بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 28 يوليو 2015

إلى أين يسير العالم؟-علي بداي

ِ
إلى أين يسير العالم؟

علي بداي

أثار "توماس بيكيتي " Thomas Pekitty " الأستاذ في
"كلية الاقتصاد في باريس" والمولود في 1971 عبر كتابة "
رأس المال في القرن الواحد والعشرين" ضجة تعدت الأوساط
الأكاديمية إلى قطاعات جماهيرية واسعة في أميركا وبلدان
أوروبية كثيرة، امتدت من الطلاب والصحفيين والإعلاميين
ورجال المال والأعمال والاقتصاديين وعلماء الاجتماع لتنتهي
برجال الدولة.
ولربما يشكل نفاد الكتاب من المكتبات بسرعة فائقة استثنائية سابقة تدل
على الأهمية البالغة له، وتلبيته لحاجة ملحة لدى القراء في أميركا وأوروبا،
رغم أن الكتاب ليس رواية مغامرات بوليسية، ولا حكايات سحرية مثل
حكايات "هاري بوتر" ، ولامذكرات نجمة سينما من هووليود أو يوميات
بوش عن حرب احتلال العراق وما تتضمنه من أسرار وخفايا. الكتاب هو
كتاب اقتصاد ببيانات وارقام وتحليلات وجداول وكان من المنطقي وهو
بهذا الصفة أن ينتشر في أوساط محددة كباقي كتب الاقتصاد ذات الشعبية
4
المحدودة، لكن النتيجة المفاجئة للكثيرين التي توصل اليها الكتاب بعد بحث
مضن كانت من الأهمية أن تلاقفته الأيدي وطارت شهرته في الآفاق .
بدأ "بيكيتي" مع مجموعة من زملائه ومنهمإيمانول سايزمن جامعة
كاليفورنيا رحلة الغوص في أرشيف أكثر من 05 دولة بادئ ا من العام 1661
منتهي ا باقتصاد القرن الواحد والعشرين ليحلل بعمق وصبر معطيات أكثر
من مئتي سنة من البيانات المفصلة المتعلقة بتطور الرأسمالية في العالم
الغني وبعض الأسواق الناشئة الكبيرة من حيث النظام الضريبي، وتوزيع
الثروة ، ومستويات الدخل، ورواتب الموظفين في فترة صعود وتطور
الرأسمالية حتى وقتنا الحالي .
يظهر كتاب "بيكيتي" مشابها ً من حيث أسلوب البحث والعرض لكتاب
رأس الماللكارل ماركس، وفي حين تنبأ ماركس بانهيار الرأسمالية
بوصفه نتيجة حتمية لتناقضاتها وهو ما سيقود إلى بناء الجنة على الأرض
بقيادة البروليتاريا ، لا يرى "بيكيتي" في المستقبل نظاما ً جديد ا بديلا بل
هو يتحدث عن نمو بطيء يحصل خلاله أصحاب رأس المال الموسرون
على حصص أضخم وأضخم من الثروة العالمية والدخول أي مزيد ا من
تعميق الفوارق في المعيشة داخل مجتمعات أوروبا وأميركا .
شكلت النتيجة التي توصل اليها "بيكيتي أشبه بجرس إنذار : " أن عهد
الفوارق الطبقية والاجتماعية الحادة الذي شهده العالم الرأسمالي في القرن
التاسع عشر لم يكن استثناء في تأريخ الرأسمالية بل انه أقرب الى القاعدة".
مجتمعات الرفاه والنمو المتصاعد وفق ا له مهددة من قبل الرأسمالية ذاتها
التي تسير بخطى حثيثة نحو تركيز معظم الثروة بيد قلة تتحكم بمصير
الكثرة الباقية .
وبهذا يحذر "بيكيتي" من أن خطر عدم المساواة سوف يصل إلى
المستويات التي تسبب الاضطراب الاجتماعي الشديد وهذا ما لم يكن يطرأ
على بال أي أوروبي: " يجب أن لا ننسى أن الديمقراطية لا تنمو ولا تزدهر
في مجتمع تتعمق الفوارق بين أبنائه باستمرار ".
ومن بين ما يعرضه في الكتاب: في أميركا يستحوذ الآن 16 بالمائة فقط من
السكان على 56 بالمائة من الثروة ويتشارك الباقون وهم 06 بالمئة في
النصف المتبقي ، حول ذلك يقول" بيكيتي" أن فرق الدخل في_بداية
5
الرأسمالية كان بين المالكين والعاملين أما الآن فهو بين العاملين أنفسهم
حيث أن راتب موظف القمة عام 1056 في اميركا) مثلا مدراء الشركات
وأعضاء المجالس القيادية في البنوك( كان اكثر من راتب الموظف
المتوسط بعشرين مرة أما الآن فيزيد عليه بأكثر من مئتي مرة .
لنا أن نتساءل: لو كان كتاب "بيكيتي" صدر في وقت غير هذا الذي صدر
به هل كان له ذلك الصدى المدوي في اوسع الأوساط ؟ الجواب الاكثر
اقناع ا هو لا، لقد صدر في وقت أزمة طويلة وركود لم يسبق له مثيل
تعيشه أميركا وأوروبا والأقتصاد العالمي كله .
فالأوروبي الذي كان ينظر الى أنظمة الضمان الاجتماعي التي سنت في
أعقاب الحرب العالمية الثانية باعتبارها ثمرة تطور "الرأسمالية الناضجة"،
بدأ الآن يكتشف انها كانت بمعظمها ردود افعال على ماكان يتم تقديمه
للناس على الجانب الآخر من قبل الطرف المنافس الاتحاد السوفييتي وبلدان
اوروبا الشرقية التي الغت وجود طبقة ملاك وسائل الانتاج واعادت توزيع
الثروة داخل المجتمع بشكل خدمات اجتماعية شبه مجانية مثل الصحة
والاسكان والتعليم والنقل وثقافة مفتوحة للجميع .
وفي الحقيقة بدأ الأوروبيون يلمسون التقلص التدريجي في الأنفاق على
الخدمات الاجتماعية والصحية منذ سقوط جدار برلين العام 1006 دون أن
يثير ذلك التقلص الشك في نفوسهم بعلاقة ما بين هذا التقلص وانهيار نظام
أوروبا الشرقية الاشتراكية، إذ أن الأعداد الفكري للأجيال في أميركا
واوروبا الغربية قد رسخ في العقول أن أنظمة أوروبا الاشتراكية هي انظمة
استبدادية معادية لشعوب الغرب الاوروبي قامعة للحريات وحقوق الانسان
لذلك فان سقوطها لا يمكن الا أن يعني انتصار ا لمذهب أوروبا الغربية القائم
على إقتصاد السوق الحر والمزاحمة الحرة ومن ثم مزيد ا من النمو
والازدهار الاقتصادي والاجتماعي .
أنه اختبار تأريخي لقدرة الأميركيين والأوروبيين على النظر بموضوعية
الى نظامهم الاجتماعي والتخلص من آثار طرق التفكير المفروضة أثناء
الحرب الباردة ..ولربما توجب الإقرار ببعض التراجعات التي لابد منها،
ولربما أكثر من ذلك: انتظار الأسوأ...خلخلة الاستقرار الاقتصادي
والاجتماعي بفعل خلل توزيع الثروة.
مجلة(تموز) مالمو ـ 2015

ليست هناك تعليقات: