بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 21 يناير 2016

بعد 55 عاما .. جواد سليم ونصب الحرية-إعداد: عادل كامل

بعد 55 عاما .. جواد سليم ونصب الحرية

وثائق وشهادات

إعداد: عادل كامل
      كالكثير من المشاريع المحكومة بالفشل، أهملت المؤسسات المعنية بالفن، وغير الفن، بالحفاظ على تراث جواد سليم، رغم الكثير من الجهود التي بذلت  بتحويل بيت الفنان إلى (متحف)، والحفاظ على ارثه، أثناء حياة سعاد ونزار ونزيهة، وباقي أفراد أسرته...، أو بعد رحيلهم...، فتناثرت تجاربه الفنية، ومقتنياته، وتوزعت، كما تعرض الجناح الخاص به ـ في مركز الفنون ـ بعد 2003، للنهب، والتلف، والضياع...
   لكن القليل من رسوماته، ومجسماته، لم تغب عن الذاكرة: الشجرة القتيلة، شعار الجمهورية، العلم العراقي، شعار مصلحة نقل الركاب، تصاميم العديد من الكتب، البنّاء، الأمومة، السجين السياسي، إضافة إلى بغدادياته ... الخ
   لكن (نصب الحرية) ـ الذي تعرض لمحاولات عديدة للهدم ـ امتلك اللغز ذاته الذي بحث عنه جواد سليم، ومكث يجد، يوما ً بعد آخر،  استجابة لا شعورية أولا ً، وفنية رمزية إبداعية ثانيا ً، من لدن الملايين التي وجدت فيه: علامة اجتمعت فيها عناصر الإبداع.
   إن جواد سليم نفسه لم يفكر ولم يطمح أن يكون أسطورة، رغم انه استثمر حداثات الفن الأوربي بمنحها سرها المشيد بالرهافة والخبرة، بل عمل على صياغة (علامة) استمد مكوناتها من أحلام أجيال غابت ومكثت تحلم أن تصنع مصيرها بالعمل ـ وبالحرية.
   وبعد مضي 55 عاما ً على إقامة نصب الحرية (1961)، في اكبر ساحات بغداد ـ الباب الشرقي ـ يكون جواد سليم حقق رسالته الفنية/ الأخلاقية/ والجمالية...، فصار النصب: علامة في مدينة، ومدينة في علامة. حتى بات من الصعب تخيل بغداد اليوم من غير نصب الحرية، أو تخّيل نصب بغداد من غير بغداد... فلقد أعاد جواد سليم ـ بعد قرون من الظلمات ـ للفن مكانته في الضمير ـ وفي الذاكرة، وفي المخيال الشعبي النبيل.
    في الوثائق/ الشهادات التالية، تؤكد أن نصب الحرية، ليس من الماضي...
    ولأن النصب، لم يكن علامة منفصلة عن تاريخ وادي الرافدين، وحضارته، فقد ترك أثره، منذ شيّد، في عدد كبير من الذين عاصروا نشأته، وحضوره الإبداعي كأحد رموز العراق الحديث. فالفن، كما تؤكد مدوّنات التاريخ، إن لم يستمد شرعيته من الضمير الاجتماعي، والثقافي، فانه لن يتحول إلى معمار روحي، والى أداه فعّالة في الخطاب المعرفي للشعب، ونخبه الإبداعية. وفي الشهادات، والنصوص التالية، إشارات تلقي الضوء، وقد استمدته من النصب تحديدا ً، حول مفهوم الهوية، وامتدادها، في عصر تصادم العلامات، ولكن، في إطار صيرورتها الخلاقة.


شهادات شارك فيها:
1 ـ  جبرا إبراهيم جبرا
2ـ عباس الصراف
3 ـ شاكر حسن آل سعيد
4 ـ إسماعيل الشيخلي
5 ـ د. شمس الدين فارس
6 ـ د. محمد صادق رحيم
7 ـ عدنان المبارك
8 ـ أ.د تيسير الآلوسي
9 ـ د. خالد القصاب
10 ـ عادل ناجي
11 ـ د. شوقي الموسوي
12 ـ   د.عبد الإله الصائغ


توق للحرية

   " وهذا النصب يتألف من أربعة عشر مجموعة من البرونز، في كل مجموعة منها عدة شخوص وينتشر على إفريز شاهق طوله خمسون مترا ً، وعلو منحوتاته ثمانية أمتار. فهو إذن من اكبر النصب في العالم، وهو أضخم نصب قام بعمله فنان عراقي منذ أكثر من (2500) سنة. ومع ذلك فقد أكمله في سنة ونصف! والسر في ذلك ولا ريب هو تاريخ تطور الفنان وما قام به من رسم ونحت طوال عشرين سنة من حياته، وما واكب من تاريخ قومي كان هو في الغمرة منه، مع انه ـ كما كان يردد ـلا تهمه السياسة في شيء. فالتاريخ القومي هنا عملية مخاض نفسي، أو عملية نمو وإيناع في تربة اكتشفت منذ حوالي خمسين سنة كوامن خصبها. (....) فعزم أولا ً على جعل منحوتاته على الغرار العراقي القديم ـ وهو النحت الناتئ، لا النحت المجسم. ثم أدرك ان عليه ان يجعل العمل كله حلا ً وسطا ً بين الأسلوب الذي يتوخاه الفنان لو كان عمله خاصا ً به وبين ما يتوقع منه الجمهور الذي ينظر إليه في ساحة كبرى. وإذ راح يرتب مجموعاته الأربع عشرة استدرج تجارب سنيه الطويلة وتراكمات الرؤى والرموز التي لم يتح له في الماضي ان يبلورها على مثل هذا النطاق ـ وراح يرتبها، فيما أراه أنا، على شكل بيت من الشعر يقرأ من اليمين إلى اليسار. فكل مجموعة هي فكرة قائمة بذاتها ولكنها تتصل الواحدة بالأخرى في سياق يؤلف المعنى الذي يعبر عنه النصب بأجمعه: توق العراق إلى الحرية منذ القدم، وتقديمه الضحايا في سبيلها، لكي ينعم أخيرا ً بالسكينة والازدهار والخلق."
جبرا إبراهيم جبرا
الرحلة الثامنة، بيروت، 1967 ص 188ـ 202


بين بوابة عشتار ونصب الحرية


    " البوابة مستطيلة طولها الأفقي خمسون مترا ً وعرضها العمودي ثمانية أمتار وسمكها متر واحد وترتفع عن الأرض خمسة أمتار، إنها جسر مرمري استند طرفاه على قاعدتين وبقي معلقا ً في الفضاء تاركا ً تحته ممرا ً واسعا ً يصل ساحة صاخبة بمتنزه هاديء بسيط.
   باب عشتار محدودة الفكر تروي مراسيم المواكب البابلية والجموع الوافدة على بابل مخترقة ذلك الدهليز المعتم ... وبوابة بغداد كونية كبيرة تحمل ملحمتها على ظهرها تروي للأجيال المتعاقبة صراع البشر مع أقدارهم.
  باب عشتار أنشودة يرددها التاريخ... وبوابة بغداد ملحمة تتحدث عن التاريخ.
   وباب عشتار ممر ضيق يوصل لمدينة سجينة داخل أسوار... وبوابة بغداد بساط شهرزاد السحري محلقاً في الفضاء.
   باب عشتار مظلمة رهيبة يعتليها حراس أشداء يسددون نبالهم وسهامهم للقادمين إليها وتحمل جدرانها حيوانات أسطورية مخيفة ... بوابة بغداد عارية مفتوحة ليل نهار بلا رقباء يعتلي تماثيلها الحمام الآمن فيكسبها حياة ووداعة واطمئنان.
   باب عشتار تلثمها الشمس سويعات من النهار... بوابة بغداد تعانق الشمس عند شروقها وتودعها عند الغروب، ولم يكن ذلك من قبيل الصدف بل قصده جواد وعناه فأراد ان يبعث الحياة في ملحمته فوضعها في خط مسيرة الشمس حيث تطول الظلال وتقصر فتكون الأشكال في حركة دائبة لأنها تستجيب لكل لمحة من الضوء المتغير، وإذا دجى الليل ونشرت المصابيح أنوارها الشاحبة على تلك الهياكل توقف الزمن وتسمرت دون حراك، فترقد في جمود حتى بزوغ صباح جديد، إنها دورة الزمن الأبدية"
عباس الصراف
[جواد سليم] وزارة الإعلام ـ بغداد 1972 ص137 ـ 138


التجاوز
   " هذا هو أخيرا ً إذن مبدأ (التجاوز) لدى الفنان وقد تقمص كل ذاكرة محاوره. فنصب الحرية محفوف بمخاطر الوقوع في رتابة (التخلف) اذا لم يقترح منذ البداية كل هذه الإمكانيات الواسعة للخروج عن ارض (الذاتية): ذاتية الركون إلى (دغوماتية) التفسير. وجواد سليم يحقق تجاوزه الذاتي في (الرمز) ولكن ضد (المتناقض) الذي ينشد اللا ـ تناقض أو وحدة التعاقب فهناك ما يسمى عادة (بالانقطاع)، وهو ما سينشد بدوره (اللا انقطاع). ان (الانقطاع) في نصب الحرية هو (قدر) الميثولوجي: فما لم يدرك المشاهد ان ثمة لا منطق معين في العلاقات بين الأشياء وأشياء الأشياء سوى تلك النفحة الرقيقة بروائحها الطيبة: روائح الانجاز الجميل فلا (شخصية مركبة). أي ان ما أنجزه جواد سليم بوضوح في رسومه في الخمسينيات (1953) يطالعنا الآن في نحوته الستينية (1961). وهو أكثر أصولية (في علم الأصول) في جوهره. فنحن أبدا ً بإزاء عمل فني يمتزج فيه الرسم بالنحت، بالموسيقى، وبالفن المعماري ـ كما يمتزج فيه الطبيعي بالثقافي وما يخص الفنان وما يخص الجمهور بل وما هو مستقل في إطار (شيئية) الوجود. فمبدأ (التجاوز) في جميع الأحوال إذن يتقمص هذه الأشكال النحتية الهائلة، أي في ان نعيد النظر مجددا ً في كل مرة لما نراه. فليس نصب الحرية إذن هو هذه المساحات والكتل المحددة من البرونز. ذلك لأنه أيضا ً تلك النوبات المرضية والانهيارات النفسية التي مر بها جواد سليم أثناء انجازه لبدايات عمله.. (....) أيكون إذن موته المفاجئ جزءا ً من عمله هذا وهو في صيرورته المستقبلية ؟هنا نستفيق من سبات عميق على حقيقة  ان استمرار العمل الفني بعد موت الفنان هو أيضا ً جزء من سيرورته الجنينية قبل ولادته. فإذا كانت جهود الإنسان تختصر في (زحزحة) الطبيعي إلى ثقافي فان جهود الإنسان الخلقي هي التي اختصرت وستختصر (زحزحة) الثقافي إلى ما فوق الثقافي."
شاكر حسن آل سعيد
[جواد سليم ـ الفنان والآخرون] دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد 1991 ص206


انجاز كبير

[ إن نصب الحرية يعد بحق من اكبر الأعمال وأعظمها في النحت المعاصر، حيث حقق جواد في هذا الانجاز الرائع كل ما كان يصبو إليه من قيم فنية لذا فإننا نرى فيه خلاصة ما كان يريد ان يقوله ويعبر عنه منذ ان تأثر بفنون وادي الرافدين ودراسته في باريس مع أستاذه (جانيو) الذي يعد من اكبر فناني النحوت البارزة في فرنسا. ودراسته في كل من روما ولندن بعدئذ حتى انتهت به هذه المسيرة القصيرة من عمره الفني بهذا الانجاز الكبير. يبقى جواد فنانا ً عراقيا ً أصيلا ً ومبدعا ً فتح آفاقا ً رحبة وواسعة أمام الكثير من زملائه وأصدقائه وطلابه في البحث والاستقصاء وإنارة الطريق لهم، وعلى الأخص في استلهام تراث الأمة وتاريخها في إطار من القيم المعاصرة والرؤية المتقدمة وبإعماله تلك دفع عجلة الفن العراقي إلى أمام في فترة كانت تعج في أرواح الشباب المتطلع للمستقبل، ثورة وجدانية وفكرية وسياسية هدفها السير بالوطن والأمة نحو التقدم والدخول إلى معالم الحضارة الإنسانية الحديثة"
إسماعيل الشيخلي
مجلة الرواق ـ وزارة الثقافة ـ بغداد العدد(14) 1983


تعبيرية النصب وجمالياته

   " شيد هذا النصب في ساحة مركزية ذات الحركة الدائرية والتي تلتقي بها ستة شوارع رئيسة. فبصورة جيدة يستطيع المشاهد ان ينظر إلى هذا النصب من أية نقطة في الساحة. فبهذا نستطيع ان نشير إلى ان مكان النصب اختير ايجابيا ً تحقق من خلاله التعامل الصحيح مع المجموعات المعمارية المحيطة به.
     وقد طرح الفنان مضمون هذه الملحمة بشكل قصصي ديناميكي من خلال تقصيه لبعض القيم الجمالية لفن وادي الرافدين القديم، وقد سبكها بروح معاصرة مكونا ً من ذلك خاصية ما تميز به النصب بهيأته التكوينية العامة. ومن خلال ذلك استطاع الفنان ان يتوصل إلى صياغة بلاستيكية موحدة ذات لغة تشكيلية معاصرة تعبر عن واقع موضوعي تحسه جماهير شعبه..."
    " فبغض النظر من ان التكوين الفني للإفريز متكون من أجزاء مركبة من قطع برونزية مخرمة وزعت على الخلفية البيضاء ببروزات متفاوتة فان الفنان استطاع ان يجد بثبات الحركات البلاستكية والانسجام اللوني العام للنصب. ومن الناحية الأخرى فان الفنان استند على بعض القيم الجمالية اللونية للرليف  البابلي لكن جواد لم يعتمد على التراث من خلال المحاكاة وإنما من خلال تقصيه للقيم الجمالية التي أدركها الفنان البابلي. فالفنان جواد لم يستعمل الألوان كما استعملها الفنان البابلي في طلي رليفاته وإنما استطاع ان ينظم الإيقاعات اللونية من الألوان الطبيعية للمواد التي استعملها في بناء هذا النصب من حجر ابيض وبرونز. فالكتل البرونزية ثبتت على الخلفية البيضاء بتفاوت لذلك تكونت ظلال مختلفة تفاوتت درجاتها اللونية وشاركت هذه الظلال مشاركة مباشرة تكوينا ً مع الكتل الأصلية. استطاع الفنان هنا ان يستخلص هارموني بين الألوان الطبيعية للمواد ودرجات الظل والنور المختلفة، وذلك بالحصول على تكوين بلاستيكي عام يعطي قوة تعبيرية ديناميكية للنصب المعماري مع القطع البرونزية الضخمة المتكونة منها شخصيات النصب. فأيادي المناضلين الضخمة والتي تعبر عن الألم والإصرار على النضال جسد فيها الفنان كره الشعب للاضطهاد. ان هذه الشخصيات العملاقة يرمز بها الفنان إلى الشعب البطل المناضل ضد الجوع والفقر. الملاحظ في هذا النصب ان الفنان أجرى عمليات اختزال لبعض الأجزاء وذلك لكي يستطيع ان يؤكد على الأجزاء المهمة التي تبرز من خلالها قوة تعبيرية أقوى، وهذه إحدى الصفات المهمة التي تميز بها الفن السومري القديم."
د. شمس الدين فارس
               [المنابع التاريخية للفن ألجداري في العراق المعاصر] وزارة الإعلام ـ السلسلة الفنية (24) بغداد ـ 1974  ص52 وما بعدها


سيمفونية
    " نصب الحرية في الباب الشرقي لبغداد هو ختم اسطواني سومري مكبر من حيث فكرته , أما اذا أردنا تشبيهه بلافتة في تظاهرة كما يرى مصمم بناؤه وقاعدته (رفعت الجادرجي ) فسنقع بركاكة تجربتنا للشعور بفشل التصميم عموما . إذا أخذنا أي ختم اسطواني سومري ومررناه على لوح من الطين فسنحصل على نحت بارز مستطيل مؤلف من الشخوص والحيوانات والرموز يشبه إلى حد بعيد نصب الحرية هذا هو الذي منح نصب الحرية مشروعيته وأصالته العراقية .. عند النظر إلى النصب من اليمين إلى اليسار نرى كتلة نحتية يتبعها فراغ ثم كتلة نحتية أخرى  وهكذا ...ان هذا الارتفاع والهبوط يفتح آذاننا إلى صوت الطبلة الغجرية العراقية المتفردة من بعيد فهو صوت وفراغ ثم صوت ففراغ، ان هذه الحركة والتوقف والارتفاع والهبوط تجعلنا قادرين على اخذ أي جزء من الملحمة ومعاملته كعمل فني نحتي مستقل , لكن هذا لم يؤثر إطلاقا على النسق الفني التام والعلاقة الوطيدة بين كل أجزاء الملحمة عند النظر إليها كاملة مرة واحدة .. لقد حقق جواد سليم ذلك بقدرة فنية عالية , حيث سلم أجساد شخوصه بعظام غير مرئية عملت كمساند داخلية تعطي حركة وشكلا يميز كل المشخصات بصفة مشتركة تبعث الشعور بذلك النسق الفني المشترك العالي الذي نراه في النصب اليوم . ولهذا نستطيع النظر إلى النصب كاملا لنجد كل جزء فيه يكمل ويغني الآخر بجانبه في تكوين متماسك صلد . كذلك اذا توقفنا أمام نصب الحرية في بغداد لمسافة عدة أمتار عنه، ونسينا لدقيقة واحدة السياج القبيح في الأسفل والروائح الكريهة التي تخدش شمنا لغرقنا في شعور من الرغبة في التحرك والارتفاع والمشي بين شخوص المنحوتة ,, إنها أشكال درامية تحكي قصصا تدعونا إلى لمسها والحركة معها."
  د. محمد صادق رحيم
مجلة الثقافة الجديدة ـ العدد 292


جواد... جواد ... جواد ...

شمس بابل وقباب بغداد ونساء حماماتها
فتح لها كل الشبابيك هذا القادم من درب تبّانة
حين هبط في الرصافة.
كان قد رسم على جدران الزقاق المجاور
الأهلّة والنارجيلات ومويجات دجلة النزقة.
ثم راح الى امرأتنا البغدادية.
رسم هالات ضوء تنبض في الوجه.
جرّاوية الأسطه أراد وضعها على رأس انكيدو،
وانتزاع السهم من صدر اللبوءة.
عمل استراحة  تذكارية ،
وجلس مترنما مع الجالغي والمقام.
أمامه جاي سنكين ،
وفي الفم جكارة مزبّنة ،
وفي الرأس
بضع حكايات من شهرزاد
راح يستمع اليها الواسطي أيضا ،
رغم أنه دخل من زمان ، رواق المقامات
وأولئك الرجال والخيول
 والجدران التي أضاعت  جغرافيتها.
رفع ابن سليم فوق بغداده لافتة من رخام
أضاءتها شمسان -
كونية وتلك البابلية التي كانت قد شبّت في قلبه
 وطافت في كل أزقتنا القديمة.
أما دجلته فوصلت منعطف الزوّية
وهي تردد بحزن شفيف :
جواد ... جواد... جواد...

عدنان المبارك
باندهولم 26-  أيلول 2013


نصب الحرية ببغداد الرمز التكويني الأكثر غنى بين النصب المثيلة عالميا


     منذ لحظة الاشتغال الإجرائي وتجسيد القيم الإبداعية فيه، كان نصب الحرية في بغداد حالة استثنائية وسط غرابة ما تكتنفه المراحل التي مرّت عليه. صحيح أنّ ولادة النصب جاءت مع ثورة 14 تموز التي عبرت عن انعتاق الشعب من بنية مجتمعية شبه إقطاعية ومن حالات التخلف والجهل، إلا أن النصب يوحي لك بأنه قبس من سومريات الحضارة التي شيدت على ضفاف الشطآن الملأى بأمواه الخلق الأولى. أنت تتطلع ممعنا في النصب فتجد تلخيصا لأسطورة الخلق ولأساطير الإنسان السومري يبني وجوده بحكمة عقل متمدن، وبأذرع سمر ارتفعت فضاءاتها مشرعة كصواري السفائن التي تمخر عباب العواصف المتلاطمة وتنتصر عليها منعتقة من أسرها، متحررة من قيودها.. وإذا كان النصب يتميز عن إبداعات أخرى بذات العنوان كونه يقدم كينونته بانوراميا بحكاية أسطورية لمسيرة شعب لم يقبل لنفسه إلا أن يكون مهد حضارة البشرية الأمر الذي ارتقى بوعيه عاليا ليرفض أن يحيا بعبودية لعنف لحظة من الزمن قد تكون استغلت ظرفا لتحاول استعباده لكنها تفشل أمام إرادة من نيران الثورة والثوار يحطمون السلاسل والقيود.. إنّ هذه الميزة ليست ميزة مضمونية كأنها فكرة صماء بلا أدوات تقديم وعرض.. إنها ميزة تميز النصب في بغداد عنه في كل بقاع الدنيا بكونه ملحمة تشكيلية استثنائية لا تتكرر. من هنا صار هذا النصب قيمة جمالية بخصوصية محلية وبأجنحة تنشر مداها على مدى الفضاء الإنساني.. الأمر الذي يحول نصب الحرية ببغداد إلى رمز مفتوح للحرية لا تستطيع حدود أو جغرافيا أن تأسره. وهذا يعني لطلبة الفنون التشكيلية ولعلم الجمال إيقونة ودرسا خالدا سيبقى الفنانون يبحثون عن لحظة للفرجة واللقاء ليتمعنوا في عطاءات بلا حدود، عن دروس بلا منتهى، عن قيم متجددة تعايش الأزمنة والمراحل في كل مرة تثور على معطى المرة السابقة بجديد قراءة في عين مبدع أو عالم للجمالية...إن للعراقيين فخرهم في نصب الحرية كونه ينبوع عطاء ومنهلا مازال يمنح الحياة لقيم الحرية والانعتاق ويثير فيهم قيم الثورة وسيبقى الملتقى الجمالي والفكري الاجتماعي الذي تلتئم حوله الأنشطة بخاصة منها تلك التي تتحدث باسم المقدس الاجتماعي، المعبر عن الصوت الجمعي  الهادر للشعب الذي يأبى إلا أن يتجه في دروب الحرية لأنها دروب السلم والتقدم والحياة حرة كريمة.. ذلكم هو نصب الحرية في ساحة التحرير في العاصمة العراقية بغداد.. ذلكم هو ملخص كل نصب الحرية في العالم وهو ملتقاهم وموئل الدلالات الحافة لنصب الحرية بمختلف العواصم...


 أ.د. تيسير عبد الجبار الآلوسي
رئيس جامعة ابن رشد في هولندا


السيمفونية

في شهر كانون الثاني 1961م، أصيب جواد سليم بنوبة قلبية مرة أخرى، وكان قد أصيب بنوبات متعددة أثناء دراسته في انكلترا وفي ايطاليا، عندما كان مرهقا بعمل نصب الحرية لثورة 14 تموز 1958م، واذكر انه شكا لي من الم في صدره ونحن في سيارتي قاصدين مطعم (الباجة) في شارع الشيخ عمر بعد منتصف الليل.
ادخل جواد بصورة مستعجلة إلى الردهة الثامنة في المستشفى الجمهوري، ولازمته هناك مع الدكتور سالم الدملوجي (صديقنا الحميم وأستاذ الأمراض الباطنية في وقت لاحق). وأجريت له كل ما تطلبه حالته، وكانت زوجته (لورنا) تلازمه طيلة الوقت.
غطوا وجهه الشاحب بقناع الأوكسجين وربطوه بأنابيب طبية متعددة. تحسن وضعه في الأيام الأولى لكنه أصيب بنوبة قلبية ثانية فجلل العرق وجهه ونزل ضغطه وبدا عليه صعوبة في التنفس وعطش للأوكسجين مع حالة من هذيان يصاحب عادة هذه الحالات. قال لزوجته: (تصوري إني أراك الآن ملاكاً .. تصوري أنت لورنا ملاك). ثم علت وجهه ابتسامة ساخرة اختفت فجأة وجمدت عيناه فتوقف كل شيء.
أصابنا الوجوم أنا وسالم ولورنا، ففصلتُ عنه أنابيب الأوكسجين والتغذية وهو بلا حراك، مات جواد ولم يتجاوز عمره اثنين وأربعين عاماً.
وانتقل بذاكرتي إلى غرفة الأموات المظلمة في المستشفى، وجسد جواد مسجى على منضدة (البورسلين) الأبيض، سال من الأعلى خيط نور صغير ليخترق الظلمة ويسقط فوق وجه جواد الشاحب.
وفي ركن الغرفة تجمعت ظلال الأصدقاء تبكي المشهد الكئيب: حافظ الدروبي وإسماعيل الشيخلي وسعد شاكر ومحمد عبد الوهاب وباهر فائق وسالم الدملوجي وخالد القصاب. وانبرى النحات خالد الرحال يخفق بيده عجينة (البلاستر) يغطي بها وجه جواد ولحيته ليعمل منها قناعاً لوجهه والدموع تنهمر من عينيه، تكسر القناع عدة مرات لرداءة المسحوق، فأسرع سعد شاكر في الذهاب إلى معهد الفنون الجميلة لجلب مسحوق بديل، فأعاد الرحال عمل القناع مرة أخرى، وهنا أطلق باهر فائق صرخة من قلب الظلام: (خالد لاتخنق جواد)، وانخرط الجميع بالبكاء.
توفي جواد صبيحة يوم 23 كانون الثاني 1961م، وشُيع جثمانه بعد الظهر من معهد الفنون الجميلة في الكسرة بجمع مهيب إلى مثواه الأخير في مقبرة الاعظمية. ركب إلى جانبه بالقرب من التابوت في السيارة التي تحمل النعش فائق حسن واخو جواد سعاد سليم وإسماعيل الشيخلي وفرج عبو.
وسار خلف السيارة مشياً على الأقدام عميد معهد الفنون الجميلة وأساتذته والشاعر محمد مهدي الجواهري والفنانون وطلاب المعهد. وكان شكري المفتي معاون عميد المعهد قد اتصل بشباب الاعظمية لاستقبال الموكب استقبالاً يليق بما يستحقه من احترام.
غابت الشمس الحمراء خلف الأفق، وبقي لحن الكيتار الأخير من أغاني الفلامنكو الحزينة التي كان يعزفها جواد يرن طرياً في أذني، لم يذو مع السنين بل ظل يحكي لي قصة عبقرية نادرة انتهت بعد عمر قصير، ذهبت ولم تعود.
د.خالد القصاب

  العبقرية والأصالة في فن جواد سليم

   تنتابني الرهبة حين أتطلع في نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد ،واسأل نفسي يا ترى كيف بَنت عبقرية جواد سليم هذا الإنشاء النحتي العظيم الذي لا يضاهيه أي نصب رأيته في جميع تنقلاتي وسفرياتي ؟
لو نأخذ كل قطعة على حدة ونفتش بما فيها سنجد ان هناك تكوينات ومحاكاة مدروسة بإتقان شديد وكأن جواد سليم كان يريد ان يقول لنفسه وللتاريخ "سأجعل من هذا النصب العملاق لا مثيل له في الدنيا . وسأجعل منه سيمفونية خالدة كمسلة حمورابي ، ولم لا وأنا عراقي؟ ووطني فيه من كنوز الفن ما يعادل حضارات كاملة" اجزم ان جواد كان يدردش مع نفسه هذه العبارات وهو يضع السكيتشات ( المسودات ) أمامه ويحذف ويضيف ثم يدون ما يجب عمله..ثم يتخيل كيف يكون النصب وكيف ستكون رفع الستارة عن هذا النصب العملاق... جواد كان يحلم وينتشي بتلك الأحلام التي أصبحت حقيقة ، بل أحلامه أصبحت تاريخ خالد.
ولد جواد سليم سنة 1919 في أنقرة- تركيا حيث كان أبوه ضابط متجند في الجيش العثماني. كان الأب هاويا للرسم ويمارس هوايته عند الفراغ . نشأ جواد في تلك البيئة العائلية المحبة للفن فكانت أمه تمارس الفنون اليدوية، و للفنان جواد سليم اخوين سعاد ونزار وهما أيضا فنانان مرموقان في الوسط الفني العراقي، وأخت واحده اسمها نزيه وهي فنانة ومدرسة لفن الزخرفة والديكور في معهد الفنون الجميلة، وقد درستني عام 1965 و1966 حين كنت طالبا في المعهد وكانت علاقتي جيدة جدا معها . انا هنا أتذكر إنها أخذتني إلى بيتها مرتين و (كان موقعه قريب من المعهد ) للمساعدة بنقل بعض الحاجيات الفنية التي كنا نستخدمها نحن الطلبة في دراستنا الفنية، وكان هو نفس البيت الذي عاش فيه أخوها جواد سليم .كانت تلك هي فرصتي التي شاهدت فيها الأستوديو الخاص بجواد وهو بسيط ومتواضع وصغير على ما أتذكره الآن وفيه بعض معدات الفنان التي كان يستعملها .
لقد كانت والدة جواد الدافع الأول في نشأة فنانا العظيم ، فلقد شجعت ابنها على ان ينشأ بين الطين والشمع لصناعة التماثيل الفطرية التي يتلهي بها كل طفل لقضاء وقته بسعادة.
تأثر فناننا الراحل بالفن القديم لحضارات وادي الرافدين ابتداء من الفن السومري حتى الفن الأشوري وهذا ما يظهر جليا في قوة الإنسان العراقي المحطم للقيود في نصبه العملاق نصب الحرية. كما تأثر جواد سليم بالفن الإسلامي وخاصة فن الواسطي .
ان نصب الحرية هو بالحقيقة السيمفونية الأسطورية للفن العراقي المعاصر .فلقد غاص المايسترو جواد سليم في أعماق التاريخ السومري والاكدي والبابلي والآشوري حيث الأنغام الانسيابية والحس المرهف والقوة التي بنى عليها العراق حضاراته المتتالية.
كتب فنانا الراحل ما يلي عن نصب الحرية :"إنني في الوقت الذي أدعو فيه لخلق الفن العراقي الصميم أود القول باني لا أروم تحنيط العقول وتقييد الأفكار المتحررة، إنما أريد النظرة والانطباعة ". أما النظرة فهي ان نرى اللوحة بسذاجتنا وبباصرة أجسامنا، وأما الانطباعة فهي ان نراها بعقولنا وبباصرة تفكيرنا. فأنا مثلا عندما اعرض ما ارسمه على خادمتنا الصغيرة تفهم ان هذا التخطيط لقطة وذلك ( الاسكيتش) لرجل و الثالث لكمنجة هكذا ...وأنا في الوقت ذاته عندما اعرض هذه اللوحات نفسها على شخص تقمص روحية المثقف لما فهم منها إلا الشيء غير الموجود فيها. مرجع هذا ان الصغيرة نظرت لهذه اللوحة بسليقتها وبفطرتها ، أما المثقف فقد شاهدها ببصيرته المفكرة وأفقه الثقافي.
ويضيف في مذكراته أيضا حول نصب الحرية وهو يشبهه بالسيمفونية ويقول : " إنني كثيرا ما امثل دور النحات بالمؤلف الموسيقي . والمؤلف الموسيقي لايمكن ان يؤلف سيمفونية أو أوبرا الا بطلب حكومي او طلب إحدى الجمعيات الكبيرة، كذلك النحات لا يمكن ان يعمل غالبا إلا للحكومة او للجمعيات. وتشابه القطعة الموسيقية رسالتها النصب الموضوع في إحدى الميادين الذي يعطي فكرة نبيلة عالية لكل سائر".
وهنا اسرد ما ذكره الكاتب عباس الصراف في كتابه الشهير جواد سليم وهو يصف فيه قصة نصب الحرية:
" فرحلتنا الأولي قصيرة... زمانها عشرات السنين من القرن العشرين ،ومكانها ارض الرافدين ، وأحداثها صراع الشعب العراقي مع المغتصب وأعوانه، تبدأ بثورة العشرين، ثورة الفلاحين العراة إلا من أسمال تسترهم ، والجياع إلا من كسرة خبز تسد رمقهم . طال الصبر بهم فتجهمت وجوههم ، وعلاهم الغضب فسددوا نظراتهم بشزر . ديست كرامتهم فانتفضوا ثائرين على خيولهم الجامحة. زوبعة لولبية في بداية النصب قوامها حصان التف بجيده للوراء ورجل التوى ظهره يساند ذلك الحصان ،وقد ارتدى زي الفلاح العراقي، ثم يقابلهما رجلان مسك كل منهما بزمام، واندفعا بحركة مضادة عنيفة، ثم ذلك المحور الثابت الذي توسط تلك الزوبعة متمثلا بذلك الثائر الذي رفع يديه المقيدتين إلى الأعلى بقوة وشموخ محاولا ان يحطم بقيوده شيئا ما. عاصفة هادرة هبت من الريف لتوقظ المدينة فكان لها ما أرادت. فاندفعت الجموع برجالها ونسائها وحتى أطفالها بمظاهرات صاخبة وهتافات غاضبة ترفع اللافتات الصارخة متمثلة بتلك القطع التي علت أيدي الفتى والفتاة. وتتوسع رقعة المعركة وتتلاحم الجماهير فيضطرب الحكام وتحسسون مواقعهم المنهارة فيتشبثون بأقسى الأساليب وأشرس الوسائل في سبيل البقاء فتسقط الضحايا وتنصب المشانق وتمتلئ السجون، ولكن اليأس لم يعرف طريقه الى النفوس فالشعب يستعد بعد كل انتكاسة لجولة أخرى. وهكذا خاض الشعب مظاهرات وانتفاضات ووثبات توجها بثورة الرابع عشر من تموز بقيادة الجيش العراقي متمثلا بذلك الجندي الصارم الذي حطم قضبان ذلك السجن الكبير فأشرقت شمس تموز بقرصها المنير".
بقي ان نعرف ان بوابة ذلك النصب الذي وضعت عليه سيمفونية الخلود لفناننا الراحل جواد سليم هي من تصميم المهندس المعماري العراقي ذو الحس الفني رفعت الجادرجي. وقد شيدت من الاسمنت المسلح وغلفت من أجود أنواع المرمر المستورد من ايطاليا لكي تقف شامختا ضد العواصف والمؤثرات الجوية. ان عمليات صب القطع البرنزية عملت جميعها في ايطاليا وشحنت إلى العراق. و بقي ان نعرف أيضا ان قياس هذه البوابة المستطيلة الشكل يبلغ 50 مترا ويبلغ ارتفاعها 5 أمتار.
وأخيرا لا بد ان نتذكر ان جواد سليم قد صمم شعار الجمهورية العراقية بعد ثورة 14 تموز وقد أدخلت اللجنة المشرفة عليه بعض التعديلات ،وصمم شعار مصلحة نقل الركاب مقابل ( 15 دينار!) وصمم واجهة المصرف الزراعي عام 1953 بنحت بارز ( ريليف) تمثل الإنسان والأرض. عمل رئيس قسم للنحت في معهد الفنون الجميلة وتتلمذ على يديه خيرة النحاتين العراقيين البارزين ومنهم : محمد غني ،خالد الرحال ، محمد الحسني وهو أستاذي ، وميران السعدي ودرسني النحت أيضا في معهد الفنون وإسماعيل فتاح وطالب مكي وهو زميلي في مجلة مجلتي وجريدة المزمار وكان رئيس الرسامين في المجلة وعيدان الشيخلي ونداء كاظم وعبد الجبار ألبنا.

عادل ناجي
ألذات والامتداد : نصب الحرية

    ان محاولة الفنان العراقي اعتماد الحياة الباطنية الروحية في الإبداع ، هي مثال للديمومة التي تقر ضمناً مبدأ الحرية ، المُشتغل في حياة الصورة الفنية ، دون الاستغناء عن حياة الخارج ... فقد احتوت نتاجات الفنان " جواد سليم "  في النحت والرسم  ، على طاقات التعبير الخاصة بالجسد الأنثوي الخصوبي، الذي اعتبره الفنان رمز لمعنى هذا الوجود الخليقي مما فيه من إشارات للمثال وتعددية في القيم الجمالية والفكرية والحضارية ..؛ فمن خلال تخطيطاته التحضيرية نُلاحظ ان الفنان يمجد النزعة التعبيرية للكلمة والصوت والصورة لصالح الجوهر، لتستوعب مجريات الكيان الاجتماعي في المشهد الفني المشفـّر بالممارسات الإيمائية ؛ بمعنى انه كان مقتنعاً بالوظيفة الاجتماعية والثقافية لفنه ، وعلى وجه الخصوص في عمله الفني الرائع ملحمة (( نصب الحرية )) بتكويناته الاسطورية المُغلفة بالحداثة والذي اصطحبنا معه كالسندباد نحو الحريات ، يُترجم لنا زماننا ، ليسحبنا بعد حين بروحيته الشفافة ، نحو تأملات الصمت والأسئلة النبيلة التي تنتج الهوية ..؛ حيث صور الفنان في هذا النصب عذابات الجسد المنتصر في رحلة البحث عن الحرية ، وفق رؤيته الذاتية الحدسية ،المُشتغلة على الجدل والجدلية بين ثنائيات الوجود ( الأرض والسماء – الجسد والروح – المرأة والرجل – الأسود والأبيض – الحياة والموت ...) ، ابتداءأً من منحوتة الحصان الجامح المعبر عن  يقظة الإنسان المتطلع إلى الآتي ، ومنحوتة الأبطال الثائرين وهم في حركة هائجة باتجاه مركز ثقل العمل الفني ، بجانب الطفل الذي رمز له الفنان بالأمل ، مروراً بالأجساد المتهالكة التي تمثل  الضحايا ( الباكية – الشهيد – الام الولود – السجين السياسي..)  التي مهدت السبيل إلى الحرية المنتظرة ، وصولاً إلى فكرة السلام المنشود .    هذه الجدلية المتصاعدة والمحتفظة بجماليات المكان المتخيل ، قد جعلت المشهد  مُمتليء  بالقيم الإنسانية النبيلة والرموز الفكرية ذات المرجعيات الحضارية ، بجانب امتلاكه لحضوره الثقافي المشروع على صفحات التشكيل العراقي المُعاصر ، فقد صورت الاجساد المتراكبة ( الفتاة – الشهيد – الجندي – الثور – الشجرة – قرص الشمس ...) باسلوب بانورامي يعتمد التسطيح والتحوير لأجزاء المشهد لإحالتها إلى أشكال هلالية متنوعة ومتنامية حركياً عبر التفاعل المتصاعد ما بين المركز والأطراف ... فالفنان جواد مرتبط – على حد قول الأستاذ شاكر حسن آل سعيد – بالعقل الرياضي السومري الذي توصل إلى توطيد العلاقة مع  الحركة المحيطة بالسكون المركزي لأسباب خليقية تأملية بحته .
       فقد كانت لهيمنة الجسد المقدّس ، المستعير لخصائصه الفنية من مملكة الوجود في مشهد النصب ، قد أحدثت تحولاً فكرياً وجمالياً وأدائياً نحو الداخل ، بعد ان  كان الفن سابقاً موجه باتجاه الخارج (النموذج) ؛ اذ طرحت هذه المنحوتات ملامح وعي تشكيلي غير مطابق لايقونية الجسد .. فالجسد هُنا  قد استحضر الثقافة وصار يقود الذات باتجاه الحركة الكونية ، فلم يعد الجمال الحقيقي مُقتصراً على ظاهرية المرئي (الجسد) وإنما تعداه نحو الأعماق (الروح) ، لتكون وظيفة الجسد – على حد تعبير افلاطون – إيقاظ الحب ، الطاقة الكامنة فيه تبعث في الروح قوة مُحركة تسمو إلى المثال ؛ على اعتبار أن الجسد وإحالاته المُشفرّة بالحركة ضرورة داخلية لترجمة ما لم يُترجم .. فالفنان قد استعان بهذا الجسد من أجل الارتقاء بالمرئي إلى مديات بلا حافات ؛ بوصف إن الجميل لا يُرى إلا عندما يتموضع في جسدٍ ما .

     فموضوعة الجسد لدى جواد ، قد أصبحت تمثل نقطة تحول وارتكاز رياضي في فنه أولاً وثانياً في تاريخ الحركة التشكيلية العراقي المعاصرة ، تجعل من ألذات والخيال وجوداً حقيقياً يمتلك جوهر المرئيات قبل الولوج في تمظهراتها الجزئية ...؛ لان فكرة المرئي – على حد تعبير غوغان – هي التي تجعل الجسد ملائماً للرسم والذاكرة لا تحتفظ بكل التفاصيل الجزئية ، بل ما يُثير الروح والقلب فقط .. ومن هنا نلاحظ أن التكوينات الجسدية المتهالكة في هذا النصب ، تنتمي إلى الرمز أكثر من انتمائها إلى المكان ، كونها أطياف كُتب لها البقاء والحضور .
د. شوقي الموسوي

نصب الحرية لافتة

يا جسداً يحتضن الساعةَ أعراسَ الدم ...
ويصفِّقُ للشجرِ الراكضِ في الدرب إلينا ...
الليلةَ يُبعثُ كلُّ الشهداء ...
ينتظمون كراديساً سكرى تتلألأُ في الليل ...
يَطْلُونَ رؤوسهمو المصدوعةَ للذكرى ...
للشطِّ يغنون ... للسلم يغنون
للجبلِ العاصب غيماً بالعطر يغنون
للهور يغنيه بالمطبج
يكظم حيفا إذ يدبك يا اولاد الطاعون
سرّاق الماعون للهور استبدل بالقصب الخاوي
اغصان الزيتون يغنون
 يغنون ...
هشَّتْ في التحرير صدورٌ ...
همدت للنكرات قصور غرقى بالأفيون  ...
الشهداء الشهداء ...
الشهداء انطلقوا صخبين ...
حملوا نصب الحرية لافتة طافوا بشوارع بغداد البصرة اربيل الموصل
 صخبين يغنون ...
يافَرَحَ المنسيِّ أتيت ...
كلُّ جرار مدينتنا رشحت لهبا ...
صارت اسرابُ حمام الزاجل قوساً للنصر ...
والسحبُ السوداءُ شعاراً ثوريا ...
القاتل مقتول والسارق ملعون
فانفجر الإسفلتُ شموعا ...
والفرح المبهورُ دموعا ...
قل رائحة المسلخ تنأى ...
قل حافلة الموتى تنأى ...
وتعال نغن
أشهد أن العشق سلام ...
أشهد أن الموت سلام ...
اشهد أن اليوم القادم أحلى الأيام

  د.عبد الإله الصائغ

* من ديوان هاكم فرح الدماء  1974.

ليست هناك تعليقات: