بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 7 ديسمبر، 2016

غياب عدنان المبارك “خريفٌ قاسٍ على الثقافة العراقية.. ورقة وارفة أخرى تهاوت عن الغصن”




غياب عدنان المبارك “خريفٌ قاسٍ على الثقافة العراقية.. ورقة وارفة أخرى تهاوت عن الغصن


فلورنسا - عرفان رشيد

   قاس هذا الخريف على الثقافة العراقية وعلى عقولها المبدعة وبصائرها الثرّة، وهو أكثر قسوة على الثقافة البصرية، حيث نالت المنيّة الأربعاء، الخامس من أكتوبر، الكاتب والمترجم البصري الكبير عدنان المبارك بعد أقل من أسبوعين من رحيل المخرج والممثل المسرحي حميد الحساني وقبل أيام من المخرج التلفزيوني الكبير عمّانوئيل رسّام والرسام والخطاط عزيز النائب.
ولا تكمن الفجيعة الكبرى في هذه الغيابات في الموت نفسه، إذْ هو مصير كل كائن، لكن في كون هؤلاء الذين رحلوا، ومَن قبلَهم، مؤسِّسينَ في الثقافة العراقية، ولم تتمكن سني الغربة والمنافي من اقتلاع حب الوطن من دواخلهم ولا أن تبعدهم قيد أنملة من الحلم في تقديم ما هو جميل ومفيد وجديد وإنساني إلى هذه الثقافة وإلى هذا الوطن الذي ابتُلي لأكثر من ربع قرن بحكم صدام حسين والبعث وبحكم الأحزاب الطائفية والفساد المستشري منذ ما يربو على أربعة عشر عاماً، وكل ذلك جعل البلاد الأكثر ثراءً في الدنيا مزبلة خربة متهالكة.  ورثا الكاتب العراقي الكبير محمد خضير صديقه وابن بصرته الكاتب والمترجم العراقي الكبير عدنان المبارك قوله ”رحيل آخر وراء الأفق المكسور بالآلام. له الرحمة والغفران”، وبدا الاختزال في ذلك الرثاء كما لو أن ألم الفراق أوقف قلم محمّد خضيّر، كما توقف الغيابات المؤلمة العبرات في الحلق المحروق والعين المشرقة بالدمع. والناظر إلى المنجز الذي تركه الراحل عدنان المبارك خلال العقود الأربعة الماضية يجد نفسه ماثلاً أمام مكتبة متكاملة من التأليف والدراسة والبحث والترجمة، ويضعه ذلك المُنجز مصاف كبار مزوّدي العقل العربي بنسغ الثقافة مثل سامي الدروبي جورج طرابيشي وغيرهما من كبار خمسينات وستينات القرن الماضي. وحسب ما أورده الكاتب والفنان كريم النجار في موقعه على الفيس بوك فإن الراحل عدنان المبارك ولد في البصرة عام 1935، وأنهى دراساته العليا في تاريخ الفن في جامعة وارشو، حيث أقام في بولندا حتى عام 199 ثم انتقل إلى الدانمارك ، حتى توفاه الأجل يوم 5-10-2016. عمل المبارك في صحافة بغداد ووكالة الأنباء العراقية ومراسلاً للصحافة الثقافية في السبعينات والثمانينات . من بين مؤلفاته : «الاتجاهات الرئيسية في الفن الحديث على ضوء نظرية هربرت ريد» ، "«فلسفة التكنيك»، «فن الشمولية . الطليعة الروسية نموذجا»، «إشكاليات أساسية في الفن :المحاكاة ، المخيلة ، التعبير، التشخيص والتجريد»، «القرن العشرون ــ التحولات الكبرى في تاريخ البشرية»، «برج بابل الألكتروني - في إشكالية المواجهة بين الإنسان و الماكنة»، «يوتوبيات القرن - الأنظمة الشمولية»، «في التشكيل ، في علم الجمال»، «في مدارات الثقافة»، «الفن السابع . اضاءات»، «أطياف الكتابة»، «مقاربات في الفن»، «في متاهة الحاضر»، «ماتريكس وثنائية الواقع»، «يوميات الملح». وترك المبارك مجموعة من الروايات والقصص من بينها «الزاغور»، «ترس السلحفاة أو الموت في كل يوم»، «تحت سور الصفيح»، »رسائل الى موتى»، «بالمقلوب»، «حكايات السيجارة الأخيرة»، «ماقبل الطوفان الثاني». و ترجم العديد من الكتب ، من بينها: «الكاتب وكوابيسه» لأرنستو ساباتو، «معالجات في الأدب» لأرنستو ساباتو، «الفن والكومبيوتر» للعالم البولندي مارك هيولسكي، «فن الصورة الشخصية» للباحث البولندي فويتشيخ شتابا، سيناريو فيلم أنغمار برغمان « وجهاً لوجه »، مسرحية « خيانة » لهارولد بنتر، رواية « 0 » للشاعر الروسي أندري فوزوينينسكي، كتاب «مكتبة القرن الحادي و العشرين» للكاتب البولندي ستانسلاف ليم، «مذكرات المخرج الايطالي فيتوريو دي سيكا». وترجم العديد من أعمال أخرى لكتاب بولنديين و آخرين من أمثال فيتولد غورمبروفتش و سوافومير مروجيك و تاديوش روجيفتش وصوفيا ناوكوفسكا و كارين بلكسن ولويس خورخه بورخيس وغيرهم ( معظمها منشور في موقع القصة العراقية). وشارك مع د. زهير شليبة في إعداد أنثولوجيا للشعر الدنماركي و أخرى قصصية للكاتبة الدنماركية الكبيرة كارين بلكسن. ونشر الكثير من المقالات والدراسات والقصص والقصص المترجمة في الصحف و الدوريات العراقية والعربية.والكثير من مقالاته وأبحاثه وأعماله المترجمة في صحيفة الزمان اللندنية، كما ساهم في العديد من المهرجانات الادبية والفنية وبعض دورات مهرجان المربد، وواصل حتى الرمق الأخير بنشر مقالاته وقصصه وترجماته في موقع أدب فن، وموقع القصة العراقية الذي أسهم في الأشراف على تحريره أيضا. وفي رثاء الراحل أورد الكاتب الشاب حسن بلاسم آخر رسالة استلمها من عدنان المبارك. يقول المبارك في ما يُشبه وصيّة الوداع للكاتب الشاب الذي طالما اعتبره أستاذه: «عزيزي حسن . كيف هي أحوالك ؟ فيما يخص الكتابة يكون الآمن الأكثر فائدة أن لا ترغم النفس على الكتابة! حقيقة عرفتها في وقت مبكر . رغم هجمات المرض الشرسة في الأيام الأخيرة لم أبتعد عن الكتابة وتنظيم أمور ما كتبته قي الفترة الأخيرة . وهكذا ستصدر القصص هذا العام بمجموعتين، وإذا لم أبتعد كثيراً عن فخ التفاؤل فهناك أمل في كتابة مجموعة أخرى ... أنت تشكو من شحة الوقت ، وعلى أكبر احتمال يشكو الجميع منذ زمن أريستوفان من مثل هذا الشحة. تجد في المجموعة قصصاً جديدة وأخرى من المجموعة السابقة التي لا تزال تفتقد إلى بضع قصص. ليس بالاحتمال البعيد أن يرسلوني إلى المستشفى مرة أخرى. سأحاول أن آخذ معي الكومبيوتر. في الأيام الأخيرة إشتد التفكير بأنّي أبتعد عن هذه الحياة ، ولا أعرف من أين هذا الهدوء الداخلي الذي لا يعني استسلاما لـ«النهاية»، بل لكوني عاجزاً عن إدارة الدفة صوب حياة أُخرى. فالأوان قد فات ، وكل ما عليّ فعله أن أكون هادئا إلى النهاية ... محبتي واعتزازي."

ليست هناك تعليقات: