلا هذه المهنة؟" وكأن سارد أحمد شكر ذاك الطفل الأبدي الذي ما ينفك يواجه متغيرات المحيط بالسؤال، لولا أنه طفل تجاوز الثغثغات الأولى إلى لغة شعرية ناصعة وأنيقة.
السؤال:
أستاذ أحمد
إضافة إلى هذه الخيمة الرؤيوية التي تغطي فضاء المجموعة ككل، الملاحظ أن لك ولعا بالكتابة الشذرية التي تذري العالم وتنسبه إلى أرقام..
بين الرقم والحرف.. النسبي والمطلق، كيف تبدو لك سيمياء الكتابة: هل هي اقتناص لأرواح الواقع المحلي أم سفر بين العوالم والأكوان والأزمنة؟
ورقة الجواب: شغف الكتابة
كل يسعى إلى ترويض أبدية الوجود من خلال منمنماته الخاصة، ومسلكي الجد بسيط هو الشغف بهذه اللغة المسكونة بحزنها التاريخي.
هناك دائما أسئلة عالقة كالمسلات البابلية الممحوة من شاشة الرؤية العامة كسؤال النهايات وما يدور في الأذهان الشاردة و الماورائيات، لكن علينا نحن أن نعمل بطريقتنا على ترويض لغتنا الخاصة لأنها الضابطة لإيقاع وجودنا وعلامتنا الفارقة، والفاتحة شقا لفهم الصيرورة العامة للحياة.
الكتابة هي محاولة لترويض هذه الغربة التي نستشعرها سواء في المكان أو في الزمان لأنها الفعل الجوهري بالنسبة لنا، سواء في إطلالتنا على العالم أو في تعاملنا معه، وتمثل وتبصم إصغاء الجسد إلى حركة الوجود بكل تدفقه، نغرف من هذا القاموس المرهق والمفتقر إلى التجدد ما استطعنا إليه طريقا كي نطعم معجمنا الذي أصيب بالتخثر والإرهاق.
نقيم في الحدود الدقيقة الفاصلة بين المماهات والخصوصية الذاتية دون أن نتخلى عن هذا الهوس الطاحن بكل الأرواح المستكينة والمتمردة أيضا التي ظلت عالقة بشقوق الأمكنة التي عبرتها و عبرتني،  فتنت حد الهوس بشعرية الأشياء الصغيرة الكامنة في ثنايا الحياة و العلاقات الخفية الرابطة بين المحلي المسرف في ضموره والكوني العابر كل الأزمنة.
المحلي متمثل في ذبذبات الوجود المضاجعة لسمفونيتها الخالدة وكيف تأسرك مشاهد مقتطعة أو في طريقها إلى الانمحاء بكل ألق أرواحها المقيمة هنا وهناك والسفر في عوالم المداد وما يسبغه على وجودنا الفيزيقي من ترحال دائم.  
القصة: كفن عام
صباح ربيعي ندي، عبور منخطف لمتسوقين مستعجلين وانتظار مرهق لفاتح باب الرزق.
زبناء الصباح جديون يشترون دون مغالاة في الشطارة على خلاف زبناء العشية المهووسون بالتفرج وهدر الوقت والجهد.
وقفت بباب الدكان، ملأته بطلعتها التي تشي ببهاء عمُر طويلا في هذا الجسد الذي لا زال صلبا واقفا بتبات وعزة تقطر من كل تقاطيع هيكلها، حتى الشامة الوحيدة الموشومة على الخد الأيسر بلونها الأخضر الباهت تفرد بوابة الخيال لاستحضار تاريخ امرأة باذخة، لم تكن يوما مسرفة في عرض زينتها ولا راكدة وراء وهم الموضة السالفة الناهلة من دم لحظتها.
وأنا أسألها حاجتها منحتها كرسيا لتريح هيكلها الستيني أسلوب اعتدناه لضمان جيب الزبون وسد منافذ الزيغان لديه، استوت على الكرسي وقالت:
- أريد كفنا.
- رجل أم امرأة؟
- امرأة.
هكذا نبست وظلال ابتسامة بهية تهيم على المحيا الدائري.

فردت الثوب الأبيض الناصع ذو الخطوط الخشنة وتناولت المتر بين يدي لتأدية طقس تعودت عليه بكل ميكانيكية، لاحت مني التفاتة لمحياها الذي كان مبتهجا ولا أثر لأية مسحة حزن عليهـا فرددت شفتاي لازمة تعودنا عليها ونحن نقيس: "الله يرزقكم الصبر ألالا"
تألقت ابتسامتها أكثر وهي ترد علي:"هاد الكفن ديالي"
مادت الأرض بي وأنا أستحضر حكاية أمي عن جدتها التي كانت تحمل كفنها في ظهرها كصغير عزيز ترف عليه بكل حناياها، استحضارا منها ربما لحتفها المترصد بها أبدا، وربما هي ندرة الثوب في زمن ظن حتى بالطعام على البشر الذين تهاووا في الطرقات فارغي البطون، ولكن هذه المخلوقة التي يشع نورها في أبهاء المحل تجلس مطمئنة وكأنها غير معنية بكل هذه الأسئلة التي تعتمل في أعماقي والتي أطلقت شراراتها حتى دون أن تستأذن في طرق قدري، وكأنها خبيرة بما يجوس في الأعماق نبست حتى دون أن أنتبه:
- مالك جاك هادشي غريب؟
-لا..لا.
- شوف أولدي، لموت هنا حدا جدارة لودن، باركة ما بعيدة والو.
آمنت على قولها بهزات من رأسي لكنها لم تكتفي بما قالت، بل أردفت قائلة:"سعدات من اهتم بقبرو وصلحو، شوف أولدي، لقبر ظلمة كينغل باللفاع والعقارب، والعمل الصالح هو من يجعل الخوف يذهب والنفس تطمئن لهذه الحقيقة"
لم أجد بما أجيب عليها غير تحريك رأسي بحركات تعضض ما نبست به.
من أين لي جرأتها، اطمئنانها، تجربتها وغناها الروحي، وإيمانها بحتمية نتلفظ بها شفويا فقط ؟

طويت الثوب، ووضعته في كيس بلاستيكي أسود كي يحجب هذا البياض الناصع المخيف.
لم تساوم أو تناقش كما تفعل عادة النساء قبل تأدية ما بذمتهم، نقدت الثمن بكل أربحية ثم أردفت:
-هذا هو الكفن السابع الذي أشتريه، ولا أعرف إن كان لي أم من نصيب امرأة أخرى؟
لم أفهم، ورغما عني أفصحت شفتاي عن حاجة عقلي كي يعرف:
- كيف؟
- كيفاش؟
- هذا كفن عام.
- ما يقفلش عندي عام في الدار وإلا كان من نصيب أول مغادرة.
- في سبيل الله؟
- نعم في سبيل الله ألم أقل لك أنه يجب علينا أن نفرش قبورنا...
وغادرت وتركت لي عشرات الأسئلة التي كانت مزدحمة على تخوم القلب والشفاه.


ليست هناك تعليقات: