بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 9 يناير، 2015

قراءة استكشافية في مجموعة " البلبل خارج أقفاصه" للشاعر ناهض الخياط -أحمد الحلي



قراءة استكشافية في مجموعة " البلبل خارج أقفاصه" للشاعر ناهض الخياط

كادحٌ في مَشاغلِ الجَمال
أحمد الحلي

تعودنا من صديقنا الشاعر ناهض الخياط أن يفرش أمامنا بين آونة وأخرى مائدةً عامرة بأطايب الشعر بما يحويه من معاني مبتكرة وقيم جمالية رصينة وسط هذه المفازة والجدب  الثقافي الذي يحيط بنا من كل جانب .
يطل علينا الشاعر بإطلالته البهية عبر مجموعته الجديدة " البلبل خرج أقفاصه" الصادر عن المركز الثقافي العراقي الذي يديره  بجدارة صديقنا الشاعر ولاء الصوّاف ، محاولاً أن يمسك بخيوط لحظته الراهنة ، بكل امتداداتها الوجدانية والاستذكارية والإحتفائية ...
كرنفالات من الوجد والشغف
يتمترس الشاعر هنا بكل  شغفه وهيامه بالمرأة ، بوصفها كائناً قادراً على اجتراح المعجزات  ، وتطل علينا امرأةٌ  استثنائية بعينها  يتوجّه إليها الشاعر بغالبية قصائد هذا الديوان الممتع ، بوسعنا أن نلحظ حجم الزخم الوجداني الذي يتملك قلب الشاعر تجاه هذه المرأة الأسطورية ، التي من المؤكد أنها أدركت واستوعبت المغزى العميق لمعنى أن تكون امرأةٌ ما  ملهمة  لقريحة وقلب شاعر ...
من المؤكد والواضح  أن هذه المرأة ليست مما يجترحه خيال شاعر يقترب من الدخول في طور الكهولة ، إنها امرأة من لحم ودم ، ولكنها لا تقيم إلى قريباً منه أو إلى جواره ليستشعر دفأها ، وإنما  هي تعيش في مدينة نائية من مدن الله التي تسبح بالضياء والألوان والكرنفالات ... والميزة الأكثر مواءمة أنها شاعرة أيضاً ، وهي صفة استثناية مضافة ... من الوضح لنا ومن خلال مجريات القصائد ، أن هذه المرأة متواصلة ومتواشجة مع الشاعر وجدانياً ، وهذا هو الحل الأمثل والأنسب لطرفي المعادلة  ، ودليلنا في ذلك أنها هي من تولت كتابة كلمة الديوان الاحتفائية  ، ومما جاء فيها ؛
" يمتلك الشاعر المبدع ناهض الخياط أسلوباً  شعرياً  متميزاً في معظم قصائده ، إذا لم نقل في جميعها ، حيث أنه يستخدم أسلوب السهل الممتنع ، لكن بطريقة حديثة وجديدة من خلال لغة رقراقة كالماء الزلال ،  يزاوج فيها ما هو واقعي ملموس بما هو ميتافيزيقي غيبي مجهول ، أو بما هو رومانسي خلاب وجميل ، يشمل كل مفردات الطبيعة التي تحيط بالإنسان بعيدا عن التلوث السياسي والاجتماعي.
إنّ الشاعر ناهض الخياط يستحضر كل العالم وتناقضاته في القصيدة التي يكتبها...وبلا صناعة أو تكلف ، بل العكس ، بكل بساطة بلاغية مفعمة بالجمال الساحر، وخالية من التعقيد ، ومن المفردات اللغوية الخشنة ،والحادة الوقع على نفس المتلقي ، وفي الوقت نفسه إنه يمتلك عيناً سحرية ، وروحاً شفافة قلّ نظيرها في التقاط الصور الشعرية البارعة ، وبتلقائية الكاهن العارف بكل فنون وأدوات الشعر الحقيقية التي لم يزل يبحث عنها أغلب الشعراء لحد الآن.
هذا هو الشاعر ( ناهض الخياط ) قريب من الشعر العالمي وبعيد عن الأضواء ".
ومن أجل أن نلمَّ بمديات هذا الشوق والمشاعر الجيّاشة ، يحسن بنا أن نستحضر  خارطة استكشافية  من المقاطع التي تتمحور معانيها  حول هذا الهارموني ....
* أيتها الجميلة / هناك من يدعوني إليه / بين حين وحين / بلا بطاقة / أو كلام
ولا رسول يبلغني تحيتهْ / ولكنني أسمعه ! قصيدة " كيف يكتب الياسمين"
* ما جدوى الأيام / حين تغلق الحدائقُ أبوابها / وتُقفَل أسواقُ العطور
فلا تبقي النسائمُ لروحي / صلة معك  / وأنتِ في أقصى البعيد ! قصيدة " الأيام من دونكِ" .
* فأين ذاك المساء / وذاك الصباح الذي / ترى فيه كل يوم حبيبتك / تلك التي
وشمتْ قلبك /  بإبرة كبريائها . قصيدة " ليل بين شمعتين"
* فأنهض للنافذة / لأرى النجمة التي أحبها / ملهمتي  / ودليل قصائدي تحت السماء/ هذه الزهرة ُ/ جمال التواضع / وكبرياء الجمال / مرشدة الحب .
قصيدة "إنها ملهمتي"
* فضعي قصيدتي / في مشدّ صدرك الجميل . قصيدة" عشيقة الفصول"
* وأرى
وجوه أحبتي
وأولها الشاعرة التي
سميتَها ، أنتَ ، بالجميلة . قصيدة " بأي لون أرسمكِ"
* هذه الليلة كسابقاتها / ذاهبة ٌلحتفها / فمن يأخذني من صمتها وظلامها / لليل بعيد
بين يدي شاعرة ٍ/ تسمعني نبضَ قلبها / ورؤيتَها / عند مائدةٍ من ضياء. قصيدة " هذه الليلة كسابقاتها " .
* شاعرتي الجميلة ُ / تشير لي ! قصيدة " الأصدقاء قادمون"
* جميلتي / تنقر بأصابعها الآن مفاتيح الحروف / لترسل عبر الفضاء  الشاسع بين آفاقه ِ/ ما تراه يعيد لي فتوّة قصائدي
لأصرخ بوجوههم / وأبتعد عنهم مشيحاً بوجهي
إلى الوردة ِ
وإلى الشمس في أفقها . قصيدة " أبجدية الحب الجميل " .
* إليها أكتبُ ، وينطلقُ الزاجلُ ، لأنها في في كل أحوالها ملائةٌ تُنشِدُ
                             قصيدة "
*  لن يحول بُعدك البعيد ما بيننا / فأنا أراك في الوردة / وأسمعك في النسمة  / وألمسك في ورقتي . قصيدة "سأظل هكذا "
* أيتها الغزالة الشرود / لقد اخترقتِ كمائني كلَّها ، وبقيتُ واجماً مستسلماً عندها رافعَ اليدين . قصيدة " تنتظرك الشمس في أفقها " .
* وأنتِ كما أعرفكِ / بلونِكِ وعطركِ وصوتِكِ / طائرٌ من ضياء ْ . قصيدة يسألني الشعراءُ عنكِ  .
*  أنتِ معي / تحتَ جفوني / وفي منامي / وعلى شفتي وفي يقظتي ! قصيدة" أنتِ معي .
ماسات القلادة الشعرية
وبطبيعة الحال فإن شاعرنا لا ينسى أن يرصّع أشعاره ببعض الماسات  الذهنية النادرة التي قلما نعثر على مثيل لها في مجاميع الآخرين ، التي يمت بعضها إلى الحكمة الراقية  وهي تنقدح في وجدانه ، وبعضها الآخر ينتمي إلى ما يمليه تراكم الخبرة في ميدان الكتابة أو التجربة الحياتية وما تختزنه العلائق الإنسانية ، وهي صور غاية في الجمال والبراعة ، وبوسعنا أن نقتبس بعضاً منها هنا ؛
* فيا  صديقي !
أيها الكادح في مشاغل الجمال !
لقد أحالك الحب على المعاش
وعمرك غادره النهر
وأقلعَ عنه السحاب
حتى الندى
وما ينثّ عليه الضباب !
ولكن جميلتك
لم تزل  تخاطبك
فيخضر غصنٌ
وتصدح تغريدة البلبل ِ ! قصيدة " كادح في مشاغل الجمال"
* أشباح ليل
تحاول أن ترقّع الظلام الذي
تمزقه بشمعتك
وبياض ورقتك
بنورٍ لا تعرف من أين يجيئ ! قصيدة "في ورقتي نور"
* أيتها  الحرية !
يا ابنة الجمال
ووريثته الخالدة !
لا غنى ليَ عنك           قصيدة "الحرية"
* أنا الآن أمشي
بين شجرٍ أخضر
أطاوله بخضرة روحي ! قصيدة " الضياء الذي بين عينيّ"

* وعيناكَ ترنوان إلى السماء
لعلك ترى قمرَك
الذي يُطِلُّ عليك من فلك أزراره        قصيدة " لم يزل قلبُكَ خفق جناح"
* قليلٌ من الشعر
يكفي لليلٍ طويل                           قصيدة " قليلٌ من الشعر"

* لو اُلهِموا ببيت شعر  
لسمعوا
كيف تتكلم الوردة بصمتها
وحفيفها مع النسمة والرياح
ورأوها كيف تميس ملوّحة َ
للشاعر حين يمر قربها                           قصيدة "الوردة تكلمني"

* لذا أحببتُ القمرَ
ليسَ كما يُحبّه الشعراءُ الأقدمون
بل لتثملَ به روحي !                                 قصيدة "  قصيدة غامضة"



*وجوهُنا
تلك التي ترى فيها
البروقُ الرياحُ  جنونَها
فتصمتُ !                                قصيدة " مع الزمن الكسيح"

* وما نُخبّئه من الجمرات
تحتَ رماد أعمارِنا
لنوقد بها مصابيحَنا وننطلق !
في نهاية هذا الشوط  الممتع من الإبحار عند الشواطئ الساحرة والخلابة التي صنعها لنا خيال شاعرنا المرهف ، يتحتم ويتوجب علينا أن نحييه ونكبر فيه هذه الروح الوثابة التي لم يزدها تقادم العمر إلا تألقاً ولمعاناً ، شأنها في ذلك شأن اللقى الثمينة النادرة ، أو أية خمرةٍ معتّقة .

ليست هناك تعليقات: