بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 17 يوليو 2016

قصة قصيرة مياه زرقاء-عادل كامل

قصة قصيرة


مياه زرقاء

عادل كامل
     رفعت الضفدعة البيضاء رأسها قليلا ً عن سطح الماء، وتساءلت: ما هذه الضجة..؟ ذلك لأنها شاهدت ما يشبه العراك يجري عند ضفة المستنقع، فخافت أن تصاب بالأذى، ولهذا كادت أن تغطس لولا ارتفاع الأصوات على نحو أربكها، وأثار قلقلها…، فصرخت:
ـ ما هذا العراك…؟
فقال لها كبير البعوض الواقف بجوارها:
ـ ما شأنك أنت بنا….، فالقضية لا علاقة لها بك!
اقتربت الضفدعة من كبير البعوض:
ـ اعرف انك مخلوق مؤذ…، وأنا استطيع محوك من الوجود…، لكنني تساءلت بأدب جم عن هذا الإزعاج، لا أكثر ولا اقل…، وأنت تعرف إنني ضفدعة مستقلة، واحترم حرية الجميع!
ـ وماذا فعلت، وماذا قلت لك، سيدتي؟
ـ كل هذا العياط، واللغط، والنباح، والتهريج، والصراخ ….، وتقول: ماذا فعلنا؟
فسأل البرغوث الواقف فوق رأس الكركدن:
ـ اخبرها بالأمر، لماذا تتردد…؟
قال كبير البعوض للضفدعة البيضاء:
ـ كنا بصدد رفع دعوى حول الماء غير الصالح للحياة في هذا المستنقع…، وعن الهواء، وعن تردي الخدمات الضرورية!
ـ آ ….، إذا ً …، فانتم تفكرون بالإصلاح، والعمل من اجلنا جميعا ً…، أنا آسفة، بل اكرر اعتذاري، مرة ثانية.
فقال جرذ المجاري الذي كان يصغي للحوار:
ـ الغريب انك قانعة بما آلت إليه مياه المستنقع، وفساد الهواء، وما حل بالعشب، وباقي المرافق….
ـ وماذا تريد مني أن افعل …، بعد أن أغلقت الرقابة، باسم الشفافية، علينا المنافذ…؟ هل ادعوهم لسلخ جلدي، أم إلى تغيير لوني، وارتداء قناع حمار …، أو جلد ماعز؟
    اقترب كلب كان يسعى لتناول الماء، وقال لها:
ـ أنا اعترض…!
فسألته الضفدعة، وقد أحست إنها تختنق:
ـ بالتأكيد …، لأن مهمتك قائمة على المشاكسة، ومعرفة ما يدور في قلوبنا، مع إن أجهزة الحديقة الحديثة تعرف ما يدور في خلايا رؤوسنا قبل شروعنا بأي عمل…، فأنت تعرف إن العالم الحديث لا يترك سكانه عرضة للمشاكل، والأحزان، والقلق!
    صاح كبير البعوض بنشوة:
ـ لا تدعونا نختلف، ونكمل ما يجري هنا وهناك، من زعيق، ومشاكسات، واختلاف…، بسبب مياه المستنقع الآسنة، وتحولها إلى مادة متصلبة، لكثافة النفايات، وتراكم الأوساخ…، أو لأن رائحة المستنقع باتت أكثر من كريهة…
أجاب الكركدن:
ـ هذه مشكلة أزلية…، ليس بسبب الإهمال، ووجود اللصوص، والمزورين، والجواسيس، والأنذال…، بل لأننا جميعا ً خرجنا من هذا العفن! وهذه هي الحصيلة: الكل ضد الكل، حتى إجراء التصفيات، وإنزال الهزيمة بالجميع!
    اقترب دب جبلي الأصل، وأبدى معارضته، فقال انه ينفي الاتهامات الأخيرة، التي صرح بها السيد الكركدن:
ـ فهي باطلة! لأنها منحازة، وليست إنسانية!
   رد البرغوث:
ـ سيدي الدب…، إذا كنت لا تميز بين الماء الصالح للشرب عن سواه…، فماذا نفعل لك…؟
ـ أأنا لا أميز…، أيها البرغوث المقزز للضمائر، والجلود، يا من سلبنا الراحة، والسكينة، وحرمنا من أحلام منتصف الليل!
   اقترب هر من الضفدعة، وقد تغير لون جلدها وبات رماديا ً:
ـ كل هذا يحدث بسبب المستنقع….، لكنكم تجاهلتم ما يحدث هناك، في باقي الأجنحة…، فالأبرياء يشكون من ندرة الطعام، ومن الإهمال، وانعدام الخدمات، بل ومن الملوثات الفضائية، وكأننا لا نعيش في حديقة حديثة شيدت وفق آخر مكتشفات العلم، وما بعد الحداثات.
   صاحت الضفدعة بألم:
ـ بعد قليل ستتحدث عن مصائب جناح الغربان، والأفاعي، والفئران….؟
فقال الهر:
ـ أليست العدالة واحدة وهي أس المشكلة…؟
ضحك الحمار:
ـ أنا أخشى أن يتم ردم المستنقع، وطردنا، أو إرسالنا إلى المحرقة!
فقال الدب:
ـ  صحيح…، آنذاك ماذا سنفعل، وعلى ماذا نعترض، وعلى أي أمر نختلف…؟
أجابت الضفدعة:
ـ دعونا نتوصل إلى صيغة معتدلة، لا نحو اليسار، ولا نحو اليمين، ولا البقاء في الوسط….، ونخبر السلطات بضرورة فتح قناة لخروج الماء الراكد، وأخرى ترفدنا بالمياه العذبة، فالبلاد غنية بها حد التخمة!
قال البرغوث:
ـ إنها مشكلة مياه إذا ً ...؟ لكن لا احد تحدث عن الجفاف، وزحف الرمال، واليباب الذي دب ّ في روحانا...
رد الدب:
ـ إنها ليست مشكلة جفاف، أو عفونة، أو وفرة مياه...؛ إنها مشكلة توزيع، وإهمال، ولا مبالاة....، بل وكراهية متأصلة فينا! فالموت لم يأت بعد الحياة، بل الحياة ذاتها ليست إلا مناورة مفضوحة معه، مناورة للتمويه...، لكن ماذا فعلنا غير تركنا المعضلة تذوب، وتتوارى!
   تساءلت الضفدعة، وهي تتحسس جلدها الرمادي، بغضب:
ـ بالتأكيد، سيدي، الكراهية صنو الموت...، كلاهما خرجا من هذا العفن...، لكن ما علاقتنا بالأمر...، لو كنا نمتلك حسما ً حقيقيا ً يوازي أحلامنا، وآمالنا الضائعة...؟
   صرخ الكركدن:
ـ في أي غور عميق تسكن هذه الضمائر ...، وما علاقتها بأحلامنا المنهوبة...؟
ـ لست أنت المقصود...، سيدي، ثم لماذا هذه الحساسية، فكلما وجهت الاتهام إلى جهة تبرعت بالدفاع عن نفسك!
   هز رأسه:
ـ مع ذلك أفضل أن تعتذري...، سيدتي الضفدعة الزرقاء؟
ـ لن افعل ذلك ....، لأن هناك جهات مازالت تؤمن بالعدالة...
ـ حددي، أي الجهات هي المقصودة...؟
قال كبير البعوض:
ـ القضية واضحة للغاية...، فالماء الطاهر الأتي من النهر يذهب إلى النعاج، والثيران، والحمير!
اعترض الحمار:
ـ أبدا ً....، فها أنا جئت ابحث عن سد رمقي...، من مياه المستنقع، وأنا مازالت أخشى أن يصدر قرارا ً بردم بركتنا هذه...؟
ـ أين يذهب ماء النهر الخالد...؟
   سأل الحمار:
ـ إلى الخيول، والى جناح السيدة المستشارة، والى مكتب سعادة السيد المدير.
صاح البرغوث:
ـ هكذا يتم الاستهانة بعقولنا، وبإرادتنا، وبأحلامنا....، وكأننا من الدرجة الثالثة، وكأننا لم نولد في هذه الحديقة...؟
   قال الهر للجرذ:
ـ ماذا تقول...؟
رد الجرذ:
ـ كما قالت السيدة الضفدعة ذات اللون البلوري، فنحن كائنات عاطلة عن العمل، كائنات منزوعة الإرادة، والعقول، و....، وكما أشارت بحكمة ورهافة فان الإهمال هو نصيبنا، مثل اللامبالاة، مقترنة بالعفونة الأولى. بل أنا اعتقد حد الإيمان بان هذا الاختلاف لا فائدة منه إلا بتعزيز إدارة الحديقة، وديمومة دستورها الأعمى، وجعل لا شرعيتها من أولى الطاعات!
   قفز البرغوث مبتعدا ً عن رأس الكركدن، ووقف فوق رأس الحمار:
ـ يقولون إنكم من أكثر الكائنات ذكاء ً، وحكمة، ومن أكثرها قبولا ً بحمل الأوزار، والرضا بالخسائر...، حتى إننا لم نسمع إن حمارا ً انتحر، أو تذمر، أو أغلق فمه؟
رد الحمار بخجل:
ـ لم نلتفت إلى هذه المعضلات، لأنها باطلة، لأن المعضلة التي لا حل لها لا وجود لها أساسا ً، فلماذا نخدع أنفسنا، ولماذا نخدعكم...؟
فسأله الجرذ:
ـ ما هي مشكلتكم إذا ً...؟
ـ الماء الآسن...، وانقطاع التيار الكهربائي، وانعدام الخدمات، والتعليم، والصحة، وكثرة المحرمات، والتردد في تطبيقات الشفافية!
     ضحك الدب:
ـ بعد قليل ستتطرق إلى عثرات الديمقراطية، أو ربما تراها تمشي عرجاء...؟
ـ لا ..، إلا الديمقراطية، سيدي، فهي وحدها الحقيقة الراسخة التي يحلم بها الجميع ولا يحصل عليها احد!
ـ فيلسوف...، كأنك تذكرني بسقراط؟
ـ ولماذا سقراط؟
ـ لأنه كان يلمح إلى إجابات لأسئلة  لا وجود لها!
تساءلت الضفدعة بقلق:
ـ أم لديك رأي آخر...؟
   تراجع الحمار، لأن الكلب راح ينبح بأعلى ما يمتلك من قوة، وهو يشاهد احد النمور متجها ً نحو المستنقع. قال الكلب ومازال مذعورا ً:
ـ دعونا نغلق أفواهنا...، ونعرف ماذا يريد هذا النمر...؟
     قرأ النمر ما كان يدور في رؤوسهم، فقال للجميع:
ـ لا تخافوا....، فانا أشاطركم  مشاعركم، وحقوقكم، ومطالبكم، ورغباتكم....، ليس بسبب الماء الأسود، بل بسبب الهواء الثقيل، عديم اللون والرائحة والمذاق،  وليس بسبب الغذاء الفاسد، غير الصالح للاستخدام، بل بما يبثه التلفاز من أفلام داعرة، ووحشية، محفزة على القتل، وسفك الدماء، والاعتداء على الحرمات!
ـ آ ...، سيدي، إذا كنت تعرف هذا كله...، فلماذا لم تعترض؟
ـ وهل هناك جدوى من الاعتراض غير أن نعرض مصائرنا للتشهير، والتنكيل، والاتهامات الباطلة...؟
قال كبير البعوض:
ـ  أنا قلت للسيدة الضفدعة، أمنا المبجلة سيدة الأغوار والظلمات، مادمنا جميعا ً في عداد الهالكين، ولا أمل لنا بالنجاة، فلماذا نحرض إدارة الحديقة بالإسراع في اجتثاثنا، ومحونا من الوجود...؟
صرخت الضفدعة:
ـ يا سيد...، أنا لم اقل هذا الكلام الخطير، ولم أصرح به، بالسر أو بالعلانية....، فانا قلت لنطالبهم بالحفاظ على مستنقعنا، رمزا ً لما تبقى من الدهر...، لأن المستنقع في طريقه إلى الاندثار، والزوال.
    هز الدب رأسه:
ـ آ ...، لو عرفت ما الجدوى من وجودنا في هذه الحديقة...؟
    ضحكت قملة بدينة كانت تدب فوق العشب:
ـ كي نتعارف، ونتصالح، ونمضي أزمنة بهيجة، مفعمة بالمسرة والأفراح!
ـ يا حمار...!
صرخ الحمار في وجه القملة:
ـ وما شأني أنا....؟
ـ آسفة ...، أيها البروفسور الكبير، ولكن الدب استفز مشاعري وتمادى في العنجهية...؟
قال الدب:
ـ أنا لم افعل ذلك...، أنا قلت ما الجدوى من هذا كله وهو بحكم السراب....، وبحكم إجراءات لا علاقة لنا بها...، ولا علاقة لها بنا...!
ضحكت الضفدعة، وقد استعادت لونها الأبيض:
ـ ليذهب كل منكم إلى قفصه، وجناحه، وحفرته، وزريبته، وإلا فأنهم سيضطرون إلى ردم هذا المستنقع فوق رؤوسنا...
تساءل الجرذ بذهن شارد:
ـ آ ...، ماذا فعلنا...، ولماذا هذا الخوف....، فما قلناه لا يشكل خطرا ً على احد! لأن الإدارة أدركت منذ زمن بعيد إنها تستمد قوتها، وشرعيتها، وديمومتها من صخبنا، واختلافنا، وعراكنا الدائم!
ـ صحيح...، هذا بحكم اليقين، وإلا لماذا وجد الشر لو لم تكن له منافع خاصة.
وأضافت الضفدعة بصوت أعلى:
ـ وإلا لماذا تركونا نجتمع، ونتجمع، ونلتقي، وكأننا سنعلن التمرد، وندعو إلى العصيان!   سأل البرغوث الكركدن بصوت حاد:
ـ ما الذي جاء بك إلى هذا المستنقع...؟
ـ الذي أرسلك هو الذي أرسلني! فانا قادوني مثل خروف وقالوا لي: تمتع!
ـ وسمحوا لك بمغادرة قفصك...؟
ـ اسكت...، لم يعد هناك قفصا ً، فالجرذان قرضته، والأرانب التهمت الباقي.
   صاحت الضفدعة:
ـ لن نصل إلى نتيجة ...، أيها السادة، فانا أفكر ـ الآن ـ بكتابة شكوى الخص فيها مطالبنا وأرسلها إلى مكتب سعادة المدير...
قال جرذ المجاري:
ـ أنا دونت ملاحظاتي...، هل ترغبون بقرأتها...؟
قال كبير البعوض:
ـ كلنا آذان مصغية!
بدأ يقرأ:
ـ  سيدي المدير....، قبل أن تكون هناك ارض، وسماء، وقبل الطوفان، وبعده...، كان هناك هذا الذي سيمهد لوجود حديقتنا...، فبعد أن غمر الطوفان الأرض كلها، وأباد من عليها، انسحبت المياه...، تاركة البحر ...الذي، بمرور الزمن، غدا بركة ضحلة....، وهي اليوم توشك على الاختفاء، والتواري.
قال الدب:
ـ جيد...، خيالك جيد، لكن ما المطلوب...؟
تابع جرذ المجاري:
ـ ولأن عصر المجاري، الشبيه بعصر المستنقعات، والظلمات، لم يعد يناسب عصر الشفافية، فإننا نأمل، في هذا العصر الذهبي للعلوم، أن ننال عطف سيادتكم...، بالتكرم بأمر الجهات الرسمية بمعاقبة اللصوص الذين تسببوا بتدمير حياتنا في ما تبقى من البحر الكبير....
تساءل النمر:
ـ ما المقصود بهذه الإشارة...؟
ـ سيدي النمر...، مع انك تشارك الخيول رفاهيتها، فانك تجهل هؤلاء الذين لا يحملون ذرة إخلاص إلى حديقتهم...، هؤلاء الذين حولوا حياتنا إلى جحيم...
ـ آ ...، فهمت، أنت قصدت الخنازير والكلاب والقرود والتماسيح...؟
ـ لا....، لم تعد هناك مخلوقات تشبه التماسيح، لأنها لاذت بالفرار، أما الأسود فهي في طريقها إلى الانقراض، أسوة بالديناصورات العملاقة ....!
ـ اسمع، يا جرذ المجاري، عليك أن تشخص، وان تكون دقيقا ً...
ـ آ ...، نعم، نحن لا نطالب بالرفاهية، بل بالحفاظ على هذا المستنقع ....، فهو وحده يمدنا بالقليل من الحياة.
ـ فهمت....، هات الشكوى....، فانا سأنقلها إلى السيد المدير....، الذي كان قد كلفني بدراسة أحوال الرعية.
   صاحت الضفدعة، وقد بدأت تشكو من الصداع:
ـ دعونا نحتفل!
ـ بماذا تحتفلين....، وأنت مع باقي الضفادع ملأتم الحديقة صخبا ً، ولغطا ً، وضجيجا ً، وعراكا ً، ونقيقا ً ....، فقد كان من المقرر أن تسلكوا طرقا ً نزيهة، ناعمة، شفافة، في عرض مطالبكم، بدل إعلان التمرد...، والتمهيد لإعلان العصيان، وربما الثورة...؟
     ساد الذعر. صاح البرغوث:
ـ قسما ً بالشجر والحجر سأستدعي عشيرتي للدفاع عن حقوقنا، حتى لو تطلب الأمر التضحية بحياتنا...
ـ آ ..، أرجوك...، يا برغوث، أيها المخلوق الوديع، كحمامة، لا تفعلوا ذلك بنا...
وقال كبير البعوض:
ـ وسندعم نحن أيضا ً هذه الانتفاضة، ونحرض الجميع على العصيان....!
نهق الحمار:
ـ أيها الأصدقاء ..، أيها الأخوة، أيها الأشقاء، أيها الرفاق...، ما الجدوى من الحرب، وانتم تعرفون نتائجها...؟
رد الدب:
ـ أنا سأنسحب إلى مغارتي...، ولا شأن لي بأفعالكم المشينة.... فالعنف لا يولد سوى العنف...
صرخت الضفدعة في وجه الدب:
ـ قسما ً بالهواء الأسود الشديد التلوث، وقسما ً بالماء غير الصالح للسباحة، وقسما ً بالبكتريا، والأوساخ....، لن ندعك تعرف الراحة!
ـ ماذا فعلت...، وأنا أموت من الجوع، فلا عسل، ولا عشب، ولا ورود، ولا ...
ـ مت...! بدل أن تبقى تنتظر الموت!
قال النمر:
ـ آن لنا أن نرسلكم إلى المحرقة!
رد الحمار:
ـ أفضل!
ـ ماذا قلت...؟
ـ بدل أن تمزقتنا أنياب العاطلين عن العمل...، ونصبح أشلاء ً ممزقة في بطونها النتنة، المحرقة تطهرنا بنارها الأزلية ...، وتخلصنا من عفن هذا المستنقع!
ـ اقترب.
  اقترب الحمار منه، قال النمر:
ـ آن لي أن افترسك....، فانا كنت ابحث عن وليمة!
ضحك الحمار بلامبالاة:
ـ ولكن جسدي مشبع بماء المستنقع الضار، السام، المر المذاق....! فما أن تتذوق لحمي حتى تصاب بجنون الحمير...، فتصبح هزأة للنعاج، والفئران، والأرانب...؟
ـ اغرب عن وجهي.
    اقترب غراب ووقف فوق قفص مهدم ونعب:
ـ اهربوا .... اهربوا...
فسألته الضفدعة بذعر:
ـ ما حصل أيها الغراب ...؟
ـ الضباع أعلنت تمردها، وثورتها، بالاشتراك مع الأفاعي، والعقارب، والنمل....
ـ علينا...؟
ـ لا اعرف...، لكنها لم تترك شيئا ً إلا وخربته، دمرته، ولم تبق حجرا ً فوق حجر، ولا ممرا ً سالما ً من الأذى...، وهي الآن في طريقها إلى المستنقع العظيم!
صاحت الضفدعة وهي ترتجف ذعرا ً:
ـ اغطسوا .... اغطسوا ...
  بدأ الجميع يغطسون ...، عدا النمر. فقال للغراب:
ـ ومن حرضهم على هذا التمرد ...؟
ـ أنا!
ـ أنت ...؟
ـ لست أنا تماما ً.....، ولكنني أخبرتهم بنوايا البرغوث والجراد والحشرات والقوارض والبرمائيات ...، فصرخوا: إلى الموت... إلى الموت! فأنت تعرف لم يعد لديهم ما يتشبثوا به غير الخلاص من هذه الحياة الوضيعة! مع إنهم كانوا يصرخون: إلى النصر.. إلى النصر!
ـ وعلى من ينتصرون...؟
ـ على المستنقع!
ـ اسمع يا غراب، أيها الشاهد  على أقدم فعل من أفعال الإثم، لقد أصبحت محرضا ً...، فأنت شريك في الفعل، وأنا سأخبر سعادة السيد المدير بأمرك؟
ضحك الغراب حتى سقط أرضا ً:
ـ هرب المدير...، يا سيدي!
ـ أين هرب...؟
ـ إلى الفردوس!
ـ وأين يقع هذا الفردوس ...؟
ـ  بعيدا ً عن هذا المستنقع.
ـ آ ...، دعنا نلحق بسعادته!
ـ سر أمامي...، وأنا سأتتبع خطاك...!
ـ أيها الغراب....، أنا اعرف انك سترسلني إلى المحرقة...؟
ـ سيدي، بدل أن تمضي حياتك في هذا المستنقع، فان النار ستمحو أثرك...، وتجعلك نسيا ً منسيا، فلا احد يعرف من كان السبب في زوال حديقتنا، ولا احد سينبش عن أسباب غيابها، وزوالها من هذا الوجود. فلا الجاني كسب شيئا ً يذكر، ولا المجني عليه لديه رغبة باستعادة ما فقده!
5/7/2016

ليست هناك تعليقات: