بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 6 أغسطس، 2015

قصة قصيرة اعترافات كبش - عادل كامل




 قصة قصيرة


اعترافات كبش
أو
الجنرال لا يتكلم!

الطاغية يموت وينتهي دوره ،  أما الشهيد  فيموت لكن دوره يبدأ.
سورين كييركيغور


عادل كامل


     وقف الكبش، بعد رحلة بذل فيها جهدا ًبالتخلص من المراقبة، ومختلف وسائل الرصد، أمام قبر الذئب:
ـ أنا قلت لك: دعنا لا نمشي معا ً بسبب الريبة، والحذر، والخوف، ولكن دعنا  نرتاب، ونحذر، ونخاف أن لا نمشي معا ً...!
   مستعيدا ً الصوت الذي لما يزل، بعد نصف قرن، يرّن داخل رأسه، لكن الذئب رحل، فكر الكبش، وأنا بعداد الراحلين، فما معنى أن تبقى الأصوات تدوي داخل الرأس..؟
     لم ينتظر معجزة تعيد الحياة للراحل، من اجل نفي ما هو بحكم المندثر، ولكنه لم يدع نفوره يبلغ قمته، من اجل إنهاء الحساب، أو التسوية، فراح يستعرض ـ مشاعر كان الذعر يغزل نسيجها ـ سمحت له بالهرب والتستر بعيدا ً عن العيون، مع إدراكه إن إدارة الحديقة، لا تعمل منفردة، ولا بجهدها الخاص، ولا بخبرات لا تتجاوز مصالحها الشخصية. فالروائح، كالأصوات، شبيهة بالذبذبات، والباثات المتنوعة، المستحدثة ...، أدوات فضيحة، مما سمح له بإجراء تكنيك تدرب عليه، إبان انشغاله بالبحث عن تغييرات لا تدع القدر يتقدم فوق ضحاياه، أملا ً بالتعديل، في الأقل، إن كان لا بد من الخسائر،  فمرغ جسده بالوحل، وعمل على استثمار أكثر الروائح نتانة، بعد أن استبدل ذبذبات صوته بذبذبات مختلفة للتمويه، فضلا ً عن استخدام الصمت، والحوار الداخلي، من غير كلمات أو حتى إشارات، كمنبهات، في التواصل، ولكن الكبش وجد حتفه يدنو منه، في الوقت نفسه، كلما حاول تأجيله، كان يزداد قربا ً.
     كان ذلك إبان استيلاء النمر المرقط،على مقاليد الإدارة، وتطهيرها من العناصر الأقل كفاءة، القائمة على المنافع، والتنازلات، تهيمن عليها وسائل التهديد، والتصفية.  فاستنشق الكبش سم الموت المستبدل بالقسوة المفرطة، بجعل الأوامر تنفذ كما تعمل أجزاء ساعة الكون. فانسحب إلى الأحراش، مع عدد من الموالين، والمقربين، والغاضبين، والخارجين على شرعية قوانين الحديقة، مع كل من أصابه الأذى، والضر، والتعسف، ومد الجسور مع الفصائل المختلفة، فقد كان يدرك استحالة تشكيل قوة ما قادرة على طرد النمر، أو إسقاطه، والحد من عمل حمايته، وحرسه السري، حتى لو استنجد بالظلمات الأبدية، بعد أن أدرك إن البدائل ـ كالضوء والاستعطاف والاستنجاد بالقوى المجهولة ـ لا تنظف الدرب من العثرات، ولا من الشوائب.
   رفع رأسه:
ـ نصف قرن...، كأنها نصف لحظة لم يكتمل نصفها الثاني....، فالمسافة برمتها ـ قلت لك أيها الجنرال ـ ستراها فقدت أثرها...
    وكاد ـ رغم تستره وحذره ـ أن يفضح نفسه، فقد أبدى مقاومة لغواية القهقهة، ساخرا ً من الأمثال، والأعراف، لكنه همس بصوت لم يخل من المرح، واللامبالاة:
ـ كل الذي طلبته منك... وأنت المسؤول الأول عن حماية الأجنحة الشمالية، من الحديقة، أن تصغي إلي ّ....، فانا أخبرتك إن فرصة نجاتي بحكم الغريق الذي فقد حصانة الدفاع عن البلل، والنزول إلى القاع....، فماذا قلت لي ـ وراح يستعيد صوته ـ قلت: لو أصغيت لك...، فهذا يعني إنني فقدت مقامي! ولم تقل شرعيتك. وقلت بصمت: وسأطرد من عملي، أو تتم تصفيتي في الحال!
   ضرب الكبش الأرض، ضربات خفيفة:
ـ وقلت لي أيضا ً: لو سمحت لك بالحوار...، فهذا بمثابة اعتراف مبكر بهزيمتي. لأن قانون حديقتنا ـ أصغ إلي ّ أيها العنيد ـ إن حاورتك، فسيأخذ مصيري طريقه إلى الاضمحلال، والتلاشي. أنا قلت لك: الرب حاور الشيطان، وهذا يدحض منطقك، الرب الذي كان يستطيع أن لا يخلق الشيطان، والذي كان باستطاعته أن يسحقه، ويزيله من الوجود، بدل أن تمتد المحاورة حتى زماننا، في هذه الغابة؟ لكنك قلت بعنجهية: أكيد...، أنا لست ضد الرب، ولا مع الشيطان، فانا أقف موقف من لا موقف له، إزاء قضايا خارج مدى رؤوسنا، وأجسادنا، ومصائرنا! لأن الرب كان يستطيع أن يخلق بشرا ً لا يفسدون في الأرض، ولا يحدثون خرابا ً، ولا يذبح احدهم الآخر! فهمست بحذر: آنذاك لا توجد رواية، ولا هفوات، وكأن الرب لم يكتف بذاته، فخلقنا، لأمر ما ابعد منالا ً منا...!
   قهقه الكبش:
ـ أنا خالفتك الرأي: لو كنت أصغيت إلي ّ، فان هذا القانون كان سيأخذ موقعه في التطبيق، لكنك، ككل من فقد قدرة الإصغاء، واحتقر الآخر، كشرت عن أنياب تركت الفجوة تتسع بيننا ...
   توقف عن القهقهة، وخاطب نفسه:
ـ هذه هي المحنة تماما ً: تجد من لا يريد أن يسمعك...!
    ماذا قلت، سأل نفسه: تأكد لي انه لم يترك لي ...، على مدى مرور الزمن،  إلا أن أجد الذي أخذه مني....، فانشغل بتصفح ملفات لم يبق لوجودها معنى!
   تراجع للبحث عن دغل يتستر داخله، فقد استنشق رائحة ما لم تسمح له بالاسترسال، رائحة تبعثر المشاعر وتبث الخوف، فلم يجد سوى  فجوة خبأ جسده النحيل فيها، تاركا ً بصره يراقب ما يحدث:
ـ كأنني مازلت احمل تلك الجرثومة التي اختبأت، عميقا ً في ...
فاعترض على ما قال:
ـ بل كأنها وجدت مكانا ً سريا ً تركها تتوارى فيه...
ورفع صوته يخاطب الذئب:
ـ وكأنك لم تنتزعها مني...، ولم تقض عليها..؟
ـ ....
ـ ولكنني أخبرتك بأنها ليست جرثومة...، أنا قلت لك: الشر وحده لا يكّل عن عمله، لا يتعب من الغواية، فالأشرار أبرياء! ليس لأنهم ضحايا غفلة، أو جهل، أو حاجة، بل لأنهم لا يستحقون التمرغ في ... الوحل، وتحمل الذنوب. فهم ـ في أعماقهم ـ يعشقون البراءة! ومع ذلك يتم إغفالها لتشديد العقاب، والجور في المعاقبة!
ـ ......
ـ وأنا لم أسرف في الكلام....، لأنك أغلقت فمي، بالأحرى لم تدعني إلا أن ازداد رعبا ً وأنا أراك تلّوح بمخالبك...،  بعد أن أصبح فمك بوابة بحجم ثقب عرضه البحار والصحارى.... ، لأنني عندما بحثت عن فمي، لم أجد الكلمات، وعندما وجدت الكلمات لم أجد فمي...، تاه اليسار عن اليمن، وصار الأعلى تحت القاع...، ثم أخبرتني بصراحة تامة: أما أن أكون معكم فأنجو ...، وأما ادع مصيري يتسرب مني ...، فقلت لك: افعل ما شئت! فانا ميت مثلما أراك ميتا ً، لأن الموت وحده يمشي من غير حاجة إلى دليل! أنت ضحكت. لكنها كانت ضحكة ذئب متخم بالطرائد...، فأخبرتك من غير كلمات: انك لن تطرد من عملك، ولن تصدر ضدك قرارات صارمة، لو أجرينا تسوية. فعدت تقول لي:  لن أصغي إليك مادامت تتستر على أسرارهم... ومادامت نوايك شريرة.
   خبأ رأسه داخل الحفرة، لمرور بغل، يتبعه حمار، فذعر لأنه خاف أن تفضحه رائحته، أو تلتقط كلماته من داخل رأسه، فبعثر، بقرنه، التراب، للتشويش والتمويه. مصغيا ًلهما، فسأل الحمار البغل:
ـ أين تراه ذهب...؟
أجاب البغل:
ـ دعه يتعفن دخل حفرته...، ولكن لا تدعنا نفقد المبادرة...
    عندما أعاد تخيّل الذئب يرقد في حفرته، فكر أن لعبة الموت، لا تقل غموضا ً عن قفاها، مع إن ـ قال بصوت متعثر ـ الحياة لم تترك فضيحة إلا وارتكبتها!
ـ فانا أراك تود لو نهضت، أيها الجنرال، لتستكمل مشروعاتك المؤجلة، وتتابع قطف ثمار المجد...، ولكن هذا تحديدا ً لا تسمح به اللعبة، بل ستفقد لغزها!
   لا احد. فخرج الكبش كأنه ضمن سلامته حتى لو ـ خاطب نفسه بصوت ود لو لم يكن خفيضا ً ـ للبرهة، فقد أكد إن المصادفات تحدث كي لا تبدو وكأنها حسمت، أو إنها عشوائية حقا ً، متابعا ً، إن الدوريات لديها ما تنفذه، وليس ما تقرره:
ـ مع إنها حتى لو خالفت التوجيهات، فإنها لن تذهب ابعد من التمويه...والمراوغة، والخداع.
   اقترب خطوة، تاركا ً ثلاثة أمتار تفصله عن اللحد: ليراه مثل جنرال يتابع فرض هيبته حتى بعد الرحيل. لكنه ضحك حد انه تنبه لسلوك لا يليق به، غير مناسب، ولا معنى لتصرفه غير الحكيم:
ـ لكن هذا هو جزء عنيد يجعل من الضحية تعيد  اختياراها لخطاها.... ـ ولم يقل هفواتها أو زلاتها أو عفويتها ـ متابعا ً بإيقاع مصحوب بلذة مرحة:
ـ ليس باستطاعتك أن تشاهد المستقبل من غير أن تراه منتهيا ً...، زائلا ً...، وممحوا ً تماما ً!
    ورفع صوته بغتة:
ـ قلت لك ذلك بجلاء ـ قبل نصف قرن ـ بعد أن لم تقطف روحي، ولم تنتزع نفسي من هذا الجسد الضامر...
   ووجد الكلمات تتدفق:
ـ لقد كنت آمل أن اشرح لك ما ستؤول إليه النهايات...، وهي متلاصقة تمشي وتهرول، وها هي تثب، بأسرع ما ظننت، كي أخبرك بما آلت إليه ...، ليس من بما انتهت إليه من مصائر عمياء، بل لأن مشروعك لم يبلغ حتفه!
   وتراجع خطوة، فقد بدا له ـ داخل اللحد ـ مثل جنرال تعززت سلطته برحيله. فراح جسده يترنح، شاعرا ً بوخزات حادة شبيهة بلدغات عقارب، في صدره، لكنه لم يغلق فمه:
ـ فأنت لم ترحل، اقصد لم تمت! فانا أراك أصبحت تعمل بإصدار قرارات اشد قسوة! صحيح، انك لم تقض علي ّ...ـ وبالمناسبة فذلك ليس قراراك ـ ولكنك لم تدعني أوضح لك ان السلطة التي صنعتك، ستسحقك، لأن عملها يماثل عمل (المال): لا يتعفن! فهو وحده مسؤول عن اختراع أقذر العطور!
  وشرد ذهنه، كي يجد فمه ينفتح عن قهقهات كادت تسقطه أرضا ً، بل حتى إنها كادت تفقده وعيه، إنما طالما فطس من الضحك، كي يجد نفسه منخرطا ً في البكاء، رغم إدراكه بوجود زمر تبحث عنه، ولن تدعه طليقا ً، فقد انشغل بقراءة عبارة كتبت فوق شاخص قبره، بخط متعرج، كتبها عابر سبيل، لأسباب ليست مبهمة، ربما قصد كاتبها أن يحفرها فوق شاخص قبر لغزال مات غدرا ً، أو لطير ذبح في ليل، وليس أن تزّين قبر ذئب. وراح  يخاطبه:
ـ لعلها فكاهة الحياة ذاتها تسربت من فائض فكاهات الموت أن  تنقش هذه كلمة  فوق قبرك وليس فوق قبر حمامة، أو طير...، أوديت بحياتهما كخارجين على الشرائع، عبارة تقول (الطاغية يموت وينتهي دوره، اما الشهيد فيموت لكن دوره يبدأ) لاحظ...، أيها الجنرال...، انك فقدت السيطرة على قدرك! لكن...، لا...،  فربما امتلك ـ للمرة الأولى ـ  قدرة  تعديل العبارة، فأقول: تصعد أرواح الضحايا إلى أعلى عليين...، لكن أوامر الجنرالات تبقى تجد من يذهب بها ابعد من تنفيذها!
  تراجع خطوة:
ـ فلو أحصينا عدد ضحاياك...، وعدد ضحايا أمثالك، وأعداد الضحايا المجهولين عامة...، منذ وجدت جرثومة الشر وراحت  تتناسل....، لانتزاع أرواح الأبرياء، فإننا نرى إنكم...، يا سعادة الذئب، الملقب بالجنرال الحديدي، لم تفعلوا أكثر من تنفيذ لوعة كان ضحاياكم، هم أيضا ً يكتمونها، وكأنها لعبة مناعة ما أن تضعف حتى تجد من يبعث فيها الهمة!
وشرد ذهنه مرة ثانية:
ـ ماذا قلت...؟ يبدو إنني تهت، فصار البعيد قريبا ً، والغائب حاضرا ً، واللا موجود له الوجود الدامغ!  فصرت أجد لوجودك السبب الذي يتيح للضحية مجدا ً فاق ما كنا نهبه لها، ذلك لأنك أنت أيضا ً غير مسؤول ... عما فعلته مخالبك، وأنيابك، بضحاياك!
ـ ....
ـ وإلا هل رأيت عاقلا ً واحدا ً يذهب إلى المستنقع ويصرخ: ابتلعني؟  هل رأيت مخلوقا ً يمتلك ذرة شرف يرتكب الموبقات كي يتباهى بالدخول إلى جهنم...؟
ـ ....
ـ أم أن جرثومة الشر لديها ما لا يدركه الطاغية، ولا ضحيته أيضا ً...؟
ـ ....
ـ  لأن الكل سعيد بما يعمل! بل ولا تراه يتراجع، حتى أنملة، بعد اكتشاف خطل مساره، وآثام موبقاته، بل ولا يتأسف، ولا يبدي اعتذاره، ولا يندم! فأية جرثومة هذه التي توغلت فينا، فتخدع الجميع كأنها اللعبة ذاتها التي دونها أسلافنا عندما خلق الإله الشيطان لأجل لعبة لا احد يذهب ضحيتها سوى الأنعام والبهائم والبشر، فالكل يفترس الكل، فيما يكون الشيطان قد كسب رهانه، رغم معرفته ببطلانها! إلا إذا كان اختار أن يكون ضحية بجرثومة لديها ما لا يدحض، وينقض، وما عليه إلا أن يكون الطرف الآخر للمعادلة...؟
صمت مذعورا ً، ثم استرسل، بعد أن استعاد أنفاسه:
ـ وإلا اخبرني أيها الذئب الجنرال، أو الجنرال الذئب، ما معنى أن ادفن عند رأسك أو عند قدميك...، مع راحلين مجهولين، بلا أسماء، أم علي ّ، منذ الآن البحث عن مثوى ارقد فيه ولا أجد أحدا ً يتسلى بنقش عبارات لا علاقة لها بما جرى...، بل ولا أجد أحدا ً ما يتسلى معي، وأنا صرت أمحو ما دار براسي، للأسباب ذاتها التي تجعل أي مخبول منا، يصدق انه فاز بركن يطل على الأبدية...؟
ـ ...
ـ فهل كنت مجردا ً من الصلاحيات، ولا تؤدي إلا دور الشبح، عندما لم تمنحني فرصة اشرح لك فيها استحالة أن تنجوا...، ليدوّن اسمك مع أسلافك، أم كنت لا تمتلكها أصلا ً، أم كان عليك أن تجعلني اختار القرارات التي كان علي ّ أن لا اختارها....، وكأنها كانت الصلاحية الوحيدة التي تؤكد بثبات أن التاريخ لا يمشي إلا فوق ارض مرصوفة ومحشوة بالضحايا، ومبللة بالدماء...؟
ـ ....
ـ لكنك أصبحت مثل فيل يدوس فوق رأس نملة ليخيرها أما أن يرفع قدمه لتحصل على الهواء، مع امتيازات تتوازن مع تنازلاتها...، وأما يدع قدمه تؤدي عملها.....؟ لقد ذكرتك بالأزمنة التي لم تدم لأحد...، وضربت لك أمثلة عن النهايات المروعة التي لم تترك ـ للسابقين عليك ـ إلا اللعنات تطاردهم، بعد أن لقوا حتفهم أما بالحرق، أو بالصلب، أو بالتقطيع، أو التعليق بالمقلوب، والسحل، والمحو ....؟ لكنك كشرت عن أنيابك، ورفضت الإصغاء، فأخبرتك إنني ولدت من أبوين فقيرين، ولكن عقلي مكث يعمل كما تعمل الينابيع...، لا شوائب تكدر زلال الماء! فلم يكن يهمني أن أفطس في حفرتي...، وحيدا ً...، بعد حرماني من الحقوق....، وبعد تشديد العزلة علي ّ، كأنني مصاب بالجرب...؟
ـ ....
ـ لكن المرح لم يغادرني! حتى عندما رحت تتحدث عن سلخ جلدي، وتوزيع لحمي للكلاب...، والضواري، ليس لأنني كنت امتلك بلادة، وعنادا ً، وسذاجة من نذر حياته من اجل القطيع....، بل لأن رائحة القصر، سيدي، كانت مازالت تنبعث من سواحل عفنها الأولى....، ومن المستنقعات...، فالعطر الذي أغواك ولم يدعك تستنشق الهواء الحقيقي، هواء الآثام، والخساسات، لم يكن سوى عويل الضحايا عبر ملايين السنين!
ـ ....
ـ  إلا انك كنت تومئ لي بالأعالي، كأنك حصلت على ركن يطل على البحر، زاخر بالنعم، ومكرمة تناسب جهدك بسفك دماء الأبرياء...، وبمضاعفة أعداد الضحايا، فقلت لك ـ عبر الصمت ـ وأنا أتعرض للسلخ، إنني لا اعترض على مبدأك، مذهبك، ومعتقدك ...، بل أتضرع إليك للإجابة على سؤال واحد: لِم َ لا تذهب إلى الطبيب...، وتخبره بالداء الذي نخر كيانك برمته...؟ لكنك لم تدعني افتح فمي، فانا قلت لك لا أريد الحصول على هذا الركن ... لنفسي ـ وقد لوّحت بمنحي هذا الامتياز وأنا على قيد الحياة ـ قبل أن يحصل الأبرياء على ابسط حقوقهم؛ حق الحياة....؟
ـ ....
ـ ففي المرة الأولى لم تدعني أتكلم، فخسرت الفائدة التي كانت  ستحقق لك الخروج من المأزق، ومن المحنة، بالأحرى، كي لا نغطس معا ً...، وفي المرة الثانية كنت تدرك لا جدوى الكلام، فتركتني أهذي....، وهذا هو أس البلية: أنت كنت تعتقد انك الأقوى، كماسك بالسلطة، أو بوصفك أنت السلطة ذاتها، وتمتلك الحصانة، أو فوق الشبهات، بمنع فمي من النطق...، وأنا الآن أدرك، بعد ذهاب سلطتك ـ وازدهارها على نحو يعزز تاريخ الجور العنيد ـ إن حريتي بالهذيان، أصبحت بحدود هذا اللحد! والمصيبة ـ أيها الجنرال ـ لا أنت بلغت الساحل، ولا أنا غرقت!
   صمت برهة، ثم استرسل من غير حذر:
ـ إنها حكاية شبيهة بمرض لا علاج له، كوجدنا ذاته، يأبى المريض الاستسلام لموته، وتنتهي الحكاية ككل تلك المهازل بين زوجين يعملان على هدم بيتهما، وكأن الخراب وحده هو الذي يدوم..! أتراك تسخر مني...، أم تراك تعتقد إنني اسخر منك...؟ لا....، فلا أنت انتصرت، ولا أنا خسرت...، لأن اللعبة تتطلب وجودي كي اقلب لا شرعيتك إلى قانون!،وكي يمنحك وجودي شرعيتك، ويمنحك، بما لا يقبل الدحض، قسوتك، وعنجهيتك، بوصفها قائمة على الاغتصاب، سلطتك من غير حساب...، وأنا، بالمقابل،  افقد شرعية الدفاع عن حقوق ما لا يحصى من الضحايا...، لكن للتضاعف، وتتسع الهوة بيننا، كالتي تحصل في هذا الحوار....، لا أنا أفلحت خطوة واحدة في التقدم، ولا أنت تراجعت!
ـ .....
ـ فهل هذه جريمة تستحق العقاب، لأنني لم أتخل عن وهم اسمه القطيع، مثلما لم امنح ذاتي مداها في التقدم...، لأن هذا الذي يحصل على الركن لا يحصل عليه إلا منتزعا ً من ضمائر الآخرين ومصائرهم ...، فأية عدالة كانت تغذي إرادة عدم الإصغاء..، وإرادة إصدار الأوامر...، وتنفيذها بجور، ولا مبالاة...؟ أليست هي إرادة تلك الجرثومة التي ما انفكت تحول الحديقة الى حفلة يتمتع بها عدد من المدراء ازاء فيالق تتكدس داخل حفرها وتتعفن فيها، بهدوء، بصمت، وهي تستجدي القليل من العلف...، والقليل من الهواء للبقاء على قيد الحياة...؟
ـ ....
ـ والآن اعترف لك إن المعضلة لا تحل بالكلمات، فهي سابقة عليها، وستموت اللغة، ويموت الحوار، كي تحافظ على ديمومتها...، ولكنني وددت لو أصغيت لنا أو لهم ـ وليس لي ـ بتأمل هذا الذي أصاب الجميع، بدل حكاية الأعداء الذين وجدوا أنفسهم في زورق للنجاة، إبان الحرب الطاحنة ما بينهم، فأما يعملوا للنجاة من الغرق، وأما أن تبتلعهم أمواج البحر. ولأن المعضلة لا علاقة لها بالحوار ـ في أصلها أو في جذرها ـ إلا أن للحوار قدرة ما على فتح ثغرات في هذه المعضلة...، فبدل افتراس الجميع للجميع، وإشاعة أعراس القتل واحتفالات اللهو بالكرامة، وإحياء عصور الظلمات، بإمكاننا العثور على سبيل لا يدع خطانا تتعثر...، وتسمح لنا أن نعيد استنشاق غير دخان أجسادنا، وغبار أرواحنا...
ـ .....
ـ فهل كنت ولدت منذورا ً للذبح.... وعلي ّ دفع الثمن...، بعد إدراكي انك تمتلك البراءة ذاتها التي يمتلكها أي مصاب بالداء، وإنني كنت آمل انك لن تعاقب المصاب، بل تعمل على استئصال المرض...؟
ـ ...
ـ ام اننا كنا مثل عملة واحدة انت تمثل صورتها، وانا قفاها، وانها اية للندثار بالوجهين! ام كانت صورتك تابى الا ان تنفصل عن قفاها...؟
ـ ...
ـ لكن حصولي على حقوقي كاملة لم يكن ليتحقق بعزل صورتك عن قفاها...، ثم أية عدالة هذه التي تجعلك تحصل على الخلود، فيما الذين كنت تعمل على إفسادهم، وغوايتهم، وخداعهم، وتركهم يغطسون، يتلذذون عقابا ً في الحضيض.....؟ مليارات المليارات المليارات يولدون ويموتون بينما كانت صورتك تزدهر، مثل عملتك! غير مدرك إن اللعبة لا وجه لها ولا قفا...! لأنها وحدها لا تتعفن!
ـ ....
ـ  فرحت تموه، عبر وسائلك، من الأسواق إلى الدعاية، ومن الإغراء إلى التنكيل، تارة بالعفو وغالبا ً بالذبح، والإبادة...، قائلا ً إن العدالة هي التي قررت ذلك...، وان مد أي جسر بين المدير، والقطيع، هو بمثابة هدم قبة السماء؟
ـ ....
ـ  ولم أكن الوحيد في زريبتي، عملت على تطهير الرؤوس من عبادة هذا الوثن، الأوحد، ولست أنا هو الوحيد الذي تقدم الركب يفند ديمومة هذه اللعبة، فهناك الضحايا كنت أصغي إلى عويلهم، ونواحهم، ونباحهم، وزئيرهم، مدويا ً ومكتوما ً يأتينا من وراء الجدران، ومن داخل السراديب، والحفر....، ونحن نولد تحدت أنظار العدسات، والعيون، ونمضي حياتنا وكأننا أدينا الواجب....؟
ـ ...
ـ ويا له من عصر لا احد يريد فيه أن يصغي لأحد! فغابت الشفقة، وصارت المودة عداوة، والسفالة صفة ملائكية، وانفرط العقد القديم...، فصارت الحياة تمشي غير آبه بأنها لن تترك لحديقتنا، ولا لباقي المحميات، والمتنزهات، والحقول، والبساتين...، سوى الغبار والدخان والرماد...؟
ـ ....
ـ مع ذلك كنت تستزيد من الغنائم، والأرباح، والمكاسب....، مثلك مثل جهنم ما انفكت تطلب: هل من مزيد...؟ لكنك لم تصغ إلى عويلي...، وهو، كلما خفت، وكتم، وجد بذرة تتكون فيه...، حاملة أوزار الإعصار ...، والطوفان!
ـ ...
ـ فمن منا كان يرى بعماء بصر الآخر وبعتمة بصيرته...، كي تذهب اللعبة بلاعبها، وكي تخرج ثمرتها يانعة، مرة بعد أخرى، محملة بلغز الجرثومة ذاتها التي حاكت امتداد سواحلها....؟ كانت مكاسبك قد سلبت منك رؤيتك....، وكانت خسائري تمدني بنور سمح لي أن المحك تتبع خطاي في هذه الظلمات...
ـ ...
ـ إلا أن السلطة التي وجدت فيك أداة لمعاقبتنا، ولمحونا، عاقبتك، ومحتك! ليس لأنها غاشمة، أو لأنها عمياء، بل لأن واجبها يفصح عنها، وهي تحتفل بمواليدها...! أنا كنت أريد أن أخبرك بان ما لم يأت ، وما لم تره بعد...، أنا كنت أراه ماضيا ً...، وكانت تلك ورطة نزلت علينا معا ً...؛ فلا أنت رأيت ما سيأتي...، ولا أنا تخليت عن رؤية ما ذهب! ومع ذلك لم اعد أراك ـ لو عدت تمسك برأس المجد ـ إلا وأنت تنحني له، حتى لو كان هذا المجد وهما ً، إنما مثل كابوس لا يدع لضحاياه إلا الالتصاق به، من غير بصر، ومن غير بصيرة!
  تراجع خطوة وهو يرى الذئب يفيق، ويرفع رأسه:
ـ لا تتعجل...!
وأغلق فمه، لأنه سمع ما يشبه الأصوات تقترب منه، خطوات ناعمة، فتراجع، واختبأ في الشق، مصغيا ً. فشاهد دورية للفئران، تتبعها مفرزة للصراصير، وثالثة لمخلوقات لم يرها من قبل، لها هيأة العقارب...، سمعها تضرب الأرض بإيقاعات منتظمة، وما أن ابتعدت عنه، وعاد الصمت، حتى سمح لجسده بمغادرة الشق والاقتراب من لحد الذئب:
ـ لا تتعجل! فما حدث بعد أن أطاحوا بك، ولم يتركوا لك حجرا ً فوق حجر، انهارت سلطة النمر، التي كنت احد أركانها، إلا أن حلت محلها سلطة الدب، لكنها لم تدم، إلا باستقبال زعامات تنقذها من الفوضى، ومن الخراب الذي شمل أقسامها كافة....
وتراجع نصف خطوة:
ـ لا تتعجل...، فلم يعد لسلطتك إلا هذا الشاخص... فبعد أن جرجرت...، وذبحت، وسحلت، وبالت عليك الأرانب،  كانت سلطة النمر ـ سيدك ـ قد تبخرت...، لتحل العشوائية محل الجور...، والفوضى بدلا ً من القسوة...، ليولد الليل الطويل...
    وتقدم قليلا ً:
ـ ومن العبث أن احكي لك لماذا كان عليك أن تقضي علي ّ، وليس أن تمنعني من الكلام...
وبدأ يتضرع بصوت حزين:  
ـ فكم أنا بحاجة إلى شهادتك! وتحكي ما جرى بيننا، في السرداب، وأنا معلق، استعدادا ً للذبح...؟
   ورفع صوته:
ـ أرجوك ، ولمرة واحدة في حياتك، أن تقول الحقيقة، وتتمتع بأخلاق ذئب، أو جنرال محنك؟
ـ ....
ـ فبعد أن لم تسمح لي بفتح فمي، بل بعد أن أغلقته، وغدا ً صفرا ً، إلا بما تريد....، لم افتح فمي بما أريد....، أنا أيضا ً! لكنك لم تستطع أن تهزمني...، ولا أنا كسبت الموقف أيضا ً...!
   وقهقه الكبش من غير ذعر:
ـ لأنني إن غادرت السرداب...، كنت أدرك كم أنا وحيد، ومعزول، ومشبوه....، وكأنني لم أقدم حياتي فدية، ونذرا ً....، وكأن تستري على ما كنت اعرفه ـ وهو غزير حد استحالة سرده بالكامل ـ وصمة عار! فقد أصبحت وحيدا ً في القطيع..؟ لماذا ....؟ لأنهم ظنوا إنكم قهرتم إرادتي، وجعلتم مني دمية...
      ووجد مشاعره تتخلى عنه، كي ينفجر بصوت أعلى، مقهقها ً، ثم، وجد نفسه يبكي:
ـ ثم ذهبت أنت، ونمرك، وكلابك....، أما أنا فلم اذهب...، فقد تركني الراعي امضي حياتي بعيدا ً عن القطيع....، حتى تبدلت الأيام، لأنها ـ كما لم تعلم ـ لا تدوم، فكل يوم رهن يومه، بل ولا ثانية واحدة من الوقت تقدر أن تدوم أكثر من زمن زوالها ...، ليأتي هؤلاء الذين كدت أموت من اجلهم ويستولوا على المستنقعات، والأحراش، والحظائر، والزرائب، والمغارات، وباقي الأقسام، والأجنحة...، كي اسمع، بين الحين والحين، من يتحدث عني بوصفي حاورتك، وإننا أصبحنا زملاء مهنة واحدة!  حتى وجدت والمأبون القرد صاحب اللحية الشعثاء، اللوطي والفاسق، يتهمني بالدناءة والتلصص عليه، من اجل الإساءة لي، ولوجودي الغائب!
ـ ...
ـ لكن لا احد لديه ما يثبت ذلك، فهل حاورتك، أيها الجنرال...، هل ساومت، هل تنازلت، هل خنت..؟ مع إنني بعد قراءة الماضي لا أراه إلا كومة قش، زبل، نفايات، وفقاعات هواء فاسد! بل لو كنت تنازلت لبحت، ولم ادع سرا ً سقيما ً في العتمة، أكثر مما ينبغي، فما من أسرار هناك جديرة بالكتمان كهذه الخالية من المعنى، ثم  إن زمنها مضى مع زمنها، وما أنا بطالب للمجد، أو الاستزادة من بهتان هذا التراب، ومخلوقاته...! لكن ماذا افعل للدناءات وهي وحدها تتناسل من غير  قيد أو شرط...؟
   وصمت: ها أنا صرت اطلب العون من ميت، من جنرال مضى زمنه، وها أنا صرت استعين بالعدم من اجل وجود لا يساوي حفنة غبار، أو ذرة رمل...؟
   متخيلا ً إن الراحل مازال يمد سطوته ببسالة امتدت بعد موته، بسالة صلابة غير قابلة للتفتيت، أو الكسر، مستعرضا ً ما كان يراه في المتحف: سلطات المماموثات، والديناصورات، والتنانين، والنمور، والذئاب، والعقارب... فهي لم تمت، ولكن...
     تقدم خطوة، ولامس تراب القبر، وسأله:
ـ هل أصبحنا بحكم الموتى حقا ً...؟
ونثر التراب في الهواء:
ـ ولكن لمن اشتكي...، ومن يصغي إلي ّ...، وهل هناك من يتحسس لغز تخثر الدم في الرأس وهو يذهب ابعد من موته...؟ اجل...، في المرة الأولى بذلت ما كان بوسعي كي تسمعني، وتصغي إلي ّ..، فلم تفعل...، وفي المرة الثانية، لم أجد أحدا ً يصغي إلي ّ...، إلا أنت لكن بعد أن فقدت السمع...،  فلا أنت منحتني فرصة الإصغاء، ولا الضحايا أصغوا لخبرة قرون أراها الآن فائضة، زائدة، ولا فائدة منها...؟ فلم تعد لدي ّ، أخيرا ً...، إلا رغبة أن أجد من يسلخ لي جلدي، ويوزع لحمي إلى.....، كأنني لا أريد أن أعلن إلا عن أسفي...، لأنني لم أصغ إليك، وأكون معك، مديرا ً أتمتع بنعم الحديقة وثمارها...، لكن لا ...، فالقدر دائما ً يعرف ماذا يعمل...، لأنه لا يختزل اللعبة، بل يمنحها كامل ذهابها ابعد من عقولنا الجوفاء، وحواسنا الضيقة...، فاللعبة إن لعبتها سحقتك، وإن لم تلعبها، تركتك تتلاشى وتتبعثر وتغيب مع غبارها.
    وشرد ذهنه إلى أصوات كانت تقترب منه، أصوات خطوات تدك الأرض، بل حدس إن ذبذباته فضحته، فلم يجفل، ولم يخف، ولم يفكر بالفرار، أو التستر. بل اقترب من الذئب حتى بدأ يصغي إلى أزيز أسنانه تصطك....، بل رآه يفتح فمه مكشرا ً عن أنياب لها لمعان البرق:
ـ لا اعتقد انك ستفعلها...، لأنك لو كنت تقدر على محوي ...، لكان محوك تأجل أيضا ً!  فأنت لن تستطيع على افتراسي، بعد مضي هذه السنوات، لأنك خبرت الدرس، ثم لو انك كنت محوتني، عندما كنت أناشدك الإصغاء إلي ّ لكانوا عاقبوك بأشد من العقاب الذي صدر عليك من الضحايا ـ قطيعي المزدهر والعنيد ـ الذي لم يعد لي زمني المسلوب، بل الذي أهملني، وتركني ابدوا كمن باع جناحا ً من أجنحة هذه الحديقة...، أو أسهم في خرابها...؟
   سمع قلبه يدق حد أن فمه توقف عن الحركة، بعد أن تجمد جسده:
ـ  ليست هذه علامات هزيمة...! لا ...لك... ولا لي!
    إنما كانت خبرته قد سمحت له باستنشاق رائحة راحت تسد عليه المنافذ، ولم يأبه، بل تابع يخاطب الذئب:
ـ كان عليك أن تقضي علي ّ... لتزهوا بنصرك....، أما الآن...، بعد أن صرت ضحية، وأنت تراني أتمزق، وأتقطع، واصلب، فعليك أن تزهوا بالنصر الذي يعادل هزيمتك!
   هل هزموا....، حقا ً، وآثامهم تعرض عبر الشاشات، وإخبارهم لم تندرس...؟ هل هزموا ....، وهياكلهم مازالت تسلط عليها المزيد من الأضواء...؟ ودار بخلده، انه صار لا يجد إجابات لأسئلة  لا وجود لها، وصار يجد أسئلة لا إجابات عليها...، فتراجع خطوات، بمشاعر لم يبد فيها أسفه انه تحمل أعباء كان عليه أن لا يتحملها، قال، لأنه قط لك يكن بمعزل عنها، ولم يبد أسفا ً انه سمح لهم باختراع تهمه التخاطر مع العدو...، القديم، تضاف للمرارات التي قدر له أن لا يتلافها...
ـ لكن... وأنت تراهم يؤدون دورك، ويحققون النصر الذي نذرت نفسك له، لم يسمحوا لك أن تفتح فمك أيضا ً... فكما فعلت سيفعلون...
لكنه لم يجد أحدا ً...، مع إن رائحة ما سيحدث كان يستنشقها بلا مبالاة:
ـ إنما أود أن أخبرك، أيها الجنرال الذئب، وأرجوك أصغ إلي ّ الآن، لمرة واحدة بعد رحيلك: أنا حيوان ذاق الفقر حتى ارتوى منه...، لكن فقري هذا لم استبدله بما كان يزهوا به أثرى أثرياء هذه الحديقة. كما لم استبدل أمراضي، وهلاوسي، وجنوني، وشطحاتي، وآثامي البيضاء، وأحلامي بما أراه من زهو يتمتع به هذا أو ذاك، أنا لا استبدلها لأنها كانت تردعني من الانحراف...، وأنا لم أتخل عن مخاوفي، وشرود ذهني، ومتاهاتي...، بما لدي ّ الآخرين من بطولات، وأوسمة مجد...، مثلما أنا شديد الاعتزاز بوحدتي، وعزلتي، فانا كما لم أصبح تابعا ً من أتباعك، حتى عندما هددتني بالسلخ، وحتى عندما صلبتني، وتركتني أتعفن في السرداب، فانا لم امش خلف عميان يستدلون بعميان في هذا الليل...، لأنني ـ لا عندما كنت أسيرك في السجن ولا الآن عندما أصبحت  أسيرك الطليق ـ  ولا عندما سأعلق، بعد قليل، ويسلخ لي جلدي،  انتظرت أن ابتهج بالشمس!
ـ ...
ـ ليس لأنها عمياء، وليس لأنني أعمى، بل لأن الدرب لا يذهب بعيدا ً إلا  بهذا الذي كنت أود أن أبوح به إليك...، فلن تمنحني لحظة إصغاء....
   وشرد ذهنه:
ـ وها أنت تكاد تدرك إن الكلمات تجرجرني إلى الفضيحة! لا ....
متابعا ً في الحال:
ـ  ففي بدء حياتي وجدت أن هناك  قوة ما  غامضة ـ عمياء أو أكثر استبصارا ً لا اعرف ـ قادتني للعمل على إصلاح ما كان يحدث في حديقتنا، فأحبطت، ولم اخرج سالما ً منها إلا وأنا مشغول بإصلاح نفسي! لكن المرارة كانت اشد...، فلم افلح، ولم انج أيضا ً... فقلت: أيها الكبش، أيها الكبش الطيب، أيها الكبش المسكين، أيها الكبش الهرم، العجوز، الواهن، الخائر القوى،  لم يبق لديك إلا أن تخرب نفسك  وتراها ترحل بهدوء... بهدوء...بهدوء.
   ولم يجد لديه قدرة على منع فمه من الضحك:
ـ خربها! عاقبها، أوخزها، وانظر إلى جلدك كيف يسلخ...، وانظر إلى لحمك كيف يقطع، ويمزق، بعد أن بدأت ترى جسدك كيف ارتفع من التراب وصار خفيفا ً مثل الضوء...، تداعبه الريح، تحت سماء تراك ولكن ليس لديها آذان للسمع....، لأنك في الأخير كنت تبحث عن آخر يشاطرك هذا الذي، كما تشير الدلائل كلها، لا يمضي ابعد من زمن زواله...، فلا الجنرال أصغى إليك وعرف ما كان يدور برأسك، ولا أنت كنت عرفت لماذا لم يدعك تبوح له بما أصبحت تجهله، الآن، وتراه يغيب عنك!
3/8/2015
  Az4445363@gmail.com






   



ليست هناك تعليقات: