بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 24 أبريل، 2015

قصة قصيرة- نهار مزدحم بالضوضاء أو [هكذا قال القرد للحمار]-عادل كامل



قصة قصيرة

نهار مزدحم بالضوضاء
أو
[هكذا قال القرد للحمار]




عادل كامل
ـ كلما أفكر في الأمر، أجد إنني ذهبت بعيدا ً في المتاهة، وفي الظلمات...، فأسأل نفسي: إذا كنت لا امتلك الإجابة، فلماذا هذا الانشغال...، ولماذا هذه الضوضاء، والنهارات أبدا ً لن تسمح لك بالتراجع، أو الارتداد، أو حتى أن تغلق فمك، فتريحهم، وتستريح....؟
فقالت الأم لولدها المشاكس:
ـ أصغ إلي ّ جيدا ً: إن العبقرية لا تتمثل بالعثور على إجابات...، بل إنها تعلمك أن تجد الأسئلة التي تدرك استحالة الإجابة عليها....!
ـ غريب؟
ـ ما الغريب...؟
   لم يسألها، فقالت الأم، التي انتخبت مؤخرا ً مديرة لجناح القرود، له:
ـ فإذا كان من الصعب أن تولد إلا شبيها ً بأسلافك، فليس ذلك لأنني لم استطع أن الدك نوعا ً آخر...، بل ماذا سيحدث لو ولدتك غزالا ً..، أو حملا ً ...، أو نعامة...؟
    لن اهرب ...، فالحدائق، مهما اختلفت، تبقى قائمة على الأسس ذاتها. دار بخلده، وهو يبتعد عنها، بانتظار العثور على آخر، آت ٍ من الأجنحة أو الزرائب الأخرى، لمحاورته، وقضاء ما تبقى من ساعات النهار. فقالت الأم له قبل أن يغيب:
ـ اسمع: لقد ولدنا في هذه الأقفاص، وهذه حقيقة لا تقبل الجدل، أو الشك..، وولدنا ونحن لا نمتلك أن نكون نوعا ً آخر...، فلا تتعب رأسك، ولا تحول حياتك إلى جحيم!
ـ اعرف...، فإذا كان وجودي هذا أصبح حقيقة، فموتي هو الآخر  حقيقة، وهو ما يجعل حقيقة وجودنا مسافة لا تذهب ابعد من هذه الحقيقة...، أليس كذلك؟
ـ أنا اقدر عذابك، وما يؤلمك...، فنحن في طريقنا إلى الانقراض...، لأن انقراضنا غدا وحده لا يقبل الدحض، وربما لا يقبل التأجيل...!
     نظر القرد إلى جناح الطيور، ثم أرسل نظراته إلى الجناح الأبعد...، جناح الحمير، والأبقار، والنمور، والخنازير، ودار بباله:
ـ ما دمنا لا نستطيع ان نصبح إلا ما نحن عليه...، لا نرتد ولا نتقدم، فكأن هذه المسافة بين ولدتنا وموتنا لا تسمح لنا إلا بالحفاظ عليها!
ـ وما ـ هي ـ مسؤوليتي، أيها الابن المشاكس، وهل باستطاعتنا أن نفعل شيئا ً...؟
   رد عليها، وتركها منشغلة بمداعبة ولدها الآخر، وقال لنفسه: كي تبقى المسافة هي المسافة بين مجهولين!
    مستعيدا ً ذكرى الغابة التي ولد فيها أسلافه: قبل زمن بعيد...، كانت هناك غابة كبيرة...، مترامية الأطراف...، ثم تم احتلالها، من قبل الأشرار، فمات من مات، وهرب من هرب، واسر من وقع في الأسر....، ومضى زمننا، مع زمن الغابات، ليحل زمن الحدائق!
     قبل أن يقفز بعيدا ً عنها، شاهدها منشغلة بالصغير، فأهملها، بانتظار زميل يمضي الوقت معه.
ـ وها هم الأشرار...، بدل أن يعيدون لنا غاباتنا، وبدل أن يدعونا نعود لها، صنعوا لنا الأقفاص، ووزعونا عليها....، وقالوا لنا: تمتعوا، وتكاثروا، ولتغمر حياتكم المسرات!
   اقترب حمار كان في طريقه إلى بركة الماء:
ـ ها لو ...
   لم يجبه، فنهق الحمار غاضبا ً:
ـ اعرف ما دار ـ ويدور ـ في رأسك...، فلِم َ الحزن، والأسى، الم ْ يقل زعيمنا: لا تغيب الشمس إلا لتشرق...، وما طار فيل إلا وهبط، والأسماك إن غادرت الماء فكأنها تهلك!   الم ْ يقل زعيمنا الخالد إن من يفقد الأمل كمن ارتكب إثما ً لا غفران له! ومن خرج على الدرب تاه، ومن تاه تتلقفه المخالب!
   قال القرد:
ـ ولا تشرق الشمس إلا لتغيب!
ـ صفق.
ـ صفقنا...، هتفنا، عرسنا، لهونا، مجدنّا، وأنشدّنا ألف ألف نشيد....، وهل كان باستطاعتنا أن نفعل غير ذلك...؟
    رد القرد بعد لحظة صمت:
ـ إلا هؤلاء الأشرار...، الأنذال...، فاقدي الضمير، والعقل، والرحمة!
     هز الآخر رأسه وتمتم بشرود:
ـ لا تظن إنهم اقل شقاء ً منا، أو إنهم عرفوا ....، هذا الذي نبحث عنه!
ـ أتدافع عن حفنة أوغاد، حولوا عالمنا إلى أقفاص، وزرائب، وجحور، وحفر، وسراديب، ومغارات، ومجاري...؟
   صمت طويلا ً، ثم أجاب بتردد:
ـ نعم!
    أعاد الحمار قراءة أفكار القرد، فضحك من غير غطرسة:
ـ ونحن لا نختلف عنكم، ولا عن الآخرين: فالكائن يصير نذلا ً استجابة لعمل جيناته! انه لا يولد ورقة بيضاء! فالظلمات هي الأصل!
فرد القرد:
ـ لا...، فانا لم أولد نذلا ً رغم إن جرثومة النذالة قابعة في ّ، بل ولدت قردا ً، ولا أريد ان أموت إلا كما ولدت...، فما هي المشكلة، ولماذا هذا الإصرار...؟
ـ هذه هي سنن الحياة! فهذه البركة، أو هذا المستنقع....، على سبيل المثال، سيبقى كما هو عليه ما ان تحصل تغييرات عليه....، ولكن هل أصغينا إلى .. ضمائرنا؟
ضحك القرد:
ـ قبل قليل سألت السيدة مديرة الجناح، وهي السيدة والدتي، الأم الكبرى كما ندعوها،: هل ولدنا قردة للسكن في هذه الأقفاص، أم ان الأقفاص وجدت كي نسكنها ونصير قردة...؟
ـ آ .....، سؤال مثير رغم سذاجته، وكأنك تسأل: هل الأوغاد الأشرار صنعوا سجونهم، أم السجون هي التي صنعتهم...؟
ـ دعك من هؤلاء الذين اخترعوا الفضائل، للتستر على اشد الحماقات فتكا ً، وخسة، لأنهم هم أساس البلاء! بل واصل الشر!
ـ ليسوا هم ...، ولا نحن...، ولا هذا الذي اسمه جرثومة الحياة ...، ولا العوامل التي كونت ملغزاتها ...، فالكل يأتي للوجود مرغما ً في الحضور...، من غير إرادة حتى بنسبة واحد إلى اللا عدد، وهي نسبة مشوشة للرأس! لأنها تخترع منطقها، بمعنى إنني ادحض الشر المطلق! مثلما قلت باستحالة وجود الفضائل البيضاء! إذا ً فالكل يذهب بالقانون ذاته الذي أخفى مقدماته! وهكذا تدور الدورة وكأنها لم تدر، مع إنها اشتغلت وأكملت كل ما سيبقى على قيد الحركة!
ـ آووووه ...، أنت تفكر! وهذه  بحد ذاتها علامة دنو الساعة!
ـ وأنا أفكر أيضا ً! حتى لو كنت أفكر في التطهر من التفكير! ثم لتأت هذا الساعة!
  تململ، وبعد صمت، قال:
ـ أنا أفكر بضرورة الدعوة لعقد مؤتمر عام نناقش فيه هذه المعضلة ...؟
ـ آ ...، ولكن ما الذي حدث لك...، كي تشغلك هذه الانشغالات ....، من غير حذر، وخوف؟
   سرد القرد:
ـ  بالأمس، قبيل النوم، طلبت من الإله الأعظم، ان لا يدعني استيقظ!
ـ غريب....، لكنها دعوة مردودة، ومخالفة للشرائع، وللذوق السليم!
ـ أرجوك، أيها الحمار، دعني أكمل...، أليست آداب الحوار تشترط الإصغاء حتى انتهي من عرض وجهة نظري كاملة...؟
ـ تفضل...، ارو لي تفاصيل الحلم، مع إنني رأيتها أنا أيضا ً، ليلة أمس! فالحلم ذاته حلمت به!
ـ غريب؟
ـ ما الغريب...؟
ـ يبدو انك تعرضت للمأزق ذاته الذي تعرضت له ...؟
ـ في الحلم؟
ـ وهل باستطاعتك ان تميز...، إن كنا ننتقل من حديقتنا إلى أحلامنا، أم من أحلامنا إلى هذه الحديقة؟
ـ  أأروي أنا...، أم ادعك تروي حلمك أولا ً...؟
     تأمل القرد البركة، منشغلا ًبرؤية سطح الماء الأزرق الداكن كلون السماء تماما ً، وقال:
ـ وأنا اقفز بين الأغصان، ألهو، امرح، فجأة هجمت على مجموعة من النمور، الأسود، التماسيح، الضباع، وسواها من كائنات هذه الحديقة، واقتربت مني من الجهات كلها، دون ان أنسى النسور والصقور والغربان، وكان هناك أفراس النهر تحلق بأجنحة معدنية أيضا ً!
ـ وأنت تلهو، وتلعب، وكأنك كنت ذاهبا ً إلى السيرك، أو في نزه...؟
ـ تماما ً! فقد كانت لتلك المخلوقات أجنحة، ومخالب آلية، وأنياب امتدت خارج أفواهها، وأذناب فولاذية تعمل بالحواسيب الفائقة الذكاء!
ـ فهمت!
ـ فدار بخلدي: انتهى عصر القرود، وأصبحنا من الماضي، إلى جوار أسلافنا الديناصورات...، فبموتي سننقرض، لأنني كنت آخر قرد في الحديقة! فحاولت ان افهم ما يجري...، قال كبير المهاجمين وهو من مخلوقات ما بعد الأساطير: آن لنا ان نصنع منك وليمة...، فسألته: ماذا فعلت؟ أجاب الثور البري المتوحش المتعدد القرون، والأجنحة: لسنا بحاجة لمعرفة ماذا فعلت، وماذا ستفعل. فقلت: أنا لم ارتكب ذنبا ً بإرادتي، لأنني في الأصل لم اختر وجودي...! فضحك الكوسج: ملعون...،  تعرف كيف تتنصل من دورك في المؤامرة! فكدت افقد الوعي، أو ما تبقى منه، فأجبت: وضد من أتآمر؟ قال النمر الأسود مكشرا ً عن أنياب بلورية حادة النهايات: ضد الأشجار...، وضد الهواء، كما انك تصدر أصواتا ً طالما أربكت أحلام العصافير في نومها، وزعزعت مرور الغيوم. فصرخت: اقسم لكم إنني سأغلق فمي، وسأغلقه إلى الأبد! فقال الفيل الأبيض: هذه هي المشكلة! سألته في الحال: وهل هناك مشكلة سيدي؟ أجاب وحيد القرن: ما الفائدة من هذا التمويه مادامت السماء لن تسمعك حتى لو مكثت تصرخ ليل نهار، ومادامت الأرض تتسلى بصراخك أيضا ً! اقتربت منه وسألته: كيف عرفت، سيدي؟ أجاب: اتبعني. فقلت له: أنا لا انتمي إلى فصيلكم الجميل، فليس في رأسي قرن، وليس لي ذنب حلزوني! لكن ابن أوى الماكر قال: تفعل. ففعلت. فسألتهم: أتخلون سبيلي؟ قالت الزرافة بصوت ناعم: يا ولد، إننا نمزح معك! لكني وجد قرنا ً نبت في رأسي. فقلت: ماذا افعل بهذا القرن، اهو هديتكم لي؟  قالت النعامة: لتصد هجمات العدو! فرحت ابكي وأتضرع للصقر الذي امسك برأسي: أنا لا أعداء لي ....! لكن كبيرة النمل، بجسدها الخرافي، راحت تنهش بلحم جسدي الطري، وتمزقه. فقلت للحصان: لا تضحك، أنا أموت، وأنت تسخر. فقهقه البعير حتى سقط أرضا ً. فقلت له: حتى أنت يا جمل؟ لم يجب الحصان، ولا البعير، ولا كل من كان يواصل الضحك. فاقترب مني الدب الأزرق وقال: يا حمار هذا ليس فرسا ً ولا جملا ً ...
   اعترض الحمار:
ـ حتى في أحلامك تشتمني، وتنشع بي....؟
ـ اسكت...، تريث، حتى تأتيك الخاتمة.
ـ أكمل، فالشر يتطاير منك ...!
ـ فقلت له:: قبل ان نصبح قردة كان أسلافي يعيشون في هذا المستنقع...، ولم نكن حميرا ً...، فلماذا لا تميز بين القرد والحمار، أو بين الحمار والقرد..؟  ضحكت الجماهير حتى لم تعد غاضبة علي ّ، فسألت نفسي: ربما ارتكبت هفوة لسان، زلة، أو أبدعت بدعة، أو أفريت فرية، أو إنني لامست حافة من حافات المحرمات، أو بحت بسر  ما من أسرار حديقتنا الخالدة؟ عوى الذئب في وجهي: لا تكترث ...، فأنت الآن لم تعد قردا ً، ولا حمارا ً...، لهذا سنعاقبك كما سنعاقب هذا القرن الوحيد...، فقلت أتضرع للسيد الآخر: سيدي وحيد القرن ...، أنا أصبحت وحيدا ً! فضحكوا بأصوات اعلي، خلخلت فجوات الفضاء، وأربكت نظام الفراغات، والامتلاء...، فخفت ان يتهدم الكون فوق رؤوسنا! فقلت مع نفسي: أكمل أكمل ولا تدع الحلم يسبقك!
اعترض الحمار:
ـ لا ...، الحلم لم يدعك تستيقظ...، فالحلم لم ُيكمل دورته بعد!
     هز القرد رأسه:
ـ  فرحت ألهو، العب، أراقص الديناصورات...، وأنا اغني، واثب، وأتمايل، شارد الذهن، مذهولا ً فرحا ً ....، حتى وجدت جسدي برمته داخل فم بعوضة. فصرخت في ّ: أمسكت بك. وبدأت تقضمني. فقلت لها: بهدوء، أسرعي بهدوء! متابعا ً: أسرعي بهدوء! لأنني لم اعد أميز الفارق بينهما، فانا لا أريد ان استيقظ! لأنني لا أريد ان أعود إلى قفصي،  ولا إلى أمي ولا إلى حديقتنا الأبدية! فقال: آن لك أن تكون من ممتلكاتي، ومن كنوزي، أثرا ً نادرا ً اظمه إلى ثرواتي! وأضافت: فلا تحزن أيها العجل! بكيت: أنا قرد، سيدتي البعوضة أنا قرد! قال النمر: كيف تبرهن انك قرد؟ فسألته: سيدي، وكيف تبرهن انك لست خنزيرا ً بريا ً؟  ساد الصمت، وامتد، فقد تحول الجميع إلى تماثيل...، وكأنها رصت عند بوابة حديقتنا. ثم رأيت الشمس تشرق، والغيوم تزحف، فسألت نفسي، أو ما تبقى منها: أ آن لي أن استيقظ...؟ لا اعرف من صرخ في ّ: وهل تستطيع ان تستيقظ بعد هذا اليوم؟
    قال الحمار مذعورا ً:
ـ أنا لم أتحول إلى صنم...، ولا إلى تمثال، ولا إلى حجر، ولا إلى دمية! بل سمحوا لي بالعودة إلى الإسطبل، بجوار جناح النعاج.
ـ وأين كنت؟
ـ في رحم أسلافي!
ـ يا حمار...، هناك رأيتك، وأنت هو من سألني: لِم َ لا تعترض؟ فقلت لك: وهل سأختار ان أكون سمكة، أو عقربا ً، أم أولد شاة أو اختار فصيل الإنس...، فالمحرقة هي المحرقة وقد أعدت لنا قبل ان نولد ومن المستحيل تخيل إنها ستزول حتى بعد زوالنا، فالنار وحدها أبدية! وما هذا الحطب إلا هو الطيف يمر كما تمر الأحلام في رأس ميت مات قبل ان يدركه الموت!
ـ عن أية محرقة تتكلم...، وكلانا جاء في هذا الصباح ليرتوي قليلا ًمن ماء هذا المستنقع الشفاف؟
ـ انظر ....، إنها الضفادع، والحيتان، والتماسيح، وما لا يحصى من الجرذان، والبرمائيات العجيبة......، بانتظارنا!
ـ إذا ً...، دعنا نهرب، ونلوذ بالفرار، فالهزيمة، في هذا الموقف، هي أعلى درجات البطولة، والمجد!
ـ وهناك الأقفاص إن نجونا منها، فهناك الجدران فان فلتنا منها، فهناك الأسوار، وهناك الحيطان العالية، وهناك الحرس، وهناك الأسلاك المكهربة، والكاميرات، والأقمار، والذبذبات، وهناك، تلك العقول الآلية التي تعرف ما يدور في فينا حتى قبل ان نولد....، فأين نفر، وأين نهرب، وأنت تحدثني عن النجاة؟
ـ إذا ً...، لم يعد لدينا إلا ان نرجع إلى أجنحتنا!
    صاح كبير البرغوث:
ـ ماذا تفعلان ... هنا؟
    رد القرد:
ـ جئنا نقدم النذور للسيد أميركم..!
     هز البرغوث رأسه، وقال للحمار:
ـ وأنت؟
ـ مثله، فانا وهو ننحدر من أصل واحد! فكلانا خرج من الجرثومة نفسها!
ـ هو قرد...، فهل تود ان تصبح قردا ً...؟
ـ وهل تستطيع ان تحولني إلى طير؟
ـ ملعون .....، كي تهرب...، لكن إلى أين؟
     همس القرد في اذن الحمار:
ـ الآن عرفت لماذا خسرنا الحرب؟
ـ أية حرب، وهل حاربنا كي نخسر الحرب؟
ـ اقصد لماذا من المستحيل ان نحارب!
ـ دعك من اليأس...، وفقدان الأمل...، دعك من الخيبات، والخذلان، والهزائم...، فالرجاء هو ان تمتلك الرجاء حتى لو كان بلا وجود ...! وهذه هي العبقرية، كما قال جدي لنا قبل ان يدوّن وصيته، ويرحل إلى قاع المستنقع، ويفلت من العقاب: ان تجد الحل قبل وجود المعضلة!
رد القرد:
ـ أنا الآن سأعود إلى جناحي!
ـ ها...، يا حمار.
ـ أنا قرد!
ـ وخالق هذا المستنقع لم اعد أميز الفارق ولا الاختلاف بين الحشرات وبين الزواحف....، ولا بين الظلمات ولا بين الأنوار، فالليل نهار مقلوب، والنهار تمويه للظلمات، فهل لدي ّ قدرة ان اعرف هل أقفاصنا هي التي أعدت لنا، أم إننا صنعناها هدية نقدمها لأحفادنا الأعزاء...؟
ـ آ ....، دخلنا في النفق المفتوح...؟
ـ أغلقه!
ـ هنا، صديقي، تكمن المعضلة، فكلما أفكر في التحرر والحرية والخلاص أجد المحرمات تتكدس فوق رأسي، حتى قلت: تبا ً للحرية إذا كانت لا تورثنا إلا  الخوف والذل والفزع والخسران والمرض ثم الموت. لكن سرعان ما أجد ان الظلمات لا تتركنا بقبضتها، فتقذفنا بالحريات...وبهذا القليل من عطر المستنقعات!
ـ تقصد ترجعنا إلى حديقتنا الغنّاء؟  لكن اخبرني: ماذا كنا سنعمل لو كنا ولدنا في البرية، أو في الغابات، أو في الوديان ...؟
ـ يفترس الأقوى الأقل قوة، والأشرس يمزق لحم الأقل شراسة، ويتربص الضعيف بالأكثر ضعفا ً....، ولا ينجوا منها...، في الأخير، إلا من هو ليس بالضعيف درجة المحو، ولا القوي درجة القهر! فالموت اعدل العادلين!
ـ آ ....، عرفتك، أيها الحمار...، أنت هو الموت إذا ً...؟
ـ أنا أيضا ً كنت أظن انك هو الموت....، وإلا كيف اجتزت الزمن الذي لا بوابات له...، وإلا كيف بلغت مشارف الزمن الذي لا حافات له...، ومع ذلك، أنت ولدت حمارا ً، وأنا أمي لم تنجبني إلا قردا ً؟
    قال الحمار:
ـ يا شريكي في المحنة، لو تأملت الموت، لوجدته هو وحده أكثر الخاسرين....، فهو وحده لا يعرف ماذا يفعل....، لأنه بلا إرادة، يأخذ أرواحنا ثم يواصل متابعة اخذ أرواح الآخرين...، فلا احد يفلت منه، فهو يكد ويشقى كي لا يربح إلا هزائمه، فهو الخاسر الوحيد في نهاية المطاف!
ـ اسكت...، فانا وأنت بين يديه، وربما تحت قبضته؟
ـ أتحداه ان يفعل شيئا ً من غير أمر! فهو لا يقدرـ كالشيطان ـ أن يكون حرا ً، أو يتصرف تصرف الأحرار!
ـ اسكت، أرجوك، اسكت ...، يا شريكي في المحنة، فهو لا يستطيع ان يمحونا من الوجود، مع انه أباد المليارات المليارات المليارات المليارات إلى ما لانهاية من المليارات من النمل والشجر والخراف والبشر والنمور والقرود والبغال والصراصير والزعماء والجنود والقوادين والقوادات والحشرات والزواحف وغيرهم كثير....، إلا انه لم يستطع ان يمحو نفسه وينجو!
ـ ربما يكون ارتكب ذنبا ً...، ولهذا فهو يقضي فترة عقوبته...؛ يقتلنا، ثم يعيد قتلنا، فهو غير قادر إلا على قطف أرواحنا وإذلال أجسادنا وإنزال شتى الدناءات فينا، فهو يستحق الشفقة، بل ربما لا يستحق إلا الرحمة أيضا ً!
ـ للمرة الأخيرة أقول لك: أغلق فمك! بدل أن أقول: اخرس! فلقد اجتزنا قوانين حديقتنا الغناء وأعرافها!
ـ صحيح...، آسف، فلولا هذه الأقفاص الفولاذية، ولولا هذه الجدران، وهذه الأسوار....، ولولا هؤلاء الحرس والمشرفين على صحتنا، وغذائنا، ورفاهيتنا، ماذا كنا فعلنا..؟
ـ لا شيء...، لكنا مثل أسلافنا وأجدادنا وآباؤنا الذين أهدروا، وأضاعوا أزمنتهم في المتاهات، واللغط، والصخب، ومن ثم أصبحوا من الماضي، بلا ذكر وبلا اثر...، فهل يتحتم أن يكون مستقبلنا نسيا ً منسيا ً..؟
ـ آ ...، إذا ً، حتى الموت، في نهاية المطاف، يفقد شفافيته، ومعناه، بل وحضوره!
ـ نعم، عندما نغيب، يغيب معنا، وعندما نولد...، نراه يتربص بنا مسرورا ً حد النشوة، والبذخ!
ـ ملعون ....، لقد اختار مهنة نذلة!
ـ كباقي المهن...، فهو لم يخترها، مثلما لم تختر أنت إن تصبح حمارا ً، ولا أنا قردا ً ...
ـ ولكن الملائكة كانت تعرف سر اللعبة...، لهذا تذمرت (جاري ألحصيني كان يقول: دردمت!) من خلق هؤلاء عديمي الرحمة، قساة القلوب، فاقدي الشرعية!
ـ هؤلاء الذين يشرفون على تغذيتنا، صحتنا، سلامتنا، وتسليتنا أيضا ً...؟
ـ لا ترعبني! أأنت جاسوس، وكأنك تحاول إغوائي كي يزل لساني وتوشي بي...؟
ـ سيدي، كلنا جواسيس! الكواكب، الشجر، الحجر،الحشرات، الأسماك، وكل ذرة أحادية أو مركبة، وكل خلية، الكل جواسيس: القوادون والقوادات، أمراء الحرب، ومن يعمل ضد الحرب، الحكماء، الشعراء، كتاب العرائض، وأصحاب المهن الحرة، العاهرات، الزانيات، الصالحات، وكل ضحايا التعسف، والعنف، والعنف المضاد، ورسل المحبة، وصانعي الكراهية، والبغضاء،  والقائمة تطول...، سيدي، كلنا جواسيس حتى لو كنا من دعاة مكافحة الجاسوسية، والتجسس، لأن ذلك لا يرجع إلى الكيانات، بل إلى الجرثومة ذاتها القابعة في لغز بذرة الخلق! ثم إن عملها أصلا ً فضّاح، بثّاث، ومضاد للتستر، والكتمان! وإلا لماذا خلقنا...؟
ـ لم تبق أحدا ً خارج القفص؟
ـ وهل اقدر أن اعرف ...، وهل لدي ّ لمعرفة ابعد من حدود هذه الحديقة، كي تطلب مني أن ارتكب مخالفة ضد الوصايا، ضد البياض..؟
ـ وأنت...؟
ـ سيدي، أنا الآن عرفت تماما ًلماذا لا استطيع أن أكون أكثر مما أنا عليه! فخلايا الرأس لا تعمل خارج حدود عمل خلايا الكون وذراته...، وخارج عمل فراغاته وأثيره، فكل دابة، وكل حبة رمل، وقذيفة، انشطارية أو ذاتية التدمير، نووية، أو ما فوق ذلك، ناعمة أو مخربة، لا تعمل إلا بالشروط التي تجعلها لا تعمل إلا بحدود عملها... ، ففي رحم القيود تتكون وتولد هذه الانشغالات كي تكمل ديمومة هذا الذي لا أنا، ولا أنت، نقدر على دحضه!
ـ ها أنت لم تبق لنا حتى ذرة أمل؟
ـ وماذا تفعل بالأمل...، وأنت تعرف إن الذي يعرف لا يكترث لمعرفتك؟
ـ من؟
ـ آ ....، لو عرفته، لقلت له: لتدم مسرتك...، فالشقاء وحده كان المعضلة التي حرصنا على بقائها مزدهرة طوال الوقت!
ـ لكن ربما كان شقاؤنا هو المسرة الوحيدة التي أضعناها، ولم نقدر عظمتها، ولم نجد اقتناصها...؟
ـ وهل سمحوا لنا...؟
ـ من لم يسمح لك...؟
ـ الجميع ـ يا سيدي ـ لم يسمح للجميع، إلا بما حصل...!
ـ آ ....، ها أنت تجعل مستقبلنا أكثر متاهة من ماضينا...، فانا اشعر بالرثاء...، والعار، والأسى، والندم.
ـ على من...؟
ـ على هذا الذي قيد الموت بأكثر الأعمال تسلية!
ـ وماذا كنا نفعل لولاه...، لا يدعنا نواجهه أكثر من مسافة إنهاء المسافة.
ـ وداعا ً...، أيها الحمار العزيز..، ماذا كنت سأفعل لو لم أجدك؟
ـ الم أخبرك....، فقد شغلتني حتى كدت أنسى إنني سأصبح وليمة لأكثر البهائم خمولا ً...، وللحق، هذا وحده يحزنني، إن العاطلين عن العمل يتلذذون بلحمي...، وبفكري، وبحكمتي؟
ـ ولم يحزنك الموت؟
ـ انه، يا صديقي، سعادتي الوحيدة التي لم اسبر أغوارها بعد، ولم أتذوقها!
ـ أنا الآن سيرسلونني إلى السيرك.
ـ جميل!
ـ ما الجميل، يا أحمق...، عندما لا أجد حمارا ً لا يدعني اعرف ما أنا عليه!
ـ لا تكترث...، فانا سأتضرع للموت ألا يدعك تلعب طويلا ً على الحبال!
    تمتم الحمار يردد كلمات القرد التي سمعها في بدء اللقاء:
ـ كلما أفكر بالعثور على قليل من الضوء، لا أجد الظلمات إلا وقد امتدت ولم تعد هناك حافات تضع خاتمة لحافاتها..! وهكذا أصبحت أجد أسئلتي تتعثر وأنا لا اعرف أكانت تهرب من قدرها أم أن قدرها كان قد سمح لها بهذا القليل من ....، الضوء؟! أكان ضوءا ً...؟
22/4/2015

       

ليست هناك تعليقات: