بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 24 سبتمبر، 2016

عطر وقصص قصيرة أخرى- عادل كامل



عطر وقصص قصيرة أخرى


                                                          [ لا السلاح يقضي على جرثومة الحياة ولا النار تحرقها ولا المياه تغرقها ولا الرياح السافية تذويها. إن جرثومة الحياة هي الروح الأولي الذي لا يتوصل إليه ولا يقتحم ولا يلمس ولا يفنى ولا يبلغه النظر ولا تنبس به الشفتان ولا تحيط بمكنونه ألفاظ أو فكر"]
من أقوال الهندوسية/ كتاب العقائد






عادل كامل
 [1] عطر
ـ ما الذي تجنيه ..، وأنت تبيع الورود...؟
ـ وهل كنت أفكر بالربح والخسارة...؟
ـ بماذا كنت تفكر...؟
ـ لا أفكر ...، من قال لك أني كنت أفكر، بل ولا أفكر حتى بالجمال!
ـ بماذا تفكر إذا ً...؟
ـ قلت لك: أنا لا أفكر...، أنا امضي جّل زمني في زراعة صنوف الورود، والزهور البرية...، وتلك التي اعمل على استحداثها بالتزاوج بينهما...
ـ أعود وأسألك: ما الذي تجنيه أو تكسبه أو تربحه...،  وقد استبعدت وسائل الربح الأخرى ..؟
ـ أنا ربحت الحقيقة الوحيدة، يا صديقي، وهي التي تذهب ابعد من كل الخسارات! عطر هذه الكائنات الذي لم يعد يغادر حياتي، حتى وأنا أقدمه هدايا للعابرين!


[2] السر
ـ بوصفك أمضيت حياتك تحفر في الظلمات، والمناطق النائية، وتتجول في منحنياتها القصية...، فهل حقا ً حصلت على السر الذي لا يحق لك أن تبوح به...؟
ـ نعم! فلو بحت به، لم يعد لدي ّ ما اكتمه!
ـ وهل يحق لك أن تدفنه معك، بعد رحيلك؟
ـ لا! لأنه ـ يا صديقي ـ هو الذي سيدفنني، وهو الذي لن يترك أثرا ً لي، لأنه، في الأصل، وجد بمعزل عنا!
ـ آ ...، لِم َ أغويتنا إذا ً...، وأنت تعرف باستحالة وجود السر من غير حامله...؟
ـ أنا لم اغو أحدا ً...، يا صديقي، فمن أنا كي افعل هذا الفعل....، وأنت تعرف إنني أمضيت حياتي كلها اسأل السؤال نفسه، فلم أجد جوابا ً، إلا وأنا أراه تلاشى في البعيد!


[3] في الطريق
ـ الغريب أني رأيت، في طريقي إليك، بصيرا ً يمشي بسلاسة، بل باستقامة، وآخر لم يفقد بصره منشغلا ً بالعثرات...، فسألت الأول: كيف تمشي من غير أن تتعثر؟ ابتسم البصير، وقال لي: وإن كنت أجهلك، واجهل مغزى سؤالك...، أسألك: هل ستخفي السر لو بحت به إليك؟ أجبت بنعم. فقال: لقد أخبرتك به! ومضى فاقد البصر يمشي بسلاسة كأن احدهم يقوده كي لا يصطدم، يتعثر، ويقع. فذهبت إلى الآخر الذي يرى، وسألته:  هل رأيت ذاك الأعمى...، لا يكترث للعثرات، مثلما أنت أصبحت منشغلا ً بها، وأنت ترى الدرب بعلاماته الواضحة؟ أجاب مبتسما ً أيضا ً: حقا ً لقد شغلني وجود هذا العدد الكبير من العثرات، في الدرب، فرحت أحصي عددها، وأنا اسأل نفسي: هل الدرب منح البصير الاستقامة، وأنا منحني هذا الانشغال، أم هو وأنا، كلانا، كان عليه أن ينشغل بسؤال أضاع عليك دربك، أنت، أيها المتسائل الغريب؟!

[4] نهاية مؤجلة
 سأل الحمل أمه:
ـ يا أمي، أراك غير مكترثة، بينما الذئاب تحاصرنا من الجهات كافة...؟
ـ هذه هي المعضلة: عندما يجد الأعداء صيدا ً بريئا ً يظنون إنهم أحرزوا نصرا ً مؤزرا ً عليه...، ولكن، يا حملي الوديع، اذهب وأسألهم: أين هي الديناصورات، والخراتيت العملاقة؟
ـ يا أمي...، هذه الذئاب انحدرت عن تلك الديناصورات والخراتيت المنقرضة، لكنها ستخلف أعداء ً أكثر شراسة، وأكثر مكرا ً، وعدوانية ...، أما نحن، الخراف والغزلان والأرانب، فمكثنا لا نمتلك أنيابهم، ولا مخالبهم، ولا مكائدهم في الغدر...؟
ـ هذه هي المعضلة التي لا حل لها! فنحن نسد النقص الحاصل في قطيعنا بالمزيد من المواليد...، وهم يزدادون طغيانا ً ببناء أمجادهم الواهية بالانتصار علينا!
ـ هذه ـ يا أمي ـ ليست معضلة، هذه هي النكبة؟
  قربت الأم رأسها من وليدها:
ـ وهل نحن اخترنا أن نصبح ضحايا ...؟
ـ آ ...، وستقولين أيضا ً: وهل هناك شرير اختار الشر كي يذهب إلى جهنم ويطلب منها إنزال العقوبة به؟
ـ هذا هو ظل المعضلة! فمادامت المعضلة غير قابلة للتسوية، التعديل، أو الحل، فان الموت وحده يغدو رحمة لنا، ولهم أيضا ً!
ـ آ ...، يا لها من هزيمة؟
ـ بل قل: تبا ً لنصر لا يتحقق إلا بسحق هذه الكائنات الوديعة، التي لا تمتلك أنيابهم، ولا مخالبهم، ولا مكرهم!


[5] ظلال
ـ أكاد اجن...
ـ ما الذي حصل لك يا صديقي الحكيم؟
ـ كلما ظننت أني فهمت الحكمة، أجد أني لم افهم إلا ظلها! وكلما حسبت أني بلغت الجوهر لا أجد سوى القشور...؟
ـ آ   ....، أتعرف لماذا لم افقد عقلي؟
ـ لا!
ـ لأنني تخليت عنه!
ـ وتخليت عن الحقيقة، وتخليت عن الجوهر؟
ـ بل تخليت عن الحقيقة التي لا تترك إلا ظلها، وعن الجوهر الذي لا يترك إلا قشوره!
ـ وماذا عن الحقيقة، وماذا عن الجوهر...؟
ـ لو كنت اعرفهما، لاستعدت عقلي، لأنني رأيت الحكماء، في هذه الحديقة، من أكثر المخلوقات انشغالا ً بالظلال، وبالقشور...!
ـ لم افهم قصدك...؟
ـ اذهب وأسأل سقراط: من قتلك؟
ـ ماذا تقول أنت..؟
ـ أنا أقول: العدالة التي لا تحرسها السيوف تصبح مثل التماثيل في الحدائق مقرا ً للغربان!
ـ اخبرني إذا ً: من أنت؟
ـ  أنا السم القاتل الذي إن لم تحصل عليه، فانك ستضطر للبحث عنه، لتقتله!
ـ اعتقد أنني فقدت عقلي تماما ً!
ـ يا صديقي، وهل كان لك عقل كي تفقده؟
ـ ماذا كان لدي ّ...؟
ـ  عندما تصل إلى الحقيقة، ستدرك إنها وحدها منحتك قدرة أن تبحث عنها!


[6] هل من مزيد؟
   نظر الغزال إلى محياه في الماء، فقال متندرا ً:
ـ  حتى الماء يود أن يفترسني!
قال الماء:
ـ  كيف  تقول هذا وأنت تعتدي علي ً؟
ـ أنا ارتوي منك...!
ـ وأنا لا امتلك حتى قدرة الدفاع عن نفسي!
ـ آ....، عدنا إلى حكاية الذئب، كلما تاب عن افتراس الخراف قال: وأنت ِ أيتها المعدة من يسد جوعك؟
أجاب الماء:
ـ ارتو مني...، لكن، برفق، بهدوء، وبرؤية، ومن غير إيذاء وكأن لك معي ثأر ابدي!
فقال الغزال:
ـ ولكن من ذا يقول لجهنم: لِم َ لا تغلقين فمك، فكلما ألقموها بشرا ً وحجرا ً قالت: هل من مزيد؟!


[7] رفاهية
   للمرة الثالثة، كلما طلب من الذئب مغادرة قفصه، ليطلق سراحه، يمتنع، حتى غضب الموظف في إدارة الحديقة، وصاح في وجه الذئب:
ـ  كلما اطلب منك العودة إلى البرية، تمتنع، لتمكث في سجنك!
   هز الذئب رأسه، من وراء القضبان:
ـ وهل أبقيتم لنا رغبة بالتحرر، والانعتاق؟
فصرخ الموظف غاضبا ً:
ـ لست أنا المسؤول عن أسركم، وحجزكم!
قال الذئب بمرح:
ـ بالعكس، يا سيدي، أنا لا أتحدث عن الأسر...، بل عن الرفاهية! ففي أية صحراء أو برية تتوفر لنا هذه النعم؟
ـ أفصح، أرجوك، لا تلغز كلماتك!
ـ إنكم، يا سيدي، اخترعتم لنا الجنة التي طالما كانت لا ترد حتى على البال!
ـ ها أنت تشتمنا...؟
ـ حرت معك، أيها الموظف ...، أقول لك الحقيقة، فلا تصدق...، فهل ترغب أن احصل على الحرية كي أموت في البادية وأصبح فريسة للضواري؟ فأرجوك، دع الرفاهية تقضي علي ّ، مع أفراد عشيرتي أيضا ً، ولا تُهجّرنا، عنوة! ثم لماذا ترسلني إلى بلاد اجهل فيها مصيري، بعد أن سرقوها منا، وحولوها إلى ساحة حرب، لا تعرف من ينتصر فيها، بعد أن أصبحت الهزيمة نهاية للجميع!

[8] واحد من...
ـ لِم َ تؤذ نفسك، تعاقبها، ولا ترحمها؟
   بهدوء، رفع رأسه، وبصوت غير مسموع، تمتم كأنه لا يخاطب أحدا ً آخر، حتى ولا نفسه:
ـ لو لم ْ تتح لي الفرص بمعاقبة كل من آذاني، وكل من شهر بي، وأفرط في قسوته....، لقلت: يا لي من دابة لم تترك، في وجودها، حتى أثرا ً لدبيبها! ولكني طالما امتنعت، ليس بدافع الرحمة، بل بدافع الخجل!
ـ يا لك من مخلوق غريب؟
ـ كلا! فانا أعاقب نفسي، لأنها، هي جزء لا يمكن عزله عن هؤلاء الذين لا عملهم لديهم إلا ارتكاب الذنوب، وإنزال الشر في الآخرين! لهذا تجدني اختبر طاقتي على تحمل الأذى....، لكن الذي افعله أنا في هذا الذي هو واحد من هؤلاء! وليس محض دابة ولدت كي تبقى من غير آثام، وخطايا!

[9] استعداد
ـ تقول ـ في عزلتك ـ انك غير مضطر للبقاء حيا ً إلا بتنفس الهواء، بما فيه من ماء وغذاء لم يلوث؟
ـ سيدي، حتى هذا الهواء القليل الذي مازال يبقيني على قيد الحياة، يذكرني بالأسباب التي لم تبلغ ذروتها بعد. لهذا تراني  على استعداد للتخلي عن حياتي عدا  الاستغناء عن هذا الهواء الذي لم يخمد أنفاسي بعد!

[10] طنين
   سألت الذبابة الفيل:
ـ هل كنت تود لو خلقت غزالا ً أو سبعا ً أو بلبلا ً...؟
ـ سيدتي! لو كنت امتلك قدرة ما لتخلصت منك، كي انشغل بسماع طنينك على مدار الزمن!

[11] طائر الحرية
فتح القط باب القفص الحديدي، وقال لطائر الحب:
ـ أنت طليق، أنت حر!
   ضحك الطائر:
ـ آ ...، لو كنت تعرف أني لم أتذوق نشوة الحرية، إلا وأنا داخل قضبان هذا القفص!
   وراح الطائر يحافظ على الباب منغلقا ً بكل ما كان يمتلك من إصرار، وعزم، ثم قال للقط:
ـ  أنا لم أكن أخشى أن تفترسني، بل لأنني عندما أكون في الفضاء الكبير، أدرك فداحة أن أعيش وأنا لا استطيع رؤية أعدائي!

[12] الحقيقة
ـ سيدي، رأيناه يفكر!
أومأ الزعيم بإشارة لإرساله إلى الجحيم.
فصاح الغراب:
ـ سيدي، إنها فرية، فهم يكذبون عليك.
رد الزعيم عليه:
ـ ها أنت نفسك تعترف بارتكاب ما هو أبشع من التفكير!
ـ سيدي، دعني اعترف بما حدث...
ـ أيها الغراب، انك لو فكرت فأنت أصبحت ضدنا، وإن لم تفكر فلا جدوى من وجودك معنا!
ـ سيدي، أرجوك، دعني أدافع عن نفسي.
ـ لا ضرورة لذلك...، فنحن نمتلك  الأدلة والوثائق والشهود على فعله أحفادك...، فلا معنى للاعتراف بما فعله أسلافك!
   تمتم الغراب مع نفسه بصمت تام: الزعيم على صواب..، وأنا لم اخدعه أيضا ً..، وهذه هي الحقيقة!
    صاح الزعيم به، قبل أن يتوارى:
ـ اعتقد انك حصلت على الغفران!


[13] اعتراف
ـ سيدي، جئت اعترف بالجرائم التي ارتكبها أسلافي..؟
   ضحك الجلاد، وخاطبه بمرح:
ـ نحن نمتلك أدلة دامغة بالجرائم التي سيرتكبها أحفادك!
ـ أنا أيضا ً اعرف ذلك...، ولهذا اعترف باني غير مسؤول عن الجرائم التي ستركب بعدي، لكن الجرائم الأولى، يا سيدي الجلاد، لا تسمح لي بالتستر عليها!



[14] قسوة
  خرج الذئب الأب من المغارة بحثا ً عن غزال أو حمل ....، فلم يعد، فخرجت الأم لعلها تجد صيدا ً تأتي به لصغارها وهم يوشكون على الهلاك جوعا ً...، فخرجت ولم تعد.
   لم يبق إلا الصغار داخل المغارة، لا يعرفون ماذا يفعلون...، فقال أكبرهم:
ـ إن خرجنا فلا مناص فإننا سنهلك...، وإن مكثنا، هنا، فالموت يتربص بنا.
قبل أن يكمل عبارته هجم على أخوه الأصغر، فعوى الأخير:
ـ ماذا تفعل؟
ـ أما أن افترسك وأعيش، وأما أن تفترسني كي تبقى على قيد الحياة!
ـ آ .....، الآن عرفت لماذا لم ننقرض!
ـ اسكت يا أحمق، لا وقت للكلام، والفلسفة، فلو كان أجدادنا اقل قسوة، لكنا تحولنا إلى خراف! فان لم تجد القتل، ستُقتل، وإن كنت رحيما ً فلا احد يدعك تبقى حيا ً!

[15] الخاتمة بلا مقدمات
ـ من ـ في تصورك ـ أكثر سعادة...؛ الأكثر ذكاء ً، وعلما ً، أم الأشد بلادة، وجهلا ً...؟
ـ يا صديقي، لا هذا ولا ذاك! لأن كل منهما لم يساوره الشك بمحق الآخر، ومحوه من الوجود!
ـ ها أنت تغلق علينا أي أمل بيوم ما يأتي لا مكر، شر، وقسوة فيه؟
ـ آ ...، إن جاء ذلك اليوم، يا صديقي، فستكون القصة قد بلغت ذروتها، فلا تجد هناك من يحفر في أصولها! فلا معنى للسؤال إن كان الأغبياء هم من محقوا الأكثر حكمة وفطنة، أم إن الأكثر مكرا ً ودهاء ً هم من وضعوا خاتمة لهذه الحكاية!
11/9/2016
Az4445363@gmail.com


ليست هناك تعليقات: