بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 5 يونيو، 2015

قصة قصيرة الغائب معنا -عادل كامل

قصة قصيرة

الغائب معنا



عادل كامل

    جرى السؤال عنه بصيغة غير مباشرة، بل وكأنه ليس هو المقصود، فقال العم انه من الصعب تخيّل وجود كائنات لها مثل هذه الخصائص، أو الصفات، كي تعمل عمل الجراثيم الفتاكة، شديدة الضرر، الأمر الذي يستدعي تتبع مصادر المعلومات، وما إذا كانت صادقة، أم إنها من اجل التنكيل، والتشهير، وإشاعة الفوضى. وقال العم انه لا يستطيع البت بوجود عنصر يحمل المرض، من غير أن يكون مصابا ً به، فقال الآخر إن المعلومات لا يشوبها غبار، أو شك، وهي ليست بحاجة إلى المراجعة، ولا إلى التدقيق.....، وختم كلامه بابتسامة لم تترك أحدا ً في الجناح إلا وظن انه هو المقصود.
  ولكن الأم سألت الجرذ قبل أن يغادر:
ـ لا يسعنا إلا أن نثمن جهودكم....، إنما لم تخبرنا بعلامة ما دالة ....، ومحددة، وإلا كيف سنتعرف عليه...؟
ضحك الجرذ:
ـ ليس باستطاعتي التحدث تماما ً عما يخفي، أو تشخيص ما يدل عليه...، إلا انه يمتلك خواص تلك العناصر القادرة على التحول...، والتمويه.
ـ خواص...؟
صاحت الأم، فقال لها:
ـ شبيهة بمن يرتدي قناع الساحر...، الذي يتوارى خلفه، فضلا ً عن قدراته العجيبة على الاختباء، والتستر، والتلاشي.ـ عجيب.
  وتساءلت الأم:
ـ إذا كنتم تمتلكون هذه المؤشرات عنه، فلم هو طليق؟
ـ لأنه لا يترك إلا أثرا ًيعمل على محو أثره!
ـ انك ـ سيدي ـ تثير مخاوفنا، حد الرعب...، فالقضية تبدو شبيهة بالدسائس، والمؤامرات، وربما بما هو اشد خطورة ... منهما.
ـ تماما ً....، وإلا لماذا تسللنا، ليلا ً، إلى أجنحة الحديقة...، وحدودها النائية، بحثا ً عنه؟
    غادر الجرذ. فعقد الدب العجوز اجتماعا ً حضرته الأم، وعدد من الراشدين، مع ضيوف من الجناح المجاور، وهو جناح الذئاب، فقال كبيرهم:
ـ لا اعتقد إنها قضية عابرة...، أيها الدب الحكيم..
   فرد الدب بصوت متلعثم:
ـ بل اعتقد إنها قضية خطيرة...، فما ذكره لا يثير الحيرة، والبلبلة، والقلق، بل يجعلنا في الواجهة.
ضحك الذئب:
ـ وعلى من نتستر ...، أم أعادونا إلى نظريات المؤامرة، وكأن الشفافية محض وهم؟
ـ سيدي...
وأضافت الأم:
ـ انه تحدث عن كائن شبيه بالموت...، تعرفه تمام المعرفة، ولكنك لا تمتلك قدرة على تحديد موقعه، ومميزاته!
قال كبير الذئاب:
ـ دعينا من الموت...، فكلنا نموت...، فضلا ً عن كراهيتنا للموت، ورائحته!
ـ اعرف...، وإلا هل باستطاعتك تحديد ملامحه...، وقد تسلل إلينا، وراح يبذر جيناته الملغزة فينا، مستثمرا ً سذاجتنا، وسلاستنا، ونوايانا الطيبة..؟
قال الدب العجوز متسائلا ً:
ـ لِم َ لا نتصور هذا كله محض تهديد لنا...، ونحن مازلنا نتعرض  للفتن، والاجتثاث...؟
قال الذئب باستغراب:
ـ نهدد من...، وعلى من نشكل خطرا ً...، وإدارة الحديقة لم تسمح لنا إلا اختيارات واهية...، بل وتركتنا نعيش محرومين منها.
   هز رأسه بلا مبالاة. فقالت الأم:
ـ أنا لم أحبل بشرير...، ولا بفاسد، لا بجاحد ولا بعاص ٍ...، ولم ألد مخلوقا ً يكاد يكون لا مرئيا ً!
أجابها العم:
ـ لم يتركوا أحدا ً لم يتعرفوا عليه...، تاريخه، أمراضه، نزواته، رغباته، هفواته، نواياه، نشاطاته، وكل ما يدور بباله...
تابعت الأم:
ـ حتى المواليد التي مازالت في الأرحام قد تم ترقيمها، وهم يعرفون عنها ما لم نعرف....!
ـ بل هم يعرفون إنني تخليت عن العواء ...
وأضاف كبير الذئاب بصوت خفيض:
ـ وأنا بصدد التحول إلى كلب...، أسوة بتحويل القطط إلى جرذان، وتحويل الثيران إلى ضفادع، والأشجار إلى نباتات معدنية، والنساء إلى رابوتات بلاستيكية..!
صاح احد الغزلان من وراء المشبك الحديدي:
ـ سيدي، سيدي الذئب؟
هرول الذئب باتجاه الغزال:
ـ نعم، عزيزي، ما الذي حدث؟
ـ السيد الفأر يقول إننا نتستر على كائن غريب الأطوار...
ـ الفأر أم الجرذ؟
ـ الظلام لا يسمح بالرؤية، ورائحته أكثر غموضا ً من صوته، فمن ذا يميز بينهما؟
فقال الذئب للغزال:
ـ لا تقلقي...، عودي إلى نومك، فالقضية لا تستدعي الذعر!
ـ سيدي، وهل نقدر أن نغفو وهناك من ينذرك، ويهددك...؟
فسألها:
ـ هل حقا ً تخفون هذا الذي لا نعرف من يكون؛ هذا الذي يمحو أثره ولا يترك إلا أثرا ً ممحوا ً...؟
ـ صراحة....، عثرنا على جدتي ميتة!
ـ أتشكين بأحد...؟
ـ لا....، بل اشك انه قتلها، فهناك آثار مقاومة...
     اقترب العم ـ وهو مدير جناح الدببة غير الرسمي ـ وسألها بصوت متقطع:
ـ هل باحت جدتك بكلمة...؟
ـ لم يسمح لها الموت...، أو ربما هي التي لم تسمح للموت بذلك!
ـ غريب...
فقال العم:
ـ كما قال السيد الذئب عودي إلى النوم...، فلن يمتد الليل إلى الأبد..
ـ سيدي، ومتى تبزغ الشمس، وأنت نفسك أخبرتنا بأنها لن تظهر مادمنا لا نراها؟
ـ آ ...، أنا تحدثت عن العميان! وقلت: كما قال زميلنا الفيلسوف: علينا أن نبتهج بشروق الشمس وليس بغروبها، نحن العميان!
ـ ننتظر؟
ـ لا فارق، لكن البهجة تمتلك قوة تمويهية سحرية تنطلي حتى على المتكلم!
ـ لكننا نكاد نجهل ما الشمس...، لأننا لم نر إلا النجوم البعيدة، ويقال إنها اندثرت منذ زمن بعيد، وفقدت كيانها، وما نراه ليس إلا وهما، حتى لو بدا ساطعا ً!
قال الدب يخاطب الذئب:
ـ المعضلة إن ذلك الجيل راح يعمل ببالغ الدقة، فلا يدع العين تبصر، ولا يدع الشمس تشرق أيضا ً.
صاحت الغزال:
ـ وما مسؤوليتنا نحن وقد ولدنا لنحافظ على ذريتنا من الفساد، والتلف؟
ـ عفيفة! كم أنت عفيفة أيتها الغزال!
 وأضاف الذئب يقول لها:
ـ وأنا اشهد إن جناحكم شبيه بجناح النعاج، والحمام، والأرانب، من أكثرها براءة، وطهرا ً!
هزت رأسها مبتعدة:
ـ لا أنسى هذا الإطراء أبدا ً....، لأنني قلت لسعادة الجرذ: إذا كانت الغزلان تتستر على شرير ـ كهذا ـ فهذا يعني إن الشر قوة تذهب ابعد من الأشرار!
اقترب الذئب وسألها:
ـ تعالي، اقتربي...
وسألها:
ـ إذا كان الشر يمتلك هذه الفعالية فان الأشرار يمتلكون حصانة!
   ولم يدعها تفح فمها:
ـ وإذا كانت لديك قدرة رؤية الخيط الوهمي بينهما فعليك أن تخبري مكتب السيد المدير مباشرة بما تمتلكين من أدلة...، ومعلومات.
ـ اقسم لك...، اقسم لك...، أنا اجهل هذا الحد الفاصل بينهما، فتارة الأشرار هم من يصنع الشر، وتارة الشر هو من يصنع الأشرار، ويرعاهم، فالعملية زئبقية، تماثل تداخل المعادن الأكثر شفافية بالأكثر كثافة، وصلابة، بل تماثل مفهوم الزواج بين أول الخلق ونهايته...! فالقضية لا تسمح لك بالعثور على قفلها...، فكيف ستعثر على مفتاحها؟
ـ ملعون، أيها الغزال، هل أنت ذكر أم أنثى...؟
ـ لا اعرف! وهذه معضلة قررنا معالجتها بعد العثور على هذا الكائن الطريف!
    في جناح الثيران، المجاور لحظيرة الخيول والحمير والبغال، استدعي الجرذ مسؤول الجناح، وراح يراقبه. كان الظلام حالكا ً، باستثناء ما كان يصدر من إشعاعات مجهولة المصدر، فطلب الجرذ من الثور الاقتراب منه:
ـ نعم، سيدي.
    ولم يشرح له شيئا ً عم أسباب الزيارة، بل استفسر عن رأيه بما يجري في جناح النعاج، والضباع، والأسود...، فأكد الثور إن حالة السبات متواصلة، فلا توجد متغيرات، باستثناء ضجة وزقزقات الطيور عند الفجر، وهمهمات أخرى صادرة عن أجنحة التماسيح، وبنات أوى، والنعام.
اقتربت بقرة سمينة بإفراط، وسألت الثور هامسة:
ـ  في هذا الوقت، ما الذي يبحث عنه؟
   رد الجرذ عليها:
ـ كأننا في مستنقع؟
ـ آسفة، آسفة ...سيدي، اعتذر.
   فنهرها الثور، ودفعها بعيدا ً عنه، لكنها اقتربت وقالت للجرذ:
ـ أخشى إنكم جئتم تعترضون على....
ـ على ماذا ...؟  
سألها الجرذ، فأجابت:
ـ على هذا الإفراط في الوزن!
وأضافت:
ـ فنحن في الواقع لا نتناول أكثر من العلف المخصص لنا.
ضحك الجرذ وقال بصوت حاد:
ـ أتسخرين......، وأنا لدي ّ معلومات إنكم تتسترون على...
اقترب الثور وسأله بفزع:
ـ نتستر على ... ماذا؟
   أجاب الجرذ بصوت غامض:
ـ لا رحمة في الأمر...، فالعقوبة ستتجاوز الموت!
فسألته البقرة بذهن شارد:
ـ أقسى من المحرقة؟
ـ قلت أقسى من الموت!
ساد الصمت برهة اثر دوي حدث في جناح آخر، قال الجرذ:
ـ لم نعثر، في جناح العم، على اثر للذي لا يترك أثرا ً.
فقال رئيس الجناح:
ـ  عدا خوار العجول...، فان أصواتها لا تذهب ابعد من أسوار هذه الزريبة...؟
ـ جيد...، لكن القضية لا تخصكم، ولا تخصني، بل إنها شاملة.
ـ آ ...
 تأوه حصان كان قد اقترب منهم، وقال:
ـ اعتقد إنكم تبحثون عن حمار غير ملتزم؟
تنهد الجرذ:
ـ أكمل...
الحمار الذي وجدناه معنا، ليلة أمس الأول، لا نمتلك معلومات عنه...، فهو يرفض الكلام.
ردد الجرذ:
ـ الحمار، الحمار الأبيض، أم البني، أم الوحشي، أم المرقط...، أم، الحزين؟
ـ انه مختلف تماما ً...، سيدي، فما عرفناه إنهم اشتروه بسعر زهيد، لا يساوي فلسا ً، رغم انه بحجم فيل!
ـ آ ...، ما ـ هي ـ مشكلته إذا ً...؟
ـ يرفس! ويضرط...! فلم يبق دابة إلا وبقر بطنها، وآذاها، وأثخنها بالجراح.
ـ مأبون! الحمار... المأبون! دعك من هذا ...، لأننا سنرسله إلى جناح العاطلين عن العمل...
همست البقرة:
ـ عن أي شيء تبحثون إذا ً...؟
همس الجرذ:
ـ عن كائن يتسلل إلى ....، داخل الرأس...، ويدمدم، يملأ الرأس ضجة، لكنها ضجة طبل، ثم يتسرب إلى البدن برمته، وما أن نشدد الخناق عليه، حتى يتبخر!
ضحك الثور:
ـ يتبخر....؟ انك تذكرني بالصقور التي كانت تحمينا من الجراد....، ما أن بدأت العاصفة، حتى تبخرت، ولم نجد أحدا ً منها!
فكر الجرذ بصوت مسموع:
ـ قالت لي السيدة المستشارة: انه شبيه بالحاضر الذي لا تمتلك شيئا ً عنه سوى غيابه، وأحيانا ًهو شبيه بالعنصر الذي يبحث عن آخر ليشكل معه عنصرا ً مختلفا ً له خواص تدع المصاب أن يتوهم أوهاما ً تذهب ابعد من الحقيقة...!
ـ بل إنها هي الحقيقة...
فسألها الجرذ بغضب:
ـ أين هي ...؟
ـ من؟
ـ الحقيقة؟
ـ أنا قلت انك تحدثت عن هذا الذي يذهب ابعد من الوهم...، فقلت: يا بقرة... ما الذي يذهب ابعد من السراب، غير المطر!
صاح الجرذ:
ـ انه هو الكائن المبلل، أو غير اليابس، الجاف...، ولكنه يتميز بالمرونة، والمراوغة، والخداع...، فهو مثل من يرتدي آلاف الأقنعة، لكن حقيقته مختلفة عن أي قناع منها! فهو يقوم بالجريمة بإعلان براءته منها!
ـ عدنا إلى الحقيقة... سيدي!
فسأل البقرة بصوت مرتجف:
ـ للمرة الثانية تنطقين بالحقيقة...، حتى يخيّل إلي ّ انك تتسترين عليها؟
   اقترب الثور من الجرذ، وخاطبه بوقار:
ـ سيدي، هذه بقرة...، مثل أية أتان، أو فأرة...، لا مهمة لها سوى أن تحبل مرة واحدة في العام الواحد! فهي تعد من أغبى الأغبياء...، فلا تعّول على خواطرها! إنها من الكائنات ذات الصوت الأشد قبحا ً من صوت الحمير، فصوتها يماثل أصوات الضفادع، والصراصير، والخنازير....، فهي لم تبلغ سن الرشد في سلم تطور الأنواع...، بعد، وإلا هل سمعت بقضية شبيهة بنقيضها في وقت واحد، سيدي؟
ـ أخشى انك تقصد الحقيقة أيضا ً يا سعادة الثور؟
ـ وهل هناك سواها...؛ تلك التي تراوغ الوهم، التي تعد من اصلب الثوابت، بمرونتها، وحيلها، وزئبقيتها.
ـ ما هي... أرجوك....، فالفجر يقترب...
 قال الثور فجأة:
ـ بل نحن نقترب منه...، لأن الفجر هو شبيه بالحقيقة التي قصدتها ...
ـ لا تسرف..، فأنت بدأت تراوغ...، حتى إنني فكرت أن أرسلك إلى المسلخ....، فقد استوردنا آلة ذبح حديثة
   هاج جسد الثور، مرتجفا ً، مرتجا ً، وراح يتخبط، فأحاطت به الخيول والأبقار والزرافات وامسكوا به. قال بعد أن هدأ:
ـ انك جئت تبحث عن مخلوق لا وجود له....، تارة تقول انه يدعونا إلى رؤية أحوالنا، فما أن نراه، حتى يغيب..، وتارة تقول انه يوسوس فينا، فما أن يظهر، لنمسك به، حتى يغوص في مناطقنا النائية، المجهولة...، فهل أرسلتك السيدة المستشارة لتمتحن ما بلغناه من ارتداد.... وتدهور، وغباء؟
ـ آ ...، كم زل ّ لسانك يا ثور وأنت لم تكمل حتى نصف عبارة؟
ـ لم يزل....، سيدي، فهذه هي تعاليم استقيناها من أحلام الأسود النائمة...، فأنت تعرف إننا نعمل بها...، منذ زمن بعيد....، لكنها غير معلنة!
صرخ الجرذ، وراح يرقص:
ـ وجدتها، وجدتها، وجدتها!
قالت البقرة متندرة:
ـ الحقيقة؟
    شتمها بكلمة نابية، لاذعة، فاحشة، جعل محياها يغدو كوجه البوم لا احد يعرف كيف غدا رمزا ً للحكمة، والحكماء..! فقالت بخجل:
ـ أنت تعرف..
اعترض:
ـ أنا لا اعرف...
ـ ها أنت لا تقول الحقيقة.
ـ قسما ً ... بالذي لا يرد اسمه إلا عند الشدائد، سأرسلك  إلى جناح الزرافات!
ـ أووووه...، ما أسعدني، وأنا اسمع انك ستخلصني من جناح الحمير والثيران..
توارى الجرذ.
 قال الثور للبقرة:
ـ   ما معنى هذا الإسراف...، وهم يتصيدون زلات ضمائرنا الغائبة!
ضحكت البقرة:
ـ يا حمار! عن أية ضمائر تتحدث...، أم انك أيضا ً تتحدث عن الحقيقة...؟
ـ اخرسي.
ونز عليها.
ـ آ .....، الحقيقة إننا سنلد عجولا ً للذبح! كما تلد نساء البشر البنين كي يرسلوهم للموت في الحروب!
فقالت بصوت غير مسموع:
ـ دعني اعترف لك بما رأيت ليلة أمس...، ولا تشوش علي ّ، بعد أن اختلطت علي ّ الحقيقة بالوهم، والوهم بالحقيقة...
ـ وماذا رأيت ...؟
ـ رأيت شابا ً يجرجر امرأة شمطاء انزوى بها خلف شجرة السدر الكبرى وراح يجامعها ..
ـ وما شأنك أنت بالأمر..، حيوان يجامع حيوانة....؟
ـ عندما رأتني السيدة الشمطاء أحدق فيها استنجدت، واستغاثت، بي... فقلت لها: ليس لدي ّ ما افعله...، عدا ضميري! وهو ـ كما تعلمين ـ لا فائدة منه.
ـ وماذا جرى بعد ذلك....؟
ـ راحت تهمس في اذن الشاب: لا تسرع، اسرع، لا تسرع،...
ـ وماذا كنت تفعلين؟
ـ كنت ابحث عنك!
ـ وأين كنت..؟
ـ في زريبة الحمير...
ـ ملعونة...، بل كنت نائما ً معها احلم!
ـ وبماذا كنت تحلم؟
ـ الم تطلبي مني ذلك بقولك: إن لم تجدني  فانا اسمح لك باستدراجي إلى أحلامك في لحظات النوم العميقة؟
ـ هذه ليست هي الحقيقة...؟
  لكنها  قالت:
ـ ثم هرب الشاب...، أما الشمطاء فبدأت تولول: يا الهي.... لماذا تركتني وحيدة...، فسمعها عدد من حراس الحديقة، اقتربوا منها، وما أن رأتهم، حتى استغاثت: من منكم رأى ... بعلي؟  فهجم عليها الأول...، فراحت تتخيل انه تحول إلى ذئب خافت أن يفترسها، ثم هجم الثاني، والثالث...، حتى كاد الفجر يزيح ظلمات الليل.....، آنذاك وجدت الشمطاء جسدها ملقى عند ضفة المستنقع....، فخرج تمساح، وسألها: ماذا تفعلين هنا يا أيتها الملاك؟ فقالت له: أأنا ملاك حقا ً...؟ قال التمساح بصوت رقيق: يا ملاكي! فسألته: ومن أنت...؟ أجاب: أنا جهنم! فهمست في أذنه: أنا أكاد أتجمد بردا ً!
   خار الثور، ونطحها، ليبقر بطنها، ويخرج عجلا ً منها، بدا قويا ً...، فقال للثور:
ـ يا عم...، لا تؤذ أمنا! فالبقرة كالأرض، إن أذيتها محقتك!
ـ لم أؤذيها ...، أسألها.
اختفى العجل. فسأل الثور البقرة:
ـ اعتقد إن سيدنا الجرذ كان يبحث عن ذلك الشاب...، فهو يعمل عمل تلك المعادن الخسيسة، ما أن تمسه أصابع السحرة حتى يتحول إلى ذهب!
ـ لا ...، أنا لا اعتقد...، فانا أرى انه كان يبحث عن تلك السيدة ذات الجسد الملائكي!
ـ هل تتذكريه...؟
ـ الآن .... لا... ، ولكنه كان شفافا ً شبيها ً بغيمة بعوض هائجة بانتظار إعلان التمرد!
ـ يا بقرة...، كأنه كان يبحث عنك! وليس عني...؟
ـ عني...، عني أنا الشبيه بفيل أعمى!
ـ كان علي ّ أن اخبره بأمرك!
ـ أنا لم انو أن أدعو إلى الشر...، فانا كرست حياتي للفضيلة، وقد شهدت أنت بذلك...، فلا تخافي...، فالعجل ولدنا غادرنا كي يلقى مصيره....، وعلينا أن نبحث عنه.
    دخل الجرذ قفص كبير الاسود:
ـ انهض!
ـ ما أنا بناهض!
ـ قلت لك انهض، وإلا ....
ـ وإلا ماذا ...؟
ـ سأرسلك إلى المتحف! واضعك مع الديناصورات...
ـ آ ....، أبهجتني، فانا عندما استنشقت رائحتك عن بعد، قلت: ما ألذ هذا العطر...، لابد أن هناك نبأ ...
ـ عطري؟
صرخ الأسد بصوت مبحوح:
ـ بل جيفتك! يا جرذ المجاري...، لكن، لا تكترث، ففي عالمنا، اختلطت العطور بالروائح النتنة، فنكهة الأفواه الجوف لم تدعنا نميز ما يصدر عن البلابل!
ـ دخت؟
ـ لا احد يقدر عليك....، فأنت مازلت تنتمي إلى عصر ما قبل الطوفان...، لأنك لم تنج من الغرق فحسب، بل عشت لتشهد ما هو أكثر فظاعة، وأكثر مرارة، فمن ذا يستطيع أن يسد أبواب دربك العنيد؟
ـ اسمع يا ....
    خاف الأسد، وارتد متراجعا ً إلى الخلف، لصق جسده بالجدار، بجوار لبؤته النائمة:
ـ أسمعك، سيدي..
ـ أنا كلفت بالبحث عن عنصر غريب الأطوار، شبيه بالجنين الذي يتكون تلقائيا ً، وبعد ولادته، يتوارى...، مثل فضة الفجر ما أن تبصرها حتى تتلاشى، وتغيب...، ومثل كلمات سيدنا المدير، زعيمنا الخالد، ما أن ينطق بها، حتى تضطر لقضاء عمرك كله بانتظار ما ستؤول إليه....
ـ أسمعك جيدا ً ...
ـ هل في نيتكم إعلان التمرد...، تمهيدا ً للعصيان، وإشعال فتيل الثورة...؟
صاح الأسد مذعورا ً:
ـ هل تدعونا إلى ذلك...؟
ـ أنا...، أنا أسألك، لأن علي ّ أن أقدم خلاصة بما رأيت...، إلى الجهات الرسمية.
ـ سيدي...، أنا أعلنت الثورة منذ زمن بعيد...، منذ زمن بعيد جدا ً...، وقد تكلل نصرنا بهذه الهزيمة الميمونة المدونة في أسفار التاريخ، بالبقع الخالية من اللون؛ فهي شبيهة بثورة الديناصورات، كان مصيرها حتميا ً، لتحتل موقعها في المتحف....، أم أرسلوك لتورطنا ...، وتزهو بمكاسب فاسدة؟
ـ هذا يعني انك لست معهم؟
ـ لا!
ـ مع من؟
ـ أنا مع هذا القفص، ومع هذه النائمة التي لا أراها إلا عبر الأحلام!
ـ آ .....، يا لها من نكبة! لا الدب ولا الثور، لا الحمار ولا الغزال، لا التمساح ولا الكركدن، لا ابن أوى ولا القنفذ، لا التيس ولا الكبش، لا الزرافة ولا الضبع، لا الماموث ولا النمر، لا البرغوث ولا البعوض، لا الديدان ولا الحشرات....، ومع ذلك هناك من يعمل عمل المرآة السرية تترك الجميع يحدقون فيها...، فما أن يتعرفوا على أنفسهم حتى تتهاوى المرآة، وتتناثر، ويجن حاملها، ويتبخر من رأى فيها مصيره يتهاوى....، فعلى من تلقي القبض، ومن المسؤول عن الهاوية، وقد وجدت مأواها واختبأت فيه؟
ـ سيدي، اذهب وسلم نفسك للعدالة! فانا اعتقد انك كنت تبحث عن نفسك!
قال الجرذ، لكن بصوت قوي، وحاد:
ـ لا احد يصدق!
ـ إذا كانوا لا يصدقون الحقيقة...، كما هي عليه، بادلتها، وبراهينها، وعلاماتها...، فلم يبق لديهم إلا أن يذهبوا إلى ما هو ابعد منها!
ـ ماذا قصدت...؟
ـ إلى الوهم!
ـ آ ...، فهمت، الآن فهمت.
ـ لا يا سيدي، لم تفهم شيئا ً! ولكنك، منذ ملايين السنين، لم تقدر أن تفهم إلا هذا الذي رأيته في المرآة...، فصار هو دليلك للدرب، والى المعرفة! لأن الأخيرة، سيدي، لن تترك أثرا ً لخطاها في الدرب، فهي لا تمحوه، كما تظن، ولكنها تجيد أن تورطنا بغوايته، وما أن نجد أنفسنا ذهبنا في العمق، عمقها، حتى يجرفنا السطح، سطحها، فلا تجد شيئا ًيدل عليها، أو يدحضها. فالرواية التي يرويها جرذ، أو قنفذ، أو برغوث، ليس من المنتظر أن تكون لها خاتمة، إلا مثل ظل يحّوم فوق المكان الذي لا مهرب منه، كالجنين لن يغادر الظلمات إلا وتراه يتحدث عن البشارة، والضوء....، فتهرول خلفه....، ثم تكتشف، بعد فوات الأوان، انه هو الذي لا يتركنا نذهب ابعد منه، وقد راح يهرول خلفنا، مثل قاتل لا يرتوي أبدا ً إلا بفتح ممرات مستحدثة للمواليد، المواليد التي لا تمتلك إلا ما تمتلكه البذرة: المغادرة! ثم البحث عن ظلمات تخفي فيها وهنها، فترقد فيه بانتظار المغادرة!
ـ من أنت...؟
ـ أنا هو كل من رأيته عبر بحثك عن الجناة....، أنا ضحيتك، أنا ضميرك، مرآتك التي رأيت فيها هذا الذي لا تخمد ناره، إلا بعد أن تكتوي بها، وتحترق، وتصير رمادا ً....!
ـ انك ترسلني إلى المحرقة؟
ـ بل المحرقة تدعوك إليها...، لكن، لا تخف، فبعد زوال هذه الحديقة، بمن فيها، لا تزول مكوناتها، ولا هذا الذي كنت تحاول الإمساك به...، فهو وجد قبل وجودك،  وهو موجود بوجودك، وسيدوم بعد زوالك. لا تخف، فانا هو من تبحث عنه، لكن للأسف، لن ادعك تلقي القبض إلا على هذا الذي ظننت انك أمسكت به، ومحوته!
3/6/2015

ليست هناك تعليقات: