بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 11 سبتمبر، 2015

قصص قصيرة جدا ً مستعمرة الديناصورات- عادل كامل القسم الأول




قصص قصيرة جدا ً
 مستعمرة الديناصورات



  عادل كامل
القسم الأول

      [ويأخذ مورغان العشيرة عند الايروكوا، وعلى الأخص عند قبيلة "سينيكا" كشكل كلاسيكي لهذه العشيرة البدائية. ففي هذه القبيلة توجد ثماني عشائر مسماة بأسماء حيوانات: 1 ـ الذئب؛2 ـ الدب؛ 3 ـ السلحفاة؛ 4 ـ القندس؛ 5 ـ الأيل؛ 6 ـ دجاجة الأرض؛ 7 ـ مالك الحزين؛ 8 ـ الصقر.]
انجلز. " أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة"


      [ إلى الصديق الذي سألني، قبل ثلاثين سنة، لماذا تكتب عن الحيوانات، أقول: هناك أشقاء لنا مازالت خطاهم لم تصل هذه العتبة!]


المقدمة

[1] قصة كتبها لا احد:
     " قطع رأس الحسين ووضع عند عبيد الله بن زياد ثم قطع رأس عبيد الله بن زياد ووضع عند المختار الثقفي ثم قطع رأس المختار الثقفي ووضع عند عبد الله بن الزبير ثم قطع رأس عبد الله بين الزبير ووضع عند عبد الملك بن مروان.....، فمن قطع رأس الأخير....، الذي كان منشغلا ً بقراءة حكاية قابيل وقد قطع رأس هابيل، وكان ادم يراقب المشهد وهو يمسك برأسه محدقا ً في السماء...."

[2] البلبل قال:
     " كان علي ّ أن أغلق فمي..، أن أغلقه إلى الأبد...، بدل أن أغرد لكم، لكم وحدكم، لإمتاعكم، وترفيهكم، وإسعادكم، وإشباع غروركم...، ولغايات لم أكن اجهلها، ولم تكن مجهولة عنكم أيضا ً...، فإذا كنت اعرف لمن كنت أغرد، وأنا طليق في الغابة، فانا اعرف أيضا ًلماذا لا امتلك قدرة على إغلاق فمي، والكف عن النواح، والأنين ....، وأنا في القفص، أمامكم، لأنني مازالت أشيعكم بصوتي، مع إنكم لا تظهرون إلا مسرتكم، ورضاكم......، فكما أنا لم استطع الإفلات من كمائنكم، لا اعتقد إنكم تفلتون من كميني وأنا أراكم  لا تذهبون ابعد من هذا المصير...."
[3] الآن
    " لاذت العائلة هاربة من بطش الموت، بعد أن أوصدت منافذ الخلاص بوجهها، صوب البحر، للنجاة، لكن الأخير ابتلع الأم والبنت والولد، فأفاق الأب  ليدرك أن عزلته غير قابلة للفهم، ولا للتأويل، فجلس عند قبر العائلة، في البلاد التي طردته، وعملت على قتله، بانتظار أن يأتي الموت، ويضع خاتمة  للحكاية...، فهل جاء...؟"
5/9/2015  






[1] التمساح والدب
    سأل الدب جاره التمساح، بصوت شارد:
ـ هل فكرت بالمصير الذي ينتظر السحالي، والنمل، ورفاقنا البشر؟
   هز التمساح رأسه بحركة آلية لكنها لفتت الأنظار:
ـ لم يعد يشغلني هذا المصير ولا يثير قلقي، يا صديقي، فقد غابت مليارات الصنوف...، وأخرى توقفت عن النمو، وسواها تحول إلى مخلوقات مختلفة ..
ـ آ ....، هذه نظرية عتيقة، يا سيدي، فالبرمجة العامة للأنواع هي التي ستحدث، على حساب التآلف، فضلا ً عن عدم الصلاحية.
أجاب التمساح ساخرا ً:
ـ ما هذه الخواطر، في هذا الصباح البارد، وكلانا تحرر من الخوف، والعدو المشترك لنا، وأصبحنا بمعزل عن التهديد بالقتل!
ـ آ .....، صحيح، حقا ً لا أمتع من الوجود في هذه المحمية، ومن العناية التي نلقاها، وكل ما يضمن مستقبلنا، ونحن نراقب آلاف الزوار...
ـ أكاد أشاطرك الرأي...، لو لم يحشرونا جميعا ً في هذه الحديقة، داخل هذه الأقفاص.
ـ  لا تقل ذلك...، ولا تتذمر، فبعد أن أصبحنا عائلة واحدة، داخل أسوارها، فقد أصبحنا نرى الفيل يتنزه برفقة الذئب، والغزال يمرح مع السبع، والأرنب يقفز فوق جسد النمر، والطيور تلهو مع الحيتان، وابن أوى يلعب النرد مع الكركدن ...، بعد هذا كله أصبحنا لا نرغب أن نعود إلى الأسئلة العتيقة: لماذا حشرونا في هذا المكان!
ـ حشرونا هنا، أيها الصديق العزيز، كي لا ننقرض...، ونزول من الوجود، فنحن اليوم لا نشكو من البرد، ولا من الجوع، لا من الخوف ولا من الأعداء...، أليست هذه هي الحرية؟
ـ أكاد أقول نعم...، لكن لا أنت، ولا أنا، من أسهم في صنعها!
ـ هذه نظرية عفا عليها الزمن...، فالجديد إننا أصبحنا عائلة واحدة.
    اقترب مدير الحديقة، مع حشد كبير من الزوار، والعلماء، منهما، وقال لهما:
ـ حتى إننا بدأنا نستحدث لغة جديدة مشتركة بين الأنواع المختلفة، بل نستحدث أنواعا ً لا وجود لها أيضا ً.
    صرخ الدب:
ـ بل أصبحنا نشترك معكم بالتخلص من العالم القديم!

[2] مشكلة

خاطبت الجرادة الذئب:
ـ  أرجوك ...، لماذا لم تغلق فمك وتكف عن العواء...، هل أنت مريض، أم جائع، أم تشعر بالخوف؟
ـ لا ...، وهذه هي مشكلتي!

[3] عودة
  بمرح سألت السمكة الزرقاء زميلتها السمكة الذهبية:
ـ البحر الصغير، هنا، في هذا القفص الزجاجي، يسمح لنا بالاستمتاع على مدار الساعة...، نستيقظ متى نشاء، نلهو، وننام متى يكون ذلك مسليا ً...!
أجابت الأخرى:
ـ هذا صحيح ....، لولا إننا لا نعرف متى سيعيدوننا، بعد الانتهاء من مهمتهم معنا، إلى البحر الكبير الذي اصطادونا منه!

[4] الطبيب والديناصور
    عندما استيقظ الديناصور الأب، وجد نفسه وحيدا ً، فلم يشاهد الأشجار، ولا السماء، ولا المساحات الشاسعة التي عاش فيها، فدار بخلده، انه ربما لم يكمل الساعات  المخصصة للنوم، أو انه مازال يعاني من الكوابيس القديمة...، ولكن ما أن فكر بالعودة إلى مغارته المخصصة له، حتى شاهد طبيب المحمية يقترب منه، ويخاطبه بدهشة مرحة:
ـ حمدا ً لله، ظننا انك لحقت بأسلافك، وأصبحت نسيا ً منسيا، أما الآن، فأنت تفند نظرية الانقراض، وكل من صدع رؤوسنا بمشكلات الغياب، والزوال!
   هز الديناصور رأسه الكبير، وقال بمرح للطبيب:
ـ أنا أيضا ً كنت أظن إنني لن أراك أبدا ً!
[5] ماموث
    عندما وجد الماموث الضخم جسده مكبلا ً بمخالب الأسود وأنيابها، انتفض بشدة حتى كاد يفلت منها،  ولما كان ذلك ـ فكر مع نفسه ـ بحكم المستحيل، طلب من الأسود الإصغاء له، للحظات لا أكثر، فقالت الأسود بصوت واحد:
ـ تكلم.
ـ المشكلة إننا، نحن الماموثات العظيمة، عندما نقتلكم، ونمسح الأرض بكم، لا نجني فائدة تذكر من هذا ...، لأننا نترككم تتعفنون في البرية، أما انتم فتقتلوننا حتى من غير تفكير، لتفترسوننا.
  قال كبيرهم ساخرا ً:
ـ ماموث يفكر!
ـ  إزاء اسود هي ذاتها لا تعرف كم هي نتنة، حتى وهي على قيد الحياة!

[6] حدود
   بعد أن وجد البلبل ثغرة، في القفص، وهرب منها، عاد يبحث عنها، ليدخل، فقالت شريكته:
ـ الآن أدركت لماذا من الصعب التخلي عن القيود!
فقال لها:
ـ الحرية، من غير قيد، كالقيد بلا حرية....، فعندما هربت من القفص، كنت أظن إنني ساجد حريتي في الغابة، وليس بانتظار أن أقع في شباكهم مرة ثانية، أو أن أقع فريسة الصيادين الآخرين....، فقررت العودة إلى قفصي، خشية أن لا اعثر على ثغرة للعودة إليك، يا شريكة حياتي، وهذا أقسى من القيد نفسه، وأقسى من العبودية نفسها!
 ابتسمت وقالت له بمرح:
ـ الآن عرفت لماذا اخترع الناس أقفاصهم!
   صاح، وهو يحّوم حول القفص:
ـ عندما نكون داخل القفص لا نتوق إلا للحرية ...، وعندما نصبح طلقاء لا نعرف كيف نحمي حريتنا!

[7] مصير
قال الخنزير لزميله، وهو يتأمل رقبة الزرافة:
ـ  حمدا ً للرب انه لم يخلقنا مثل الزرافات...، لا نعرف أين نحمي رؤوسنا!
ـ ليس المهم، يا زميلي، أن تكون لك رقبة طويلة، أو قصيرة، بل أن يكون في نهايتها رأس!
فقال بغضب:
ـ هل سمعت أحدا ً شتم الزرافة...، مع إنها تخفي رأسها في الرمال...، ليس هربا ً من المفترسين، بل بحثا ً عن التراب البارد!
ـ اعرف ...، كذلك نحن نزداد شراهة للطعام الجيد طالما نعرف نهايتنا!

[8] حكمة!
     بعد أن امسك الثعلب بالديك، صاح الأخير:
ـ لن تنجو من أنياب كلابنا ولا من مخالبها...، فأين ستهرب، وأين ستفر، لتنجو من فعلتك الشنيعة..؟
أجاب الثعلب بلا مبالاة:
ـ دعني استمتع بك، أيها الديك السمين، الآن...، وقبل فوات الأوان، أما الباقي فانا غير مسؤول عنه!

[9] لعبة
     سأل الخروف صاحب الصوف الأسود، شقيقه المتبختر بالصوف الأبيض:
ـ هل تعرف لماذا يضاعفون أعدادنا، ويوفرون لنا الطعام الممتاز، ويسهرون على رعايتنا، وحمايتنا من الأمراض، ومن الضواري، ومن اللصوص...، ولماذا يحرصون على تحسين نوعنا ...؟
ـ اعرف!
وأضاف:
ـ كي تزداد ثرواتهم!
فسأله:
ـ لكن ..، اخبرني، لماذا يحرصون على الإنجاب، وزيادة أعدادهم، هؤلاء عديمي الشفقة...؟
ـ من اجل الحروب...، فمن سيحارب لولا الفائض من الناس، أليس كذلك؟
ـ زيادة في الماشية، وزيادة في عدد السكان، وزيادة في عدد الضحايا، وزيادة في الثروات...، فقل لي من الكاسب في هذه المعادلة، أو في هذه اللعبة ...؟
ـ لا احد!
ـ لا...، المنتصر هو الموت!
ـ يا أحمق ...، الموت، مثل الزمن، محض أداة....، فهل سألت نفسك هل تشعر السكين بعاطفة وهي تجتز رقبتك؟!
ـ ما الغاية إذا ً...؟
ـ لو كنت اعرفها، لهربت إلى بلاد يلعبون فيها لعبة مختلفة!

[10] أمل
   بعد الحرب الشاملة، التي جرت في الغابة، لم ينج إلا وحيد القرن، وغزال مبتور الساق، أعمى، منها.  فخاطب وحيد القرن الغزال بصوت رقيق:
ـ لا مناص إننا، أنا وأنت، سننجب ذرية جديدة نأمل أن لا تحمل شعار: نموت، نموت، نموت من اجل الأرض!

[11] ديمقراطية
     بعد أن عقدت حيوانات البرية اجتماعها الاستثنائي، قررت استدعاء دارون، للتأكد من عدم صواب نظريته، وان الزمن عفا عليها، فسألت الأفعى العالم العجوز:
ـ لو كانت نظريتك صائبة، فاخبرنا ما المعنى منها؟
أجاب بصوت مرتجف:
ـ أنا لم أكن ابحث عن المعنى، أنا كنت اهرب منه!
    صاحت الحيوانات بصوت موحد:
ـ لكنك وضعت أبناء جنسك البشر في أعلى سلم التطور...، فهل هذه هي الديمقراطية الشفافة...؟
ـ آ .....، ما أغباني، مع إنني لم أكن اجهل السواحل العفنة التي انحدرنا منها!
ـ اخبرنا إذا ً أيها الفيلسوف المشاغب...، ما هي مصائرنا...، مثلا ً، أنا الأسد، هل سأصبح بعوضة، أم سأصبح كائنا ً اقل شراسة..؟
أجاب بصوت واهن:
ـ يحدث هذا بسبب ما لا يحصى من الاسباب..!
صاحت الحيوانات بصوت واحد، موحد:
ـ سنفترسك إن لم تجب.
ـ وهل لدينا ـ أنا أو انتم ـ إجابة، وأنياب الموت تعمل في مخفيات قلوبنا، وفي ملغزات عقولنا!

[12] بالروح
    وجد الحمل الصغير نفسه قد تحول إلى ذئب، فقال للقطيع:
ـ آن لي أن أكون زعيمكم.
 فهتفت حالا ً:
ـ بالروح...، بالدم.
  فصرخ:
ـ الآن عرفت لماذا الذئاب الذكية لا تعوي!
فسأل كاتب القصة الحمل:
ـ هل تعرف كم لحمك لذيذ؟!
ـ مثلما اعرف شهية الدود وهو يلتهم جسدك!
   قال الكاتب:
ـ أنا أوصيت بحرق جسدي!
ـ آ .....، لكن عليك أن تعرف لماذا تتوهج النيران...، ولماذا تصرخ جهنم: هل من مزيد...؟

[13] لذّة
    قالت اللبوة للأسد بعد أن افترس أبناءه:
ـ ها أنت ترغمني لإنجاب أولاد آخرين...، يا لها من لذّة مرة!
فقال:
ـ أليس هذا هو سر صراع البشر على الكراسي! يذبح بعضهم البعض من اجل إعلاء شأن الموت!
  فسألت اللبوة الأسد:
ـ وما الذي يجنيه الموت؟
ـ لو كنت اعرف الإجابة لما بحثت عنك!

[14] حوار
   غريب أمر سكان هذا الكوكب، لا يتوقفون عن إنجاب المزيد من الضحايا...، والمزيد من الفقراء...، والمزيد من المشردين، والمعتوهين، والخارجين على القانون...؟
    لم يجد الأرنب أحدا ً يرد عليه، فترك رأسه يترنح فوق العشب، ليستمع إلى صوت الأرض:
ـ وأنا من يمنحني سعادتي!
فصرخ:
ـ أيتها ألاثمة ...، أنت السبب إذا ً...؟
ـ لا ...، لست السبب حسب، بل الضحية أيضا ً!

[15] وليمة
      سأل الكلب البني اللون الذي مازال يتمتع بذاكرة متوقدة، عشيقته ذات اللون الرمادي، وهما بانتظار وليمة المساء:
ـ هل تتذكرين، يا عزيزتي الغالية، ماذا فعلوا بنا...؛ تارة صدرت الأوامر بطردنا، وبإبعادنا، وتهجيرنا، وخلعنا، أو بقتلنا إن لم نفعل ذلك، لأنهم كانوا يخططون للقضاء علينا، ومحو سلالتنا من الوجود، تارة أخرى...؟
ـ آ ...، أتذكر بوضوح، وأتذكر انك طلبت مني ان نغادر المدينة، بعد أن أصبحت مقبرة لنا، ولجنسنا، وهناك، أتذكر ان أواصر الصداقة بيننا قد بلغت ذروتها، وأزاد كل منا هياما ً بالآخر، فأصبحنا عشاقا ً، ومتيمن، رغم إننا هربنا مع الهاربين، وعشنا حياتنا مع المشردين، والمذعورين من القتل...، ويا للبشر من أوغاد، وفاسدين، ومنافقين، وقتلة!
ـ كانت حقبة سوداء في زمن اشد سواد ًوفي تاريخ كاد أن يفقد لونه!
ـ لكنها حقبة لم تدم طويلا ً...، فانا قلت لك: لا المسرة دائمة، ولا الشقاء يدوم إلى الأبد.
ـ اجل، أتذكر، فقد عدنا، أنا وأنت، أيتها الغالية، بعد ان انشغل الناس بحياتهم، فعثرنا على مزرعة، عشنا فيها، بعد ان كان الطعام وفيرا ً، ويكفينا...، مما دفع بأشقائنا للتسلل، والعودة إلى مدينتنا الصابرة، والباسلة...، أنت ِ كنت مرحة، منشرحة، وشديدة العناية بمفاتنك، ومزهوة بجمالك النادر!
ـ إن لم افعل ذلك، يا حبيبي، فقد تجد ألف واحدة غيري تغرم بك، وبفطنتك، وقوتك الاستثنائية!
ـ آ ...، ثم أنجبنا ذرية صالحة، وكدنا نمضي ما تبقى من زمننا الوجيز بهدوء تام...، لا يشغلنا أمر الناس، ولا هم انشغلوا بأمرنا...، لولا دخول غرباء غزوا مدينتنا...
ـ آ ...، أتذكر، أتذكر بوضوح، فقد حلت الكارثة، ووقعت النكبة علينا.
ـ غريب أمر هؤلاء الغرباء، فقد جعلونا في بالهم.
ـ اجل، تركوا لحم الحملان، والماعز، والغزلان، والإبل، والثيران، والجاموس، والطيور...، وراحوا يصطادوننا، الواحد بعد الآخر، حتى كدنا نتعرض للانقراض، ونصبح نسيا ً منسيا!
ـ أنا طلبت منك الهرب، مرة ثانية، كي ننجو بجلدنا.
ـ بل أنا هو من أقنعك بالهرب والعودة إلى البرية، والبساتين البعيدة.
ـ عشنا بعيدا ً عن بيوتنا، وأزقتنا، ومزابلنا...
ـ ومر دهر حتى كدنا نفقد الأمل بالعودة..
ـ ثم...، هرب الغرباء، بعد ان اشتعلت الحرب، وبعد ان وقع العدوان على مدينتنا، فراح الناس يقتل بعضهم بعضا ً، يترصد احدهم الآخر، ويغدر به، ويذبحه من الوريد إلى الوريد...، الجار نكل بجاره، والأشقاء تحولوا إلى أعداء، وصاروا يبدعون، ويتفننون، بشهامة، وبسالة، وبطولة بطرق القتل، والانتقام، والاجتثاث، حد الحرق، والسحل، والمحو.
ـ  أنا قلت لك، أيها الغالي، يا أوفى الأوفياء، لم تعد البرية صالحة لنا، فقد وصلتنا أنباء مؤكدة لم تكن تخطر حتى بالبال، ولا في الأحلام!
ـ وعدنا، نزهو بالنصر!
ـ انتظري...، علينا ان نراقب، فليس الوقت وقت ثرثرة، حتى لو كانت بهذه الرهافة، انتظري، فقد يلقون بجثث طرية، جديدة..
ـ آ .....،  رغم ان اللحم البشري ممتزج بالمرارة، مج، وفيه زيادة بالملح، والصلابة، ومشوب برائحة عفن كريه، إلا انه ليس طعاما ً فاسدا ً جدا ً....!
ـ المهم، المهم إننا سنمضي شيخوختنا بهدوء، لا احد يتعرض لنا، ولا غرباء يفترسوننا، مادام الناس فقدوا عقولهم، وصاروا مهووسين بهذه الاحتفالات!
ـ مع ذلك، أيها الغالي، لا توجد سعادة تدوم إلى الأبد!
ـ عدت، يا أيتها الغالية، مشغولة بالأفكار العتيقة، وبما عفى الدهر عليه، فهل دامت لأحد، كي تدوم لنا، آيتها الجميلة!

[16] نذور
    قالت السمكة العمياء لجارتها إن البحث عن مكان امن، في هذا البحر، غدا أكثر استحالة من انتظار الموت نفسه. فقالت لها بصوت متلعثم:
ـ أنا اقدر حكمتك، يا جارتي، عميقا ً، ولكن انتظار الموت يخلو من الفطنة، وسيؤدي إلى هلاكنا..
ـ حسنا ً، لنعترف بأننا مازلنا نتمتع بأشعة الشمس الذائبة في الماء، وقد غدت نعمة لا تجحد، ونقدر ان الوحل يوفر لنا طعاما ً نتغذى عليه...، مثلما نقدر ان الحيتان العظيمة سمحت لنا بالبقاء داخل هذه الحفر العميقة، البعيدة عن سطح البحر، بمنأى عن المفترسات وشباك الصيادين التي تجوب البحر ليل نهار..
ابتسمت الأخرى:
ـ أنا لم اطلب منك التحدث عن وجودنا كأسماك ولدت عمياء، كي نتجنب رؤية ما يحدث لنا، في هذا البحر، أنا طلبت منك البحث عن حفرة نمضي فيها ما تبقى لنا من أيام .
أجابت بأسى عميق:
ـ أنا لا استخف بك، وبذكائك، كي اطلب التريث، وعدم البحث عن مكان اقل خطرا ً، ولكن ما يجري للحيتان، والمفترسات الكبرى، ولباقي المخلوقات، ومنها هؤلاء الصيادين أنفسهم...، لا يمكن أن يقارن إلا بما يحدث في الجحيم! فالكل يواجهون الخطر الغامض ذاته يا شريكتي في هذه المحنة!
ـ أنت تعرفين إنني اعرف هذا تماما ً، الكل يواجهون حتفهم، ولكنني لم أسالك لماذا ولدنا من غير بصر...، بل أسألك لماذا رضخنا لهذا الحال، حتى أصبحنا ننشد، ونرقص، ونغني، بل ونؤدي طقوس الاحتفال كأننا في عيد؟
    هزت رأسها الصغير باستسلام تام، ورددت بصوت بلغ مداه حافات السماء:
ـ نموت، نموت، نموت .. من اجل بقاء البحر!

[17] أسئلة
     بعد أن زار الطفل حديقة الحيوان، مع والده، وذهب إلى السوق، صاح:
ـ بابا..، انظر: هذه دمى اسود، ونمور، وفيلة، وأخرى للتماسيح، والذئاب...
ـ ما الغريب في الأمر؟
ـ قبل قليل شاهدناها في الحديقة، فلماذا يصنعون لها مثل هذه الدمى؟
ـ ليقولوا لك: انك انتصرت عليها، وإنها لم تعد شرسة، بل أصبحت وديعة، وأليفة!
  صمت الطفل قليلا ً ليسأل والده:
ـ لهذا كانوا، في الزمن القديم، يصنعون التماثيل للآلهة؟
ـ لا، لا يا ولدي، بل كانوا يصنعونها للاتقاء من شرها، من ناحية، وترضيتها، وطلب الرحمة منها، من ناحية ثانية!
ـ وهل كانت آلهة الزمن القديم شريرة؟
   أجاب الأب بصوت متلعثم:
ـ وهل كانت الأسود، أو التماسيح، أو الذئاب، في الحديقة، شريرة...؟!
ـ لا! لكن دمى الأسود، تصدر زئيرا ً مخيفا ً، وكذلك التماسيح، والذئاب لها أصوات حادة ومخيفة!
ـ لا تذهب ابعد من هذا ...
  لم يغلق الطفل فمه:
ـ عندما كانت هناك كثير من الآلهة، للماء والنار والتراب والأشجار والهواء...، كانت تشتبك في حروب دامية، وما أن أصبحت البشرية تؤمن باله واحد...، استمرت الحروب، ولم تتعض البشرية، وتكف عن سفك دماء الأبرياء؟
ـ آ ....، دعنا نرجع إلى البيت، فهناك سأخبرك بالجواب.
ـ تقصد ...، بعد أن نعود إلى أقفاصنا، ونغلق الأبواب على أنفسنا، تخبرني بالرد؟!

[18] أحلام
   كانت الحيوانات تنظر بشرود، من وراء أقفاصها، إلى مشاهد الحرب، عبر شاشة كبيرة وضعت في وسط الحديقة. فقال الذئب لجاره الحمل:
ـ لا يخجلون...، الناس لا يخجلون، يقتلون هذا العدد الكبير من الأطفال، من ناحية، ويهتفون بالكرامة، والعزة، والقضاء على الطغيان، من ناحية ثانية!
أجاب الحمل:
ـ كلما نظرت إلى هذا العدد الكبير من الضحايا الأطفال، أسأل نفسي: لولا هذه الأقفاص الحديدية، المتينة، فهل كنتم ـ أيها الذئاب ـ ستتركوننا نعيش بأمان، وسلام؟
ـ آ .....، من ذا الذي يعيد هؤلاء الأشرار إلى أقفاصهم إذا ً....؟
  قال الحمل:
ـ لا تكترث ...، تمهل، فنحن ـ الحملان وصغار الحيوانات ـ سنصبح طعاما ً لكم، أو لسواكم، أيضا ً...، أما الأشرار فلن يتركهم الموت يقتلون الأطفال، والنساء، والشيوخ، إلى الأبد!
قال الذئب:
ـ عدت تفكر، أيها الحمل الماكر، كما يفكر هؤلاء الذين يهتفون بالكرامة، والحرية!
أجاب الحمل:
ـ لا! فربما يأتي اليوم الذي نتصالح فيه معكم، أيها الذئاب، ويتصالح فيه الناس أيضا ً!
ضحك الذئب:
ـ وأنا أقول لنفسي: ربما سيأتي اليوم الذي سنعود فيه إلى البرية!

[19] الأسد والفأر
  خاطب الأسد الهرم الفأر الذي عضه وهرب بعيدا ً عن القفص:
ـ في الغابة...، عندما كنت تعضني، كنت تهرب وتختفي في جحرك...، فلا امسك بك، أما الآن، فقد حجزوني خلف هذه القضبان كي تنجو مني أيضا ً!
ضحك الفأر:
ـ لا ..، لا يا سيد الغابة، لا تتوهم كثيرا ً ...، فعندما كنت تهرم، في الغابة، كانت الثعالب تبول عليك، حتى كانوا يقولون، وأنت في هذا الحال: كلب على قيد الحياة خير من أسد عجوز!
ـ ملعون ...، لو كنت اعرف كيف استدرجت الإنسان ليخدمك، ويرعاك...، وجعلته يمنحك هذه الحرية، لكنت تعلمت الكثير!
ـ لن تتعلم! لأننا كنا ـ نحن الكائنات الصغيرة ـ أكثر غباء ً من الإنسان نفسه! وإلا لكان الإنسان اجتثنا من الوجود، أو اكتفى بمشاهدتنا كما فعل معك، داخل هذه الأقفاص، وقد حولكم إلى دمى ملونة!

[20] مقارنات
    سألت اللبوة الأسد، وهي تتأمل الغزلان، والحمير، والماعز، والثيران، وغيرها من حيوانات الغابة، سجينة داخل أقفاصها:
ـ ونحن سجناء خلف هذه القضبان، أليس هذا ظلما ً، وسلبا ً للحقوق...؟!
  أجاب الأسد بصوت متقطع:
ـ يا عزيزتي...، يا لبوتي الغالية...، فعلوا ذلك كي يمنحوننا حريتنا!
ـ الحرية خلف هذه القضبان؟
ـ بدل أن نلقى حتفنا في البراري وفي الغابات، أو نموت من الجوع، ومن البرد، ومن الحر الشديد!
ـ السنا ـ نحن ـ أسياد الغابة، والبرية، أيها الأسد العظيم!
ـ لا تكترثي ...، فماذا يقول الإنسان، وهو يعيش أسير الأقفاص التي يسمونها: ناطحات السحاب، والمجمعات السكنية، وبيوت الصفيح؟
بحزن تمتمت:
ـ إذا نحن مازلنا نتمتع بالحرية؟
ـ هذه الكلمات لا يستخدمها سوى البشر..، لخداع بعضهم البعض الآخر...، الأفضل أن تقولي، كما تقول الحمير، والماعز، والأرانب، والثيران: لولا هذه العبودية، خلف هذه الأقفاص، فماذا كانت الأسود قد فعلت بنا!

[21] الدب الحكيم
   هز الدب العجوز رأسه، وهو يخاطب أحفاده، داخل القفص، في المحمية:
ـ سابقا ً، يا أحفادي، كنا نمضي أزمنة شاقة في صيد سمك السلمون، وفي البحث عن خلايا عسل النحل، وفي العثور على مملكة من مملكات النمل....، أما الآن، في هذه الأزمنة، فيأتينا الطعام جاهزا ً، نظيفا ً، وطريا ً، ومن غير جهد، أو تعب، أو عناء!
فقال احد الأحفاد يخاطب جده:
ـ يا جدي، لا اعتقد أنكم، في ذلك الزمن القديم، كنتم تتسلون بمشاهدة الناس، وقد كفوا عن معاملتنا كأعداء لهم...، الآن تغير الموقف، يا جدي، فقد أصبحنا نمضي أزمنة سعيدة ونحن نتسلى بمشاهدتهم، فلم نعد نراهم أعداء ً لنا، وما عادوا هم يعاملون أعداء َ لهم أيضا ً!
ـ هذا صحيح، لكن الحرب، بين الناس، قد تمتد، وتمتد، لتصل إلينا، في هذه المحمية، آنذاك قد لا نجد مكانا ً نهرب له، وننجو.
صمت الأحفاد طويلا ً، ثم نطق احدهم متسائلا ً:
ـ ولكن لماذا انقسم الناس إلى أعداء ما بينهم... ؟
ـ وأنا أيضا ً لا اعرف...، ولكنهم بعد ان وضعونا في هذه الأقفاص، ظنوا أنهم يتسلون بنا، ولكن الحقيقة، لا نحن حصلنا على السعادة، ولا هم فقدوا الأمل بالحصول عليها!
[22]   إسراف
    تابعت السحلية، بصوت مرتبك، تخبر زميلتها، إنهما، في البركة، يحصلان على الطعام، والماء، والعناية الطبية، والأمان التام ....
فقالت لها زميلتها، وقد شعرت بما يشغلها:
ـ فلماذا الحزن، والقلق، إذا...؟
ـ أنا لا اعترض على هذه الرفاهية، التي كنا نحصل عليها، بجهد شاق، في البرية...، بل الإسراف فيها!
[23]  ترف
     ما الذي يجري لنا، في هذه الحديقة...، كذلك سألت السلحفاة زميلتها، وهي تراقب، من وراء المشبكات الحديدية، كيف يتم توزيع الطعام، على الجميع، من الأسود والنمور والتماسيح، مرورا ً بالثعالب والذئاب وبنات أوى، وصولا ً إلى الغزلان والأرانب والطيور...، ثم العناية بالنظافة، والوضع الصحي، والبيئي، تماما ً كأننا في مستشفى، أو في الفردوس!
ـ هل تعترضين، يا زميلتي، ان هذه العناية الباذخة قد تؤدي بنا إلى الترف، والى الهلاك، في نهاية المطاف...؟
ـ لا.
ـ ما الذي يشغل بالك إذا ً، ويقلقك...؟
ـ لو تعلم الناس هذا النظام الذي تتوفر فيه هذه العدالة..، لكنا أكثر سعادة!
فقالت الأخرى بصوت مرح:
ـ مع إننا لا ننتج شيئا ً يذكر، كما ينتج النحل، وكما تنتج الخراف، والأبقار، إلا ان عنايتهم بنا تدفع عنهم تهمة الشراسة، والعدوانية، وما يقال عن وسائلهم الشريرة في سفك الدماء!
ـ هذا صحيح...، لكنني أتساءل: لماذا لا يطبق الناس هذه النظام...، فلا يموت بعضهم جوعا ً، ولا يموت البعض الآخر بسبب التخمة، والإفراط في البذخ؟!
[24]  محنة
      للمرة الألف أخبرتك، تابع الذئب يقول لقرينته ذات اللون الرمادي، بصوت متوتر:
ـ أنا لم أقع في الفخ، ولا في شباك الصيادين...، فالصحراء مترامية الأطراف، وجحورها وحفرها ووديانها لا تحصى..
ـ أنا اعرف ذلك..، ولكن ماذا تريد ان تقول...؟
ـ لقد أصبحت، بعد تم القبض عليكم، وحيدا ً، فلم اعد احتمل فراقكم، والعيش بمعزل عنكم!
أجابت:
ـ أنا قلت للجميع: انك ستأتي طواعية! وتشاركنا حياتنا الجميلة!
ـ آ ......، حقا ً إنها جميلة، وباذخة، ولا خطر فيها...، ولكن هذا هو ـ تحديدا ً ـ يجعلني لا اصدق: ما الذي يخبأه الإنسان لنا...؟!
[25] ذكاء
   وخاطب السنجاب الأسد، بصوت شارد:
ـ طالما قلت لك، يا سيدي، عندما كنا في الغابة: يا للغرابة ان يولد مخلوق ذكي، مثلك، وسط حشد من الأغبياء...، فكنت تقول لي: لا تتعجل!
وسكت السنجاب، فخاطبه الأسد:
ـ ها أنت تعتقد جيدا ً لولا وجود هؤلاء الأغبياء، لكان لذكائي فائدة...! ولكن عليك ان تدرك،، في الوقت نفسه، ان الأغبياء لم يفلحوا بعمل يستحق الذكر، ولا ذكائي كان له معنى!
ـ من ....، أيها الأسد الذكي الذي ولد في حشد من الأغبياء، يلام على هذه النهاية؟
ـ لا احد! فالجميع شركاء ليس في حصول ما حصل، وليس في بلوغ هذه النهاية، بل في استحالة حصول خاتمة مختلفة، أو أخرى!
ـ لكن ...، يا سيدي، هل البشر أذكى منا؟
ـ  في نهاية المطاف، لا احد ينتصر على احد، ففي الغابة، طالما بالت الثعالب علينا، عند الهرم، وهنا، في هذه الحديقة الجميلة، طالما سمعنا الناس يرددون: كلب أجرب على قيد الحياة، خير من أسد أسير!
[26] ديمقراطية/1
     خاطب الغزال النمر، بصوت لا يخلو من الشماتة:
ـ هذه هي النهاية ...، النمر أسير بجوار الحمير، والثعالب، والثيران، والغزلان ...، مكتفيا ًباستعادة أحلام العودة إلى الغابة!
ـ لا ....، أيها الغزال الأنيق، الناعم، الطري، فانا وجدت من يؤدي ذلك الدور بتوفير الطعام لي...، كما كان يحصل في الغابة، بل وأكثر ...!
ـ ملعون، أيها النمر...، كم تبدو ذكيا ً، وشاطرا ً، وقد استأجرت من ينوب عنك في اقتراف الإثم!
ـ ربما ...، لكن لولا الديمقراطية، التي سمحت لك بالكلام، أيها الغزال الظريف، لعرفت إنني مازالت ولدت مفترسا ً، حتى بكلماتي!
[27] ديمقراطية/2
    مكثت اللبوة تغازل الأسد، حتى بعد ولادتها، فخاطبها الأسد بصوت رقيق:
ـ هذه هي فوائد الذكاء المكتسب، وربما المستحدث...، ففي الغابة كنت مضطرا ً لافتراس الجراء، أولادك، كي لا تهجريني،  وتتوقفي عن ملاحقتي بغزلك، من اجل الإنجاب ...، لكن ـ هنا ـ وبعد ان ابعدوا الجراء عنا، أولادي،  فلم يعد لديك مسوغا ً للحزن عليهم!

[28] ديمقراطية/3
   خاطب الدب باقي حيوانات الحديقة:
ـ هذه هي الديمقراطية...، التي كنا نحلم بها، فهنا يستطيع الأرنب، مثل الأسد، ومثل النمر، ومثل الذئب، ومثل النعامة، ومثل البلبل، ومثل الكلب ... أن يرفع صوته، ويتحدث بطلاقة، ويقول كل ما يدور رأسه، من غير خوف، أو معاقبة، أو قتل...، بل ولا حتى من تأنيب الضمير!
أجابت زوجته بصوت خفيض:
ـ ليس عليك ان تشكر الديمقراطية، يا زوجي الغالي، بل الأقفاص التي عزلتنا!
  وراحت تتمتم مع نفسها:
ـ لا الحياة آمنة في الغابة، ولا سماع أنين الأسود، هنا، يتركنا نشعر بالهناء!
   عاد الدب إلى إكمال موعظته، وكان يقف فوق مرتفع يطل على الجميع:
ـ  فانا لا اعتقد، رغم شكوى البعض منكم، ان ديمقراطيتنا ستنتهي بكارثة...، كما آلت  حياتنا في البراري، والمستنقعات، والغابات له...، وحشرنا في هذا المكان!
 لكزته زوجته هامسة:
ـ أنا لم اطلب منك ان تفرط بالحديث عن المستقبل...، حد انك رحت تشتم أصلك، وتجهل انك انحدرت من عفن المستنقعات!
[29[ ديناصور
   مد الفار رأسه من ثقب في المشبك الحديدي، وخاطب الأسد:
ـ سيدي...، بعد ان تجولت في الحديقة، بحريتي، لم اعثر على وجود للديناصور ...، معنا، فهل عجزوا عن إرغامه كي يكون معنا ليتمتع بالرفاهية، والسعادة، والعناية التي منحوها لنا...؟!
ـ يا نذل...، لو كنت اعرف من أين تأتي بهذه الأفكار، لرشحتك ان تكون قائدا ً لنا!
ـ لا اعتقد ان إجابتك حاذقة كي تتملص من الرد المطلوب..!
ـ يا ملعون ...، أنت تعرف ان الديناصورات تعرضت للانقراض، قبل ملايين السنين، فهل باستطاعة البشر نبشر الماضي، للعثور على ديناصور..، أم اكتفوا بعرض هياكلها في المتاحف، ووضعها في أقفاص من زجاج!
ـ من أخبرك بذلك...؟
ـ المستقبل!
ـ إذا كنت، يا سيدي، تتمتع بمثل هذا الذكاء، فلماذا وقعت في الأسر، ولم تنج من كمائن الصيادين...؟
ـ فكرت طويلا ً في الأمر ...، فأدركت، إن الإنسان لن يترك مكانا ً آمنا ً لنا ...، لا في البرية، ولا في الغابات...، فقلت لنفسي: آن لك ان تستسلم بشرف!


[30] الفيل والنملة

    سأل الفيل نمله رآها في الطريق:
ـ أراك حزينة، شاردة الذهن، حيرى...؟
أجابت النملة بصوت خفيض:
ـ  خرجت ابحث عن طعام لصغاري...، فوجدتك تسد الدرب علي ّ.
ـ آ ....، آسف، تفضلي بالمرور .
   لكن الفيل لم يخبرها، بأنه، هو الآخر، خرج يبحث عن طعام لصغاره، وانه اكتشف كمينا ً كاد يودي بحياته، وانه لا يمتلك إلا أن يرجع إلى بيته من غير طعام، بدل أن يهلك برصاص الصيادين.!

[31] أمل
  همست الحمامة في آذن الصقر:
ـ انظر، أيها الصقر، الدب يرقص مع الثعلب، والأفعى تتسلق رقبة الزرافة، الغزال تلعب النرد مع الذئب، مرحة، والنمر يداعب صغار  الماعز، بمسرة، الضفادع غير مكترثة للسحالي، والتمساح يحاور الحمل...، وكأن أنيابها شذبت، وهذبت مخالبها أيضا ً!
ـ لا يا صديقتي الحمامة، لم تشذب الأنياب، ولم تهذب المخالب، إنما وجودهم داخل هذه الأقفاص هو من أغلق أفواههم!
ـ إلى الأبد؟
ـ أرجوك ِ، أيتها الحمامة الوديعة، لا تتكلمي مثل الناس، كي تخدعيني أو تخدعي نفسك...، أو تستغفليني أو تتغافلي، فأنت تعرفين ان الصيادين أسرونا، وسلبوا اغز ما نمتلك، وهو حريتنا، من اجل أهداف لا نعرف شيئا ً عنها.
ـ وهل سيدوم هذا إلى الأبد؟
ـ قلت لا تتكلمين كالبشر!
ـ لكن ليس لدينا إلا هذا الأمل الذي لا يجمعنا معهم، وقد رضخنا له جميعا ً!
ـ أنا مثلك لا امتلك إلا تأمل المشهد، من وراء الأقفاص، بعد ان لم تعد لدينا إلا هذه الحرية!
[32]الحفيد وجده
    نظر الشبل إلى جده، فرآه شارد الذهن، في قنوط، وغير راغب في الكلام، بعد ان انزوى في ركن القفص الفولاذي، بعيدا ً عن أنظار الزائرين...، أقترب منه، وسأله:
ـ أيها الأسد المعظم، كأنك في ورطة؟
    قال الجد الهرم بصوت واهن، مرتجف:
ـ  لقد أمضيت شبابي في البرية، وفي الغابات...، وأنا اختار فرائسي، إن كانت من الغزلان، أو الثيران، أو حتى لو كانت من جرابيع الصحراء، أو الماعز الجبلي، أو من الجاموس ...، أما الآن فانا لم اعد أميز بين لحم الشاة عن لحم الحمار...، ولم اعد افرق بين أوقات الليل عن أوقات النهار...، فانا مقيد بهذه المسافة داخل هذا القفص، وأصبحت بلا عمل، عدا تأمل من ينظر لنا بسخرية، وشماتة، وتندر...، وكأن البشر يقولون لنا: مضى زمنكم، وولى مجدكم إلى الأبد! فلم يعد لوجودي قيمة، ولم تعد لكلماتي معنى...، فانا لا استطيع الهرب إلى البرية، وفي الوقت نفسه، يا حفيدي العزيز، علي ّ ان أؤدي دوري في السيرك، مثل القرود، والدببة، ومثل القطط والنمور والكلاب...، فهل يسرك هذا، وقد أصبحت هزأة، وفائضا ً حتى مع نفسي؟
ـ ولكن، يا جدي، الم تستطع البقاء في الغابة، والهرب من الصيادين...؟
ـ وهل تركوا، هؤلاء الأشرار، لأنفسهم رغبات سوى الاستيلاء على السماء، بعد الاستيلاء على الغابات، والبحار، والبراري...!
ثم ـ بعد صمت ـ أضاف:
ـ أنت تعرف ان أجدادك مازالوا أحرارا ً، وطلقاء، في الغابات وفي البراري...، ولكن ...، كلما فكرت بين تلك الحرية، وبين القيود هنا، أدرك ان النهايات شبيهة بمقدماتها...، فلا الحرية  هناك حرية، ولا القيد هنا قيدا ً!
ـ أرجوك، يا جدي الحكيم، هذا كلام صعب ...، فانا ولدت في هذه الحديقة، ولا اعرف شيئا ً عن الحرية، ولا عن القيود!
ـ اقترب مني.
  اقترب الشبل منه، قال الجد:
ـ أنت مثل معظم الناس الذين ولدوا في المدينة...، فهم أحرار بالهيمنة على قيودهم، وهم عبيد في ممارسة حريتهم! أما نحن فليس لدينا إلا ان نمضي حياتنا لتسلية الآخرين، وإشباع فضولهم، وربما دهشتهم أحيانا ً! ولهذا تراني، مثل بعض الناس، احلم كأنني أعيش في مكان آخر، بعيدا ً عن هذه الأقفاص!
  فسأل الحفيد جده الأسد بفضول:
ـ أتحلم بالخلود؟
ـ هذه هي أوهام البشر....، يتسلون بنا، بعد ان استولوا على أرضنا، وغاباتنا، وأسرونا، وقيدونا داخل هذا المكان، ثم فرضوا علينا شروطهم: متى نستيقظ، ومتى ننام، متى نتغذى، ومتى نتناسل...،وأخيرا ً دربونا على الرقص أمام الناس ...، كأنهم هذبوا مخالبنا، وشذبوا أنيابنا، وجعلونا مثل أبناء المدن...، احدنا يغوي الآخر بالكلمات!
ـ الآن فهم لماذا اعتزلت، ولماذا انزويت في هذا الركن بعيدا ً عن الأنظار!
  رد الجد:
ـ لا ...، لست أنا هو من انزوى، وترك الدنيا، يا حفيدي، بل هم من استبدل مصائرنا، بمصائر أخرى، وحولونا إلى عبيد من اجل نزواتهم، ورغباتهم، وهذا كل ما في الأمر!
   بعد صمت، سأل الشبل جده الأسد:
ـ وهؤلاء الأشرار، من يتحكم بمصائرهم؟
ـ آ .........، هذا هو السؤال الذي لا نجد إجابة عليه، إلا بعد الموت!

[33] محنة
 ـ غريب يا أمي...، ابن الغزال يشبه أمه، وابن الفيل لا يشبه ابن الأسد، السمكة ليس لها جناح، والطائر لا يغوص في الماء...، لكن أنا ولدت مثلك، يا ماما، لا أجيد الطيران، ولا الجري، ولا العوم، ولا حتى الغطس في ماء البركة ...
ـ اسكت يا حماري الصغير ...، فانا طالما حلمت لو كان أبي أسدا ً، ولو كانت أمي غزالة، أبي من النمور وأمي من الذئاب ...، لكن ما جدوى الحلم، ومصائر الجميع، في نهاية المطاف، تامة النهايات!
ـ لم افهم قصدك يا أماه!
ـ لأنك حمار!
ـ لا تشتميني، فأنا لم اختر ان أولد حمارا ً...،  كما لم اقدر على استبدال صنفي بأي صنف آخر، فانا لست مسؤولا ً عن ذلك!  
 فسألته بصوت مرتبك:
ـ أتحلم أن تكون دبا ً، أم تمساحا ً، أم فيلا ً ...؟
ـ لا .....، تلك كائنات شرسة، مؤذية، لها أنياب حادة ولها مخالب توجع....، لكنني طالما حلمت بالطيران في الأعالي!
ـ وما ان تستيقظ، يا ولدي، حتى تكتشف انك، مثلي، ولدت لتحمل أوزار الناس، وأحيانا ً، تصبح وليمة للضواري!

[34] ثمن
   استدعاه المدير، ذات صباح، فراوده شعور ما بوجود مكيدة، فقال الثعلب مع  نفسه، انه يتوجب ألا يبدو ذكيا ً بإفراط، فيتم استغلاله ، وان لا يتظاهر بالبلادة فينكشف سره. قال المدير مرحبا ً:
ـ تفضل بالجلوس، أيها الصديق العزيز!
   وانتظر الثعلب ما سيقوله المدير، بعد ان لوح بملفات كانت مخبأة بجواره في الخزانة الحديدية:
ـ فهي تتضمن شكاوى ضدك ...،فثمة من أكد انك سطوت على بيت الشيخ ك، وافترست ديكه، ودجاجاته، كما سطوت على بيت الأرملة ن...، ومنزل الحاج ص...، ولم ينج منك حتى بيت الأيتام، وبيوت العبادة، والمشفى...
     رفع الثعلب ذيله قليلا ً، ومد رأسه إلى الأمام، مبتسما ً:
ـ وأنا اعتقد ان هناك ملفات أخرى...، ضدي، ولكن، اخبرني أيها السيد المدير، ما المطلوب مني ان اعمله؟
فأجاب المدير باستغراب، وتندر:
ـ ومن قال انك مكلف بتنفيذ أوامر جديدة!
ـ فلماذا تم استدعائي وأنا مركون في زاويتي المنسية، في أطراف الحديقة؟
ـ كي نحررك، لأننا نسعى لحصول على أمر إطلاق سراحك!
    لم يستطع الثعلب تجنب الضحك، إنما ضبط نفسه، وخفض من صوته، متسائلا ً:
ـ ومن قال إنني سعيت للعودة إلى البساتين، هل كي تلاحقني الكلاب، بحجة إنني من الخارجين على القانون...؟
ـ للمرة الأولى، في حياتي، أكاد لا اصدق انك أذكى مما كانوا يقولون عنك....
فتساءل الثعلب:
ـ أيها المدير اشعر بالآسف انك مازالت منشغلا ً بالإشاعات، وبتقارير المخبرين، وتصدقها، بعد ان أسرتم حيوانات الغابات، والبراري، والبحار...، فأرجوك اخبرني بماذا تريد ..؟
ـ نعم لدي ّ..
صمت المدير لحظات، وقال متابعا ً:
ـ إن رغبت بالحصول على الحرية، فعليك ان تتعاون معنا!
ـ غريب! انك تستدرجني إلى الخيانة!
ـ لا، بل للتعاون معنا، من اجل إنقاذ باقي أفراد عشيرتك واهلك من الثعالب...، فبدل ان تؤذيها الكلاب، وبدل ان تهلك جوعا ً، ان تدعوها للسكن معك في هذه الحديقة، بعد ان خصصنا لكم مساحة كافية من الأرض!
ـ آ ........، أيها المدير الشاطر، لكن لو أطلقت سراحي فما الذي سيضمن عودتي إلى العبودية؟
ـ أنت اذكي من ان تسأل مثل هذا السؤال...، ليس لأنك ستكون زعيما ً فحسب، بل ستضمن مستقبل أحفادك أيضا ً!
 همس الثعلب بصوت خفيض:
ـ اخبرني، أيها المدير الشاطر: عرش من دام، كي يدوم عرشي؟
ورفع ذيله، مبتسما ً، ووقف عند الباب:
ـ مع إنني اقدر مدى الضرر الذي سيلحق بي، والأذى، ومع معرفتي التامة بأنكم لن تدعوني حيا ً، إلا ان تعاوني معكم سيكون اشد مرارة، واكبر إساءة، تلحق ليس بنا، نحن الثعالب، بل بسمعة هذه الحديقة أيها المدير الشاطر، ومستقبلها!

[35] إضراب
ـ آن لنا ان نعلن الإضراب العام عن الطعام ..
   كذلك تابع طائر النورس خطابه وهو يحرض باقي الطيور:
ـ فالعودة إلى ضفاف الأنهار، والى الحقول الشاسعة، والى البراري الفسيحة...، سيخلصنا من قيود هذا السجن!
   فسأله البلبل:
ـ ومن يضمن إنهم لن يتركونا نموت جوعا ً، أو إنهم سيبيعوننا في الأسواق، أو يجرون علينا تجاربهم في المختبرات...، أو يصنعون منا وجبات طعام للحيوانات المفترسة؟
أجاب النورس:
ـ حتى الحكماء الذين أرسلتهم الآلهة لهداية البشر، أما يقتلون، وأما يشردون، وأما يسجنون...، فهل ترغب بثمن بخس للحرية؟!
ـ ملعون ....، أيها النورس، أصبحت تتحدث مثل الناس، الكل يخدع الكل باسم الحرية، وبشعار التحرير، ولا احد فكر بملايين الضحايا وهم يدفعون الثمن، من اجل غايات لا نعرف شيئا ً عنها!
ـ إذا ً عليك أن تدفع ثمن عبوديتك، وحدك، ولا تحبط من هممنا في إعلان الإضراب! فإذا كنا خسرنا ماضينا، وحاضرنا، فنحن لا نريد خسارة مستقبلنا!
ـ جميل، ولكن قل لي أين تدربت على هذا الكلام، وأنت تعرف إن البرية لم تعد آمنة، بعد أن استولى عليها البشر؟
ـ كأنك تقول ما أحلى مذاق الموت من غير حرية، في سجننا، هنا، ولا تريد أن تقول: ما أكرم من يكون فداء ً لها!

[36]  الحرب
    همست البقرة السمينة في إذن الثور، شريكها في الزريبة، عند تناول وجبة طرية من الأعشاب:
ـ سمعت، أيها العزيز، إن الحرب الكونية الثالثة ستندلع...، بعد التمهيد لها، طوال السنوات الماضية!
قال الثور بلا مبالاة:
ـ يا سيدتي البقرة البدينة، وهل استطيع منع وقوعها؟
ـ لا!
ـ وهل ثمة جدوى من الاعتراض، أو التذمر، أو الأسى؟
ـ لا!
ـ وهل لو مت من اجل عدم وقوعها معنى ما في الأمر؟
ـ لا!
ـ إذا ً....، أيتها البقرة العزيزة، دعينا نحيا، كما قدر لنا، وكما هو مقدر للغزلان، والأسود، والفيلة، والحمير، والضفادع، وللآخرين شركاؤنا البشر!
ـ سيدي الثور، كلماتك تؤكد إن الحرب واقعة لا محالة!
فقتال متندرا ً:
ـ بل أنا أراها قد انتهت أيضا ً!
ـ كيف؟
ـ إيمانك بوقوعها يجعلها واقعة لا محالة، والعكس صحيح تماما ً!
ـ اخبرني يا ثوري الغالي، ما الصواب، فانا فكري اضطرب كثيرا ً؟
ـ أن تشاطريني التفكير بالعثور على حل مناسب، لا يقول باستحالة وقوعها، من ناحية، والعمل كأنها وقعت ووضعت أوزارها، من ناحية ثانية!
ثم راح يضحك، فسألته:
ـ ما المضحك في الأمر؟
ـ سأفترض إننا نجونا منها، إن وقعت، ولكن من يضمن سلامتنا، إن لم تقع، إنهم سيطلقون سراحنا، وينتهي زمن الذبح، بعد أن أصبح شركاؤنا يرفعون شعار اذبح قبل أن يصلك الدور!

[37] موت ذئب
   عندما راوده الشعور بان أيامه في الحديقة قد بدأت بالنفاد، جمعّ الذئب العجوز قواه، استعدادا ً للبوح بكلماته الأخيرة، فلعلها ـ دار بباله ـ ان تكون مفيدة لأفراد أسرته، ومستقبلهم، لولا انه وجد الأمر برمته غدا قبض ريح، فدار بباله أيضا، ان السنوات التي أمضاها في البرية، وهو يكافح من اجل البقاء على قيد الحياة، لا تقارن بما حصل عليه بعد الوقوع في الأسر، والامتيازات التي حصل عليها، وتعرفه ـ عن قرب ـ على ما لا يحصى من الفصائل والأنواع المختلفة، وهي تنعم بالأمن والرخاء والرفاهية...، فاعترف لنفسه، انه لا معنى للأرض التي كان نفوذه قد فرض هيمنته عليها، ولا لغياب السلطة في الحديقة، له معنى إزاء ما كانت تؤول له النهايات في الصحارى، حتى تندر من هؤلاء الذين كانوا يتصورون الأمور بوصفها راسخة وغير قابلة للدحض. وها هو وجد نفسه يتخلى عن فكرة الاعتراف وإسداء المواعظ ما دامت حياته، في الماضي، و خلال سنوات الأسر، مضت كأنها لم تحدث إلا وكأنها ومضات تخللتها بقع رمادية بلغت ذروتها عندما اعترف لشريكته ـ في البرية وفي الحياة وراء القضبان ـ انه لا يمتلك إلا أن يجد زاوية يضع رأسه فيها وينام إلى الأبد: فانا غير مسؤول أو قلق لو حدث أن بعثوني من الموت، بعد ذلك!


[38] الحرب
ـ لن تفلت، أيها الجربوع، فالحديقة محاطة بالأسلاك، ومحصنة بالسواتر، وفي الشارع مازالت المواجهات محتدمة بين الفصائل المختلفة...، ثم لماذا تفكر بالهرب؟
ـ سنموت جوعا ً، هنا، بعد ان هرب الجميع، وتركونا نواجه قدرنا!
ـ آ ...، اقدر رغبتك، لكن بدل ان تسحقك الحرب، وأنت لا تعرف من معك، وأنت لا تعرف مع من أنت، فتهلك في الحالات كلها.
ـ ها، ها، كأنك تقول إنهم يعرفون لماذا يذبح احدهم الآخر.
ـ لا، لم اقل ذلك، بل قلت: عليك ان تمكث في مكانك، وتحتمي بجحرك، مثلي، حتى تنتهي هذه الحرب اللعينة.
ـ تقصد ...، حتى نموت!
ـ يا صديقي، وهل كنا ولدنا كي نعيش إلى الأبد؟
ـ إذا ً....، دعني أعود إلى البرية، فلعلي أجد من احتمي به، بعد ان أصبحت حديقتنا مقبرة! فالواحد بالألف، للنجاة، لا يقارن بـ999 من حتمية الموت قبل نهاية هذه الحرب!
[39] أمل
ـ يا صديقي الدب، أنا سمعت المدير يطالب السلطات بحقوقنا.
ـ أنا سمعت أيضا ً، ومنذ سنوات، هذا النداء!
ـ المهم، هناك من يطالب ..، وهناك من يعد بتلبية الطلب، فهناك الأمل، فما الجدوى من البكاء على غابة لا وجود لها؟
ـ آ ......، سنوات طويلة أمضيناها بانتظار العمل في السيرك، في هذه المدينة، فأضعنا الغابة، وأضاعتنا المدينة، لتطلب مني ألا أولول أو أنوح على خاتمة أعدت لنا حتى قبل ان نولد في هذه الحياة!
[40] عواء
ـ أيها الذئب....، لماذا لم تعد تعوي، كما كنت تفعل في البرية؟
ـ لأنك، يا عزيزي، لم تعد تسمع!
ـ أكنت تعوي كي أسمعك؟
ـ لا! بل كي اعرف لماذا أغلقت فمك إلى الأبد!
ـ أنا لم أغلقه...، لكنك لم تعد تصغي إلى صمتي!
ـ ها ......، لا خاسر ولا أكثر خسارة، فانا وأنت شركاء في اللعبة.
ـ أية لعبة؟
ـ التي كنا نظن إننا نلعبها؛ اللعبة التي لا وجود لها، والتي علينا ان نكملها  حتى النهاية!

[41] حرية
    قال الأرنب للحمار، الذي انتخب زعيما ً في الاستفتاء الأخير:
ـ للأسف، مكثت تعاملني بوصفي أرنبا ً...، والحقيقة، أنا ولدت حمارا ً، ثم أصبحت حملا ً، وبقرة، وبعدها نبتت لي قرون، فصرت ثورا ً...، ثم استيقظت أخيرا ً كي أجد نفسي أصبحت أرنبا ً...، فانا اجهل متى تفترسني الذئاب، أو الكلاب، أو حتى بنات أوى...، تخيل!
قال الزعيم:
ـ لولا الديمقراطية...، أكنت تستطيع ان تتكلم بحرية، ولا احد يقطع رأسك؟
ـ لا ! لا أبدا ً...، فلولا الديمقراطية لكنت اجهل إلى الأبد كم مرة مت، وكم مرة سأولد كي أموت!

[42] ومضات
    قال الأرنب لجاره:
ـ الصيادون...، تخيّل، لم يتركونا أبدا ً ...، في السابق كانوا يقتلوننا، من اجل فرائنا، وجلودنا، ولحمونا...، أما الآن، فصاروا يدرسوننا، ويتباهون بقدراتهم على إقامة عصر ما بعد الصيد!
ـ تقصد ...، إنهم مازالوا يحلمون ..
ـ نعم، ويحلمون ابعد من الأحلام،  فإذا كنا اليوم لا نمتلك إلا مساحة ضيقة من الأرض، في هذه الحديقة...، فان أحلامهم بالاستيلاء على الفضاءات مازالت قائمة!
فأجاب الآخر بحزن عميق:
ـ في المدى البعيد، يا صديقي، الكل أثير، وومضات تتخللها بقع رمادية، وإلا لدامت جمهورية النمل، أو إمبراطورية النوارس، أو دولة العصافير!

[43] مستقبل
     عندما شاهد الأسد الفئران تتنزه، وتلهو، طليقة فوق العشب، لم يخف حشرجة كادت تمنعه من التنفس، فقال لمن كان يقف بجواره، خلف القضبان:
ـ في الأزمنة القديمة، كانوا يلعبون، ويرقصون، لكن برعايتنا! أما الآن، فقد أصبحوا لا يكترثون حتى لوجودنا!
قال الأخر بلا مبالاة:
ـ إنها ملهاة بدأت في البراري، والغابات، والمستنقعات، والوديان...،ولا اعتقد إنها ستدوم، إلى الأبد، في هذه الحديقة، لا لهم، ولا لنا...!
ـ حسمتها، هكذا ...، ببساطة؟
ـ لا، المستقبل هو من حسمها، شرط ان لا تنخدع بالأوهام، والتمويهات، والأكاذيب!

[44] التمساح والظبية
ـ قتلوا الجميع، جدي وجدتي، الأب والأم، ولم يبق، من الأولاد والبنات، إلا أنا ...، فقد أصابوني بجرح بالغ، فأسروني...، وها هم يشرفون على علاجي، وتخفيف آلامي...
  وأضاف التمساح يخاطب الظبية الواقفة بجواره:
ـ بل سمعت إنهم سيأتون برفيقة لي للتخفيف من عزلتي...!
ضحكت الظبية:
ـ لكن ليس للانتقام، والعودة إلى عاداتكم القديمة.
ـ انتقم من من...، هل من الذين يشرفون على صحتي، وغذائي، ورفاهيتي؟
 لم تقل الظبية له: اسكت، بل قالت:
ـ حتى انك لم تعد تتذكر ماذا فعلتم بنا؟
   فأجاب التمساح بمرح:
ـ وهل ابقوا لنا ذاكرة...، يا أيتها الظبية الجميلة!

[45] حلم
     قال النمر للدب، وهما يستعدان لأداء رقصة البلابل، أمام آلاف المشاهدين، وأمام عدسات المصورين:
ـ هناك، في البرية، كنا نتدرب على الجري، والمباهاة بحدة أنيابنا، وقوة مخالبنا...، عندما كان شعارنا: اقض على عدوك قبل ان يقض عليك، فمن لم يكن معنا، فلا يستحق إلا السحق!
فقال النمر:
ـ دعنا نؤدي أدوارنا، فنقوم بتسلية الناس، بأعمالنا البهلوانية، وفي الوقت نفسه، نتسلى بحضورهم هذا العجيب...، فأنت لا تعرف الآن من يتسلى بالآخر، أو عليه ...، على خلاف أزمنتنا الأولى: لا تعرف من يقتل من، عندما ساد قانون: حرب الجميع ضد الجميع! وشريعة: افترس جارك قبل ان يفترسك!
   ضحك الدب:
ـ كأنك لا تريد ان تتطرق إلى الحروب المشتعلة بين الناس اليوم...؟
ـ آه يا صديقي، في الماضي كنا نقول: أنياب من اشد فتكا ً، الأسد أم التمساح أم النمر، وكنا نقول: مخالب من أقسى أهي مخالب الصقر أم قبضات فم الحوت....، أما الآن فلا أنت ولا أنا أدى رقصة البلابل إلا ونحن مازلنا نتدرب على القفز قليلا ً فوق الأرض!
ـ آ ...، هذا صحيح، للأسف.
قال الدب كمن يحدث نفسه:
ـ  آ ...، طالما حلمت بالطيران.
فقال النمر بصوت وقور:
ـ عندما لا تستطيع التحليق عاليا ً، أيها الدب، فما عليك ان تستيقظ من الحلم!

[46] حرية
ـ أخبرني، يا سيدي، هل خُدعنا..؟
    سأل الغزال الذئب، وهو يراه وحيدا ً يقبع خلف القضبان:
ـ لا! لا احد خدع احد!
فقال الغزال:
ـ ها أنا أتجول طليقا ً في هذه الحديقة، حتى لم اعد أشم رائحة الخوف، ولا البرد، ولا الموت...، ولا حتى بالذنب!
    رفع الذئب رأسه قليلا ً وهو يتأمل الغزال، ليسأله:
ـ لا تشعر حتى بالذنب؟
ـ نعم، لكن ليس لأنك أصبحت أسيرا ً، وليس لأننا طلقاء...، بل لأن حياتنا أصبحت مثل الحلم، لا تعرف متى بدأت ومتى ستنتهي!
ـ وما الخطأ في الأمر..؟
ـ ان نستيقظ، في ذات يوم، ونراك طليقا ً، ليتم اصطيادنا ووضعنا خلف هذه القضبان!
ـ أتعرف أيها الغزال بماذا  أفكر...؟
ـ نعم!
ـ بماذا؟
ـ  ان لا يمتد بك زمن هذا الكابوس طويلا ً!
ـ لا.
ـ بماذا كنت تفكر إذا ً...؟
ـ لم أكن أفكر، ولم أكن احلم أيضا ً...، بل كنت أتساءل: كيف روّضت الكلاب وصارت تحميكم منا، وهي لا تكف عن التلويح بمعاقبتنا!
ـ الكلاب ....، أتراها ـ هي الأخرى ـ خُدعت ..؟
ـ المشكلة لا احد يريد الاعتراف بذلك...، ولا الذين أوقعونا في كمائنهم...، ولا حتى الذين يشرفون على حجزنا، وترويضنا، والتسلية بنا، بل في الذين يعتقدون إنهم وحدهم على صواب.
فقال الغزال:
ـ لا تكترث...، الجميع، سجناء هنا، وأكثرهم عبودية، كما ترى، هم الأحرار!
ـ لم افهم؟
ـ أنت ترغب بالعودة إلى البرية...، وهذا وحده يمدك بالصبر، وبالانتظار...، أما أنا، بعد ان منحت لي هذه الحرية، فماذا افعل بها؟

[47] ادوار
ـ هل تتخيل، يا صديقي الفيل، كيف أصبحت ترقص، بمهارة، وخفة، والناس يصفقون لك؟
ـ وأنت، يا صديقي النمر، تحظى بالإعجاب نفسه، فما ارشق جسدك، وهو يجذب أنظارهم!
قال النمر:
ـ بل حتى القطط، والقردة، والكلاب البرية، ومعنا هؤلاء البنات، والفتيان، يلعبون بمهارة فوق الحبال، ويجتازون الأقواس النارية!
صمت الفيل برهة، وأجاب متمتا ً:
ـ هذا مثال جيد للانتقال من الغابة إلى السيرك...، بدل حياتنا التي أمضيناها احدنا يفترس الآخر، ويهرب منه...، فها هنا أصبحنا كائنات ظريفة!
لم يجب النمر، فسأله الفيل:
ـ هل عدت تحلم بالعودة إلى الغابة، تحلم بالبرد، والبحث عن فريسة، وبالخوف من الوقوع في كمائن الصيادين، أو ان تمزق باقي الضواري جسدك الجميل؟
لم يجب النمر أيضا ً، فتابع الفيل:
ـ أم مازلت تفكر بزحف الإنسان على أراضينا، واحتلالها، وأسرنا، وتدمير أوكارنا؟
ـ لا! أنا لا أفكر في ما مضى، ولكنني لم اعد نمرا ً، كما كنت، وهذا كل ما في الأمر!
فقال الفيل حالا ً:
ـ ولا الإنسان مكث إنسانا ً أيضا ً!
ـ آ ...، ماذا قلت، فكلماتك بددت حزني ...؟
ـ لم اقل شيئا ً، بل ادعوك، أيها النمر الجميل، ان تثير إعجابي، وإعجاب هذه الملايين وهي تراقب وثباتك السحرية!
ـ شكرا ً، أيها الفيل الحكيم، وأنا انتظر ان أراك تحلق، حتى لو قليلا ً بعيدا ً عن الأرض!
[48] غياب
    بعينين شاردتين، راقب الذئب كيف سحبوا جسدها من القفص، ووضعوه في العربة، ثم أوصدوا الباب الحديدي عليه. لم يقدر على فتح فمه، ولا حتى ان ينطق بكلمة وداع. كل ما فعله انه حشر جسده في زاوية مظلمة، وترك رأسه يستقر فوق التراب. فانا الآن لا أتذكر إلا كيف سقطنا في الكمين، الواحد بعد الآخر، أولا جدي ومن ثم جدتي، وبعد ذلك سقطت أمي الحبيبة مضرجة بدمها، والدي وحده توارى، وأشقائي قتلوا...، أنا هو من وقع في الشباك، ونقل ليوضع في القفص، أنا الوحيد الذي نجا، بعد هرب ولدي، من الموت. وأنت؟
ـ مثلك....
تذكرها تقول:
ـ رأيت المشهد ذاته كاملا ً!
    سنوات لا يتذكر عددها، خلت، وأعقبتها سنوات.
    سمع صوت الباب الحديدي يئز، أتراها تتألم، دار بباله، وهو يشاهد عمال الحديقة يدفعون بجسد جديد إلى داخل القفص. لم يرفع رأسه، ولا هي اقتربت.
     سنوات أخرى مضت، تلتها سنوات، عندما رآها تجرجر جسدها وتذهب إلى المكان ذاته الذي قبع فيه، رآها تحدق في عينيه، من غير صوت، كأنها كانت تبحث عن كلمة، ولم تجدها، فتركت فمها منغلقا ً.
    عندما همّ بالنهوض، أحس انه أصبح جزءا ً من الأرض، فراها تقترب منه:
ـ اعرف ...!
    ذلك لأنه قرأ في عينيها قصة تماثل القصة التي حدثت، وأصبحت من الماضي. فأومأ لها ان تجلس بمحاذاته، ريثما لا تجد شيئا ً تنشغل به، عداه، وريثما لا يجد سواها، كي ينشغل بها، سواها، قبل أن تكون ساعة الغياب قد حانت. لأنه لا احد يقدر ان يؤكد، إن كانت المصادفات وحدها لها المغزى ذاته، الذي لا يمكن دحضه!
[49] ذكاء
     قال الثعلب لشريكته القابعة معه في القفص:
ـ غريب أمر الناس، كلما ازدادوا قوة، وثراء ً، ومكرا ً، وذكاء ً، ازدادوا قسوة، وخساسة، وجورا ً!
ضحكت بفم نصف مفتوح:
ـ لسنا اقل قسوة، ومكرا ً، وجورا ً منهم!
ـ آ ....، يا ملعونة، حتى اقل الكائنات ذكاء ً، ومكرا ً، وبطشا ً...، لديها ما تتناهى به وتفتخر!
[50] كمين
    سأل الأسد الحمار، من خلف قضبان القفص:
ـ وأنت ...، أيها الحمار، كيف وقعت في الأسر؟
ـ لا ...، أنا لم اشترك في الحرب، ولم أتورط في الدخول فيها.
فقال الأسد:
ـ ولا أنا.
فسأل الحمار الأسد:
ـ وأنت كيف وقعت في الأسر، كيف اصطادوك، لتشاركني هذا المصير؟
ـ  أنا كنت أتتبع أصداء خطاك، وأتتبع رائحتك...، وأنت تتنزه في الغابة...، حتى أدركت، بعد فوات الأوان، إنهم جعلوا منك كمينا ً لي! فاصطادوني!
   ضحك الحمار، وقال للأسد:
ـ القضية مازالت قائمة ...، فبدل أن تفترسني في الغابة، سيقدمون لحمي وليمة لك، هنا، في هذه الحديقة!
ـ مسكين...، أيها الحمار، أمضيت حياتك كلها تحمل أثقالهم، وتجر عرباتهم، وتحرث أرضهم، ثم بعد ذلك، يصنعون منك وليم لنا، أو يتركوك تموت كما تموت الكلاب السائبة!
عاد الحمار إلى الضحك بصوت أعلى، وبلا مبالاة:
ـ وتضحك، أيها الحمار، أيضا ً؟
ـ هذا هو الفارق بيننا، أيها الأسد العظيم، أنا أدركت الحكاية قبل أن تبدأ، لكنك لم تدركها حتى بعد أن تكون قد انتهت!






ليست هناك تعليقات: