بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 17 مارس 2016

خطاب أوباما والذين يظنون "أن الضبع يبتسم"-صائب خليل

خطاب أوباما والذين يظنون "أن الضبع يبتسم"

صائب خليل
16 آذار 2016

أثارت الحركتان الأمريكيتان الأخيرتان بمهاجمة أوباما للسعودية (1) وزيارة القنصل الأمريكي لجرحى الحشد(2)، قلقا وشعوراً بأن شيئاً مشبوهاً يوشك ان يحدث. لكن ما تسبب لي بالقلق الأكبر هو رد الفعل "الإيجابي" الغريب لدى الحشد لزيارة القنصل!
عندما قرأت خبر زيارة القنصل، ورأيته يلوك العربية في الفلم، تذكرت فوراً "سفرة الموت" عام 1989، حينما رأينا مفاجأة أخرى كانت خارج المألوف أيضا، عندما اخذ صدام حسين ضحيته "عدنان خير الله" في سفرة سياحية إلى الحبانية نقلت على الهواء مباشرة، ليوحي للناس أن علاقتهما على أفضل ما تكون. وفهم الناس بعد ذلك سر هذا التلطف المفاجئ والغريب من صدام حسين، حين "سقطت" طائرة وزير الدفاع السابق عدنان جراء "خلل فني"! فهم الجميع عندها الخدعة وأن ذلك اللطف تجاه الضحية لم يكن إلا "صك تبرئة" يتم إعداده ليسبق الجريمة المخططة للقضاء عليها.

وإذا كان صدام حسين قد سعى لتقديم صك تبرئة واحد قبل ارتكابه فعلته فإن أميركا تقدم اليوم للشعب العراقي صكين! إذ لا تكتفي بالزيارة المثيرة للانتباه للقنصل الأمريكي في البصرة، بل ترفقها بهجوم أكثر إثارة للانتباه لأوباما ضد السعودية. ورغم انها ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها مسؤول أمريكي كبير، بعض عملائهم، (بايدن والإمارات مثلا قبل فترة وجيزة) في تمثيلية القصد منها إلقاء لوم الجرائم الأمريكية على العملاء، إلا أنها كانت هذه المرة أشد. وكذلك، وعلى غير العادة، وربما لإعطاء الأمر المزيد من الأهمية والمصداقية، فإن مسؤولا سعوديا سابقا، قام بالرد على المهاجم، وكانوا دائما يكتفون بالصمت في الماضي.

قلت أن ما اثار قلقي واستغرابي هو رد الفعل للبعض وخاصة جرحى الحشد على تلك الزيارة المقلقة، ورد فعل الناس على تصريح أوباما. وكأن خصوم اميركا كانوا في انتظار أن تلقي لهم عدوتهم بوردة، لينسوا كل ما فعلته بهم ويهرعون وهم مطمئنون إلى حضن الوحش الذي طالما أوغل في دمائهم ومازال!

قيادة الحشد لم تكن مرحبة بالزيارة. فقال العامري في بيان مقتضب، “لا نرحب بزيارة القنصل الأميركي لجرحى الحشد”، مضيفاً بالقول “لو كانوا جادين لأوقفوا تصريحاتهم السيئة ضد الحشد الشعبي”.
وكذلك قال المتحدث باسم حركة عصائب أهل الحق نعيم العبودي، على الزيارة "ان كانت هذه الزيارة إنسانية فهي متأخرة"، مضيفاً "أنها زيارة ذات طابع استراتيجي لا أكثر".(3)

السيد مقتدى الصدر قدم ردا مباشراً وقوياً، برفض زيارة القنصل ودعوة الحشد إلى "التبرؤ منه سريعا"، ومنعه من التدخل في شؤون المجاهدين، ووصفه بـ "الإرهابي"، محذرا من يتماهى معهم بأنه سيكون "في خندق غير خندقهم"، مضيفا أنه لو لم يكن منشغلا بالإصلاحات لكان رده "شديداً".(4)

لكن الرد الأقوى والأوضح كان بلا شك رد الشيخ اوس الخفاجي، والذي وجه رسالة رفض لا لبس فيها ولا تأويل، ولم يترك حتى باب التراجع أو الدبلوماسية مفتوحا، ووصف الأمريكان بالأعداء وذكر القنصل (وكذلك العراقيين الذين نسوا) بأن الحشد قد تلقى هداياهم بشكل قنابل وصواريخ أرسلت إليهم "بالخطأ"، وقال له أنه غير مرحب به وأنه لا يضمن سلامته إن هو كرر الأمر! (5)

لكن ما لا نفهمه هو كيف أتيح للقنصل الأمريكي أن يزور جرحى الحشد دون موافقة قادته؟ وهل يمكن زيارة هؤلاء الجرحى من قبل أي كان دون إشعار قيادة الحشد؟ أليس في الأمر خطرا على سلامتهم من داعش مثلا؟ إنها أسئلة قد تكشف خللاً في مكان ما.
وربما يكون بعض الجواب في بيان كتائب حزب الله الرافض للزيارة أيضا، حيث أعلن المتحدث العسكري باسم المقاومة الاسلامية العراقية (كتائب حزب الله) جعفر الحسيني رفض الكتائب زيارة القنصل الامريكي لجرحى الحشد الشعبي في البصرة، واعتبرها محاولة للمساس بسمعة الحشد من قبل الجانب الأمريكي، مضيفاً انه فعل ذلك على اساس انه ناشط في المنظمات الانسانية العالمية وليس مسؤولا أمريكيا! وقال إن من رحب بزيارة القنصل لا يمثل كتائب حزب الله في حربها ضد داعش ومن يقف ورائها. (6)

ونحن نرى إذن بوضوح أن تلك الزيارة لم تكن على خلفيات تقارب أو مصالحة وإنما كانت اقرب ما تكون إلى الحيل الأمريكية المعروفة، والتي يحاولون بدعم من الإعلام المأجور، تصويرها بشكل يناسب خطة ما في أذهانهم. ويجب ان نتذكر من الجهة الأخرى، إننا لا نعلم على وجه التأكيد إن كانت ردود الفعل الإيجابي التي ظهرت على وسائل الإعلام متماهية مع حركة القنصل الأمريكي، وأن لها وزنها ونسبتها المهمة، أم أن هذا ما ارادت قنوات التلفزيون أن توهمنا به. فنحن نبقى على وعي بأن اعيننا معصوبة لا ترى إلا ما يريده الإعلام الأمريكي والإسرائيلي الذي يدفع تكاليف قنواتنا، لها ان تراه. ومن نقل ردود فعل الجرحى على زيارة القنصل، يمكنه أن يختار العينات التي يريدها لينقلها للتلفزيون. وإن كانت هناك ثلاثة ردود "إيجابية" بين مئة رفض واستنكار، فإن تلك الأخيرة ستحذف كلها ليتم وضع تلك الثلاثة النشاز وكأنها تمثل رد العفل. وهذا يحدث كثيرا جدا في الإعلام، خاصة عندما تكون القضية "مهمة". فمن الغريب جداً أن يتفاءل الضحايا بزيارة من يعلمون تماما أنه يمثل القاتل الرئيسي لبلادهم، ورأس الأفعى التي أطلقت سمها عليهم وعلى رفاقهم، مثلما عبر قادة الحشد عنه في رفضهم.

ومثل التطبيل الإعلامي العراقي المعادي للعراقيين لزيارة القنصل الأمريكي لجرحى الحشد، حصل تصريح أوباما الهادف إلى توجيه أصابع الاتهام إلى ذيول أميركا بدلا من الرأس، على الدعم من الإعلام والمنظمات المشبوهة. فأكد علي السراي “رئيس المنظمة الدولية لمكافحة الارهاب والتطرف الديني”، بشكل غير مباشر، بأن المشكلة هي مشكلة تطرف ديني بحت، موهماً إيانا أن ليس للأمريكان والإسرائيليين أو أي أحد آخر علاقة بها، عندما دعا إلى "تشكيل جبهة عالمية موحدة للوقوف بوجه" الكيان السعودي، وهي لا تختلف عن الدعوات المخادعة للوقوف العالمي بوجه الإرهاب أو بوجه داعش، وكأن الإرهاب أو داعش أو السعودية قادرة بذاتها على مواجهة أحد، دون أن تساندها أكبر القوى وأكثرها إيغالا في الشر. (7)

إن إعطاء السعودية دورا قياديا في الأمر، يجد صدى مساعدا في الكارهين لها، وهم محقون في كرههم. وفي الوقت الذي قد يقف فيه السنة مندهشين مما يحدث بفضل المشاعر الطائفية، فأن المشاعر الطائفية لدى الشيعة في العراق تشجع قبول القصة كحقيقة، لذلك فهم الأكثر عرضة للخداع في هذه النقطة وتصور الذيل رأساً والانشغال به، بل وربما مقاومة أية محاولة للتنبيه، وتفسيرها على أنها محاولة للدفاع عن ذلك الذيل.

وعلى اية حال، ومهما كانت نسبة المخدوعين، فهي كبيرة، لأنها تستند إلى قبول أشياء لا يجب أن يخطر ببال عاقل ان يقبلها. ففكرة أن "السعودية" هي التي تقود الإرهاب، وأن أميركا تقف ضده، فكرة سخيفة للغاية. فرغم اننا نعلم بأن السعودية كانت دائما عنصر تخريب وإرهاب في المنطقة وضد كل شعب يتحرك فيها، ولكننا لا ننسى أبدا انها كانت تفعل ذلك دائما وفي كل حركة بلا استثناء، تنفيذا لأجندة أمريكية وبأوامر أمريكية مباشرة! وقبل ان نقبل أن نتخيل أن السعودية يمكن ان تتصرف في أمر خطير كهذا بشكل يعارض أميركا، علينا أن نتذكر أن هناك قانونا أمريكيا يعتبر الدول الداعمة للإرهاب، جزء من الإرهاب، ويحق لأميركا ان تعاملها على هذا الأساس! وأن هذا القانون وشدة خطر العدوانية الأمريكية، جعلت الكبار نسبيا، مثل إيران وسوريا يتعاونان في لحظات معينة، مع أميركا لإنقاذ أنفسهما من براثنها عندما تكون في لحظة غضب. فكيف يجرؤ حكام السعودية أو قطر، الذين تبدل اميركا أكبر قيادييهم، كما يبدل الرئيس حذاءه، على أن يدعموا إرهابا تحاربه أميركا وتقول إنه يشكل خطرا عليها؟

ما يزيد الغرابة من الانخداع، أن الأمثلة على مثل هذه الحركات كثيرة جداً. لعلنا لم ننس اللطف الزائد من السيد أردوغان وأسطول حريته للفلسطينيين وتقريعه لقادة إسرائيل وإقامة علاقات وطيدة جدا مع سوريا، ليتمكن بعد ذلك من توجيه الطعنة النجلاء في الظهر، لسوريا وللعرب كلهم بدعمه وقيادته لداعش ودوره الأساسي في تحطيم سوريا والعراق وسرقة نفطهما، بل واختراق حدودهما والطموح إلى احتلال أراضيهما!

ولدينا أيضا مثال في الموقف الأميركي نفسه من سوريا. فنذكّر من نسي، بأن حملة الإرهاب الداعشية في سوريا قد بدأت بتقرب أمريكي غير معتاد من سوريا وحكومتها. فأعادت اميركا تعيين سفير لها في سوريا لأول مرة بعد مقاطعة دامت عقودا طويلة. لكن دهشة القيادة السورية وربما فرحتها الساذجة بهذا التغيير غير المفسر، لم تطل كثيراً، فقد قاد هذا السفير عملية إطلاق التظاهرات في حمص وحلب وكان يقوم بزيارات مكوكية إليهم، لإشعال النيران التي أتت على البلاد!

إننا نريد ونتمنى، بل هي اقصى امنياتنا أن تتغير هذه الدولة التي أذاقت البشر الكثير من الدماء، وبخاصة دماءنا، وكذلك بشار الأسد، كان يتمنى عودة العلاقات مع اميركا وإلغاء حصارها عليه. لكن أحلام التمني التي لا أساس لها، قادت الأسد إلى الدمار التام لبلاده، ولا أرى مبررا ألا أتوقع ذات النتيجة في العراق، إن لم تكن أكثر سوءاً.

إن من يريد البقاء على قيد الحياة من الأحياء، يجب ان يتذكر تجاربها، وأن يتحلى بحد أدنى من الوعي، لا أن يكون فاقدا للذاكرة والوعي، ويقفز لأول أمل كاذب لا أساس له ليسقط في الفخ. فنحن في غابة لا ترحم المغفلين غير المنتبهين.

فلطالما أثار انتباهي ان الضباع لها فم يبدو بسبب تركيبته، وكأنها تضحك حين تكشر عن انيابها، ولكن لا شك عندي أن فرائسها ومنافسيها، لا يسارعون إلى الاستسلام لأمانيهم وافتراض "إن الضبع يبتسم"، وأنه "تغير" لحكمة لا يعلمها إلا الله، وصار "صديقا" لفرائسه، وأنهم بفضل تلك المعجزة السعيدة، صاروا بأمان من فكه الرهيب. إننا لن نرى حيواناً بهذه البلاهة يسير على الأرض، لأنه إن وجد يوماً فلا شك أنه قد انقرض! فما بالنا نحن لا نمتلك حتى حكمة الحيوان البسيط؟ لمَ نتصرف وكأننا مخدرون في انتظار أول إشارة ممن يخدعنا، لنقبلها دون ان نختبرها بأية أسئلة، فنفتح له الباب ليذبحنا بلا مقاومة؟

(1) President Obama’s Interview With Jeffrey Goldberg on Syria and Foreign Policy - The Atlantic
 http://www.theatlantic.com/magazine/archive/2016/04/the-obama-doctrine/471525/
(2) القنصل الاميركي العام في البصرة يزور جرحى قوات الحشد الشعبي  https://www.youtube.com/watch?v=pho8b_5xh5k
(3) أهل الحق لـ"آسيا": الحشد أفشل المخططات الأمريكية - وكالة أنباء آسيا
 http://www.asianewslb.com/index.php?page=article&id=19004
(4)  الصدر يصف القنصل الامريكي بالإرهابي ويدعو الى التبرئ من زيارته ومنعه من التدخل في شؤون المجاهدين »
 http://goo.gl/uvFaam
(5) الى قنصل الشر الامريكي في البصرة ... لا تعد لمثلها ... رسالة الشيخ أوس الخفاحي - YouTube
 https://www.youtube.com/watch?v=fQynvJUY19E
(6) كتائب حزب الله ترفض زيارة القنصل الامريكي لجرحى الحشد الشعبي في البصرة وتعتبرها مساس بسمعة الحشد
 http://www.falmoqawama.com/13001-2/

(7)  السراي مخاطباً الامم المتحدة إن توفرت لديكم الإرادة الحقيقية لضرب الارهاب فعليكم القضاء على بني سعود
 http://iraq.neinawa2.com/?p=4227


ليست هناك تعليقات: