بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 2 أكتوبر 2016

فرقة جهجوكة: مزيج من الصوفية والوثنية- أريان فاريبورز ترجمة عبد اللطيف شعيب

فرقة جهجوكة:
مزيج من الصوفية والوثنية

أريان فاريبورز
ترجمة عبد اللطيف شعيب



الفرقة التقليدية جهجوكة لا توجد فرقة موسيقية في العالم الإسلامي لها تاريخ غني بالتقاليد الموسيقية مثل الفرقة المغربية المسماة جهجوكة، ومع ذلك فإن الحضارة المعاصرة والتطور الاجتماعي ألقيا بالظلال عليها. تقرير أريان فريبورز.

تقع قرية جهجوكة الصغيرة والتي يبلغ عدد سكانها حوالي خمسمائة نسمة على أطراف جبال الرّيف في شمال المغرب، وجدران بيوتها مطلية باللون الأبيض وأبوابها ونوافذها مدهونة باللون الأزرق. وفي القرية طريق وعر يمر فوق تلة يؤدي إلى مسجد القرية والمدرسة ويكثر على جانبيه شجيرات الصبار والأحجار الصخرية.

لسنا بصدد قرية من القرى المألوفة، إذ أن جهجوكة أنجبت فرقة موسيقية ممتازة، يعود أسلافها إلى القرن التاسع والعاشر الميلادي، وهم قد جاءوا من ايران وما زالوا حتى اليوم مشهورين بموسيقاهم الساحرة والشافية.

أسطورة سيدي أحمد الشيخ

ينتشر بين سكان القرية الصغيرة العديد من الأساطير والخرافات، خاصة أسطورة أحد الأولياء المسمى بسيدي أحمد الشيخ، وهو من وضع الحجر الأساس لهذه القرية وجاء بالإسلام إليها. ليس هذا فحسب، بل إن سيدي أحمد الشيخ يعد من كبار الفلاسفة والشعراء الموهوبين أيضاً. فكان أول من مزج الموسيقى في فنه الشعري وأدخلها إلى القرية.

في القرن السابع عشر الميلادي أنشد مغنيوا جهجوكة قصائدهم الدينية في بلاط السلاطنة العلويين في المغرب، وعاشوا قي قصور الحكام المسلمين وعزفوا وأنشدوا بانتظام في المناسبات.

وفن العزف عند فرقة جهجوكة مرتبط بالصوفية والوثنية. وكانوا يعزفون على الطبول والرق والناي والمزمار والقيثارة. وعلى مدى ساعات من الترنيمات المتتالية تتحول الموسيقى إلى غناء، ويصبح المغني والجمهور في حالة غيبوبة. ويشهد سكان القرية وعشاق الموسيقى بالقدرة السحرية والأثر العلاجى لهذه الموسيقى.

وقد شاعت قدرة الموسيقى على العلاج في القرى المجاورة، لدرجة أن كثيرا من الناس يحّجون إلى جهجوكة سواء كانوا يعانون من شلل أو مرض نفسي أو عقم، ويأملون في الشفاء العاجل بالايقاعات الصوفية وبـ"بركة" سيدي أحمد شيخ.

بوجلود – أبو الرّعب

ليست الألحان الروحية والعلاجية هي من خصائص موسيقى الجهجوكة فقط، بل نجد أن للموسيقيين أهمية كبرى في العادات الريفية والوثنية والرقصات الصاخبة. وأهم شخصية هنا هو الإله الماعز بوجلود، ويسمى أيضا "أبو الرعب".

وبوجلود ما هو إلا إله يشبه "إله الماعز بام" عند الرومان، وهو رمز للخصوبة والإنجاب عند أهل القرية. وتصبح النساء قادرة على الإنجاب إذا لمسها بوجلود بعصاته أثناء الرقص.

وتشعل النيران في ساحة القرية مرة كل عام في نهاية شهر رمضان تكريما لـ "بوجلود" ، وتبدأ الفرقة في العزف ، والكل ينتظر بشغف مجيء "الإله الماعز".

وفجأة يظهر في شكل مخيف مرعب مرتديا جلد ماعز وقبعة من القش ووجهه مطلي بالسواد. ويمسك "بوجلود" بغصنين من الزيتون ويلوح بهما في الهواء ويبدأ في التمايل مع الإيقاعات الموسيقية.

مقابلات مع جيل البيت

لقد أثرت فرقة جهجوكة بموسيقاها على الفنانين الغربيين وخاصة الأميركيين في العقود الماضية. ومن الممكن أن نقرأ أسماء الذين ذهبوا إلى جهجوكة بحثاً عن الإلهام الروحي والموسيقي، فنجد أسماء الباحثين عن ثقافة البوب والأدباء والمتنقلين بين البلاد، بدءً من شعراء البيت الذين يعيشون في طنجة أمثال براين غيسن Brion Gysin ووليام س بوروز William S. Burroughs وباول بولس Paul Bowles حتى عازف الإيقاع برين جونس Brian Jones من فرقة رولنغ ستون Rolling Stones ورائد موسيقى الجاز الحرة أورنيت كولمان Ornette Coleman.

وفي الأربعينيات كان قائد وفنان فرقة جهجوكة هو المغربي المشهور محمد حمري وكان همزة الوصل بين الغرب وبين جهجوكة، وكان أيضا هو الفنان المغربي الوحيد الذي كان على صلة بـ بوروز وغيسن من وقت لآخر.

وبسبب المجاعة التي انتشرت في الأربعينيات في جهجوكة والقرى المحيطة بها في منطقة جبال الريف اقترح حمري أن يجعل هذه الموسيقى الرائعة متاحة لجمهور أكبر وأن تعزف في الميادين العامة بالمدن الكبيرة لكسب المال ومن ثم مكافحة الفقر في القرية.

ألف ليلة وليلة في طنجة

وعقب ذلك تعرف حمري في طنجة على كل من باول بولس وبراين غيسن اللذين اكتشفا موهبته الفنية العالية وشجعوها. وقام حمري باصطحابهما عام 1950 لأول مرة إلى جهجوكة، حيث شاهدا الفرقة. وكان براين غيسن منبهرا لدرجة أنه قال: "تلك هى الموسيقى التي أود أن أسمعها بقية حياتي".

ومن أجل دعم القرية ورفع المستوى المادي لسكانها ولدت فكرة إنشاء مطعم ألف ليلة وليلة في قصبة طنجة عام 1952، حيث تعزف الموسيقى.

وحسبما كتب الناقد الموسيقي جو أمبروز Joe Ambrose في تقريره فإن حمري كان مختصا بالمطبخ وخدمة الزبائن، بينما كان براين غيسن يتولى جلب الصفوة من الزبائن أمثال البوهيميين وموظفي السفارات والدبلوماسيين، كما كان مسؤولا عن تهيئة الجو العام.

وكان الموسيقيون يتعاقبون على العمل في مجموعات صغيرة، فكانت المجموعة مكونة من ست أشخاص تأتي لمدة أسبوع ثم تعود إلى القرية بالنقود التي اكتسبتها وتبعث المجموعة الأخرى. أما نساء جهجوكة فكن يقمن بأعمال المطبخ والقيام بالنظافة.

وإلى جانب المشاهير المحليين كانت زبائن ألف ليلة وليلة من رواد الثقافة المتأثرة بالغرب أمثال تيموثي ليري Timothy Leary والمتخصص في أدب البيت وليام بوروز الذي كان يقدر فرقة جهجوكة كل تقدير وأطلق عليهم ذات مرة لقب فرقة "روك آند رول البالغة من العمر أربعة آلاف سنة".

تجارب موسيقية مع موسيقيين من الغرب

وتعتبر زيارة براين جونس لفرقة جهجوكة في الستينات بداية للرحلات التي يقوم بها الموسيقيون الغربيون حتى اليوم إلى جهجوكة. وقد قامت "فرقة جهجوكة" عام 1968 بحفل موسيقي من نوع خاص لـ براين جونس، وقد سجلت الحفلة وظهرت كألبوم تحت عنوان "برين جونس يقابل موسيقي جهجوكة" ، وهو يعتبر من الألبومات الأولى للموسيقى التجريبية العالمية.

وفي يناير/كانون الثاني 1973 تبعه رائد موسيقى الجاز الحرة أورنيت كولمان وشجعه على السفر إلى المغرب روبرت بالمر الناقد الموسيقي، الذي كان قد زار جهجوكة من قبل. وكان كولمان يختلف عن براين جونس – الذي لم يقم إلا بالتسجيل لفرقة جهجوكة – حيث أراد أن يعزف معهم، ولكن الربط بين نوعين مختلفين من الموسيقى كان أصعب مما كان يتصور.

ولم يسمح نظام عزف الفرقة المغربية ذو الصبغة الدينية أن يتكيف بسهولة مع عزف كولمان الارتجالي الصعب. ويقال إن كولمان استطاع تأليف موسيقى تتناسب مع الجانبين، ولكنه لم يستطع نشرها لأن شركة الاسطوانات طردته قبل أن ينتهي من إنتاج ألبوم جهجوكة بوقت قليل.

وما شاهده أورنيت كولمان في جهجوكة كان له أثر على موسيقاه لمدة طويلة، وبفضل خبرته استطاع رائد موسيقى الجاز الحرة تكوين فرقة عازفي الغيتار الموسيقية "برايم تايم"، التي ظل مشهورا بها على مدى أعوام طويلة.

الإتّجار والتحول الموسيقي

وقد تغير وضع فرقة جهجوكة بطريقة مأساوية وعلى وجه الخصوص في العقدين الأخيرين، ذلك لأن الظروف الاقتصادية لم تعد تسمح لأحد أن يجعل حياته وقفا على الموسيقى؟ وأصبحت لحياة التقليدية في جهجوكة تتلاشى باطراد، حتى أن كثيراً من الموسيقيين قد ترك القرية بحثاً عن كسب العيش وطرق الحياة الحديثة.

ولم تكن التقلبات الإجتماعية وحدها هي التي أدت إلى انهيار فن الموسيقى التقليدي للفرقة، بل أيضا وفاة قائد الفرقة الوحيد الحاج عبد السلام عطار. وبعدها طالب ابنه بشير عطار لنفسه بحق قيادة الفرقة.

وطبقا لما كتبه الناقد الموسيقي أمبروز في تقريره فإن بشير عطار ذهب إلى فرقة جهجوكة في القرية وقال لهم إن والده كان قائدا للفرقة وأنه سوف يتقلد هذه الوظيفة من الآن، وأن عليهم شراء بعض الآلات الالكترونية لإدخالها في الموسيقى حتى تصبح تجارية بدرجة أكبر.

وكان صغيرا في السن آنذاك، وعلى ما أعتقد كان في بداية العشرين. أما الموسيقيون الذين اشترك منهم الكثير في ألبوم براين جونس فسخروا منه وقالوا له:

"من الممكن أن تصبح قائد الفرقة عندما يأتي دورك، ولكنك ما زلت صغيرا، ولن تحظ بالقيادة لأنها كانت مع والدك، وعلاوة على ذلك فإن هذه الآلات الحديثة ما هي إلا هراء."

مشروعات موسيقى عالمية غريبة

وبالفعل ذهب بشير عطار بطموحاته ليربط موسيقى جهجوكة مع اسمه وينشرها في جميع أنحاء العالم. وتعاون مع كبار نجوم موسيقى البوب الغربيين، وقدم تنازلات لدرجة أنه لم يبق إلا القليل من أصل موسيقى فرقة جهجوكة التقليدية.

وعلى العكس تماما من حمري لم ينفق أبدا بشير عطار من الدخول المكتسبة عن طريق الاتجار بفرقة جهجوكة على القرية وسكانها. كما أنه بدأ في تجنيد موسيقيين – ليست بينهم وبين جهجوكة أية صلة بهذا الخصوص - من المدن المجاورة مثل قصر الكبير وطنجة.

ويفتقد آخر ألبوم سجله عطار بعنوان "موسيقى جهجوكة تقدم بشير عطار" - بالتعاون مع دي جي تلوين سنغ - كل المعاني الموسيقية الجميلة لتقاليد فرقة جهجوكة التقليدية.

وأنتج عطار أعمالا أخرى بالتعاون مع عازف الساكسوفن ماكيو باركر Maceo Parker وفريق رولنغ ستون Rolling Stones ، وكانت مشاريع موسيقية كبيرة لا تمت لموسيقى جهجوكة بأية صلة.

ومع ذلك فلم يكن كل الموسيقين في جهجوكة راضين عن طريقة بشير عطار في الإتجار بالموسيقى الدينية والروحية، ولم يسلكوا طريقه لأنه عين نفسه قائدا لفرقة جهجوكة في الصفقات التجارية الموسيقية.

أما المعارضون لبشير عطار فقد كوّنوا فرقة ترتبط مشاعرها بفرقة جهجوكة التقليدية التي أسسها حمري. وهم يعزفون ألحانا موسيقية لها قالب يختلف عما كان قبل عشرين عاما، ولكنها لا تتناسب مع متطلبات نجوم الموسيقى والمنتجين التجاريين.

وبهذا يتواجد اليوم فرقتين تحت اسم "جهجوكة"، إلا أنهم لا يريدون التعاون فيما بينهما. كما أن حدة توتر العلاقة بين الفرقتين تلحق الضرر بجو التعايش في القرية لأن حدود الفرقتين ضائعة بين الإخوة وأولاد الأعمام.

ويعد انقسام فرقة "جهجوكة" حدثا مؤلما، ومثال ذلك يمكن أن يقع إذا دخل العالم الثالث في مجال صناعة الموسيقى. ومع ذلك فقد بقي في جهجوكة نوع من الثقافة الموسيقية العريقة جدا التي تعد فريدة من نوعها بكل المعاني، وهي موسيقى تجذب باستمرار خيال الفنانين والمتجولين بين البلاد بحثا عن التجربة والخلاص عن طريق القوى السحرية القديمة.


ليست هناك تعليقات: