بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 18 سبتمبر، 2016

ماهية اللغة؟ خلاصة النقاشات الدائرة حول أصل اللغات ومستقبلها- ترجمة: عدنان عباس علي


لغات

ماهية اللغة؟
خلاصة النقاشات الدائرة حول أصل اللغات ومستقبلها



ترجمة: عدنان عباس علي

     مع أن من حقائق الأمور أن جميع البشر، تقريبا، يستخدمون اللغة باستمرار وأن الباحثين المتخصصين في مسائل اللغة قد نجحوا في إعطاء الجواب الشافي على الكثير من الأسئلة المتعلقة بها، لا يزال الكثير من الظواهر اللغوية يتسم بالغموض ويثير جدلاً عريضاً. فعلاوة على ما تثيره اللغة من مسائل علمية بحتة، هناك أيضاً المواقف العقائدية أو وجهات النظر الشخصية. فهل من حسنات الأمور أن يتحدث بنو البشر بهذا الكم الكبير من اللغات المختلفة؟ وألا يتعين علينا أن نفزع من انقراض هذه اللغة أو تلك؟ في هذه المقالة يلخص يورغين ترابانت النقاشات الدائرة حالياً حول موضوع اللغة معرفة كاملة باللغة ولكن؟
لم نكن في يوم من الأيام نمتلك هذا الكم من المعرفة عن اللغة كما هي حالنا اليوم؛ فمع أن مئات اللغات لم تُحدد خصائصها بنحو دقيق لحد الآن، إلا أن واقع الحال يشهد على أن البحث العلمي قد نجح في سبر غور أكثرية اللغات التي يتحدث بها بنو البشر. فقد تمت مقارنة جذور بعضها بالبعض الآخر وذلك للتعرف، من ناحية، على السلالات التي تنتمي إليها اللغات المختلفة، ومن ناحية أخرى، على خصائصها البنيوية المشتركة؛ كما سلط البحث العلمي الضوء على ما يسمى بلغات الثقافات الحية وراح يتتبع كل طور من أطوار نشوئها وكل صيغة من الصيغ التي تبدو بها في اليوم الراهن. على صعيد آخر، قطعنا شوطاً كبيراً في التعرف على الأسلوب الذي يتعلم به الأطفال لغاتهم الأم. كما أخذ البحث العلمي يطبق طرق بحث متطورة وماهرة للتعرف على ما يجري في المخ عند الكلام. لا بل تحقق ما هو أكثر من هذا وذاك، فمن خلال الاكتشافات الأثرية ذات الأهمية في شرح المسائل الخاصة بالأنتروبولوجيا، ومن خلال المعارف الجديدة المتعلقة بالتطور البيولوجي وبعمل الجهاز العصبي، صار الباحثون قادرين على وصف طريقة نشأة اللغة. وحين نشير إلى هذه النجاحات، لا يغيب عن بالنا طبعاً أن البحث العلمي لا يزال لم يقل القول الفصل والأخير في مختلف المناحي التي تحدثنا عنها، أي أن البحث العلمي لا يزال مطالب ببذل جهد أكبر لتمحيص هذه المناحي. وتبقى هذه الحقيقة قائمة حتى إن أخذنا بالاعتبار أن المعارف بشأن اللغة قد تضاعف كمها أضعافاً مضاعفة منذ صار البحث في اللغة تخصصاً علمياً قائماً بحد ذاته.
وبرغم كل هذه النجاحات، لا مندوحة لنا من الاعتراف بحقيقة مفادها: أن السؤال البسيط عن معنى اللغة، يبدو الجواب عليه أكثر صعوبة وتعقيداً، كلما كنا أكثر علماً باللغة. ولا تكمن جذور هذه الظاهرة، فقط، في أن المعارف المتعاظمة تزيد من أبعاد المشكلة وتعقيداتها، بل تكمن، أيضاً، في أن المعارف الأكثر دقة تسبب رجة قوية للمعارف الجيدة التي ركن إليها البحث العلمي في الأزمنة السابقة. فما اطمأن إليه المرء في سابق الزمن وصار من مسلمات الأمر، يغدو فجأة أمراً مثيراً للجدل والنقاش: أعني مسائل من قبيل ما إذا كانت اللغة وسيلة للتواصل ولتبادل المعلومات، ما إذا كانت اللغة ظاهرة صوتية، ما إذا كانت اللغة ظاهرة ثقافية أو أنها ظاهرة طبيعية بنحو ما، أي ما إذا كانت "جهازاً" بنحو أو آخر أو "غريزة" جبل عليها الإنسان إلى حد ما. وما هي العلاقة بين التفكير والتكلم؟ وهل من حسنات أم من سيئات الأمور أن تتوافر البشرية على هذا الكم الكبير من اللغات المختلفة؟ على صعيد آخر، تدفعنا النقاشات الدائرة في الساحة الحالية إلى ضرورة البحث في علاقة اللغة بالأدب، أي في علاقتها "بفن" المقالة المكتوبة أو الحديث التحريري، المتعارف عليه في الثقافة اللغوية المتطورة بنحو متسارع. وهكذا، فإن الجواب المقتضب، التالي، على السؤال عن معنى اللغة، ليس سوى محاولة أخذت على عاتقها أن لا تجيب على هذا السؤال أو ذاك بأسلوب جازم، أكيد، وأن تترك الباب مفتوحاً لأكثر من جواب واحد. أما المسائل الجزئية المتعلقة بهذا الجانب أو ذاك من اللغة، فإننا سنتحدث عنها بإسهاب في هذا الكتاب، وذلك في الفصول التي خصصناها لها.

اللغتان الداخلية والخارجية
وربما تصور البعض منا أن القول بأن اللغة هي في الأساس خاصية يتميز بها بنو البشر هو من مسلمات الأمور. وهؤلاء يعتقدون بأن البشر يستطيعون أن ينطقوا بأصوات معينة حين يريدون إبلاغ الآخرين فكرة أو إحساساً أو "مضموناً" معيناً – وأن هؤلاء من ناحيتهم يسمعون هذه الأصوات بآذانهم و"يفهمون" المراد تبليغه (وأنهم بدورهم يحفزون للنطق بأصوات مشابهة كرد فعل على الأصوات التي تناهت إلى أسماعهم). بيد أن واقع الحال يشهد على أن هذا القول يثير الكثير من الجدل والشكوك في اليوم الراهن. وليس ثمة شك في أن لا أحد منا يشكك في انتهاج بني البشر هذا التصرف حينما ينطقون بأصوات معينة للتواصل وتبادل المعلومات. إن كل ما في الأمر هو أن البعض منا يشير إلى أن التواصل وتبادل المعلومات هو، في أفضل الحالات، وظيفة ثانوية من الوظائف التي تؤديها اللغة – وأن هذا التواصل وتبادل المعلومات ليس خاصية تميز بني البشر وحدهم، فكل حيوان، لا بل أن الحياة برمتها، في تواصل مستمر وتبادل دائم للمعلومات. كما يشير هؤلاء إلى هذا أن ظهور اللغة بمظهر الأصوات المنطوقة يشكل خاصية عرضية في أفضل الحالات، فاللغة يمكن أن تتجسد من خلال وسائط أخرى، من خلال الإشارة باليد على سبيل المثال. من هنا يؤكد البعض على ضرورة التمييز بين "اللغة الخارجية" أو Speechوبين "اللغة الداخلية" أو language. فالظاهرتان تجسدان، بحسب رأيهم، أمرين، انفصل الواحد منهما عن الآخر، في سياق ذلك التطور أيضاً، الذي مر به الإنسان عبر الزمن. فبالنسبة للغة (كنظام نحوي معجمي)، أي بالنسبة لما أطلقنا عليه language، يكمن الأمر الحاسم إذاً في مناحي أكثر عمقاً؛ يكمن خلف تلك العمليات المرصودة كأمر ذهني، كنظام معرفي: "فاللغة" هي ما يكتسبه الإنسان بحكم الوراثة من قابلية على تركيب الموضوعات الذهنية في المخ بنحو لا قابلية لأي كائن حي آخر على مضارعته فيها. ومعنى هذا، هو أن الأسس العامة لهذه القابلية التركيبية، لهذه القاعدة النحوية الشاملة التي جُبل عليها كافة بني البشر، تنبع من أمر غريزي، من أمر فطري؛ وأن هذه النواة فقط – وبالترابط مع قاموس من الزاد الذهني – هي، وبكل معنى الكلمة، ما نقصده حين نسأل عن معنى "اللغة". ويكمن البرهان الأساسي لانفصال هذه اللغة الداخلية المجبول عليها الإنسان غريزياً (عن اللغة الخارجية) في حقيقة أن الطفل يكتسب اللغة ليس من خلال مدخلات لغوية رخوة، سيئة النظام، مصدرها التواصل مع المحيط الكائن من حوله، بل من خلال مبادئ نحوية مجبول عليها غريزياً.
وليس ثمة شك، أن بالإمكان، فعلاً، الاعتقاد بأن هذه النواة المعرفية هي الجانب الإنساني في اللغة، أي أنها ذلك الأمر الذي يميزنا عن باقي فصائل الثدييات (فتأسيساً على تطور المخلوقات عبر الزمن، فإن الشروط البيولوجية التي انطلق منها الباحثون حتى الآن، أعني وقوف الإنسان على قدميه وانتصاب قامته ونمو حجم مخه وتخصصه، أي المخ، بوظائف معينة وهبوط حنجرته إلى مستوى أدنى وما شابه ذلك من تحولات مر بها الإنسان عبر التاريخ، تكتسب أهمية ثانوية بالنسبة لنشأة اللغة). ومع أن وجهة النظر أعلاه ملاحظة ذكية فعلاً ومنطقية، إلا أنها أبعد ما تكون عن العلم الموثق الذي لا يطوله الشك. فالجهود، التي بذلها العلماء، من أجل عزل هذه النواة المعرفية، التي يقلل المرء من شأنها فيعتبرها مجرد "جهاز اللغة"، نعم من أجل عزل هذه النواة المعرفية عن الذكاء المعتاد أو الذهاب إلى ما هو أبعد من هذا، أعني محاولة تشخيص "جينة مختصة" بهذا الجهاز، باءت بالفشل على طول الخط أو تبث أنها ليست سوى تضليل متعمد. ولكن، وحتى وإن افترضنا أن بالإمكان تحقيق هذه المرامي، فإن الكثير من الدراسات – في حقل اكتساب اللغة – تشير إلى أن اللغة، بوصفها تقنية معرفية، ترتبط بتبادل المعلومات وبالصوت والسماع، أي أن أنه لا يمكن الفصل بين language(أي اللغة كنظام نحوي، معجمي) و Speech(الخطاب): ففي وقت مبكر، أي حينما لا يزال الأطفال أجنة في أرحام أمهاتهم، فإنهم يسمعون اللغة التي تتحدث بها أمهاتهم، أي أنهم يكادون أن "يستغرقوا" في رنين ونغم هذه اللغة وفي إيقاعها وجرسها. بهذا المعنى، فإن بني البشر يعيشون، منذ أول ساعات وجودهم، في الكلام الذي يسمعونه يتعالى من المحيط الذي يعيشون في كنفه، هذا الكلام الذي يردون عليه، بدورهم، بالجواب المنطوق. وكما هو ثابت من خلال لغة الصم، يمكن للمرء أن يسأل ويرد رمزياً أيضاً؛ من ناحية أخرى، فإن وجود إشارات يستطيع المرء ملاحظاتها بنحو مادي، أمر حتمي لاكتساب اللغة، أو - وحذراً من أن تكون عبارة "اكتساب" مصطلحاً زائفاً - دعنا نقول: أن وجود هذه الإشارات أمر حتمي "للتمرن" على اللغة. ففقط من خلال التفاعل مع بني البشر، الذين يشرفون على تربية الأطفال، يكتسب هؤلاء الأطفال – وفق خطة زمنية محددة بيولوجياً – اللغة أو لغات العالم الذي يعيشون في كنفه. بهذا المعنى، فإن تأكيد فلهلم فون هومبولدت على أن "عمل العقل" هو اللغة، يعني أن هذا "العمل" يتم دائماً وأبداً من خلال التواصل مع الإنسان الآخر. من هنا، فإنه أمر منطقي أن يركز المرء منظوره، عند الحديث عن اللغة، على الاستخدام اليومي للغة، فهذا الاستخدام يجمع بين اللغة "الخارجية" وبين ما يفهمه المرء عادة من "اللغة": أعني أنه يعكس اللغة "الخارجية" و (مَلَكَة) التفكير (ووظيفة) تبادل المعلومات. بهذا النحو لا تجسد اللغة خاصية واحدة، بل خصائص مختلفة.


تبادل المعلومات والتواصل مع الآخر
"التواصل مع الآخرين وتبادل المعلومات معهم" هو إذاً، وبنحو شديد العمومية، مصطلح عام للعمليات المختلفة التي ينفذها بنو البشر من خلال اللغة. فنحن لا نكشف للآخرين حقائق موضوعية فقط، (حين نقول لهم: الشمس مشرقة)، بل نحن نناشدهم القيام بأمر معين ونعاهدهم على أن نفي بما تعهدنا به ونبادرهم بالتحية ونُعّمِد الأطفال ونعلمهم أصول الدين ونروي القصص ونسلي أنفسنا بالأحاديث والألعاب ونكتب الشعر. على صعيد آخر، ومع أن الحيوانات تتواصل فيما بينها وتتبادل المعلومات أيضاً، إلا أن هذه الحقيقة لا يجوز أن تحجب عن ناظرينا أن الاختلافات بين السلوك الذي يسلكه بنو البشر عند تبادل المعلومات بين بعضهم والسلوك الذي تسلكه الحيوانات لم يفلح المرء في تقديرها بالنحو المطلوب وسبر غورها بالقدر المناسب لحد الآن؛ فمن مسلمات الأمور أن الحيوانات يناشد بعضها البعض الآخر بفعل عمل معين، أن بعضها يحذر البعض الآخر، أن بعضها يكسف للبعض الآخر معلومات معينة. ولكن، هل تتعاهد الحيوانات على الوفاء بشيء معين؟ هل تُعَّمِد الحيوانات أطفالها وتسميهم بأسماء معينة؟ وهل تروي الحيوانات القصص وتصنع التحف الفنية من خلال إشاراتها وإيماءاتها؟ ومع اعترافنا بأواصر الأخوة المتينة القائمة بين الإنسان، من ناحية، وباقي المخلوقات من ناحية ثانية، يظل بين الجنسين فارق عظيم تكمن حقيقته في أن السلوك الذي يسلكه بنو البشر عند تبادل المعلومات هو سلوك مقصود، متعمد؛ هو سلوك يأتي تجسيداً لفعل بالمعنى الضيق لهذا المصطلح (وهنا لا يجوز أن يغرب عن بالنا طبعاً أن وجود الفعل المقصود قد جرى التشكيك فيه في سياق الجدل الدائر حول حرية الإرادة؛ وتبقى هذه الحقيقة قائمة حتى وإن اعترفنا بأن هذا الجدل قد فقد، ثانية، شيئاً من عنفوانه في الآونة الأخيرة). من هنا، فإننا أحرار أيضاً فيما إذا كنا نريد تبادل المعلومات أو لا نريد؛ فأفعالنا الرامية إلى تبادل المعلومات يمكن أن تكون نفاقاً متعمداً؛ أضف إلى هذا أن الواجب يحتم علينا أن نكون مسئولين عن الفعل الذي نسلكه عند تبادل المعلومات: فنحن ملزمون بالوفاء بما تعهدنا بفعله، وشهادة الزور قد تترتب عليها عقوبات عظيمة، وتوجيه الشتائم يقود المرء إلى المثول أمام القضاء. بهذا المعنى، فإن تركيز النظر على القاعدة النحوية الشاملة، القاعدة التي جبل عليها كافة بني البشر، يتجاهل، كما هو بين، الجانب الإنساني في اللغة.
ومن يرى أن اللغة ليست سوى تقنية تفصح، من خلال الأصوات، عما يريد الإنسان الإدلاء به من معلومات معرفية، ما عليه إلا أن يضيف إلى هذا أن بني البشر ينهجون هنا أساليب غاية في الاختلاف. فظهور اللغة بصيغ صوتية متباينة (لا يزال) يشكل إحدى أدق الظواهر الملموسة وواحدة من أكثر الحقائق المثيرة للبلبلة والحيرة. وليس المقصود بهذه الحقيقة الاختلافات الطبيعية بين الأصوات، أي حقيقة أن لكل شخص نبرته الخاصة به، أن رنين نفس الكلمات يختلف عند الرجال عنه عند النساء، يختلف عند الشبيبة عنه عند الطاعنين في السن. المقصود هو، في الواقع، الاختلافات القائمة بين الكلمات ذاتها، تباينها الثقافي. فبنو البشر ينطقون بأصوات مختلفة الترتيب ليس بحكم ما بينهم من اختلافات طبيعية، بل لأنهم ينتمون إلى جماعات مختلفة ولأنهم تعلموا التحدث بلغة هذه الجماعة أو تلك من خلال ترعرعهم في كنف جماعة معينة. انطلاقاً من وجهة النظر هذه، تبدو اللغة، في المنظور العام، المجموع الكلي للغات المختلفة التي عرفها التاريخ.
علاوة على ذلك، فإن التنوع المرصد لا يرجعه الكثير من بني البشر إلى الأصوات فقط، بل هم يؤكدون أيضاً على أن البشر الذين يتكلمون بلغات مختلفة يفكرون بنحو مختلف. وفي أغلب الحالات، فإن من الصعوبة بمكان الحصول على جواب أكثر دقة بشأن المجال الذي يظهر فيه هذا "التفكير" المختلف. فالجواب الذي يحصل عليه السائل سيكون على شاكلة ذلك الرد الذي يقول بأن الفرنسيين يعبرون من خلال كلمة esprit(خفة الروح، ظرافة)، عن معنى هو فرنسي محض حقيقة. وقد يشير المرء هنا إلى شعوب الأسكيمو؛ فهذه الشعوب تعبر عن الظاهرة التي لدينا اسم واحد لها لا غير: "جليد"، بأسماء لا حصر لها. ومع الاعتراف بأنه لا مندوحة للمرء من أن يمعن النظر في هذه الأمثلة بنحو مستفيض وأن يأخذ كل مثال بمفرده عند تتبع تداعياته، إلا أنها، أعني هذه الأمثلة، تبين بجلاء الأمر المقصود: فوجود خلفيات خصوصية تحدد طرائق "التفكير" في كل لغة، يؤكد، في الواقع، على وجهة النظر القائلة بأن اللغات تشكل العالم (من خلال دلالات وتطور الألفاظ) بنحو متباين ذهنياً.

علم اللغة وطرق التفكير والتعبير
إن اكتشاف اختلاف طرائق "التفكير"، من لغة إلى أخرى، إنما هو واحد من أعظم الاكتشافات التي توصل إليها الباحثون في العصر الحديث. ففرنسيس بيكون، الفيلسوف الإنجليزي الذي يُعد عن حق واضع أسس العلم الحديث، يؤكد تأكيداً جازماً على أن الكلمات تتضمن "تفكيراً" معيناً (تتضمن تفكيراً سيئاً، تفكيراً هو شعبي وغير علمي). من ناحية أخرى، كان هردر Herderقد أشار إلى أن الأفكار "ملتصقة" التصاقاً وثيقاً بالكلمات. وبعد زمن قصير من ذلك، أشار جون لوك إلى أن الكلمات الدارجة في اللغات المختلفة ترتبط بـ"الأفكار" ارتباطاً وثيقاً حتى وإن بدت هذه الكلمات تعبر عن ذات الأمر كما هو بين عند المقارنة بين الكلمات الإنجليزية foot(قدم) وhour(الساعة الزمنية) ومرادفاتها اللاتينية pes(القدم كأداة لقياس الطول) وhora(ساعة العبادة في الكنيسة الكاثوليكية). وكان لوك، من ناحيته، قد أشار إلى أن هذا الوضع لا يناسب، أصلاً، متطلبات البحث العلمي ومتطلبات حركة التنوير. إلا أن أهم الشارحين لأفكاره، أعني لايبنتز Leibniz، كان قد رأى في التباين القائم بين مدلولات وتطور الألفاظ في اللغات المختلفة "تنوعاً عظيماً ينتاب العمليات التي ينهض بها العقل الإنساني"؛ ولهذا السبب أيضاً، ناشد لا يبنتز المتخصصين أن يتولوا تقديم وصف لكافة لغات العالم. ولا غرو في أن هذه المناشدة كانت بمثابة شهادة الميلاد بالنسبة لنشأة علم اللغة الحديث.
بيد أن علم اللغة لم ينقب عن التنوع العظيم الذي ينتاب العمليات التي ينهض بها العقل الإنساني في متن اللغة فقط، بل وفي القواعد النحوية، أيضاً، أي في المادة المميزة لكل واحدة من لغات العالم: فالعمليات الفكرية التي ينتهجها بنو البشر تختلف باختلاف اللغات التي يتحدثون بها. فالناطق بالفرنسية، أعني الشخص الذي لا مندوحة له من استخدام أزمان الفعل المختلفة عند روايته لقصة معينة، لا "يفكر" بنفس الطريقة التي يفكر بها الناطق باللغة الألمانية، الذي يستخدم عند روايته لقصة معينة زمناً واحداً، الفعل الماضي فقط. أضف إلى هذا، أن من يروي بالفرنسية قصة معينة، يميز بين ما هو المقدمة التمهيدية في القصة وما هو الموضوع الأساسي فيها: فالفرنسي يستخدم عند الحديث عن المقدمة التمهيدية الماضي المستمر ، هذا في حين أنه يستخدم الماضي البسيط عند روايته للحدث الأساسي.
وربما لن يستطع أحد أن يضاهي فلهلم فون همبولدت من حيث قوة إشادته بالاختلافات الفكرية القائمة بين اللغات، فهو رأى في هذه الاختلافات ثروة عظيمة تتميز بها الطاقة العقلية البشرية. فقد كتب قائلاً:
"إن تعدد اللغات لا يعني أننا إزاء تسمية للشيء الواحد بعدد اللغات المعنية؛ إننا هنا إزاء وجهات نظر مختلفة بشأن ذات الشيء.... بهذا المعنى، فإن تعدد اللغات يشكل، بنحو مباشر، نمواً مضطرداً في ثروة العالم وفي تنوع ما نلاحظه في هذا العالم؛ فمن خلال هذا التنوع، تزداد اتساعاً، دائرة الوجود الإنساني أيضاً؛ وهكذا، تظهر لنا أنواع جديدة من طرائق التفكير في سجايا محددة وواقعية."

أسطورة التحدث بلغة واحدة!
إلا أن أنصار الفكرة القائلة بأن آلية التركيب المعرفي سجية غريزية يتصف بها كل بني البشر يعترضون على هذا الاكتشاف الذي صار من مسلمات الأمور بقدر تعلقه باللغة. فالاختلافات القائمة بين اللغات من حيث دلالات وتطور الألفاظ ما عادت بالنسبة لهؤلاء اختلافات في طرائق "التفكير". من هنا، لا مندوحة للمرء من أن يسأل هؤلاء: ماذا نقول إذاً، حين يميز الفرنسيون بين المقدمة التمهيدية في القصة وبين متنها؟ أو حين يفرق الإنجليز بين لحم الخنزير المقلي في المقلاة فيسمونه porkوالخنزير الحي، فيسمونه pig، خلافاً للألمان الذين لا يجرون أي تمييز من هذا النوع؟ إن اعتراض دعاة النظرية الشمولية محق في تحذيره من مغبة الإعلاء من شأن هذه الاختلافات بأكثر مما ينبغي وإساءة استخدامها لاستخلاص مزاعم أيديولوجية منها (بشأن "عقلية" بعض المتحدثين بلغات معينة على سبيل المثال). فهذا المسلك ضار ويثير الفزع والريب فعلاً.
إن المرء في أوربا، والعالم الغربي عامة، كان ولا يزال يعتقد بما ذهب إليه الثوار الفرنسيون: اختلاف اللغات عقوبة نزلت ببني البشر كما تروي ذلك الأسطورة المذكورة في العهد القديم. فلمعاقبة الإنسان على تكبره، نزل الرب وبلبل لسان بني البشر؛ فحتى ذلك الحين كان بنو البشر، بحسب هذه الأسطورة، شعباً واحداً ولساناً واحداً، أي أنهم، جميعاً، كانوا يتكلمون في الجنة بلسان واحد. بهذا المعنى، فإن اختلاف اللغات كان يُراد منه الحيلولة دون توافر كافة بني البشر على لسان واحد للتواصل وتبادل المعلومات. وهكذا، وعلى خلفية هذا المنظور، صار إلغاء هذه العقوبة، المذكورة في العهد القديم، أعني العودة ثانية إلى التحدث بلغة واحدة – في داخل الدولة الواحدة على أدنى تقدير – يعني السعي إلى العودة إلى نعيم الجنة.
وعلى خلفية هذه الأسطورة بعيدة الأغوار في ثقافتنا، هذه الأسطورة التي تعكس حنين بني البشر إلى التحدث بلغة واحدة، لغة يفهما الجميع، يواجه أولئك، الذين يتمنون وجود لغات كثيرة، مصاعب جمة. وكما سبق أن بينا، فإن لايبنتز كان واحداً من أولئك الذي يتمنون وجود لغات كثيرة. ففي سياق رده على شكوى مفكري حركة التنوير - والأصوليين المسيحيين – من تعدد اللغات، يدعو لايبنتز إلى ضرورة تقبل تنوع اللغات عن طيب خاطر، فهذا التنوع شاهد على ثراء العقل الإنساني. بهذا المعنى، فإن بلبلة اللسان في بابل كان قد جسد فرصة طيبة وحسنة عظيمة!
ولكن، ما هي خلاصة كل ما قلناه؟ أتنطوي تعددية اللغات على ثراء أم على بلوى؟ على حسنة أم على عقاب؟ إن واقع الحال يشهد على أن تعددية اللغات تنطوي على كل هذه الأمور المتناقضة. فتعدد اللغات ينطوي على إثراء للفكر، إنه ثروة لثقافة بني البشر، وهو في الوقت نفسه، عقبة في طريق التواصل وتداول للمعلومات. إنه كلا النقيضين في آن واحد.
وأبان لنا لايبنتز أيضاً الطريقة الصائبة لاجتثاث جذور هذا التناقض. فبرغم غبطته الكبيرة ببلبلة اللسان في بابل، كان لا يبنتز من محبي الجنة: فمن أجل الوفاء بمتطلبات البحث العلمي والتبادل بين الدول على سبيل المثال، رأى لايبنتز أن توافر بني البشر على لغة عالمية أمر مستحسن بكل تأكيد. وأبدى لايبنتز اهتماماً كبيراً بالجنة من حيث أنها كانت ظاهرة من ظواهر الماضي السحيق. وفيما انحدر كافة بني البشر من سلالة الإنسان العاقل (Homo-sapien)الذي نشأ في أفريقيا، كما يؤكد على ذلك الانثروبولوجيون المتخصصون في التاريخ القديم، يعتقد لايبنتز أيضاً- وبالاتفاق مع العلماء المتخصصين بتاريخ اللغات - أن البشرية كانت تتحدث بلغة واحدة لا غير في الماضي السحيق، أي أن كافة لغات العالم مشتقة من لغة واحدة: من لغة اشتركت فيها مختلف الشعوب والأقوام. ومعنى هذا هو أن لايبنتز واثق كل الوثوق من أن كافة بني البشر يتماثلون تماثلاً تاماً فيما يتعلق اللغة وطرائق التفكير. وتبقى هذه الحقيقة قائمة، بحسب وجهة نظره، حتى وإن أخذنا بالاعتبار التنوع الذي طرأ على كلتيهما عبر التاريخ. وتصور الأسطورة اللغوية الثالثة الواردة في الأناجيل، أعني أسطورة يوم العنصرة (Pfingsten)، بنحو جميل قصة ائتلاف النقائض: ففي يوم العنصرة لا تتلاشى التعددية اللغوية البابلية، ولا ترجع البشرية إلى الفردوس المنشود، بل تتغلب على العائق الذي يعيقها عن التواصل وتبادل المعلومات، وذلك لأن المرء صار يتكلم بلغات أخرى غير لغته الأم (فقد ورد في الكتاب المقدس/أعمال الرسل: "... فامتلأوا كلهم من الروح القدس، وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغاتهم، على قدر ما منحهم الروح القدس أن ينطقوا ". وهكذا، فلكي تتوافر البشرية على طرائق تفكير موحدة، فإنها ليست بحاجة إلى "لغة موحدة" أبداً. فالروح (القدس) الواحد، الروح (القدس) العالمي، يتجسد في كافة الأصوات المنطوقة وفي أرواح كافة الشعوب. إن يوم العنصرة يبين لنا أن الظاهرتين متلازمتان ويتبع بعضهما بعضاً: أعني أن وحدة اللغات التي تتحدث بها البشرية واختلافها أمران مترابطان ترابطاً وثيقاً.
بيد أن الزمن الحاضر يحابي ظهور لغة واحدة تلبية، من ناحية، لمتطلبات المنظور العلمي، ومن ناحية ثانية استجابة لمتطلبات المنظور السياسي؛ وربما، من ناحية أخرى، لأن المشاريع البابلية الطابع - بناء على تعددية اللغات وعلى خلفية ما حل ببابل من بلبلة لسان بني البشر – قد بلغت النهاية في كلا المنظورين: فبعدما انتهت العلوم اللغوية من وصف الاختلافات اللغوية، راحت تتساءل عما إذا كان ثمة أمر مشترك بين هذه اللغات عظيمة العدد. على صعيد آخر، صار التجزؤ إلى أمم وشعوب مختلفة من حيث اللغة، مشروعاً سياسياً يتسم بإشكاليات لا يستهان بها، مشروعاً يمكن الخلاص منه عبر المنظورات العولمية، المتخطية كافة الانتماءات الدولية. بهذا المعنى، فإن النظرية الشمولية السائدة في الدراسات اللغوية، هذه النظرية التي تقلل من شأن التباينات وتؤكد على الوحدة، تلبي بنحو عظيم جداً، متطلبات العولمة اللغوية والثقافية. أضف إلى هذا، أن هذه النظرية الشمولية تحابي حالياً الاهتمام العظيم الذي يحظى به السؤال عن أصل اللغة، تحابي السؤال الذي هو، هيكلياً، سؤال عن الجنة دائماً وأبداً . (أي التحدث بلغة واحدة في العالم برمته).
إن اختلاف اللغات، إن بلبلة لسان بني البشر – سواء كانت هذه البلبلة نعمة أم عقاباً – لم يجر التغلب عليه حتى الآن طبعاً: فالتقديرات تشير إلى أن ثمة 6000 لغة. وعند إمعان النظر في هذا الرقم الكبير لا مندوحة للمرء من أن يأخذ بالاعتبار أن من الصعوبة بمكان تحديد أين تنتهي حدود هذه اللغة وأين تبدأ حدود اللغة الأخرى، وما إذا كنا حقاً إزاء لغة قائمة بذاتها أم إزاء لهجة أو لهجات دارجة في هذه اللغة. ومع ضخامة الرقم المذكور، فإن من مسلمات الأمور هو أن الكثير من هذه اللغات ستنقرض في المستقبل المنظور. فالنظام المتحكم بالعالم الراهن يحتم ذوبان الجماعات الصغيرة في الجماعات السياسية الأكبر حجماً. وتسري هذه الحقيقة، أيضاً، على اللغات التي تتحدث بها الجماعات الصغيرة. وكان البعض قد رأي أن انقراض اللغات على شبه كبير بتراجع تنوع الكائنات الطبيعية في البيئة التي يعيش بنو البشر في كنفها. وليس ثمة شك في أن انقراض اللغات يقلص ثراء العقل الإنساني، هذا الثراء الذي حظي باهتمام لايبنتز واهتمام فلهلم فون هومبولدت من بعدُ. فمع انقراض كل واحدة من لغات العالم، تنهار منارة من منارات الفكر الإنساني؛ تخسر الإنسانية أسلوباً من أساليب التفكر بالعالم الذي يحيط بنا. فكما أن مياه النهر تجتاح، عند تشييد سد جديد، القرية القديمة والمعبد العظيم والمدينة الرومانية المهمة، كذلك تدك لغات الجماعات الكبيرة لغات الجماعات الصغيرة وتسحقها. ولكن، هل يحق للمرء فعلاً أن ينصح المزارع البريتاني بعدم التحول صوب اللغة الفرنسية وبضرورة أن يبقى أطفاله يعيشون في ظلال الصورة التقليدية التي تتطلبها الحياة في كنف المجتمع البريتاني؟ وعلى ما يبدو، فإن البريتانيين يعتقدون بأن المكسب الذي يحققونه من جراء تخليهم عن لغتهم أكبر بكثير من الخسارة الذي سيتكبدونها من جراء تحولهم صوب اللغة الفرنسية. فتحولهم إلى اللغة الفرنسية يعني أنهم صاروا يتحدثون بلغة ثقافية عظيمة المكانة، صاروا يتمتعون بفرصة الارتقاء اجتماعياً، صاروا ينتمون إلى أمة أكبر. وخلافاً لهذا كله، فإنهم سيخسرون، طبعاً، شيئاً من "هويتهم الوطنية"، سيخسرون تاريخهم وقصصهم وأناشيدهم وطرائق "التفكير" التي تحددها لهم لغتهم (وهذا هو بالضبط، أعني الخطاب العتيق (oldspeak)، أي التفكير العتيق (oldsthink)، هو الأمر الذي كان ينبغي محوه نهائياً بحسب تصورات ثوار عام 1789 ومساعيهم الرامية إلى توحيد الجميع في بوتقة واحدة). بيد أن اللغات (الكبيرة) لن تبق بمعزل عن هذه الديناميكية بكل تأكيد؛ فهي أيضاً سيغمرها المد العالمي العظيم الذي تتمتع به بعض اللغات. حقاً لا تزال هذه اللغات (الكبيرة) تقاوم هذا المد كما لو كانت جزراً تقف شامخة في مواجهة أمواج البحر المتلاطمة. ولكن، هل بمستطاعنا، فعلاً، رفض المشاركة في عملية الاتصالات وتبادل المعلومات عالمية الأبعاد؟ لن يكون بوسعنا هذا بكل تأكيد. ومع هذا، لا مراء في أن انضواءنا تحت راية الانفتاح السائد في العالم الفسيح، أن انتقالنا إلى الجنة، سيعني أننا سنخسر – مثلنا في ذلك مثل المزارع البريتاني – هويتنا، سنخسر خصوصيتنا وأننا سنخسر، بالتالي، الفرصة، أيضاً، لأن نفكر ونحيا "بنحو مختلف".
وهذا هو معنى الحياة في الجنة، فهاهنا ليس المرء بحاجة لأن يفكر أو يحيا بنحو مختلف عن الآخرين؛ فالخيارات الأخرى لا ضرورة لها هنا. بهذا المعنى، لن يكون هناك وجود للمتناقضات. ولكن، وبما أن الأمور لا تزال لم تصل بعد إلى هذه الحال بالكامل، سنواصل افتراض استمرار وجود الأمور المتناقضة التي أشرنا إليها أعلاه.
يورغين ترابانت:
أستاذ علوم اللغات الرومانية في جامعة برلين الحرة. والمقالة مأخوذة من كتابه : " ماهي اللغة؟" ميونخ عام 2008، دار نشر C. H. Beck



ليست هناك تعليقات: