بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 2 فبراير 2017

أنا.. الماكنة.. النقود-علي الابراهيمي

من أعمال الفنان وليد القيسي
  
نصوص


أنا.. الماكنة.. النقود



علي الابراهيمي



   
أنا, في عالم من اوراق المرحاض المموّهة بالألوان والرسوم, والتي نطلق عليها اصطلاحا (النقود), أعيش كأنني آلة, مع احترامي لمكانة الآلة والماكنة. فانا ادرك جيدا ان مستواي الطبقي هو دون مستوى الماكنة , ويتوجب عليّ ان اخدمها ستة ايام في الاسبوع . لا لشيء سوى لانها السبب في حصولي على المزيد من اوراق المرحاض, التي امسح بها اوساخ المعيشة .
قال لي صديقي, الذي هو انا بكل تأكيد, ذات مرة: كيف تشبه النقود المبجلة باوراق المرحاض التي لا قيمة لها؟ فاجبته: وهل للنقود قيمة فعلا ! .
لقد تحيّر صديقي, وراح يطلب المزيد , وفي حالة من البوح قلت له : انت ربما تعرف ان الانسان الاول كان لا يتعامل بالنقد الورقي الذي نعرفه اليوم , فاشار موافقا , لكنه كان يعتمد نظام المقايضة السلعية رحمه الله , وفي مرحلة لاحقة ابتكر فكرة اسرع واسهل في التعامل , تتلخص في سك قطع صغيرة يمكن حملها , تكتسب قيمتها السوقية من قيمتها المعدنية , فلم يجد اثمن من الذهب والفضة , الا ان فكرة طرأت لاحد الاشخاص الاذكياء في خطوة غبية ان يبتكر فكرة ( السندات المالية ) , وهي عبارة عن اوراق تكتسب قيمتها من خلال الضمان العقاري او الزراعي الثابت او المتحرك الذي تمثله , لكن شخصا ذكيا آخر بالتعاون مع مجلس الاشخاص الاذكياء المحتالين تقدموا خطوة اخرى نحو الفراغ , فاتفقوا ان يكون لتلك الورقة ضمان ثابت , يحتفظ به ذلك الكيان الخرافي المسمى ( البنك ) , وبالتأكيد ولانهم اذكياء فقد جعلوا ذلك الضمان شيئا يملكونه هم وحدهم , نعم انه ( الذهب ) . لكنك كما تعي لا يوجد من الذهب ما يغطي نفقات حرب واحدة من حروب هؤلاء الاذكياء على الاغبياء من امثالنا . تعجب صديقي , فلم يجد الا ان يقول : لقد لخبطتني . لا , يا سيدي , لا تتلخبط , فالمسألة بسيطة , انهم كما قلنا اذكياء , فاتفقوا على امرين : ان يجعلونا اكثر غباءً , وان يستخدموا اوراق المرحاض كعملة نقدية , دون اي ضمان ثابت او متحرك , وللامر الاول اعطاهم ( السيد ) صندوقا يغلفون به عقولنا الغبية , اسموه ( التلفاز ) , وللامر الثاني جعلوا اوراق المرحاض الخاصة بهم معيارا لكل النقد في العالم , فاصبح مساويا لقيمة ورق المرحاض الخاص بهم .
صديقي راح يومئ للتوضيح , فرحت شارحا : صديقي العزيز , عندما تطلب الحكومة نقودا من ( السيد ) ماذا يحصل ؟ , سوف يصدر السيد اوراقا مرحاضية باسم ( السندات ) , تتجه نحو الجهة المختصة بالرسوم , فتقوم بدورها بجلب اوراق اخرى , وتلونها وتزينها برسوم معينة ترمز لحضارة السيد , ثم تقوم بمنحها للحكومة , مقابل نسبة من الفائدة . قال صديقي: وما المشكلة ؟ , فاجبته : هناك مشكلتان : الاولى ان هذه الاوراق منذ الربع الاول للقرن العشرين - وتمهيدا لحرب كبيرة لا يسدها الضمان الذهبي - قاموا بالغاء التوقيع الذي كان على ظهرها , والذي يتعهد بامكانية استعادتها كذهب , وترجمة ذلك انها اصبحت عبارة عن ورقة بلا ضمان , يعني ورقة مرحاض , تأخذ قيمتها السوقية من خلال توقيع ( السيد ) فقط , اي ان السيد اصبح هو الضمان , ولان باقي النقد في العالم جعل نقد ( السيد ) , والذي اسماه ( العملة الصعبة ) , ضمانا لنقده , اصبح جميع النقد عبارة عن ( اوراق مرحاض ) . اما المشكلة الثانية فهي ملفتة للنظر , وتتعلق بالفائدة التي يطلبها السيد على اوراقه . هنا قال صديقي : لا بأس ان يأخذ السيد نفعا مقابل جهوده . فقاطعته : صديقي , انت لازلت لا تفهم , فتلك الفائدة غير موجودة في الواقع , عندما يطبع السيد 100 ورقة مرحاضية مثلا , وله فائدة مقدارها 10 ورقات مرحاضية , فيجب على الحكومة ان تسدد 110 , و لكن الاوراق الموجودة في السوق هي ( 100 ) , و هي الاوراق التي طبعها السيد , فمن اين تأتي الحكومة ب ( 10 ) الفائدة ؟ . قطّب صديقي حاجبيه , فتداركته مهدئا : اسمع يا صديقي , سيكون ( السيد ) هنا كريما , ويبقي تلك الفائدة ( دينا ) برقبة الحكومة , وهي بدورها سوف تطلب المزيد من اوراق المرحاض الملونة من السيد , لتسديد دينها , فيطبع السيد , وتزداد فوائده , ويزداد الدين على الحكومة , فتلجأ حينها لاستقطاعه من ثروات ( الشعب ) , ولكن لان الدين من المستحيل - علميا - تسديده , سيظل الشعب والحكومة مدينين للسيد دائما . ومرورا بحالات الطوارئ والحروب , سوف يصل الدين الى حد خيالي , فتعمد الحكومة الى التقشف , ولكنها لن تسدد دينها , فلتغي الكثير من الوظائف , وترفع الدعم عن الخدمات العامة والرعاية الاجتماعية والصحية .
ولان السيد يعلم ان الحكومة لن تسدد دينها , فهو يعلم ان اللعبة ( الوهمية ) ربما تنكشف , ويتحرك شعب حكومة السيد , لذا ساعدها معلوماتيا , فاخبرها انها يمكنها ان تقاوم اذا استطاعت ان تستحوذ على ثروات وموارد الامم الاخرى . استجابت الحكومة لرأي السيد وبدأت فعل ذلك , تحت تغطية فضائية عبر اسلحة ( التلفاز ) المتقدمة .
صديقي , راح متسائلا , في التفاتة ذكية منه : وما علاقتنا نحن هنا بما يقوم به السيد هناك ؟ , فاجبته : يا صديقي , اخبرتك سابقا اننا نقوّم نقدنا باوراق السيد , هذا اولا , وثانيا فالسيد - ولانه اشره واشرس مخلوق عرفته الارض - قرّر ان يعمم نظامه ( المتحضر ) على الامم المختلفة , فانشأ ( صندوقا ) , الداخل فيه لن يخرج ابداً . فصرخ صديقي : اي مجنون سوف يدخل ذلك الصندوق ؟ ! . تبسمت , وقلت له : ان الفقراء دائما مجانين , اما الاغنياء فيمكن ان يدخلوا اذا سلموا قيادهم لقائد سكران او شيطان . وهناك آلية اخرى , تتم بزرع خيوط تعمل مع الصندوق داخل اجساد الامم , ويا حبذا لو كانت تحمل الوانا تشابه الوان الامم , او انها كانت جزءا من تلك الامة .
قال صديقي : طيّب , وما علاقة ذلك كله بالماكنة , وهي كما نعلم اعطاناها العلم لتخدمنا ؟ . ضحكت كثيرا , واجبته : وكيف تكون الماكنة لخدمتنا , ونحن نخدمها ليل نهار , وكل خمسة اشخاص من بني البشر تقريبا يخدمون ماكنة , فيزيتونها وينظفونها ويجملونها , لا لشيء سوى انها ساهمت في طرد ما يقارب 60 شخصا منهم ! . لكن هي ربما تستحق هذا التكريم , لانها ساعدت ( منظومة السيد ) في التخلص من تكاليف هذا العدد من بني البشر , كما انها سوف تطرد المزيد , ولن تستجيب الحكومات لهم , فلن يكون حينها موجودا غير السيد ذاته .
في لحظة غباء من صديقي , قال : ان المنظومة التي ينشئها السيد خطرة , فكيف سيحميها ؟ . اجبته : بالعسكرة , المزيد من العساكر , وسوف نرى مستقبلا - كما هو واضح من الحاضر - مزيدا من الجنود , فهي الوظيفة الوحيدة التي لازال مفتوحة .
صديقي : ولما هذا كله ؟ .
: هذا ما اراده ( السيد الاكبر ) , فقد سمعت انه اعور لايرى الا مصلحته فقط . وبغير هذا النظام لن يكون هناك عبيد .
صديقي : كيف ؟
: تزايد المديونية والتضخم وتسريح العمال سوف يخفض الاجور , وبالتالي المزيد من العبيد زهيدي الاجور .
قال صديقي : لقد تذكرتُ الآن نكتة ظريفة وعلى شكل تساؤل ساقه قريب لي , (من يعمل اكثر, نحن ام الحمير؟) . حدقتُ في وجهه : هل ترى انها نكتة ! , لا يا صديقي , انها الحقيقة.
نحن من يعمل ستة ايام في الاسبوع , من الساعة السابعة صباحا وحتى الثالثة مساءاً , وساعتان للطريق, يكون المجموع ( 11 ) ساعة. وسنكون حينئذ متعبين , فننام ساعتين اضافيتين عصرا, اما ليلا فنومنا يجب ان يكون مبكرا, الساعة التاسعة, لنستيقظ في السادسة صباحا , فيكون المجموع الكلي ( 21 ). تتبقى ثلاث ساعات, واحدة للاهل, وواحدة للطعام , وواحدة للمخدر الذي يهون علينا كل ذلك, من خلال مجموعة العاب بهلوانية , والذي نسميه ( التلفاز ).
وفي النهاية تكون مكافئتنا مجموعة من اوراق المرحاض , التي لا يعطيها قيمة سوى توقيع ذلك الذي يدير النظام , والذي لو امتنع عن التوقيع سوف ينهار النظام , وهو نظام هائل ومعقد جدا , اسمه ( الوهم ) .
قال صديقي مرتعبا : نحن عبيد ! . نعم نحن عبيد , لاننا لو تسببنا بعطل الماكنة بالصدفة سوف نتعرض للعقوبة , والتي تصل الى السجن , فيما لو اصابتنا الماكنة نحن بعطل سوف يستبدلوننا بخدم جدد . فمن منا وجد ليخدم الثاني .
صديقي : اذن كيف يعمل النظام ؟ .
: يعمل عبر تحريك الموارد والاشخاص , فتدور جميعا حول مركز واحد , اسمه ( السيد البنكي ) , والذي سوف يمولها باوراق المرحاض , التي تستند الى تأريخ من وجودها السابق الحقيقي , والذي تم استبداله بحاضر من الوهم , من اللاضمان . يعني ان الحافز معنوي , لا حقيقي , الاعتقاد بوجود ضمان , خدعة كبيرة من الوهم , تكفي لتحريك النظام , ادعاء السيد ان الامور بخير .
هو بتلك الاوراق المرحاضية التي لا تساوي شيئا واقعيا يستحوذ على الثروات والموارد , وعلى جهود البشر , ليعيد دورانها داخل المنظومة , وربحه انها يدير اللعبة دون ان يدفع او يبذل شيئا . هو يشتري المؤسسات العامة والخاصة , كذلك هو يشتري الدول , تحت غطاء حرية التجارة , وغطاء من الاستعمار والاستهتار , وايضا ولتسهيل مهمته يقتل المؤسسات والكيانات الصغيرة والمحلية , وبتعاون الشياطين , الذين نسميهم ( ساسة ومسؤولين ) .
تصور لو انك اخذت قرضا بقيمة 10000 ورقة , لبناء منزل , حينها ستطلبه من الحكومة , او اي جزء من النظام , وبعد جهد ستناله , مقابل دفعك لفائدة مقدارها 800 ورقة , وطبعا سوف تكون الحكومة قد اخذته من السيد , مقابل 400 ورقة مثلا , انت حينها ستعمل لدى احدى مؤسسات النظام لتسديد قرضك , حيث ستأخذ اوراقا مرحاضية , لتعطيها للحكومة , التي سوف تعطيها للسيد , وبالتالي اصبح مجهودك ومجهود الحكومة ربحا للسيد وحده . فانت قد عملت عند السيد , دون مقابل ازاء جهدك .
ان للسيد بناءً هرميا , يقوم على قاعدة رباعية , تجده مرسوما على احد اوراق المرحاض , وكما تعلم فان للقاعدة الرباعية اركان , هي ( الشعب , الحكومة , الموارد , الماكنة ) , وقد وصل بناءه هذا قريبا من القمة , وقد بناه بطبقات خيالية العدد من اوراق المرحاض , ولو تم وجلس فوق قمته ( السيد الاكبر ) سوف يقضى علينا جميعا .
صديقي : لماذا ؟
: لاننا حينها لن نستطيع التنفس , بسبب الطبقات الهائلة لاوراق المرحاض فوقنا .
صديقي : والنتيجة ؟
: سنصل جميعا الى لحظة يعجز فيها الجميع عن تسديد ما بذمته من اوراق المرحاض , بعد ان تصل تلك الاوراق - بسبب التضخم - الى اللاقيمة .
صديقي : والحل ؟
: العودة الى الذات , الى نظم تخضع لارادتنا , الى ضمانات حقيقية .
صديقي : نعم ..
: ثم خلق مجموعة من دوائر المنظومات الصغيرة , تلقف ما يأفكون , تلتهم هرم السيد , فيكون حينها مشتت الذهن , ثم تلتحم تلك الدوائرة في دائرة اكبر .



ليست هناك تعليقات: