بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 11 ديسمبر، 2014

أوثان عادل كامل .. من رؤى الإبداع إلى الرؤى الصوفية-جاسم عاصي








أوثان عادل كامل .. من رؤى الإبداع إلى الرؤى الصوفية





جاسم عاصي
   في تأملات الأوثان تحققت رؤى الفنان الجمالية بصيغة النثر، وذلك بتجميع كل رؤاه في الحقول كافة في مركز واحد هو التأمل الصوفي في الوجود والخلق. وهو لم يكن بعيدا ً عنه في نتاجاته السابقة، بل ظهر فيه أكثر تبلورا ً وتركيزا ًلأسباب كثيرة لسنا في مجال الخوض بها. لكننا نؤكد على ان بلوغ سن الحكمة، وتبلور الرؤى الصوفية الخالصة مرهونة بتجربة المبدع العامّة ومدعومة بالعمر وما تسبب للجسد من إنهاك وانتهاك باعتباره جزءا ً من الوجود البشري الذي تعرّض لمثل هذا عبر تاريخنا المرير.

العبور إلى التأمل الفلسفي


لا أجد التركيز على البنية الفلسفية وبالتحديد الصوفية سوى في كتابه "الأوثان" الشعري الخالص. والوثن هنا يبدو استخداما ً مجازيا ً لتأكيد بنية الأفكار والشواهد ذات الفيض الفكري. فهو لم يكن ضمن سياق الفصول الحاوية على التأملات الذاتية جامدا ً، بقدر ما هو حاو لبنية تحرّك. بمعنى؛ الوثن هنا هو اشتقاق من طبيعة المدوّنة الأولى التي اتخذت من الطين والماء تشكيلاتها الأولى. ولما كان هذا التشكيل مرافقاً وموافقاً لنظريات التشكيل في الحراك المثيولوجي بصورة عامة، وبالأسطورة بشكل خاص، نرى أن تأثير نظرية الخلق البابلي "أنوماليش" أكثر تأثيرا ً في ذلك. فالصياغة أتت على النتائج من إتحاد الآبسو وتيمات لتشكيل وحدة خلق وما رافقها من تشكيلات أخرى شكّلت صيرورة الوجود. لذا أرى أن الوثن هنا اشتقاق طيني مائي مطلق، يرتبط بكل حيوات الفكر ولا يختصر بنمط دون آخر. ومن هذا أيضا ً أجد إن الرؤى الصوفية لـ "عادل كامل" هنا متأتية من طبيعة هذا التشكّل الذي يراه على أوسع الرؤى كما ذكر "النفّري" لذا انبسطت العبارة بانثيالاتها كما لو أنها نهر كانت مياهه محتبسة لزمن طويل. فلا النهر و تجميعه لكتل المياه، ولا عادل توقف عن تجميع ما باستطاعته التجميع وهو بصدد ممارسة الإنتاج في حقول الإبداع الكثيرة، بل هي الحقيقة الصوفية المطلقة.
من هذا أرى أن "أوثانه" مجسّات لخلق العبارة التي تمتلك فيوضاً خالقا ً للمعاني العرفانية. فهو بذلك يتوسط المحراب في نقطة مركزية، هي حصيلة لتجربة طويلة وكبيرة. ولأنه عرف الطريق فسلكه، فمن حقه كما يرى أن يكون داعية لحقيقة ما رأى واكتشف عبر رؤاه. بمعنى حقق عبارة "النفّري" معكوسة فقال:" أنا أم الوثن أنار للآخر مسالك هذا الابتداء"؟، ولعله بهذه العبارة قد مزج بين مستويين من قوة الرؤى وتأثيرها. فسؤاله ــ أنا أم الوثن ــ دال على الامتزاج، أي لا انفصال بين الاثنين فهو الأنا وهو الوثن . ولا فرق هنا في هذا الفيض أن يكون من أي طرف يصدر. المهم أن الذات متعلقة بالقوة المعنوية الصوفية، والمهم أكثر الفيض من النور لا المسبب. وهذا هو المتحقق الصوفي. وهو القريب من قول أبي منصور الحلاج في "إني أرى الله، أو الله في جبتي" وهو قصد لم يدركه ذوو السلطة، بل ذهب أدراج الرياح كما اعتقدوا غافلين عن صفاء الرؤى والرؤيا التي بقيت محلّقة في طيات التاريخ، سواء كانت هذه الرؤى صوفية أم مادية وضعية . فالهدف العام هو ما يُحدد شرعيتها في الوجود.


التركيز على ثيمة الوجود



نجده يؤكد أيضا ً بعبارة أكثر تركيزا ً على مثل هذه الرؤى، لكنها توضح الطبيعة أو الكينونة بقوله:"فوق الموجة الأسماء تتلاشى.. أحيانا ً .. تتكون"، ولنتأمل في هذه العبارة القصيرة والمركّزة في آن واحد . فتلاشي الأسماء يعني نكران الذات ، وهي صفة الصوفي الذي يُمحي الذات ويُبقي الأثر للآخرين، فتتلاشى تعني تختفي أو تضمر، ولكن ليس على حساب المعنى. للمعنى البقاء وللإنسان الفناء. وتلك سيرة وسر الوجود. أما ــ أحيانا ً تتكوّن ــ ففيها الجدلية متمكنة من قدرتها وتواليها في تأكيد الحقيقة. فالفناء الذي أشرنا إليه لا يعني فناء الكل، فهو باق، إذ يتجدد في هذا الجزء أو ذاك، فالوجود لم يتوقف في فناء "الحلاج" بل واصل حراكه وتناميه في وجود غيره ممن لهم رؤى متجددة. وأرى أن في هذا أيضا ً تأكيداً من "عادل" على مواصلة العطاء في الوجود. لقد انفتحت المجالات كثيراً في تداعيات المتأمِل "عادل كامل" في سعة الوجود . لكنه وضمن وجوده المقتصر يُدرك إن لا اتساع في الرؤى بدون العمل على تركيز التأمل والزيادة فيه. بمعنى لابد من امتلاك الزمن في عزلة الكرستال التي تفتح الأبواب ولعل عبارة:" يأتون من البعيد.. يا للكهف.. ثم باستدراك الهواء يرجعون: يا من لم تولد.. إن عويل قبرك أقل فرحا ً من رحيلي"، ولعل هذا ينطوي على مساءلة واسعة ومكينة في مجال الصيرورة التي لا تتوقف في ــ يأتون ــ ومن البعيد أي من التاريخ وــ يا للكهف ــ أراها مرتبطة بالواقع، أي بالمُحدد والمحدود لأنها أساسا ً تنفتح باستكمال العبارة في ــ يرجعون ــ والدليل الآخر ما تنطوي عليه بقية العبارة من جدلية الفناء والانبعاث في ــ عويل قبرك ــ وــ فرحا ً ــ و ــ رحيلي ــ، هذه المفردات المركّزة هي ما أشار إليها "النفّري" والمراوحة بين سعة الرؤيا والعبارة. و"عادل" يحاول اتخاذ ناصية الرؤى الصوفية ليحدد كيف تتسع العبارة، وكيف تتركز في آن واحد. لأنه أساسا معنيّ بالحكمة من كل هذا الحراك الذهني التأملي، لاسيّما في عبارته اللاحقة "ليس للحكمة باب. يا أيتها النفس اخرجي، فالمدينة خالية من حرس الليل. لا ملائكة، لا ياقوت في المدى. جبل يلملم لصوص القلب. فالعاشق استوي على عرش حصاة، وأنا عند السماء. كفت روحي الشكوى، يا أيتها النفس اخرجي فالآتون ظرفاء، لا أمير خير من أمير، فالظلام حشرنا/ جميعا ً/ فرّقنا في حبة رمل".


رؤى الشعر


إن الفنان المسكون برؤى الشعر يُحيلنا إلى اتجاهات متعددة من خلال تأملاته غير المستقرة على حال ثابت. وهذه الصيرورة إنما تؤكد قوله أن الحكمة بلا باب. فهي تنفتح فجأة إذا توفرت لها مفاتيح المعالجة . وتلك المفاتيح كامنة في صيرورة الحراك التأملي. وهكذا فعل المتأمِل "عادل" حين تدرج في البحث عن حكمته إلتي لا ينتهي البحث عنها، بسبب جدلية وأزلية الوجود. فهو يتواصل في الدخول إلى المغلق افتراضا ً والمنفتح بلا مفتاح افتراضا ً أيضا ً. لأنه إنما يترك النتائج رهينة تلك الحالة من الاتحاد مع الوجود. فسؤاله روحي ورقة ونفسي صدى صوت أم صوت صدى"؟، ينمّ عن إدراك ما لا يُدرك. وهو إشارة إلى الموجود في الوجود. لأنه يتواصل مع صور فيها الكثير من متحقق الوجود. وهي أسئلة مشروعة، بسبب ارتباطها بالكينونة:" الميت يرحل ليولد؟ كلمات القلب تكتب الكتاب.. والعاشق يتبعثر. يا للمثقل بالهواء آن لك تدبر الإقامة: طرز لا مبالاتك بالغياب، أعلن ميلادك: ليس بالدهور تعمر المؤانسات. أفق: يا أيها العاشق مستودعك التراب. خذ حفنة من الأرض وامح بها آثار خطاك: القلب جمّع قلائده للمنفى هدايا غانيات. آيا أيتها العاصفة أما آن لك الرحيل ؟ هذا حبيبي أراه كلما ابتعد .. هذا حبيبي لا يراني كلما اقتربت. يا لصوت الجذر وهو يتوزع: الريح تدفع بالسفينة، والغرقى فوق الغرقى يعلنون الاحتفالات. هذه عروسي لا اعرف أسبقتني إلى المنفى أم تعثرت خطاي.. هذه عروسي تقيم لي ولائمها: رملة فوق رملة أناشيد وداع".
إن عباراته تلك تضمر نوع الأسى الكامن في الذات جرّاء ما تكبده المخلوق في وجوده. وهي ليس مكمنا ً للجزع فحسب ، وإنما مكمن للوجع الذي يفتح مداخل العبارة الصوفية، التي هي الأصل في تأملات الصوفيين واجتراحاتهم في الوجود . فالتأمل فعل مركون ، لكنه يحمل حراكه في النمط الداخلي للعبارة التي ينتجها العقل بعيدا ً عن الفذلكة والتنميق ، فهي لا تفتح بابها سوى بعبارات مكثفة. وحسبي عالج المُتأمِل ذلك بعبارة لاحقة "من ذا صاغ كتاب الكلام ومد الكف ومن ذا للدهر قال يا ليتني كنت نفياً منفياً؟" وما يؤكد ذلك عباراته اللاحقة :
"اليد فوق اليد كتاب نياشين.. هو ذا الفجر يبزغ يطلع أمام الليل. هكذا الجدران تمايلت/ انشقت/ تهاوت فيما القلب كبذرة أعاد صياغة العرش.اليد فوق اليد نياشين كتاب.. أيها الاسم الممحو أتبحث عن آخر أكثر محواً. تباً للكاتب ولعنة للكتاب، فالممحو ما زال يحمل عرشه: كواكب انطفأت/ تلاشت، إنما ظلالها فوق القلب يد تكتب آخر الكلام".
يا لقلبي كم علمك صوت اللامبالاة التقدم إنما ما جدوى الصوت.
عند الجذور، ذرات هواء ، ووثن يغازل ظلاله .. ليس هو بالرماد.
يا لقلبي كم صبرت: شموعي مضاءة.. والغابة تأتي بالقلائد: أوسمة للهواء، أوسمة للحشائش، فانا أغادر.. مملكة بلا أعذار.. إلى هناك.. إلى هناك.. بلا اسم بين الأسماء، وأنت كل الأسماء بين الممحوين". وهذا المقطع من تهدجاته الصوفية حاملة للتركيز ، تاركا ً العبارة تختزل مشهدها عبر المفردة التي تُشكّل بوجودها العبارة ، لما لها من فيض روحي من مثل "ذرات ،كواكب ، مضاءة ، جذور، هواء" وآخرها يترك العبارة تقفل مسارها في "وأنت كل الأسماء بين الممحوين" فالمحو هنا دال على فعالية الآخر ، ممن يصادر مكوّنات وجود الأنا الفاعلة . فمحو الجسد ومن ثم الاسم من التاريخ ، لم يذهب بالحلاج عن ذاكرة بغداد ، ولا عن ذاكرة التاريخ بشكله العام . كذلك غيره ، فقد حفظ التاريخ لكل من أشار بيده للطريق موضعا ً مناسبا ً تفخر به الذات الجامعة ، أو ما نصطلح عليه العقل الجمعي. وهو أيضا ً ما يحفظ لـ "لعادل وقرائنه" مثل هذا السجّل الصافي كالماء لذا فهو مطمئن على صورة مصيره تماما ً، لأن كل كشوفاته تدله على موئل كهذا:
"بلور مدفني.. "باب الأبواب بابي" ادخل ليس للداخل أعذار، ليس للخارج مفاتيح:مدفني صغير وجسدي غائب.
ادخل.. باب الأبواب بابي.. ومدفني "هناك". ولعله بهذا يغدو داعية لمن يحاول ولوج ما ولجه المتأمل من مكان، يُخلّد وجوده المعنوي عبر عطاء خاص لهذا الوجود غير الممحو بالمطلق . وهذه الدعوة لم تكن سوى اصطفاء الأمثال من النوع البشري، من الذين توحدوا مع الحقيقة المطلقة في الوجود، والذين خاضوا التجربة من أضيّق فضائها فاستحقوا دعوة المكوث في هذا الملكوت وافر الضوء والسطوع.
طريق الشعب/ العدد 79  السنة 80 الأحد 30 تشرين الثاني 2014

ليست هناك تعليقات: