بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 19 يوليو 2015

قصة قصيرة لا احد سوى الجميع-عادل كامل

 قصة قصيرة

لا احد سوى الجميع

عادل كامل


    عندما غادر قفصه، وجناح الطيور، والحديقة بأسرها، سرا ً، وعلى عجل، لم يخش النتائج، إن وقع في الأسر، أو بقبضة الحرس، فترك جسده للمسافة وقد رآها تمتد، إلى ما لانهاية. لكن ثمة غصة ما لم يقدر أن يعالجها، طوال غيابه، طالما عملت كما يعمل السم لا هو بالشافي، ولا هو بالقاتل. ولكنه عندما لم يعد يحتمل البقاء طويلا ً، متنقلا ً في المنافي، لم يكترث لمخاطر العودة، وما سيترتب عليها من مضاعفات، ومفاجآت.
    وقف الطائر يحدق في القفص الكبير...، فتلقى أولى الصدمات: انه لم يعد يرى سوى الهيكل الحديدي، قائما ً، وثمة، داخله، توزعت مجموعة كبيرة من الصناديق الشبيهة بالأقفاص، تذكرها، بحسب أنواع الطيور: النسور في الأعلى، إلى جانب الصقور، والجوارح، وفي الوسط، توزعت أقفاص الحمام والبلابل والعصافير، بمختلف ألوانها، وأحجامها، والباقي رصف فوق الأرض، للدواجن، وللبرمائيات، وللتي فقدت قدرتها على الطيران.
ـ لا احد ...، لا احد تماما ً!
   فكر، بعد أن احتوى الصدمة، بذعر مكتوم، منشغلا ً بالانتقال من ركن إلى آخر، ومن زاوية إلى أخرى...، فلم يعثر إلا على بقايا لم تساعده على فهم ما حل في الجناح، المحصن، وما إذا كانت المفترسات قد أجهزت عليها، وشنت غارة مميتة، أو تعرضت الطيور إلى اعتداء الأفاعي، أو بنات أوى، أم قد تكون هاجرت، وفرت جميعا ً...، للأسباب ذاتها التي دعته للقبول بالهزيمة، والنجاة بجلده، كما يقال، أم أن إدارة الحديقة ـ دار بباله ـ قد قامت بعمل ما كالقضاء عليها، أو بيعها، أو نقلها إلى قسم آخر، أو إنها قد تكون تعرضت إلى الإبادة الجماعية، بسبب وباء فتاك، أو بسبب كارثة أو نكبة طالما كانت تهدد مصائر الجميع بالانقراض، والزوال.
   وقف يحدق في عش اللقالق، فلم ير سوى بقايا أغصان، وريش، بجواره ثمة أعشاش متناثرة للحمام، والنسور، ولطيور الماء، والبلابل، وغيرها كثير...، لا تفصح عما حدث...
   كان القفص الكبير المترامي الأطراف محاطا ً بغابة من الأشجار، فراح يبحث عن طائر ما، عصفور أو حمامة...، بلا جدوى، فأغصان الأشجار تتمايل من غير اثر لطائر ما، ولا حتى ما يدل على وجود حياة لكائنات أخرى، في الأسفل، وفي باقي أجنحة الحديقة.
    وكأن الصدمة ـ دار بخلده ـ كانت اشد من أن تحطمه، فسمحت له، وهو يراقب، بالبحث عن اثر....، فكر، لأنه طالما كان منشغلا ً بإعادة الحفر بما كان يروى له، من ذويه، وجيرانه، حكايات عن العصر الذهبي للجناح، يوم كان مزدهرا ً بكوكبة من أجناس شتى، متنوعة، مختلفة، تعيش بسلام، ثم تلاشت، برمشة عين، من غير أسباب واضحة، أو شافية. كان ذلك قبل تعرضهم لهجمات الحيوانات المفترسة، وما كانت تحدثه من دمار ، وتنكيل، وتخريب....، تذكر إن إدارة الحديقة، لم تبذل جهدا ً يذكر في التصدي، ومنع تلك الهجمات، برغم مطالبتهم بالحماية، بل ـ أعلن ذلك من غير تردد ـ كانت تسهم بتوفير أجواء ساعدت الفئران، والجرذان، والكلاب، وبنات أوى، والضباع في اختراق الأسلاك، والمشبكات، والحواجز، لتنقض على أعشاش الطيور في أقفاصها، بل وتطاردها من مكان إلى آخر...، حتى أدرك إن المواجهة غير متكافئة، ففر من كوة عثر عليها في السور، تاركا ً جناحيه للريح، ومصيره للمجهول.
ـ لا احد ....، حتى الإوز، والنوارس، والبجع، وطيور البحر، وعصافير الحب، والحمام الملون، والزاجل، ودجاج الماء، واللقالق....، كلها، توارت، واختفت تماما ً.
   وكأنه عثر على رد يفسر اختفاء العاصمة الكبرى التي أقامها أسلافه، في الحديقة، قبل آلاف السنين، ولم تترك حتى أثرا ً لحجارتها، أو أقفاصها، أو ممراتها، أو ما تبقى من معالمها، وعلاماتها...، فراح يستعيد صوت جده يخبره عن مخلوقات لا مرئية شبيهة بما يسكن الزمن ويحركه داهمت المدينة، مع إن المعلومات المتداولة تقول إن بركانا ً ضربها، ممهدا ً الدرب لغزاة استولوا عليها، فخربوها، ومحوها من الوجود. وأيا ً كان السبب ...، فكر مع نفسه، فقد انشغل بالسؤال الذي سمح له بالعثور على إجابات غامضة، ألا وهو كيف اختفت الحديقة وغابت بالمرة...، ولم يجد طريقة تساعده كي لا يصبح ـ هو ـ جزءا ً من المعضلة، وليس حلا ً لها ...، فلقد كان منذ صغره يتتبع بحرص مراقبة العوامل في تداخلاتها، غير مصغ للتلفيات، والمواعظ، والتلقينات، والنواهي، مما أفضى به إلى نهاية كادت تودي بحياته، فاستثمر أول فرصة للنجاة، للهرب والخلاص من الملاحقات.
ـ أين انتم...؟
   فتخيل أجداده، وأهله، ومعارفه ...، وتخيل الأزقة، الممرات، الغابات، الجداول، والفضاءات تنبسط قدامه، كأنها مشاهد يستعرضها في فلم ...، ثم لم يعد يرى سوى الأقفاص متآكلة، والجدران استحالت إلى أكوم أنقاض، والغابة تحولت إلى جذوع خاوية تتخللها الريح ...، فابتعد، يثب، بقفزات طائر أنهكه السفر...، باتجاه ساحل المستنقع ...، فلمح مخلفات متناثرة ممتزجة بالرمل...
ـ لا احد ...
   فرفع رأسه إلى الأعلى قليلا ً: سماء صافية فقدت زرقتها...، فتذكر انه عندما ترك جسده يحّوم مبتعدا ً انه رأى اللون نفسه: بياض مشوب برائحة عفن....، فلم يسرع بالفرار كي يختزن آخر مشاهد ليحتفظ بها ذكرى للقطيعة التي ظن أنها شبيهة بالموت...، إنما ـ بعد عقود طويلة ـ وجد صعوبة بالاندماج حتى في الحدائق التي أسهم بمنحها جهدا ً كبيرا ً ولا يعوض.
    بلذة غامضة اخذ نفسا ً عميقا ً لعل الروائح تعيد له الأشكال التي راح يستذكرها قبل مغادرته للحديقة...، إنما لم يجد سوى الأسوار تتقاطع  تاركة الممرات تجرجره فتقدم لعله يعثر على اثر دال على الحديقة التي غادرها...، فتخيل انه سمع من يرجوه التريث، فقال بشرود:
ـ لم أكن انوي المغادرة...، والعودة....، والبحث عن ...
   وراح يحدق في تراب الأرض، وعشبها الجاف: دغل ناعم شق صخرة سوداء لمحه يتمايل...
ـ أثر حياة!
   حتى كاد ـ رغم تتابع الصدمات ـ يصرخ بفرحة انه عثر على: نبات.
ـ دغل...
   وتلمس حافاته كأشكال لها هالات ملونة متداخلة...، فتخيل دخان منارة المحرقة، يختلط بالهواء، محدثا ً إشعاعات فاقعة اللون ذات أصداء لها أشكال انعكاسات الضوء على سطح الأمواج...، فاقترب منها: باب يترنح وآخر تحول إلى ظل.
    ضرب الأرض لأجل أن لا يكون قد غطس في كابوس، مطمئنا ً انه في الممر ذاته الذي طالما عبره باتجاه البركة، حيث يمضي لحظات الفجر متأملا ً تحولات الألوان...
ـ لا تسرع...
   لم يكن صوتا ً، فقد راح يميز أصوات الطيور، عن أصوات الزواحف، وعن أصوات البرمائيات، والثدييات...، واخذ يستدل، بوجود المحرقة، موقع المنصة الكبرى، وجناح الأسود، لصق جناح النمور، بجوار أقفاص القرود، والحمام.
ـ آ ...
   حتى وجد مشاعره تلين، فذرف دمعة فرح سرعات ما تحولت إلى دموع بكاء. فسأل نفسه:
ـ لِم َ عدت....، أمن اجل أن أموت...؟
   فوجد نفسه يرد على السؤال:
ـ لكنني كنت مت منذ غادرت....، وها أنا أولد!
    عندما حاول أن يحدد إن كان مازال طيرا ً صغيرا ً بحجم عصفور أم مازال ينتسب إلى الصقور، شعر بخيبة انه ربما أصبح من الزواحف: ثقيل وبطيء وشارد الذهن:
ـ إذا فانا عدت كأنني تناولت شرابا ً يكفي لقتل فيل!
ـ هل عدت لتلبة رغبة داخلية...، وأنا كنت سمعت ما يكفي للتخلص من الخرافات...، والوعود...، فانا أصبحت أعيش خارج مدى هذه الأسوار، وهذه الأقفاص، وخارج مدى هذه الجدران.
   إنما وجد ردا ً لاذعا ً سمح له باستعادة لحظات نادرة كان يحّوم فيها بين الممرات، وساحل النهر، مع رفقاء يفكرون بمستقبل الحديقة، ومصيرها.
   فشعر بقوة ما تفقده الجاذبية:
ـ بالأحرى تعيدها للعمل.
ـ لا فارق يذكر...! إن كان لها وجود أو غاب وجودها...
ـ الجاذبية...؟
    نظر إلى الوراء: كأن ثمة من ناداه...لا احد...، دار بخلده، معترضا ً، كأن أمي مازالت تدثرني وتحميني من البرد، أومن الذئاب.
ـ أغلق فمك كي لا تسمعك الأفعى...
   وكم ود لو ظهرت أمامه واحدة من تلك الأفاعي...، تبحث عنه، فيسرع في الطيران، ساخرا ً من أسطورة خلودها.
ـ حدث الشيء نفسه، يا عزيزي...، عندما هب الإعصار شديدا ً...، ثم غمرتنا المياه، وبعدها دكت أسوار الحديقة...، ومن ثم تم هدمها بالكامل...
ـ من ...؟
ـ لا ترفع صوتك!
     بحث عن الصوت فلم يجد إلا صخورا ً متناثرة، نمت بينها نباتات أبرية، ومدببة، وذات نهايات حلزونية، وأخرى لها أشواك ذات فروع متعددة؛ نباتات شبيهة بالصخور لها نهايات حادة....، فاقترب منها:
ـ ...
ـ كانت السماء مازالت تمتد ابعد من مداها...
   فسأل نفسه: الوقت أضاعك أم أنت أضعته؟
   ـ آ ..
    تأوه بصمت، وحذر، ذلك لأنه استعاد أمتع أيام فتوته...، وأكثرها صخبا ً..، قبل أن يجد انه غدا وحيدا ً، مطاردا ً، يبحث عن ملاذ امن، خشية أن يرسل إلى السرداب، ومن ثم إلى المحرقة، كي يبلغ قناعة انه لن يفك لغز الانحدار إلى النهايات ذاتها التي محت عاصمة أعظم الحدائق من الوجود القديم.
ـ تجلد ...!
ـ وهل نفد صبري...، هل كففت عن البحث...، هل تراخيت... ووهنت...؟
ـ أنت كنت على حق...!
   كاد يقفز في الهواء، بانعدام الجاذبية، وغياب الزمن، فقد تأكد له انه سمع صوتا ً ما لا مس خلاياه من الداخل...
ـ ولكنني من ذا باستطاعته أن يخبرني...، ويفسر لي، وينجدني ويوضح لي ما حدث...؟
 مصغيا ً إلى آخر رد على السؤال:
ـ وما الفائدة من الحديث عن أسباب غرق السفينة، وحطامها، وما جدوى لو نطق الرماد...؟
ـ دعك من الأسى...
     ما الذي يجري..، دار بخلده، ليشرد بصره إلى النباتات الصخرية ذات الحافات الحادة.. معترفا ً لنفسه:
ـ ها أنا وحيد...، مثل هذه الصخور...
ـ اقترب...، اقترب..
   تاه، فلم يستطع تحديد مصدر الصوت، مرددا ً بصوت خفيض: قبل أن افلت من المطاردة، ومن الوقوع بقبضاتهم...، شعرت بهذا الإحساس أيضا ً...، لا احد له علاقة بأحد، كأن القطيعة تؤدي دورها في ...
وصرخ من غير إرادة:
ـ وجدتها...ن وجدتها!
وسأل نفسه:
ـ ماذا وجدت...؟
أجاب:
ـ عوامل اندثار عاصمتنا الحبيبة...، واختفائها من الوجود...الآن أكاد اعرف كيف تتلاشى اصلب المعادن، وتتحول أنبل الأفكار إلى غبار...
    مصغيا ً إلى أصوات عويل، نباح، ثغاء، نعيب، هديل....، ترتفع ممتزجة بالاستغاثات، والرجاء، وطلب العون، النجدة، والاستغفار، والتضرع...
ـ كفى.
     فهم بضرب رأسه بالحافات الحادة للصخور ذات اللون الرمادي المائل للاخضرار المحمر...، فشاهدها تبتعد. وكأنه وجد ما كان يبحث عنه:
ـ لا تخافي...، أنا هو الخائف ...، أم أنت أكثر فزعا ً مني....؟
انتظر الرد، فلم يأت:
ـ أين ذهبتم، أين تواريتم، أين ....، فانا لم اسمع بحصول كارثة، أو حرب شاملة، أو نكبة أخرى ...؟
ـ اسكت، أغلق فمك..
ـ ومتى تكلمت....، فانا أمضيت حياتي أتلقى الأوامر...، وحتى عندما بلغت نهاية الأرض لم افلح بالتخلص من .....هذا الصمت المريب...
ـ لم نختف جميعا ً...، لم ننقرض تماما ً!
   ترك رأسه يتلقى ما يشبه الذبذبات:
ـ لم يتم اجتثاثنا دفعة واحدة والى الأبد...
  وسمع آخر يقول:
ـ فبعد أن سرت فعاليات الإبادة، والتصفيات، والذبح...، نزت الأرض بعفن شل بطشهم، وأوقفهم عند حدهم...، وفي الوقت نفسه منعنا من الهرب...، ولا نعرف ماذا حدث بعد ذلك.....، فقد صار الكل ضد الكل، الغربان تفترس الضباع، والنمور تدافع بشراسة متصدية لهجمات الجرذان، الذئاب لم تبق حملا ً، ولا الدببة تركت سمكة في المستنقع، الصقور شنت حربا ً ضروسا ً ضد الأرانب والماعز والجاموس، التماسيح استولت على اليابسة فلم تترك ثورا ً ولا غزالا ً ولا زرافة ولا دابة...، الأفاعي ابتلعت كل ما صادفها، العقارب لدغت كل من كان فيه نفس...، فقلنا: هذه هي نهايتنا.
ـ  ومر ليل طويل طويل طويل انتهى بفجر اسود...، حيث زحفت مخلوقات لا أشكال لها التهمت كل ما تبقى وكل من نجا وراحت تفترسه ...، فعمت الفوضى وساد عصر دخل الليل في مغارته، وولى النهار مستنجدا ً بالظلمات، حتى أصبحنا كالعميان احدنا يستدل بالآخر...
ـ وهبت ريح حمراء أعقبتها أخرى سوداء حتى انعدمت الرؤية...، فتكوم الموتى فوق الموتى، قبل أن يبدأ سفر النهب والسلب والحرق، حيث نهبت الأقفاص، والأجنحة، وكل ما عثروا عليه في الزرائب والحظائر والجحور، فلم يبق مكان إلا وتم تدنسيه...، ثم اقتلعوا الأشجار، وهدموا الأنصاب والمنصات والتماثيل، ونهبوا كنوزنا ...
ـ من انتم...؟
ـ وهل نستطيع أن نعرف من نحن، وما الذي تبقى منا...؟
ـ أنا أتحدث إلى زعيمكم...؟
ـ ها أنت تتحدث إلى بقايا ريش، وبقايا عظام، وبقايا روح ملتاعة!
ـ لكنك لم تعد تخشاني، بل أراك تحذرني...؟
ـ آ ...، أيها الطيب ... لماذا فعلتها...؟
ـ أكان علي ّ أن لا اهرب...، وأنت لا تعرف من كان يسلخ جلد الآخر، هل الجار أم الغريب أم الصديق أم أهل البيت الواحد، ومن كان يفترس الآخر، حتى أصبحنا نجهل من بذر تلك البذرة وحولتنا إلى حفنة أشرار يتلهى الواحد منا بالآخر...، أم كان هو القدر قدر له أن لا يتراجع ..، وان لا يتريث...، كي تطلب مني أن لا اهرب وادع جسدي يرمى مع الجثث ليتعفن مع الفضلات فوق أكداس القمامة...؟
ـ .....
ـ أم انك قصدك أن لا أنجو أصلا ً ....، بعد زحف الموت عليكم، وعمّ الخراب...؟
ـ ....
ـ أم كان علي ّ أن أتضامن مع فريق من فرق القتل ضد آخر منشغلا ً بالنجاة على حساب دماء بريئة اسفكها بدافع الفوز والاحتفال بالنصر...؟
ـ ....
ـ آ ....، ها أنا لا أرى إلا الضباب يحك جلده بالتراب ممتزجا ً بالفراغات....، لا أرى سوى السراب يتموج مبتعدا ً ومقتربا ً وكأنه يمحو نفسه بنفسه...، فالكل هلك...، المنتصر قبل الخاسر، والخاسر قبل المنتصر....
ـ ...
ـ أم انك ستقول لي: هذه هي اللعبة...، لا حياد ولا عدل ولا صواب فيها....، فالماكر يفطس بأنياب الأكثر مكرا ً، ولا قوي إلا وهناك من هو أقوى منه، لترى في النهاية إن الليل اختلط بالنهار، والأخير رقد في أقاصيه المظلمة.....، فالمغوار يجد من يمحقه، والأشرس يجد من يذله، والأضعف يجد اوهن منه يهرب منه ليوقعه في كمينه...، لأنها لعبة كمائن...، وليست لعبة عقول شفافة! لأنها، يا بقايا الريش، ويا حفنة الرماد، مثل رواية يرويها بغل محاصر بين الخيول والحمير!
ووجد نفسه يقهقه من غير إرادة:
ـ حتى وأنا اقترب من هذا الفراغ...، سمعت احد القتلة يقول لي: ماذا تفعل أيها المخبر....؟ فتذكرت إنني طالما احتميت به، ليخلصني من قنفذ كلف بالرصد، ومن ذئب صار يؤدي دور الكلاب، ومن صقر أوكلت له مهمة رصد أصوات البلبل والعصافير! فقلت له: أأنا الذي كان شعاره اقض عليهم قبل أن يقضوا علينا؟ لكنه لوح بأنيابه، ومخالبه، فلذت بالفرار.....، حتى أصبحت الدنيا بما رحبت مساحة بحدود حبة خردل!
ـ ... آ ...، أيها الطيب، لا تكترث، فالفضاء غدا خليطا ً من أنفاسنا، فهل تقدر أن تميز أصوات الثكالى عن زمجرات القتلة، وتميز بين عويل الأرامل عن أناشيد مزهقي الأرواح....، فالهواء مقبرة أبدية!
   كاد يفقد وعيه، ولكنه مكث يبحث عن مصدر الصوت:
ـ أرجوك، أود أن أراك...؟
    لكنه راح يستنشق رائحة ندية فكف عن الأسئلة، مصغيا ً للآخر:
ـ وهل لدي ّ قدرة معرفة من أكون...؛ كي أخبرك...؛ فهل أنا غراب أم بلبل، هل أنا نسر أم عصفور، هل أنا حمامة أم بوم...، أم أنا لا اقدر حتى على معرفة إذا ما كنت طيفا ً أم شبحا ً...، أم أنا الظل الذي راح يبحث عن ملاذ كي ينهشه الضوء..؟
ـ ما الذي حل بكم يا أهلي...؟
ـ كأنك تتجاهل ما الذي حل بك...؟
ـ أنا وجدت المسافات تأخذني فقلت: اذهب معها....
ـ وما الذي جنيته غير تخليك عنا...؟
ـ أنا لم أتخل عنكم...، فانا لم استبدل الجحيم بالفردوس، والخوف بالأمان... لأنني مازالت اجهل لماذا هربت...، ولماذا لذت بالفرار....؟
ـ ها أنت تعترف انك لم تختر هزيمتك بالنجاة...، وإلا لماذا عدت ... إلينا؟
ـ إليكم... أين انتم..؟
ـ ها أنت تدرك أن ما حل بنا لا يستحق أن يروى...
ـ أنا اجهل ما حل بكم....!
ـ صحيح...، لأنك تجهل ما حل بك، وما صرت عليه..؟
ـ اخبرني أيها الزعيم المجهول أأنت هو الموت...؟
ـ لا!
ـ أأنت هو من فعل بشعبي هذه الفعلة الشنيعة...؟
ـ لا!
ـ من أنت إذا ً ...؟
ـ إذا كنت نجوت إلى حين...، فانا لذت بالموت!
ـ وهل هناك نجاة منه...؟
ـ هذا ما قاله جدك لنا...
ـ وماذا قال..؟
ـ مت كي لا تموت! بدل أن تبقى تحمل هزيمتك في المنافي...؟
ـ لكن ما الأرض سوى دار خربة، نولد فيها لنظن إننا عثرنا على ما نبحث عنه، أو أضعناه...، ثم نكتشف إننا أضعنا ما ليس لنا!
ـ آ...، لماذا عدت إذا ً...؟
ـ لو كنت اعرف لقلت لك: جئت أموت في الرحم الذي خرجت منه!
ـ لكنك لم تخرج من الرحم، ولا من الأرض، بل خرجت من الذي ستعود إليه...، فالكون اللا محدود هو مأواك..؟
ـ أين هو هذا الكون اللا محدود...؟
ـ لا تبحث عنه..، لأنك ما أن تعثر عليه حتى تفقده!
ـ آ .....، يا سيدي، إن نجوت من العقارب فلن تنجوا من البرغوث، وإن نجوت من الموت فلن تكون الحياة سوى قفصه! وإن نجوت من الذئاب فلن تنجوا من الأفاعي...، وإن نجوت من الشر فان الخلاص سيساومك ويخبرك: أما أن تكون الشرير اللص الماكر المفترس الفاسد الزاني مرتبك الكبائر ومرتكب الأكبر منها، وأما أن تمضي حياتك تبحث عن حفرة فلا تجدها....، وما أن تجدها حتى تجد إنها تحولت إلى قبر...، وما أن تسكنه حتى تطرد منه! فهي حروب موتى...، يا سيدي!
ـ أفقدت عقلك..؟
ـ آ ...، انه رأسي، كلما تحسسته وجدته يتدلى!
ـ أتعرف لماذا...؟
ـ لا اعرف.
ـ ها أنت أجبت!
ـ لأنني ولدت ضحية...؟
ـ بل لأنك اخترت أن تنوح على الضحايا، وليس على نفسك!
ـ أين أولي... والطرق كلها ضاقت..، أين أولي والكل ضحايا ؟
ـ لن تقدر أن تذهب ابعد من مداك...، فما عليك إلا أن تكتم السر!
ـ أي سر...؟
ـ انك قهرت من سعى إلى قهرك!
ـ أنا لم اسع لقهر احد...، فالذي أراد محوي كان أعمى...، وإلا هل هناك من كان يمشي في دروب الظلمات لو كان يمتلك قليلا ً من البصر...، هل سمعت أن هناك من يختار جهنم طواعية تاركا ً النعيم والجنان أم لأنه عليل واهن العقل قليل الحيلة جاهل أو اقل من ذلك...؟
ـ تبدو حكايتنا بلغت ذروتها...، فالحديقة في الأصل خرجت من الظلمات، وما نحن إلا أحفاد أسلافنا الذين انحدروا من عفن السواحل.....، يوم كان اللا محدود لم يظهر شره أو ما هو أقسى من ذلك، وعندما كانت الرحمة خالصة!
ـ ألا يوجد ممر لنجاتنا، وليس لنجاتي، فماذا افعل في حديقة خالية منا.. ؟
ـ هو الممر الذي ستبقى تبحث عنه..، وما أن تعثر عليه إلا كي يستدعيك للذهاب بعيدا ً فيه...
ـ اكرر، سيدي، أريد أن أراك.
ـ لن تقدر أن تراني...، ولكن ما عليك إلا أن تعيد النظر في هذه الصخور...، وتبصر ما بينها.
ـ لا أرى شيئا ً عدا النباتات ذات الحافات الحادة، الإبر، والأشواك، كأنها النبال...؟
ـ آ...، اقترب منها...
ـ ها أنا اقترب ... حتى أكاد افقد الأمل في رؤية ما تريدني أن أراه...
ـ إن كنت تعتقد انك فقدت الأمل بالعثور علينا...، وعلى هذا الذي ينمو ما بين الصخور، وفي اصلب المعادن، وقد مد جذوره في الأعماق...، فعد من حيث أتيت...
   استعاد رائحة الأصوات تحاصره عند نهاية الممر...، قدام المستنقع، ولكنه لم يستغث، ولم يصرخ.  فاختبأ في عش مهدم، متذكرا ً، إنهم مازالوا خلفه، لا يكلون عن رصد بقايا رفيف جناحيه...، ولكنهم انشغلوا بأخر لم يستطع الفرار...، والنجاة من مخالبهم، وأنيابهم...، سمعه يتأوه، يتألم، يستنجد، ويتضرع: لا تقتلوني. فود لو صرخ فيه: لا تمنحهم نشوة الانتصار! مت ودع صوتك يدوي داخل رؤوسهم الجوفاء.  سمعه يتلعثم، ويهذي:
ـ أنا اختبأت داخل لون الأشجار، والورود، حتى لم يعد يراني احد...، صرت بلون البراعم ...، والرذاذ.
ـ ...
ـ  ولكنهم لم يتركوا الضحية إلا وهو ملقى يحدق في زرقة السماء. قلت له: إنها تسمعك! فخفت أن يرصدوا صوتي وهو يحك حافاته داخل راسي..، فأغلقت فمي وقلت: السماء ترى!
ـ ....
ـ  فلم يبق أمامي إلا أن أكون بحماية المجهول....، فطرت، مع إحساسي بوجود رصاصة ما ترصد جسدي النحيل...آ ....، كأن القتلة ليسوا إلا تلك الجرثومة التي تجعل الأمل فراغا ً، وهما ً، وحفنة فضلات!
سمع همهمة شبيهة بالصوت:
ـ ها أنت ترانا !
ـ  لم يغب العش عني، ولا أغصان الأشجار، ولا الممرات...، لم تغب الغابة ولا ضفاف النهر، لم انس رذاذ المطر يلامس أحلامي أثناء العودة من المدرسة إلى البيت....آ ...، سألت نفسي: لماذا يفعلون ذلك...، من أمرهم...، وماذا سيربحون غير ذهابنا جميعا ًمع الريح، والرمال...؟
ـ ....
ـ ولكن أين هم...، القتلة... الآن، وقد غابوا وذهب زمنهم...؟
ـ ها أنت تبصر!
ـ لقد أصبحت أعمى... بعد أن غرقت السفينة، ولم ينج احد من الطوفان...، وأنا الآن اهبط إلى القاع..!
ـ انك معنا...، نراك وترانا، لأنك كنت كلما ابتعدت عنا كنت تحفر جذرك فينا...، معنا،  فالأمل ليس أن تحصل على ما كنت تريد...، بل أن لا تفقده وأنت تراه يغيب...!
ـ عدت أتذكر ما حصل لي...، سيدي: فها أنا اسمع من يهمس في ّ: انج بريشك! كاتما صوتي حتى لم يعد لدي ّ وجود يلفت أنظارهم، وحواسهم المتوثبة. لكنني كنت أتابع كيف أوقعوا جاري بالمصيدة،  فأمرته بحواسي العليا ألا يفتح فمه. فذبحوه ولم ينطق بكلمة. وجاءوا برأس فأر وحشروه داخل جوفه، وقطعوا رأسه ووضعوها داخل جوف الفأر. لكن جاري طار بجثمان فأر، والفأر حوم بجناحي صقر...، وكلاهما ارتفع إلى أعلى عليين...، فانشقت السماء، كي يغيبان بعيدا ًعن فوهات المطاردين، وبعيدا ً عن نبالهم ذات الدمار الناعم!
ـ ...
ـ هل كان علي ّ أن أجد حديقة أخرى أموت فيها بهدوء...، كما تموت النباتات ما بين الصخور، تحت أشعة الشمس الحارقة...، أم أموت حرقا ً، أو تقطيعا ً، أو أذوّب بالأحواض، أو أمزق، أو ألقى إلى نار المحرقة، أم أرى جثماني يتعفن بجوار الأبرياء مع النفايات في المزابل....، في هذه الحديقة التي لا اعرف هل أنا هو من اختار الولادة فيها أم هي التي اختارتني وقررت لي نهاية لا تليق حتى بالقمل، أو بالبعوض، أو حتى بالصراصير...؟
    ولم يعد يسمع أو يستنشق أو يرى أو يشعر بشيء، فدار حول نفسه دورة كاملة:
ـ لا تتركني ...، فانا عشت وحيدا ً...، انتقل من حديقة إلى أخرى...، وها أنا أعود إلى المكان الذي نبذني، طردني...، وسعى لدفني وأنا في مقتبل العمر...، المكان الذي كاد يقضي علي ! ...ولكن ماذا افعل ببلاد أنا غريب عنها، مثلما هي غريبة عني...، حتى لو سمحت لي بالرقص..؟
ـ آ ...
  سمع ما يشبه التأوه، والحسرة:
ـ ليس لدي ما أخشى خسرانه، وفقدانه...
ـ سيدي...، أخبرتك بما اعرف ولا ضرورة للإعادة، والتكرار...، فلا جديد باستطاعته أن يغوينا بالانتظار...، فالقديم أقدم من أن يكون قديما ً!
ـ آ ....، لم يعد لديك ما تخسره...، لأنك لو كنت تمتلك الذي لا يمكن فقدانه لعرفت انك...
ـ انطق، أرجوك... فانا أريد أن اعرف أين ذهب جدي، وأين ذهبت عائلتي، وأين هم صحبي، وأين هي حديقتنا....؟
ـ لقد أخبرتك بالحقيقة كاملة!
     تاه بصره متنقلا ًبين بقايا الأقفاص، الجدران، الأطلال، وأكوام النفايات، ألقى المبعثرة، والحيطان المتهالكة، بأسى منعه من النطق.
ـ هذه هي الحقيقة...!
ـ ....
ـ فقد تم القضاء علينا، بهدوء، بهدوء...، وبصخب هادي، بهدوء.... بهدوء تام...
ـ ....
ـ بهدوء... بهدوء...عبر سنوات غيابك، حيث كنا نتذوق ما كان يحدث بمعرفة أغلقت علينا أبواب النجاة، لكنها لم تقض علينا...، ولكن الجديد ـ كما قلت ـ ليس إلا ما كان قد تم استهلاكه، حتى غدا بلا اثر، لا في ماضيه ولا في قابل الأيام...، فالحديقة ـ ككل هذا الذي تراه  ـ طيفا ً أو شبحا ً ـ  أقدم من يكون قديما ً...، فزمن الحديقة أقدم من الزمن!
   وجد فمه ينطق من غير إرادة، ومن غير حذر، وبلا تردد:
ـ والآن... أرجوك...، اخبرني ... أرجوك... أم علي ّ أن أتضرع، واستنجد، وانحني، واستعطفك ...؟
ـ لا ... لا تتضرع، ولا تستنجد..، ولا تنحني... فانا سأخبرك...، فبعد أن لذت بالفرار...، ونجوت، جاعلا ً من الهزيمة خلاصا ً، ومن الهرب نصرا ً...، جرت التصفيات بأساليب لا تعد ولا تحصى، ملونة بأكثر الألوان تنوعا ً، وغرابة، فهناك من أرسل إلى المحرقة، وهناك من ترك يتعفن في قفصه، وهناك من ترك في العراء...، هناك من دفن حيا ً في الجحور وهناك من قتل وحشر مع المجهولين في المدافن الجماعية، من غير علامة أو اسم،  ثم أقيمت الاحتفالات...، فالكل ضد الكل، حتى أصبحنا شرذمة لا مأوى لها هاربين من مخالب الموت، وأنيابه...
ـ وماذا جرى بعد ذلك...؟
ـ جدك وجد الحل...، فقد عثر على مفتاح اللغز ذاته الذي عثر عليه جدنا الأعظم....، بعد أن نجونا من الطوفان...
ـ آه ...، عدنا إلى السفينة...؟
ـ لا...، لأن السفينة غرقت، وهلك من كان عليها!
ـ وماذا وجد  جدنا الأعظم ...؟
ـ لم يجد شيئا ً!
ـ أيها المخلوق المجهول، أيها الظل، يا حفنة الهواء ...، لم يبق لدي ّ إلا أن ... ارحل!
ـ وأين ستذهب...، بعد أن أقاموا الأسوار...، وأغلقوا أبواب الحديقة علينا...؟
ـ سأصعد وحيدا ً إلى السماء!
ـ وحيدا ً... وحيدا ً .. وحيدا ً...؟
ـ لم يبق لدي ّ إلا هذا الذي تركته الحياة لي: اثر ليس له اثر، ظل يتعثر بغياب ظله، ومثل نور تجمعت فيه ظلمات الأكوان وما قبلها وما بعدها، فانا أصبحت وحيدا ً مع وحدتي! بل وأنا أصبحت وحيدا ً من غيرها أيضا ً!
وفجأة بدأ بالضحك:
ـ لكن أنت معي...، لكن من أنت، يا حفنة الأثير، وأنا لا اعرف من تكون...؟
ـ آ ...، أنا ... هو جدك الأعظم...! أنا هو آخر حفيد من أحفادك...، أنا هو هذا النبات الذي يشاركك مصيرك...، أنا هو من يدّب هنا، فوق الرمل، وما بين الحجارة، وأنا هو من يسري في دمك، وقد سكنك!
ـ آ ....، تحولتم إلى دغل، إلى إعشاب صخرية، إلى نباتات لا مرئية، والى حشائش.....؟ ـ آ ...، آه... يا شعبي العنيد القدر نفسه أصبح يتعثر وهو ينسج حكايته!
ـ لا تظن إنها محض هزيمة...! فلو وجدت الهزيمة قبل وجودنا لكنا ـ وأنت معنا ـ لا مفر من اختراعا، ولا مناص من اختيارها!
ـ آ ... من هزم من.. ومن انتصر إذا ً ...، من اندحر ومن نجا...، من كان على صواب ومن كان على باطل...؟
ـ لا أحد ... لا احد انتصر؟ فليس باستطاعة احد أن يهزم هذا الذي وجد ابعد من الهزيمة والنصر، ابعد من العثرات، وأعمق من المحو...، وأكثر استحالة على الفناء أن يفنيه!
    لم يقدر إلا أن يستنشق الضوء، فترك فمه يغيب، محوّما ً في الفضاء، وهو يلامس اللا زمن يتموج من حوله، قدامه وخلفه، في الأعلى وفي الأسفل، ذرات لها أشكال عرفها، وما أن تحسسها حتى وجد انه لم يعد يفكر بالبحث عن آخر، أو عن نفسه!
Az4445363@gmail.com

18 تموز 2015  

ليست هناك تعليقات: