بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 18 يونيو، 2015

قصة قصيرة الوباء- عادل كامل

 قصة قصيرة

الوباء

عادل كامل
ـ آن لك أن تهرب...، فقد عثرنا على ممرات ...، وشقوق...تيسر لنا الهرب.
     رغم الظلام والبرد والغبار، فقد راح يراقبهم يبتعدون، مهرولين، وزاحفين، الواحد بعد الآخر، غير مكترث لدعواتهم له بالفرار، وبمغادرة حفرته.
وسمع آخر يخاطبه بصوت خفيض:
ـ فلا تكن عنيدا ً...، فالوباء يتقدم...
     فردد مع نفسه: وما الفائدة من النجاة...، وأنا ـ متابعا ـ لست إلا ذروته. فان قبعت، هنا، فسأهلك، وإن هربت فسأحمل موتي معي، أو هو من يحملني معه، في متاهات الموت! فالنهاية سابقة على مقدماتها!
   ورفع رأسه لمشاهدة الممر: لا احد....، وقد خلى من المتسليين.  ففكر انه أصبح وحيدا ً، كما كان قد أمضى سنواته الأخيرة في عزلة. فأرسل نظرات إلى البعيد، رغم كثافة الغبار، وحلكة الظلام، فثمة أجنحة تتجاور، متلاصقة، وأخرى موزعة بحسب خارطة الصنوف، في الحديقة: الأقفاص الكبرى، ذات القضبان الحديدية المتينة، وذات المشبكات، لصقها مساحات محاطة بالأسلاك، وأخرى بالجدران الخشبية، وهي مستقلة عن الصالات، والكهوف، وبعيدة نسبيا ً عن المركز، ولكنها لا تبتعد كثيرا عن المغارات، الخاصة بالأنواع المفترسة، والأخرى الأقل شراسة، وقد شيدت بجوار التلال التي تشرف على المستنقع الكبير...، وثمة، في الوسط، ترتفع أعمدة منصة الاحتفالات الكبرى،  ووزعت داخلها شاشات تعمل على مدار ساعات الليل، وفي الخلف، فكر، أقيمت المحرقة، بجوار السجون، والسراديب، والمصحات، وأجنحة المرضى والميئوس من شفائهم.....، فكف عن التفكير، وتراجع خطوة للخلف كي يسترد أنفاسه، فقد شعر بالبرد، يتسلل، مع الخوف، إلى جسده الضامر.. ليس من الوحدة التي أحس بها، توا ً، بل لأنه رفض مشاركتهم قرارهم بالفرار، والخلاص من الخطر الذي سيسببه البقاء بانتظار ما سيحصل بسبب الوباء.
   لم يحتمل لسعات البرد، ولا رائحة الغبار، فغادر الحفرة، ووقف يراقب، فلمح مجموعة من الجرذان تغادر، مسرعة، بلا تردد، في خطاها، تتبعها أسراب من الطيور الكبيرة، والصغيرة، تقفز، خلف قطيع من الماشية، الخراف خلف الماعز، والجمال خلف الزرافات، وأفراس النهر وراء الجاموس، والدببة تهرول خلف الأرانب..، والبرغوث وراء الثيران، والخنافس خلف البعوض، مبتسما ً بلا إرادة، فقد تخيل حكاية سفينة نوح، بالمقلوب، فبدل الاحتماء بالسفينة، أصبح الفرار منها طوق نجاة. كلا، أجاب بمرح، لأنه تذكر المسيرات الجماعية المليونية التي طالما تأملها، عن بعد، وقد اشترك فيها الجميع؛ لإحياء ما لا يحصى من المناسبات، ذلك لأن الهلاك يحصل من غير تمهيدات، ولا إنذارات مباشرة.
ـ أنت...؟
صاح، بعد أن لمح شبحا ً يزحف، فلم يتلق ردا ً، فصرخ الأرنب بصوت أعلى:
ـ أنت...، أيها الحمار..، أيها التيس..، أيها الجحش، أيها البعير!
اختفت الظلال، هي الأخرى، في الظلام الحالك، ممتزجة بعتمة الغبار.
فتساءل بشرود، ومن غير قصد:
ـ لِم َ لا اهرب...، فحتى نوح هرب من الطوفان؟!
وراح يقهقه، مخففا ً من وطأة الخوف، وشعوره بالعزلة، ومن عصيان أوامر الجماعة:
ـ أنا لم اهرب عندما كان ذلك مشروعا ً، ومتاحا ً لي، ولم أسافر عندما كان السفر متعة! فهل اعص بعد أن صار الهرب  ضرورة...؟ ودار بخلده، انه عندما كنت حرا ً، وطليقا ً، لم يختر إلا حفرته، وحديقته، فهل يرتكب إثما ً بعد أن تساوت لديه النهايات، والمسافات، وغدت غير مختلفة إلا بتمويهاتها...؟
    ود لو كان قد اخبر أفراد أسرته، والمجاورين له، ومعارفه، وباقي الأصدقاء...، بالأمر الذي لم يبح به، وأخفاه، منذ زمن بعيد، ولكنه لم يجد أحدا ً يخبره بما تستر عليه، وتوارى حتى محاه من ذاكرته، داخل ملفاتها السرية:
ـ وماذا لو بحت بما توارى وتلاشى وغاب في نفسي...، بعد أن غمر الطوفان الأرض ومن عليها، وبعد أن زالت علاماتها...؟
صمت لبرهة، وأجاب:
ـ فانا قلت لماذا نموت كأننا لم نولد...، ولماذا نولد وكأن لا عمل لدينا إلا انتظار الموت. فقلت وأنا اكتم فزعي: أن تلك الفجوة بينهما اندمجت، انصهرت، تلاشت، حتى لم اعد أميز أيهما علي ّ اختياره، وأيهما علي ّ نبذه...؟
لا احد. وقال لنفسه:
ـ لا احد.
   ترك بصره يتتبع بقعا ً معتمة رمادية لها حافات مشوشة تبث أصداء خطاها فوق التراب وهي تبتعد، فلم ينشغل بها، فقد عاد يقهقه:
ـ فانا نفسي اجهل ما الذي تبقى...مني، كي اعمل للحفاظ عليه...؟
متابعا ، وهو يرى شبح ثور يجري خلف كبش:
ـ فانا لم اعد اعرف إلى أي الفصائل انتمي...، فهل أنا ذئب أم حمامة، هل أنا حصان أم تمساح، هل أنا نملة أم باز، هل أنا فرس نهر أم صقر، هل أنا فقمة أم حرباء، هل أنا وحيد قرن أم أيل، هل أنا خنزير أم بلبل، هل أنا سمكة تحولت إلى طير، أم أنا ولدت قردا ً، أم إنني صرت، بمرور الأيام والسنين، مجهولا ً يمشي خلف مجهول، أم إنني أدركت استحالة أن أكون كائنا ً آخر غير هذا الذي اجهله....؟
   فجأة أصغى إلى حركة تحدث داخل الحفرة، فشعر بنغزات من الألم، في صدره، وفي أعلى رأسه، وبخوف يشل قدرته على التفكير:
ـ من...؟
لم يختف الصوت، ولكن لم يأته ردا ً، فقال، وقد عاد إليه مرحه:
ـ انه ـ هو ـ صوتي النائم!
فعاد يراقب:
ـ ما الذي تنتظره ...، والباء يزحف، يدنوا ...؟
لم يصدم بالصوت:
ـ وهل سأنجو منه لو ذهبت إلى البرية، أو إلى البحر، أو إلى البلاد البعيدة الخالية من العلل الفتاكة، أو إلى الحدائق التي اضمن فيها وجود عدالة لا تنتهك فيها حقوق الضعفاء، ولا حقوق الأبرياء، أو حتى لو غادرت هذا الكوكب الزاخر بالخراب...، والجور...، وفقدان المناعة؟!
ـ كن عاقلا ً لمرة واحدة في حياتك أيها العنيد...؟
ـ قصدت أن تقول لي: كن مجنونا ً لمرة واحدة وانج من الذل ...، غادر!
   ولم يجد قدرة لديه على مقاومة الضحك: يتحدثون عن العقل، وبعد قليل سيتحدثون عن الحرية، وبعدها يسرفون بالشفافية...، من يعلم، فقد يتحدثون عن الفردوس، وعن الإلهة العادل...، كأنني أنا هو من اختار الجنون.....، وكأنني أنا هو من اعرض عن السلامة...؟
صمت، ليسأل نفسه:
ـ تُرى من ذا يضع المسافات بينهما....، وأنا، منذ قرون، وقرون، وقرون...، انهمكت بالبحث عنها..، فقلت: نولد لنموت، كأن عملنا خطة مدبرة لبناء هيكل الموت، ومجده الزاخر بالابتهالات! فهو وحده الذي لا يموت...، لا يتقدم أنملة ولا يتخطاها أبدا ً.
ـ وهزمت...؟
ـ سيدي، أنا لم اهزم لا لأنني لم ادخل الحرب، ولم أخض أوارها، مكرها، وخرابها، فحسب، ولكن لأن الهزيمة سابقة في وجودها علي ّ...، وعليك، مثلما هي النهايات كامنة في مقدماتها.
ـ لو كان الأمر هكذا ...، كما تقول، فلم اخترت أن لا تتحول إلى ..
آ ..
صدم، فتراجع خطوة:
ـ أنا هو من يسأل هذا السؤال.

ـ ولم تجد ردا ً، ولا إجابة شافية..؟
ـ كنت أقول لِم َ لا نعيد حياكة حياتنا على النحو الذي يليق بنا...، بدل أن نموت كأننا لم نولد، ونولد كأننا لم نمت...، فركلوني، وجرجروني، وسلبوني حقوقي، فصرت لا اعرف من أكون....، امشي وأنا واقف، ابكي وأنا اضحك، أهرول وأنا ازحف...، احلم وأنا غاطس في الوحل..
  دوي صوت انفجار شديد ملأ الفضاء:    
ـ تدريبات.....!
ـ يا أحمق..، الوباء انزل ضربات قاصمة في الأجنحة، والحظائر، والزرائب...، وهو يدنو...، من غير مقاومة تذكر...
ـ آ ...،  قرون وأنا أفكر في محنة هذا الوباء...
ـ ومكثت تتأمل، تراقب، تخمن، ولم تقاومه، ولم تعالجه، ولم تهرب منه...؟
    وجد رأسه يسقط فوق الأرض من شدة الضحك:
ـ الحمار لا يميز بين الهزيمة والنصر...؟
ـ من...؟
ـ اختف!
ـ آ ....، السيد ابن أوى أم السيد كبير الفئران....؟
ـ اختف....، كي أتوارى معك، ونجد فسحة للتستر.. وملاذا ً للاحتماء.
رافعا ً صوته قليلا ً:
ـ ولكن لماذا لم تهرب يا سيدي...، الست أنت مدير جناحنا...، والمسؤول عن هذه الجبهة...؟
ـ وماذا ستقول الضفادع، وماذا سيقول البعوض، والقمل، والبرغوث، والذباب، وباقي الحشرات ...، عني؟
ـ كأن الهزيمة بحاجة إلى أسباب، ومبررات، بعد أن شيدت لنا هذه الصروح: المغارات، الكهوف، السراديب، الأقفاص، البرك، المستنقعات، فضلا ً عن هذه الحيطان، والجدران، والأسوار المحصنة بالأسوار ...؟
ـ آ ....، صحيح...، فانا هو من أمر ببنائها!
ـ فلا احد ...، لا اليوم، ولا في أي يوم آخر، سيتحدث إلا عن نصرك المبين...، لأن الهزيمة، في الواقع، ستذهب مع الريح، أما هذه الأقفاص، شواخصها،أطلالها، آثارها، وبقاياها، سيدي، فلا احد يقدر على زحزحتها من الوجود!
ـ أسكت...، دعني أسبقك في الدخول...
ـ حذار...، قد تجد صمتي راقدا ً فلا تصطدم به، كي توقظه..!
ـ الم ْ يهرب صمتك بعد..؟
ـ لا! فانا أصبحت حارسه الأمين!

ـ كنت اعرف انني ساجد من لا يتخلى عني، في مثل هذه المحن..
ـ ولا أنا..!
ـ لا اصدق.
   فرد بصوت متلعثم:
ـ سيدي، صمتي وصوتي، مثل المسافة بين ميلادي وموتي، مسافة تامة!
ـ آ ....، فهمت، مثل اقتران المستنقع بالضفادع، والضفادع بالمستنقعات.
ـ تقصد ...:الحرية وجدت للأحرار، والأحرار وجدوا للحرية! مثل قولك: لا همّ للعبيد إلا بديمومة عبوديتهم؟
ـ لا أريد أن اختلف معك كثيرا ً....، لأن القانون من غير أدلة، كالأدلة من غير قانون!
ـ سيدي، وهل هناك قوة قادرة على قهرك، ومنطقك ولد من غير شوائب...؟
 لم يجب، فساد الصمت برهة، تخللها دوي انفجار شديد:
ـ هذا هو صوت بغل لم يهرب من الكارثة...!
ـ لا ..، لا اعتقد ...، فانا اعتقد انه عويل حيوان يذبح!
ـ لا تفزعني، فلا احد مكث في هذه الأجنحة...، فالثيران ولّت الأدبار بعد أن رأت النعاج والماعز تحّوم بأجنحة مستحدثة مع أسراب من الأسماك الطائرة مع البرمائيات ذات الأنوف المستطيلة عندما تحولت الطيور  إلى زواحف، والمفترسات أصبحت تدّب، والثدييات تتلوى كالثعابين ...
    سكت، ليسأل مدير الجناح:
ـ سيدي، هل هناك وباء حقا ً...، هل رأيته، وشاهدت علاماته، أم إنها واحدة من الإشاعات...؟
ـ ماذا تقول أنت...؟
ـ أنت المدير...، أما أنا...، فلم اعد اعرف إلى أي الفصائل انتمي...، تارة أبدو مثل القنفذ، وتارة مثل النعامة...، وفي الغالب اكتشف إنني خليط من المنقرضات التي انحدرت إلى ماضيها الأبعد...، فانا لم يعد مصيري يعنيني، ولا هو يفكر بخلاصي... أصبح كل منا سببا ً للآخر، ونافيا لها في ذات الوقت. فالأعمى الذي يمشي خلف أعمى وحده لم يعد يكترث للشموس...
ـ في الواقع، لدينا معلومات تؤكد انه شبيه بما تحدثت عنه...
ـ أتقصد إن سواحل العفن لا تستحدث إلا ...
قاطعه ولم يدعه يكمل:
ـ أصغ...، فالوباء يزحف، بعد أن كان يتسلل...، أصبح يرفع رأسه بعد أن كان بلا رأس..
ـ سيدي، يقولون انه استولى على الأبواب، واحتل الممرات، بل وسمعت الدعلج الأعور يؤكد إن المحرقة سقطت أيضا ً...
ـ إشاعات...، لا تصدق...، فكما قلت: هذه الأقفاص ستبقى شوكة في أفواه المغرضين الأعداء، وليس في عيونهم كما يقال، فهي وحدها ستشهد بنصرنا.
ـ سيدي...
ـ نعم.
ـ نصركم ليس بحاجة إلى أبراج، وعمارات، وقلاع، وقصور...، يكفي إن لدينا هذه الحفر...، الدهاليز...، السراديب، المغارات، الأنفاق، والمجاري...
ـ صحيح...، ولكن لماذا الفرار العام، وهذه الهزيمة...؟
   صفن لحظة:
ـ اعتقد إنهم ذهبوا للسياحة، أو لمشاهدة مباراة العصر بين البرشا ويوفانتس...؟
ـ آ ...، تذكرت...؛ تشّجع من ؟
ـ أنا اختلف مع صمتي، فهو من مشجعي رعاة البقر،  وصوتي متذبذب، تارة يضحك على الجميع، وتارة يتلذذ بضحك الجميع عليه! فمادامت المسافات اختلطت بحدودها فلا معنى للتسويات!
لم تجب على سؤالي؟
ـ آسف، سيدي..
ـ وإلا أرسلتك إلى ...، المحرقة.
ـ سيدي، لا تفعل، أنا من مشجعي الميناء، بعد أن كنت من أنصار الشرطة، ثم وجدت صمتي ينحاز إلى الوزراء، لكن المأساة، سيدي، اختلطت بالفكاهة، والعطر غدا جيفة،  لأن الشفافية ساوت بين جهنم وبين الجنة، وبين الثواب والعقاب!
ـ آ ...، أيها الملعون...، الآن عرفت لماذا لم تهرب!
قرب رأسه منه كثيرا ً:
ـ أنا أيضا ً أريد أن اعرف...! لماذا لم اهرب من الجحيم؟
ـ ها، وتعترف...، أيضا ً...؟
ـ أنا لم أتعرض للجلد، ولم يسلخ جلدي، ولم ترض عظامي، ولم أتعرض للصعقات، ولم يدر الحبل حول رقبتي، فانا أتكلم بطلاقة، حر  كأن أمي ولدتني توا ً!
ـ أنت لم تهرب كي تعرف من منا هرب، ومن منا لم يهرب...، فضلا ً عن معرفة ما الذي سيحدث...؟
ـ لن يحدث شيئا ً أبدا ً...، بعد أن أصبحت الأجنحة خالية منا، منذ زمن بعيد! فعندما تظن إن الخراب لا وجود له فما معنى البحث عن الأسباب..؟
ـ أنا لم اهرب...، وأولي الأدبار...، ألا تشهد لي بذلك؟
ـ نعم، فأنت هو من ذهب ابعد من ذلك!
ـ مثلك؟
ـ ليس تماما ً...، فأنت ستتصالح معهم، وكأن الوباء نعمة، والاغتصاب هبة، وتعود إلى منصبك، أما أنا...، فلا احد سيفكر بإصلاح حفرتي التي ولدت فيها، أو ربما سيردمون فتحتها، وأبقى داخلها حتى من غير شق اخرج منه لتنفس الهواءّ
ـ اسمع...، أنا خائف قليلا ً...!
ـ عجيب...، القائد لا يخاف...،لأنه محصن، مزكي، تأتيه البشارة من الأعلى ومن الأسفل...، فهو، من شدة الخوف، يكتسب مناعة المجد. فأنت مثل الموت الذي لا يموت، بعد أن لم يجد الموت شيئا ً يأخذه منه!
ـ دعنا نحتمي بحفرتك، فالوباء اقترب كثيرا ً، فانا اشم رائحته...! لانها لا تحتمل، ادخل، هيا ادخل كي استدل بك...
ـ سيدي، إنها محض حفرة، وتتكون من ممر واحد...، ومن جدران رخوة، تنتهي بفراغ يرقد فيه شبحي الصامت، فلا تكلمه، فهو نائم، والنائم كالميت، كلاهما بانتظار اكتمال الدورة..!
  لكزه:
ـ حذار أن توقظه.
ـ آ ...، قبل قليل قلت: لا مسافة بين نهاية اللعبة وبدايتها...، فلم التوجس، الحذر، والخوف مني؟
ـ سيدي، أيها المدير، لم تعد الحياة لعبة، ولا ملهاة، إنها أصبحت هذا الذي تفقده...، وهكذا فانا لا أثق إلا بما ستنتزعه مني.
ـ وماذا تبقى منك ...؟
ـ هزيمتي...، فأنت رأيت كيف وزعت بالتساوي على الجميع...، فلم تنتصر الديناصورات على الفئران، ولا التماسيح على كائنات سواحل مستنقعاتها العفنة...!
ـ دعك من الحزن، فالظلام يزداد شدة، كالبرد يتقلص، والغبار راح يزداد كثافة.
ـ هذه هي علامات الساعة، ساعة حديقتنا، ومنصتها، وساحة احتفالاتها! فهي نهاية لا احد يقدر على وصفها.
ـ اسكت، دعني اسمع صمتك ماذا يقول!
ـ حتى في هزيمتك تبحث عن ربح...؟
ـ هذا هو فائض العفن! ومع ذلك تجد من يتحدث عن فائض الكرامة، والفداء!
ـ عدت تؤيدني...، وإلا لكنت هربت معهم، ونجوت مع الناجين، بدل ....
ـ أنا اختنق...، فصمتك بدأ يتسلل إلي ّ...، انه سابق على الكلام...، وماض ٍ ابعد من غيابه!
ـ آمل أن لا تصاب به...، فأين اذهب بك، بعد أن هدموا المشافي، وخربوا الأقفاص، والزرائب، وهدموا الحفر فوق رؤوسنا، وفككوا أحلامنا ونثروها فوق المزابل.... فلم تعد هناك حتى حانات، ومراقص، وبيوت للسعادة، والمسرات....، لا أطباء ولا ملائكة، فالكل هرب...، ومن لم يهرب توارى في ظلمات الجحور.... أو تحول إلى حجارة، أو إلى نبات!
ـ أرجوك...، لا تهددني بالطرد، فانا الآن في رحم الأرض، وفردوسها!
ـ لكنك لن تصمد...، معي، لأنك لا تحتمل هذا النصر!
ـ النصر...؟
ـ آ ...، أيها الشقي، لا أريد أن أراك تتمرغ، تتلوى، وتتدلى.....، وأنت تمد يدك تتسول قليلا ً من الهواء، وأنا ارتويت من الهزائم!
ـ قبل قليل سمعتك تتحدث عن النصر...؟
ـ يا حمار...، سيدي، هذه تمويهات!
ـ أتخدعني..؟
ـ لا! أنا اخدع نفسي... فالنصر لا يستقيم من غير الهزائم، كالفردوس لا تراه من غير الوهم!
ـ انك تعاقبني...؟
ـ من أكون..، ها، من أكون كي أعاقب من عاقبني ولم يبق لي إلا أن أوغل في جلد ما تبقى مني...؟
دوى انفجار هز جدران الحفرة، فتابع:
ـ ربما يحتفلون ....، بالنصر، فانا اسمعهم يرحبون بالوباء!
ـ دعني أغادر..
ـ من منعك، سيدي؟
ـ صمتك تسلل إلي ّ، واحتل ضميري، بعد أن استوطن جسدي، حتى أني لا اعرف أين هو فمي، وأين هو رأسي..!
ـ ها، ها أنت أصبحت مثلي، لا تعرف إلى أي الفصائل تنتمي...، أصبحت خليطا ً من العقارب والخنازير والبرغوث...
ـ .....
ـ مت! يا للسعادة، ولكن الغريب انك لم تهرب!
سمع صمته يخاطبه:
ـ لم تصمد اشد المخلوقات شراسة، يا ...، بعد أن سقطت الأجنحة، الواحد بعد الأخر، وبعد أن تم احتلال الساحة الكبرى، والمنصة....
ـ ومديرنا الخالد...؟
ـ اسكت، إنه يتدلى...، علقوه، ولكنه مازال يخطب! إلا تسمعه...؟
بدأ يزحف نحو فتحة الحفرة:
ـ آ ...، المدير، زعيمنا مازال يزعق بالمجد، والعظمة، والثأر...
ـ أنت...، أيها البغل، ماذا تفعل؟
ـ هل تتحدث معي...، أيها الغريب...؟
ـ لِم َ لم ْ ترحب بنا....، وتحتفل أسوة بالآخرين.
ـ ولكني لم اعد حتى بغلا ً...، فانا اجهل من أكون كي أرحب بكم، أيها..
ـ آ ....، حقا ً ماذا فعلوا بك...
دار بخلده وهو يخاطب صمته:
ـ أنا لا اقدر أن افعل شيئا ً أبدا ً، فجسدي تخلى عني، وروحي أصبحت ترفرف في الظلمات، مع البرد، بصحبة الفراغات ..
صرخ الغريب:
ـ اخرج.
ـ لا اقدر...، فانا هو كل ما تبقى من هزائم هذه الحدقة، وغبارها.
ـ لا تحزن...، لأننا سنعيد لكم بناء الممرات، والأسوار، والجدران، والدهاليز، والحفر، والمجاري،...، وسنشيد لكم احدث الأقفاص، والمغارات، فانتم، بعد اليوم، أحرار كأشعة الشمس، رغم دخان الحرائق، وأطياف الموت.
سأل صمته بصوت خفيض جدا ً:
ـ كيف ارجع وأعود دابة، أو أصبح نباتا ً، أو حفنة رمل في ساحل هذا المستنقع..؟
لكزه صمته:
ـ أسكت...، فالوباء مازال يبحث عنا...!
ـ آ ...، أين نتوارى...؟
ـ اخرج.
ـ ماذا تقول...، وأنا لا اعثر على نفسي!
ـ كما قلت لك...، اخرج كأنك لا تعرف ماذا حصل... ، وماذا جرى.
ـ يا صمتي...، لا ترتكب الإثم!
ـ لكنهم سيهدمون الحفر على رؤوسنا، فيصبح الأعلى قاعا ً، واليسار يمينا ً، والأتي ماضيا ً.
ـ سأخرج...، ولكن ماذا افعل..؟
ـ لا تفعل شيئا ً، من طلب منك أن تفعل....؟
     سمع الغريب يرحب به:
ـ اذهب وشاهد ساحة الأعياد...، فالأحرار يوزعون الحرية لم ينشدها، مجانا ًن، بلا قيود وبلا شروط!
ـ آ ...، صحيح، فانا قبعت دهرا ً في الظلمات، فلم اعد أر سوى الليل يتمم ليله وما توقف عن استكمال دورته بعد!
سمع صوت المدير يخطب بصوت مرتفع:
ـ  وسنعمل على تهذيب العاصفة، ونطهرها، ونبني.... وسنطلب من السماء أن تأتي بالأمطار، بدل هذا الغبار، وسنطلب من الشمس إن تأتي بالشفافية بدل هذا البرد، فتزدهر البراري، وتمتلئ الحقول بالزرع ...
   سمع الهتافات ترتفع، عاليا ً، والأرض تتمايل، كأنها وربت، وراحت ترقص طربا ً:
ـ وسنعيد بناء الأسوار، والممرات، والزرائب، والحظائر لكل من لم يهرب، ولكل من صمد، وتحمل نكد الأيام وذاق مرارتها...، وسنمنحكم وسام الولاء للحديقة، من النوع الأول...
بحث عن صمته، فلم يجده، ليلمح الثور، مدير الجناح، يقف عند المنصة، مصغيا ً الى المدير:
ـ  قلت لكم، بحسب أدق التقارير، والمعلومات، والشهود، انه تم القضاء على الوباء تماما ً...، وما تبقى منه، سيهزم، أو يولي الأدبار، أو يهلك كمدا ً....، فالبرد لن يسمح للأشرار التطاول على أقفاصنا، ومنجزاتنا، ومجدنا...، فالبرد سيعاقب كل من تسول له نفسه العدوان والاعتداء على مجد هذه الحديقة وقد استعادت حريتها وأصبحت مشرعة توزع هباتها على الأحرار....ونبراسا ً للحفر في أسفار الخالدين.
      وعاد يبحث عما تبقى منه، فوجد الثور يخاطبه، مصادفة، رغم الهرج، والأصوات الصاخبة، المرتفعة:
ـ اخرج من حفرتك!
ـ أنا لا اعرف من خرج منا، ومن لم يخرج!
وضحك بهستيرية:
ـ حتى لو لم اخرج...، فإنهم يجدون ألف ألف وسيلة لا يدعوني فيها ارقد بسلام فيها...، آ ...، عندما يصبح الصمت واعظا ً للدوى، والأبدي يبحث عن قليل من التراب...، والجمال يتستر بحفنة من الغبار!
تابع المدير يصرخ بأعلى صوته:
ـ قلت لكم لا تخجلوا من حفركم..، ولا من أدرانكم، ولا من ماضيكم....
فقال له هامسا ً عبر ممرات الأثير:
ـ سيدي، أنا بانتظار الحصول على حفرة جديدة!
ـ ستحصل عليها، حالما تتخلى عن صمتك، هذا الذي كنت تجهل هل كنت تتبع خطاه أم هو الذي يمشي خلفك...
ـ آ ...، سيدي، أنا مازالت ابحث عنه! فانا لم اعد أجد نفسي!
    وسقط من شدة الضحك، فعاد السيد المدير، من أعلى المنصة، يخاطب الملايين:
ـ ها انتم تشاهدون ما يحدث، أمامكم، فهذا هو واحد من الذين نذر حياته  للعيد الأكبر، حرية الأحرار، وأحرار الحرية...
   لم يجد جسده كي يمسك به، بعد أن فقد أي اثر لصمته، فلم يكترث للبحث عن مبررات لغيابه، أو للبحث عن فراغ يتوارى فيه، ولكنه لا يعرف كيف وجد شيئا ً ما ـ لم يعد يعنيه ـ يتطاير مع الغبار، وثمة، للمرة الأولى، أحس بأنه غدا متحررا ً من صمته، ومن كلماته، فراح يتلاشى في الفضاء.
16/6/2015
 

ليست هناك تعليقات: