بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 3 أغسطس، 2014

8 - ضد اليوميات 2014 عدنان المبارك :


8 - ضد اليوميات 2014


عدنان المبارك








هذه رسائل من الصديق عادل كامل ورسائلي اليه. لكن ليست الرسائل كلها ، فهناك الكثير منها والذي التهمه الفايروس . فقدان رسائل عادل خسارة كبيرة. فالصديق يغور عميقا والى درجة مرهبة ، في معضلاتنا ، و يعاني ، مثل رب مهجور ، من نكباتنا كانسان كتب عليه أن يولد و يحيا في بلد للكوارث منذ أن تركنا أجدادنا السومريون والأكديون وتركناهم أيضا. عادل فنان وكاتب مشحون بمتفجرات أنتجها مثل هذا الوعي الذي يريد الوصول الى حافات الكون رغم أنه ، وكما يقول ، لا يؤذي نملة . لكن ما العمل ، فمثل هذه الرحلة الوجودية تدق نواقيسها في كل ثانية. يخال اليّ أن شيطانا، أو ربّا ، ضاق ذرعا بكل شيء وألقى بالصديق في ثقب أسود. نعم ما يحمعني بعادل هذا كله مضاف اليه ذلك الوعي بأن كل ألعاب الواقع العراقي بل البشري قد صارت ذات أصول أخرى. فالعبث والوجه القبيح للأنسان هما صنوان...
عزيزي عادل .لدينا مانفكر به ونقوله أكثر من هذه الرسائل ولأننا نعرف ونؤمن عميقا بأن الصمت هو قدرنا الأكثر حكمة ، ولندع من له طاقة للثرثرة اليومية أن يلتحق بتلك الآلهة من نسل ذباب السأم وفقاعات الوجود بصيغتيه ( الواقعية ) والافتراضية ...


*

من رسائل عادل كامل :

ليس اليوم، عندما اعدت قراءة الجحيم، لدانتي، لم اجد سوى مقاطع مازالت تشتغل، معنا، في عصر تحول فيه النسق الى : عالم يغدق عقما ً، في الاقتصاد، والاخلاق، والثقافات. دانتي لم ير كيف تفترس الكلاب اعز اصدقائنا وليس لدينا الا ان ننتظر دورنا، وانا لا امزح، فالكلاب مازالت تطاردنا، ونحن لا نمتلك الا العثور على وردة للاختباء في جذرها ! هذه هي فكرة روايتي، اي انا لا اقوم الا لمراقبة ما يحدث لنا من محو، بآليات الاساطير، وهي تبني انظمتها المعاصرة، اي ما بعد الليبرالية، وما بعد الرحمة. بصراحة ينحط الناس بنسبة 99% لانهم لا يمتلكون قدرة الاختباء ، والحفاظ على عناد ضد مكونات بذرة الخلق/ انهم عميان يمشون خلف عميان على امل العثور على ركن لهم في الجنة ! فلا تعرف أسكنتهم الاساطير ام سكونها. ثمة غباء بشري لا يسمح لنا حتى باختيار الموت ، كرامة ، الامر الذي حولنا الى فيالق من النمل، والحشرات، والخراف. دانتي كان يؤمن بشيء ما، اما انساننا المعاصر فهو ازاء موته اليومي ، في البحث عن لقمة العيش ، الخبز ، اما القتلة فهم اغنياء عالمنا، مدراء الشركات العملاقة ، المحكومة بمشفرات هي جزء من تراثنا الخرافي. ومع ذلك تدرك انك تعيد نسج سيزيف الف مرة في اليوم الواحد، حتى الخوف زال عن قلوب الناس، عدا القتل، والمراقبة، والتصفيات. هناك حيث الغبار وحده يمتد ويمتد. وماذا تفعل عندما تصبح وحيدا ً عدا الذهاب الى الكلمات ورموزها وآليات اختراعها لديمومة اقل مرارة من العواء.
صديقي
قبلنا عالج ( ماني) و( زارا) و( الطاو) هذا كله وتحدثوا عن الخلاص الفردي، لكن حتى هذا لم يعد متاحا ً احيانا ً... فهل تصدق انا لا اعرف مصير مئات الاعمال الفنية وسط الهدم اليومي وقبل ذلك طبعا ً مصائر الناس، والاطفال تحديدا ً...؟ اي لماذا انتج كل ما سيذهب الى التراب والحرق ...؟ ومع ذلك ليس لدي الا تسليات صغيرة وهي الكتابة حتى تختتم احتفالها معي ـ ومعنا ـ في كون بلا حافات.
بالفعل تذكرت مدام بوفاري فقد كنت اتحدث الى صديقة عنها لكنها للاسف ـ مثل 99% ـ من حملة الدكتوراه، لا علاقة لها بالذاكرة الروحية للثقافات. كما ذكرتي بآنا كارنينا وبأجواء مارسيل بروست ـ ولا اعرف هل لدي قدرة على ان اعيد قراءة الرواية التي احتفظ بها ؟ صعب ان تجد انك اصبحت اسير عالم اخر مزدحم بالفراغات والاثير...
أنا نبات وكفى ! فالعالم شديد المرارة، وخاصة نوعنا الكارثي، القائم على الافتراس، والوشاية، والدناءة، والغرور، والتمويه ... وانت تعرفه افضل مني. ماذا تبقى لدينا غير البحث عن ظلال نائية نسكنها من غير اسئلة ومن غير اجوية. كم اود ان اسرع في الكتابة ، في الفصول الاخيرة ولكنني اجد نفسي رخوا ً، شارد الذهن، خاصة عندما ارى زوالي في وجود محكوم بما افعل... وتلك اشكالية سومرية اعدت نسجها في نصي هذا ...

*

ماذا افعل ومصائرنا تتبعثر، وتقشر، وتسحق، منذ ولدنا، وليس لدينا الا ان نتذوق المرارات، حتى لو كانت الافلات من الموت. فالاخير، لدينا، هو الرحمة ! اي وجود هذا وانت تتدحرج فيه من متاهة الى متاهة...؟ وهي لا تحصى، وانت ولدت مثلما تولد الازهار البرية، وقد اسروها ووضعوها تحت حماية جدران القصور، والمدن الفولاذية ، فحتى عندما يكون الانسان ومضة فانه لا يمتلك الا ان يقيد بها، كي لا يفقدها.

*

عندما يعتاد الانسان على ظلماته فانه سيمحو الاخر الذي يبشر بالنور... ولكن ما هو النور...؟
انك على صواب، بالعمل في الكتابة، فلا بدائل للعمر وهو يختزل مليارات السنين الى كلمات! ماذا عسانا نفعل غير ان نعيش ، ونعيش... ولكن هل باستطاعتنا ان نعيش...؟
قصصي الاخيرة تتحدث عن هذا الفراغ الذي اسمه حضارة!
ولعلك في الرواية تجد الكثير كي تحصل عليه لتغادره، بعد ان تاهت البشرية بالبحث عن الفردوس...
صديقي
لا اريد ان افكر، اريد ان لا اريد كما قال احد متصوفة بغداد: يقابل الجدار حتى الموت! ولكنني اشتغل كما تشتغل النباتات، وانا في مواجهة المجهول. ولا فائدة من اخبارك بما يحدث اليوم، فالوطن ذاهب الى المجهول.
دم لفرح، كما قال جان جينو في روايته: ليبقى فرحي دائما ً، وهو يختزل احلامه الى يوميات صغيرة، كما في واحدة من قصصك: ان لا اؤذي حتى ورقة شجرة! وكفى.

*

حزنت لدرجة اعترف بلا جدوى الحزن وانا اعيد قراءة كلماتك الاخيرة، اقصد كيف احول حزني او اساي كي اشاركك اشكالية لا يعرف لغزها الا صاحبها. لكن ليس لدى الا ان امشي بصمت، واصرخ من غير صوت، واعيش كميت ابدي سابق على الولادة ! حتى انني اقول: وما فائدة هذا الذي قمنا به خلال حياتنا ومصائرنا تلاعب بها انجاس، انذال، اخساء، وتركونا نتذوق مرارات الحياة، ثم ركلونا باتجاه المجهول ؟ حزنت مثلما حزنت لرحيل اعز انسانة لدي، وقد تساءلت: وماذا افعل، وانا في القاع اعيش حياتي مثل نبات كل ما يمتلكه هو ان يرى العالم يغيب ؟
المعري وطرفة ومالك بن الريب والملا عبود الكرخي قالوا الكثير في هذا الشأن: قدرنا ان نرى كم هي الظلمات بلا حدود، وذلك لانك رأيت القليل من النور!
في الواقع لديك الحلول، كالتي لدي، أنا المحكوم بالموت اليومي، في بلد لا يعرف الا الرداءة. هل تعلم اننا نعيش تحت تهديدات لا تحصى: الفيضان، اعتقالنا، او قتلنا من قبل مجهولين، الخ، حتى لم اعد افكر بالخوف من الموت... او لم يسمحوا لنا حتى بالمشاعر الاعتيادية....
هل تعلم، يا صديقي ، انني عندما لا اجد حلا ً ماذا اقرأ...؟ اكرر، بلا ملل: كل من عليها فان! واتذكر في ذات يوم، وكنا في منزل امر لواء في الجيش، قد عاد توا ً من البصرة ، قال بصوت عال: لا ... كل من عليها فاو! ومات عشرات من اصدقائي، بهدوء، بصمت، من غير اثر ... وما قيمة الاثر؟ في روايتي اشارة حول رؤوس مكومة تتحاور ما بينها وهي تشاهد وردة بالقرب منها، وعندما سألوها اجابت بانها وردة جلجامش، اي وردة الخلود! وردة بمحاذاة رؤوس فصلت عن اجسادها، وانا كنت اشاهد هذا يوميا ً، حتى نسيت ان لي رأسا ً... هكذا يتم تدمير الانسان باسم الليبرالية، والديمقراطية، والشفافية، وقد تحولنا الى نمل، والى نبات...ولا اعرف ماذا اقول... وفمي تحول الى وردة؟
انك سابق موتك، وحياتك هي بعمر المسافة بين الازل والابدية، فانت لديك رهافة من عاش من غير ويلات الزمن، انك اثير العالم ...
الحرية، في نهاية المطاف، اختيارنا وقوتنا حتى لو كانت محض علامة للاستبداد الكوني!
ذات مرة كتبت، وانا اعيش احساسك هذا الصادق: انا هو من يشيعكم ايها الموتى، ولا احد له الحق حتى ان يقول: وداعا ً!
ولعلك بالزمن تعبر الى اللا حافات!

*
ربما وجدت في العمل السبيل الوحيد للخلاص منه ! ووجدت في الخوف الدرب الذي لا ادعه يتتبع خطاي! وربما وجدت ان اسلس حل للخلاص من الزمن السكن في مخفياته، ثم ليأتي الجحيم. فالعمل إذا ً يتضمن ذروته, كالصمت، درجة في الكلام.
آ ... ولكن لا احد يسمح لنا حتى ان نتقدم خطوة، بل يضعون العثرات امامنا، واقصد هذا النمل البشري الذي كان يفزع دستويفسكي ، النمل ، الجرذان ، الدغل، فوهات للقتل ، فماذا افعل غير مغادرة اهدافها. ..
امل ان تكون في وضع افضل...

اكاد اكمل الفصل ال 18 ... حيث بطلي يشهد حفلة للجرذان في احدى مقاهي بغداد قبيل الطوفان، يا لها من جرذان بشرية لم تتغير، منذ الف عام !حتى اللغة لم تعد تكفي، للتعبير عن غرائبية واقعنا الخرافي او ما بعده. ولا تامل بالمستقبل الا وهو ينحدر الى الزوال، إن لم يكن لا وجود له ، الا كرماد.

*
قلت لا اريد ان اقلقك ، فلا امل لنا ـ في هذا البلد ـ الا ان نهلك كالحيوانات... بل ولا يسمحون لنا حتى ان نموت كالكلاب!

*

بورتريهاتك جاءت في وقتها لانني كنت بحاجة لها للنشر ، وهي بحاجة الى تعليق ساحاول ان اكتبه خلال استعادتي لحظات الهدوء... لاننا لا نعرف من سيقتلنا. فالموت ينتظرنا في كل لحظة، وافضل طريقه لمقاومته هي الاتحاد معه! او الذهاب ابعد منه.
رسالتك الاخيرة ستكون جزءا ً من مشفرات الفصل ما قبل الاخير: كيف قوّمنا الخراب وما بعده! انه اعتراف لرب لا يعرف الرحمة، او لاننا لم نبلغ بعد درجة العبور الى النبات! اه كم في براكين، ومجرات تنتظر الانفجار، لكن العمر لا يكفي تامل حبة رمل!

*


أنت تتتذكر رعب دستويفسكي عندما لا يكون الله موجودا ً فكل شيء مباح. انا حاولت ان لا اعتدي على ورقة في شجرة، بل وان لا اجرح حتى الريح. المهم اننا ازاء الزوال في كل برهة! وقد اعدت قراءة هذه المحنة مع نماذجي في الرواية.
في الواقع فكرت، لدى اريع مقالات حولك، وساكتب اخرى، كي انشرها، وثيقة ادافع فيها عن معنى الثقافة التي عملوا على تدميرها. ففكرة الكتاب كاملة، وما ان اكمل روايتي حتى انجز وجهة نظري باعادة قراءة واقعنا المخيف وأيّ رداءة للمثقف ازاء عصر القتلة.
انا تركت الشجاعة بعيدا ً عن الحساب، فانا اعيش كتابتي، وفني، حتى لو اعمل في العدم. القلة هم القلة، منذ البدء، لكن احيانا لا تعثر حتى على شريك داخل منفانا الروحي.

*


شكرا لهذا الثراء اللوني والمشفر بما لا يتاح للكلمة ان تعبر عنه... لدي افكار اضافية، ساشرع بها، بعد الانتهاء من الرواية: عدنان المبارك ... رساما ً ، وثمة الكثير لدي بين الصورة والحرف ولا اريد ان تسمع صوتي لانه لا يعبر عن الصمت الكامن في الخطاب الداخلي لاسرار الفن. لماذا الفن ... اي لماذا الانسان ... تساؤل نعوم جومسكي... يدور في رأسي... انا اكره الالهة بلا استثناء! وقد عبرت عن ذلك في احد فصول روايتي النباتية .... وساتفرغ للحديث عن فقر ثقافتنا في العراق، وكيف حولنا الى نباتات! شردونا، قتلونا، وانتهكوا احلامنا... لكن ثمة مقاومة عنيدة كالتي لدى الفايروس او لدى البذور.... وهذا يعني اننا بلا اصدقاء نحتمي بهم عندما تشتد ظلمات هذا العالم...
اعد دراسة نظام البذرة فكم هو ملغز ومشفر وبحاجة الى قراءات جديدة. ساحاول اعادة دراسة رسوماتك وفق حضارة تعرضت للعواصف لكنها صمدت، انما هذا محض عزاء.

*

كنت، في الفجر، اواظب على اكمال النواقص في روايتي...، فثمة مشهد استعادي، بين الاب والابن، يذكره بحادث الذهاب الى عزاء، لمن ... يسأل الابن، فلا يجد جوابا ً، لكن الاب يعود ليذكره انه ربما حفل عزاء لديموزي، او زرقاء اليمامة، او لنا.... تموز يقتل كي ننتظر انبعاثه بحسب الميثولوجيا الرافدينية، اليمامة تقتل بسبب الجهل، ونحن نمحى من الوجود لاسباب في مقدمتها ان الصراع لا يترك للاغبياء الا التواري والاندثار... لكن ما لفت نظري في انشغالك ـ وساتوقف عنده في مقدمتي حول تجربتك بين الكتابة والرسم والوعي بالزوال ... الخ ـ ان الاب قال لولده ـ وتعرف ان الابن يطلب من والده الفرار من الجحيم فيحدثه عن سقراط ولماذا لم يهرب وينجو بجلده الخ ـ يقول له: ليس لأن الثابت لدي ّ كان قائما ً على الامتداد، بل لأن الجديد، وتحديدا ً هذا الذي يتم استحداثه، بالجهد الاستثنائي للموجودات، يتضمن ما توارى، وغاب ..!.
بمعنى ـ كما ذكرت ـ ثمة قطيعة، لكنها، هنا، قطيعة ممتدة، وقد سبق لفلاسفة بابل ان تحدثوا عن العدم الممتد، وعن الصفر.
جميل ان يفكر الانسان، لكن الاجمل ان يكون التفكيرقد تضمن لغزه، دون التخلي عن الاسرار المستحدثة. انه الحب الذي لا يمكن ان يعرّف الا بالحب، لكنها ليست حلقة دائرية، ذلك لان هذا الغياب طالما تجسد بحضور تام!
ها انت تراني افكر! بطلي يسأل الاخر: ها انا اقتل!
وشكرا لكم وانتم تبدعون الاسئلة التي لولاها لتحولنا الى اشياء، والى نباتات! مع انني ـ يا صديقي الرائع ـ حاولت ان لا اتضرع من اجل خلاصي الشخصي، فقد منحت هذه النباتات قدرات الله ـ الرمز ـ او هذا الغائب وقد امتلك قوة الانبعاث!


*


انا لم اعترف الا بجزء من الحقيقة، فانا ـ شخصيا ً ـ ولدت ومعترضا ً على الرداءة، وفي مقدمتها وجود هذا العدد الهائل من المعاقبين من غير ذنب. انه ليس الجهل فحسب، بل الاصرار عليه. فبلدنا دمر وهناك من يقول لك: تحررنا ! ايّ وهم عليك ان تدفع حياتك ثمنه. فاوغاد الامس تراهم يتقدمون اوغاد اليوم، وانا لا امتلك الا سجوني، فانا متهم لانني على قيد الحياة. فانت تعرف ان الله قال للملائكة ردا ً على سؤالهم عن اسباب خلق الانسان انه يعرف ما لاتعرف الملائكة، فهل لنا قدرة المعرفة ونحن ـ في الاصل ـ من الوحل الممزوج بالدم؟ انها اشكالية برمجت وحولتنا الى عدد قليل من الصيادين، والى ما لا يحصى من الطرائد. فهل تريد مني العثور على ضوء في هذا الظلام، او في هذا الكابوس. وماذا عن بلد يقتل فيه الناس من غير سبب الا لأنهم يفكرون، او بسبب اسمائهم الخ، وقد عالجت هذه المشكلة في روايتي [عصر انانا المستعاد] عندما اختار احد ابطالها الموت بدل ان يشترك في موت الاخرين، او حتى لمحض الشهادة. وسابعث لك بالفصل الخاص ببطلي النباتي وهو يتحدث عن افول حياته، وليس عن امله الضائع، ففي الاصل، هناك غواية، وخديعة، وغش يمتد الى التصورات، وكانت اللغة احدى ادوات الجريمة!
انا اعمل ببطء شديد، لانني موزع بين النحت والفراغات! اما الكتابة فهي غوص في الوحل، لان الكلمات تتحجر، ولا تنطق الا بما لا اريد! فبماذا ـ وكيف ـ يفكر النبات...؟ انه انشغال يتطلب الف عام للاجابة عليه وانا لا امتلك الا الوقت المحدود للموت! صدقني لم اعد اتسلى الا باعادة تذكر مراثي أور ومراثي أكد... فهي اعظم القصائد التي اقترنت بزوال اعظم حضارتين، وها انا ارى زوالنا وقد اجتاز اعمارنا وعصرنا. وانت ترى ماذا يحدث من حولنا من ابادات... فعن ايّ وهم يكتب الكتاب، وعن اية خديعة يتحدثون...؟
ستطلع على الفصل الذي راح نباتي يحاورك ويحاورني ويحاور نفسه! استخدام خاص للثقافة في عصر الاسواق والتمويهات والشركات والموت الشفاف!

*


من رسائلي :



العزيز عادل. قبل كل شيء شكرا على الاهتمام برجائي والالتزام به. الذاكرة وهي تواجه العقد الثامن ( في بولونيا يسمون كل عقد صليبا ، و يا له من صواب ! فنحن قد أصبح متوفرا لدينا وليس الصليب وحده بل هناك درب الجلجلة أيضا ...) تتآكل وليس الحافات فقط بل هذا اللب وذاك. لا أتذكر أيها العزيز متى نشرت هذا النص المؤلف أوالمترجم...
يسرني كل خبر عن مواصلتك الكتابة في الرواية. وكما تعرف أنا أكتب من موقع مواز لموقعك. ولربما الفارق الوحيد شدة اللون الأسود وذلك الوعي الشقي بعبث كل ( ألعابنا ). هناك تلك الحقيقة الجلمود : الكتابة لا تنقذ شيئا ، ومهما فعلنا فنحن نمضي في طريق مسدود. أما برابرة اليوم فسيختفون كي يفسحوا الطريق لبرابرة آخرين عرف كفافيس جيدا بأن لا شيء يمكن عمله سوى الانتظار...
أكتب في رواية - لا أريدها أن تقترب كثيرا من احدى مساطر ما بعد الحداثة - أنتقي لها موادا غريبة بينها الكثير من قصصي ونصوصي الأخرى. وقد يعني الأمر أن الأمر مجرد مناورة ولاجديد حقيقيا عندي. لايهم ، صبري كاف كي أصل الى نهاية هذه المغامرة الصغيرة...



*

لا اعرف أن كان في ذلك الجحيم ( الموعود ) فترات استراحة رغم أن ذلك يكون مخالفا للعقاب ...أعترف بأني لا أملك الجرأة الكافية كي أتحدث عن أمور أخرى مع من قذف بأكثر من هاوية عراقية. ولا أظن أن هناك عبثا كابوسيا أكثر من هذا المطبق على الجميع . سأملك قليلا من الجرأة وأصارحك : منذ أسبوع أعاني من خيانة جديدة للجسد. بل هوغدركبسوا فيه أكثر من اثم واحد : أنا الذي يحب الحركة حصرني الجسم في الركن كي اقوم بالحد الأدنى منها . في الحقيقة يخص الأمر نبذ عادة معيّنة لم ولن تعيق في كل الأحوال نزواتي في الكتابة ...
صراحة صغيرة أخرى : خيّل اليّ أن زائرا جاءني بعد منتصف الليل. كل شيء فيه ينم عن أنه ذلك ( المكمل للحياة ). ربما كانت ارتجاعات لما كنت أقرأه قبل أن أغفو: ( قديسون ودموع ) لأميل سيوران والذي بدأت بترجمته. كتاب غريب ينحو مؤلفه فيه صوب الفة مع الموت، بالأحرى ليست الفة بل وضع صارم / نزيه للنقاط على الحروف. مثلا وجد في الحياة هيستريا أفول الربيع أو كما كتب : تابوت معلّق من النجوم أو عذرية فسدت تماما بل أكثر : ازدهار الشر تماما كما لو أنه فعل وصل للمقبرة بالجنة... وقد يكون محقا اذا تذكرنا كلمة ميكاله أنجلو: أنا أحيا بماهو سبب موت الاخرين.
يقول سيوران أن تحيا في العالم يعني ممارسة الحزن الذي أسماه صديقنا الكبير سورين كييركيغور باليأس. واضح لديّ أنه نعت أفضل من السيوراني. لكني أتفق معه تماما حين يقول ان الجحيم والجنة تفسيران مختلفان للصحة لكن مزيجهما هو المرض ، كما أن الكون هو قبر بالغ الضيق لما أسماه بالحنين الموسيقي الى الموت. وجد أيضا أن بوذا مستفز( بكسر الفاء ) متفائل حين لم يرد أن يسمي الألم بما هو ، وفق الشائع ، ألم ، في حين أن كل ما هو غيرألم يكون ألما. وما الخواء الا ذلك الحنين الخائب الى الألم. مفهوم أن النيرفانا معاناة أثيرية ، وهي النوع الأكثر روحية للمعاناة . للأسف يسبق الألم كل شيء ، والله، قبل غيره. النباتات تحلم بالعذاب. وهو يطوّح بالبشر. نعم ، كل شيء في الطبيعة هو شعور مسبق بالعذاب.
أعتبر النسّاك المسيحيون أن الصحراء وحدها هي بلا خطيئة ، ولذلك قارنوها بالملائكة. بعبارة أخرى لا نقاء الاّ في اللاشيء. فالوجود مصاب بعدوى التلوث ، تلوث الجوهر. فيما يخص الموت : أحلم أنا بقفص مشترك له / لنا تماما كما طيور الحب. ولولا الكتابة التي أجدها ، وليس أحيانا فقط ، عملية تقيؤ ، لقلت لهذا الجسد / الصخرة السوداء : كفى ، ولرحت مع ( مكمل الحياة ). وفي ذلك الحنين البالغ السرّية الى الموت تكون الحياة مجرد أداء شكلي حيث تحوّل مركز الثقل هناك الى عدم. ولأكن صريحا : بلا حنين الى الموت لما استحق الانسان موقعا خاصا بين الدواب. كل هذا حقيقة بل أكثر : الرغبة في الموت تصبح شيئا ايجابيا اذا أحرقت اكثر، وهي تخدم الحياة أفضل من محفزات كثيرة ...
عزيزي عادل . كل هذا لايعني اغماض العين عن كل هذه المساعي الى تحويل الآخرين ، وبينهم هذا اليائس الأبدي ، الى صنف بائس من الدواب. محبتي والمعذرة على مثل هذاالكلام الذي يبقى ، وللأسف ، لدي راهنا أكثر من غيره.

*


كل رسالة منك جميلة وحميمة. مفهوم أنها مشبعة بذلك الحزن ( الأبدي )... فشكرا على مثل هذا البوح النادر في أيامنا القفر هذه.
خبر سار حقا أنك مثابر على الانتهاء من كتابة الرواية . أتفق معك تماما بأن لا مسافة هناك بين الجنة والجحيم ، خاصة أن الأولى تنتمي ، أولا وأخيرا ، الى واحة افتراضية في الثاني ...
بالطبع أنا بانتظار الرواية.
محبتي واعتزازي واعجابي بكل هذا الزخم المدهش.

*

آسف لتأخري في الجواب على الرسالة. الكومبيوتر كان عاطلا منذ آيار.وكأن هذا لا يكفي فقد تعرضت الصحة لتدهور مفاجيء.المهم اني لا ازال اتنفس واشاهد ( الملهاة / المأساة ) الكبرى ...
تمنياتي الدائمة بمزيد من الشجاعة اليومية عند مواجهة شتى صنوف البرابرة الذين كانوا فد قدموا من زمان...

*

منذ يوم أمس عندي استراحة قصيرة بعيدا عن الأطباء والفحوصات ، وهي فرصة ذهبية كي أستلقي بهدوء تام ثم أنهض لأفعل شيئا من أشياننا اللعينة والملعونة التي قد تزول اللعنة عنها على يد جيل من أحفاد أحفادنا...
وهكذا عدت الى باخ وأخذت أقرأ كييركيغور وربما للمرة المائة ، لوّنت قليلا لكني لا أزال مبتعدا عن الكتابة عدا بركة الكتابة اليك. تجد بورتريهات مرفقة جديدة وأخرى ليست بالقديمة. كما وعدتك سأبحث عن البقية.
يلاحقني التفكير ببغداد والأصدقاء القدامى وتلك الجنّة القديمة رغم أنها لم تكن تخلو من الشياطين. نزار عباس ، عبدالملك نوري ، أرداش كاكافيان ، فؤاد التكرلي وغيرهم وغيرهم.ويحصل شيء قريب من الهذيان حين أتمتع باحاديث وحوارات معهم... وكل هذا ذنب رسائلك التي تحفر كل واحدة فيّ فجوة من جحيم آخر غير ذاك التقليدي.
محبتي أيها العزيز وكن بخير.

*

سعدت برسالتك رغم أن جراحها كثيرة. هكذا نحن : نفكر بالمستحيل ونحن في الممكن الذي أصبح مع كل جيل لاممكنا خاصة أن فصول هذه الكوميدي- دراما البشرية بالغة الطول...
سررت لصدور كتابك وأهتمامك بما كتبته عن جواد. بالطبع ساكون سعيدا اذا قرأت الكتاب.

*

اخبار الابداع عندك عال العال ، وها أن لدي حسدا أبيض. وقد تعرف أيهاالصديق بأني مبتعد عن النشر الورقي رغم الحاح بعض الأصدقاء في العودة الى هذاالنشر. أكيد أنهم محقون كثيرا ، فالنشر الألكتروني شبيه بواقعه الافتراضي : موجود وغير موجود... هناك المشكلة أيضا مع الناشرين الذين لاشيء عندهم سوى همّ الفلوس ومعه السطحية بل الأمية . ولتكن السماء في عونك.
الوضع الصحي يرغمني على الأخذ بالحد الأدنى من الكتابة والتلوين.هناك بعض التفاؤل وهو أني عنود في هاتين القضيتين...
محبتي و تمنياتي في أن تكون سالما ولا تصلك العواصف البربرية.

*

لا أعرف ان كنت ستصل الى قرار في القريب بشأن السفر ، فأنت مثل عالمك النباتي ، بالأحرى الشجري : غارت الجذور عميقا في هذه الأرض المنكودة. أنا كذلك لا أعرف ما أقوله هنا...





باندهولم – تموز / يوليو 2014

ليست هناك تعليقات: