السبت، 21 أبريل 2012

قصة قصيرة-قصة ذئب-عادل كامل


قصة قصيرة

قصة ذئب
عادل كامل
بلا مبالاة، إنما بإعتداده المعروف . كان الذئب يضرب الارض الرخوة، ارض الغابة المعشوشبة، بعد ان ابتلع . في بحثه عن الطعام حملا صغيرا دفعة واحده كان الذئب في منتصف العمر . ويمتلك غرورا جعل شراسته مثار رعب لحيوانات الغابة والبرية وحتى المناطق التي لم يرها أو يسمع بها . حتى قيل أن اشرس الكلاب كانت تهاب مواجهته أو الاشتباك معه. بل بلغ الامر . حسب الرواة . أو تلك الكلاب. ذات الاصل النبيل . كانت تسمح له باختطاف حمل أو خروف وكأنها لم تر أو تسمع أو تحس أو تحدس بوجوده.
على أن الذئب الذي فرض سيطرته بين الذئاب في الغابة وأطرافها وفي البراري لم يكن مكترثا للكمائن التي كانت تنصب له من قبل الرعاة أو باقي الحيوانات.. أو أن يفكر في شيخوخته التي ستتيح لذئب آخر. أو حتى للكلاب التي سمحت له بتلك السيطرة وذلك النفوذ على مدى سنوات . من الثأر والانتقام .

لقد كان يسير بلا إكتراث . متمهلا، متباطئا . يحدق بعينين لؤلؤيتين ذابلتين . ويتوقف قليلا . كأنه يستمتع بشم رائحة عطر بعض الاعشاب أو الورود . مصغيا بهدوء . لأصوات طيور الغابة تأتيه من الجهات المختلفة. أصوات جعلته يتذكر ما حدث قبل وقت قصير عندما ابتلع حملا صغيرا بأكمله. دفعه واحدة . كم كان لذيذا، طريا، ناعما، رقيقا.
وهز رأسه زيادة في المباهاة، والاطمئنان والمرح والمسرة التي جعلته، بلا إرادة منه ينظر الى السماء . وينظر الى نهايات الأشجار .. والسيقان .. والعشب .. ثم تحرك .. وتوقف، كأنه يبحث عن ظل أو مكان ينام فيه ويستريح بعض الوقت، خاصة انه طالما يشعر بالفرح الغامر الذي كان يجعله يعيش هذه الحالة . لكنه لسبب ما أسرع قليلا في المشي . وهو يحدق في الطيور تارة، وفي الأشجار تارة أخرى . هكذا توغل في الطريق، من دون مكان محدد يروم بلوغه .. وقد جعله هذا لكسله أو لثقل جسده أو لإحساسه بحركة الحمل داخل جوفه. آلا يسرع في المشي . وأن يتقدم خطوة أثر خطوة، لاينظر الى الخلف، بل ولا ينظر الى الامام، على الرغم من أنه يتمتع ببصر فاق بصر الذئاب والصقور أيضاً .. الا أنه ربما بسبب عادته، رقد فوق العشب تحت ظلال شجرة تين .
وقيل ان الذئب، ذا الفراء الأبيض المشوب بلون الرماد الصافي، كان يمتلك معرفة بأعدائه، من الأجناس كافة، معرفة تامة، بلا ضرورة لإبقاء إحدى عينيه مفتوحة، كما تفعل الذئاب عادة .. بل قيل انه كان، بطريقة ما، يتلافى أعداء المستقبل، ليس بإهمالهم، أو نكران وجودهم الحتمي، بل لأنه استمتع بما فيه الكفاية على مدى سنوات الفتوة والنضج لدرجة لا معنى فيها للقلق منهم . كما قيل انه كان يمتلك قدرة اختيار أحلامه التي يستمتع بها استمتاعا فائقا يندر ان عاشه احد سكان الغابة من أسد أو نمر أو طير، فقد كان ينتقي تلك الرحلات والسعادات والاسفار ولذائذ الخيالات السحرية .. وكانت هذه الامور مثار أحاديث الكلاب التي لم تبح بها للخراف والحملان أو للرعاة .. بل لم تعترف لأحد ان الذئب كان قد هددها بأنه سيفترس الكلاب وهو غاف في الغابة، بل انه سيقتل الرعاة أنفسهم .
ولم يغفل الذئب أو يخشى . وهو يحس بطراوة العشب تحت ظلال شجرة التين، ان تكون نهايته وشيكة أو أكيدة، فقد كان قد حسمها تماما، إلا أنه كان يحذر الرياح ويضجر من تعكر صفو السماء، وأيام الشتاء الملبدة بالغيوم، والبرد الذي يجبره على البقاء مختفيا عن الانظار .. وهذا ما حصل في هذه اللحظات، إذْ هبتّ الريح، وتلبدت السماء بالغيوم الرمادية الداكنة بعض الشيء، فأختفت أشعة الشمس، مما جعله، في أحلامه في الأقل، مضطرب المزاج نسبيا .
لكنه نهض واخذ يمشي متمهلا يحدق شزرا في الطريق كانت أعالي الأشجار تتمايل .. والريح مشبعة بالبرودة .. آنذاك توقف قليلا، ثم أسرع في الجري، حتى بلغ نهاية الغابة . توقف محدقا في أفق الصحراء الممتد الى البعيد، شاعرا في هذه المرة ان مجده كله على وشك الزوال . ولا يعرف بالضبط كيف وجد نفسه محاصرا بثلاثة رعاة يصوبون فوهات بنادقهم نحوه، رفع رأسه بهدوء وبلا خوف أو ذعر ونظر في فوهات البنادق الثلاث المصوبة نحو رأسه مباشرة، لم ينسحب .. ولم يتقدم .. بل رفع رأسه وسألهم بهدوء .
- "هل تبحثون عن احد ؟" .
قال الاول
- "نبحث عنك "
تساءل بلا مبالاة :
- "عني .. عني أنا بالذات ؟ "
قال الثاني :
- "نعم .. عنك انت ايها الذئب ".
لقد شعر أنهم غير قادرين على عمل شيء .. فقلوبهم مضطربة النبض .. كما لاحظ إرتجاف أصابعهم وهي على زناد البنادق، لهذا سألهم :
-"ولكني ماذا فعلت كي تبحثون عني أيها الرعاة ..؟"
قال الثالث بصوت غاضب أزعجه قليلا :
-" لأنك ابتلعت حملي الصغير المسكين ".
أجاب الذئب سريعا :
-"حملك .. فقط .. غريب !"
وتراجع الذئب قليلا الى الوراء .. ثم تابع .
-" لحظة من فضلكم أيها السادة الرعاة .. فأنا لن اهرب .. انتم من فضلكم أيها السادة الرعاة .. فأنا لن اهرب .. انتم تعرفون ذلك .. وتعرفون أني لم اهرب في أي يوم من الأيام .. ولكني أود ان أحقق رغبة واحدة في آخر يوم من أيام حياتي في هذه الغابة .. فأنا أود ان أتناول قليلا من الماء .."
بعد صمت قصير قالوا بصوت خفيض
-"حسنا "
تراجع قليلا حيث كان ثمة نبع ماء خلف تل رملي يحجب عنه رؤيتهم.. بالفعل لم يكن قد فكر بالقرار .. بل شرب الماء حتى ارتوى.. كان ماء باردا منعشا .. آنذاك راح يحدث الحمل الذي في جوفه .
-" اسمع ياصديقي العزيز .. أنت تعرفني منذ زمن بعيد .. وتعرف أني أنا سيد هذه الغابة وسيد هذه البرية وتعرف أني كنت أنقذكم من الأعداء . على مدى سنوات .. وكنتم أنتم تقدرون ذلك .. أما الآن، فأقول لك أيها الحمل الصغير، ان الأعداء لا يريدون إلا الشر بك وبي وبهذه الغابة ".
قاطعه الحمل .. لكن الذئب لم يسمح له بالمتابعة.. أكمل الذئب :
-" ولهذا ليس عليك ان تقول إلا كلمة واحدة .. أنهم سيسألونك هل فعلت شرا فقل لهم كلا أبدا، ثم إنني كما تعلم وتعلم كل كلاب الدنيا عشت وسأموت من أجلكم ومن اجل سعادتكم .. والآن بلل لسانك بالماء فانا شربته من أجلك .. وبعد ان نتخلص من هؤلاء الرعاة الحمقى سأتناول من أجلك بعض العشب والحشائش الخضر أفهمت أيها الحمل الوديع كلماتي ؟"
ولم ينتبه الذئب الى كلمات الحمل .. ثمة عادة تعرفها الكلاب منذ سنوات ان الذئب لم يكن يصغي إلا الى تلك الأصوات التي لا ينطق بها أحد، كما كان يستمد قوته من أحلام اعدائه النائمين . لهذا عاد الذئب الى مكانه الاول، رافعا رأسه ينظر في الوجوه بلا رغبة في أيذائها .. ثم سألهم بهدوء . كأنه يراهم للمرة الاولى :
-" لماذا تريدون قتلي ..؟"
قالوا :
-" لأنك ابتلعت حملا وديعا من قطيعنا .."
فقال وهو يبتسم بحزم المنتصرين :
-" وماذا تقولون لو لم أكن أنا فعلت ذلك أيها السادة الرعاة في هذه البرية الكبيرة ..؟ "
قال الأول
-" لانفعل شيئا .."
لكن الرجل الثاني اعترض فورا ..
-" أنت غير صادق .. لأنك ابتلعت حملنا قبل قليل .. وانا رأيتك تفعل ذلك ".
فسأله الذئب :
-" هل شاهدتني أنت .. أي أنت بالذات ..؟ "
-"نعم .."
-"حسنا .. هل لديك شهود .."
فقال الراعي وهو يرتجف :
-"كانت الكلاب نائمة للأسف !"
فقال الذئب يخاطبه :
-"حسنا .. ليس لديك شهود .. وأنا لا أثق بما قلت .. لهذا لدي حل واحد يكشف عن الحقيقة .. صاحوا دفعة واحدة :
- "ما هو ..؟"
فقال بحزم وثقة طالما كانت تربك المقابل :
-" إقتربوا مني .. لاتخافوا .. اإقتربوا وأسالوا هل هناك .. في جوفي هذا .. حملكم الصغير المفقود.. أم ليس هناك سوى الماء وبعض الاعشاب التي تناولتها في صباح هذا اليوم .. إقتربوا قبل أن أغير رأيي أيها الرعاة .. "
أخذوا يتهامسون بينهم برهة من الزمن .. ثم اقتربوا من الذئب .. وقالوا بصوت واحد :
-" هل أبتلعك الذئب يا حملنا العزيز ؟"
فجاء صوت الحمل هادئا :
-" كلا .. لم يبتلعني الذئب "
فقال لهم بصوت منصتر :
-" الذئب، كما قلت لكم، لايكذب .."

جريدة الثورة البغدادية /1996

الجمعة، 20 أبريل 2012

الحداثة تتجاوز عبثية سيزيف-د. غالب المسعودي





الحداثة تتجاوز عبثية سيزيف

د. غالب المسعودي

الى الصحفي الرائع احمد عبد الحسين.

من الميثولوجيات الاغريقية اسطورة سيزيف والذي حكمت عليه الالهة برفع صخرة الى قمة جبل, انه يقوم بمهمة لن تنتهي ولكنه يكافح وهو يعلم انه سيكلل بالفشل , وعلى المرء ان يتصور سيزيف سعيدا وهو يعلم ان كيانه كله مكرس من اجل لا شيء, ويقوم بمهمة لاتنتهي,وهنا يبرز التحدي بسؤال ملغم, هل الحداثة تمثل عبثية الانسان.....؟

وحسب رأي غيورغي كاتشيف, الذي يرجع اصول الحداثة الاوربية الجديدة, والتي ادت الى نمط معاصر من الادب, الى تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ,وهذه ترجع الى اواسط الالف الاول الميلادي ,اي من موروث قومي يتطور قبل عصر النهضة ,على قرابة الف عام .وعليه لا يمكن فهم عصر النهضة الا باعتباره نفيا مضمونيا لما كان قائما من قبل. وهكذا تكون النزعة الى الحداثة والتي يجب ان تطابق حزمة من الحاجات غير قابلة للتبديل ,وان الدوغماتية تنبعث داخل العالم اللافلسفي, وليس داخل الكيان المعرفي, والاستحصال يبقى داخل حدود, وهذه اشكالية عبر العصور, و التوسط بين الذات والظرف الموضوعي, يربح اللغة تنويرا ,على اعتبار ان كل شيء منجز والذي يعني بنفس الوقت ان لا شيء منجز, وبالتالي يزيح الاثقال العقلية والمركزية من النظرة الشكوكية الى هيمنة القوى الميتافيزيقية على جوهر ذات الانسان الجاهل, عندما يكون مجردا وموضوعا سلبيا ,وهو يزيح صفات الذات النشطة الى الوراء, على الرغم من توق الذات الى تطابقها واقعيا مع الحقائق المعروفة, وهنا يخيم جو من الوثوق بنقاء النشاط الجمعي الذي لا يتميز بأبداع و تحدث الازمات ويبدأ التأويل, والتأويل لا يحل الازمة بل يعقدها ,لان الاخفاق في رسم اوضاع جديدة يعبر عن ازمة الذات, وهكذا, تبرز هنا النتيجة الحتمية لازمة الذات, وهي عدم القدرة على التجديد وان الاصرار هو مقابل للعدمية ,و اي اعتراض ضخم ينافي الصيرورة الكونية, مع تداخل هذه التقنية تنحدر مسيرة الجاهل والمستذل في صوغ المرويات ,وما الحداثة بفعل قابل للفحص العقلاني لكي تحسم النهاية ,والموت له كلمة النهاية في مستقبل البشر, وان بناء الاشكال الجديدة وتحديث البنية لا يمنحنا الاستقلال ,وقد لا يفضي الى التجاوز بوجود محيط أنثروبولوجي يستنزف مكونات العقل ويغلق دائريا تطلعات الانسان بواسطة انتشار فعالية المركز واهمال فعالية الحافة, وما دام الموت هو حتمية ثقيلة فأنه يجعل كل مشروع انساني عقيما ,رغم ثقل التحديات وعمليات الهدم المستمرة ,لان صدمة عدم العودة تمنع التركيب وتمحو الاجراءات الاساسية في تحصيل النتيجة, وهذه ثنائية مرت عصور طويلة على نضجها وان ما لا يدرك بعصور طويلة لا يمكن ادراكه بأزمنة قصيرة, والرغبة القائمة على التقليد و ان كان غير مفتوح على المستقبل وهويواجه رفضا منهجيا وهذا امر طبيعي, ومنطقي , هكذا يصبح المعنى فارغا ضمن اطار الثقافات الانسانية المعاصرة , والضحية يظل معرضا للهفوات ولو عفويا, وان مفهوم الانتشار اصبح احد اهم سمات ثقافتنا المعاصرة وذلك بالتأثر والتأثير واستخدام عناصر الاستعارة والاستقلالية المنفتحة, لكن الفكر الطقوسي لا يزال يعمل على تكرار الاواليات المؤسسة, وهنا لا بد له ان يستعمل شيء من العنف, او بعض اشكاله والتي ترتبط اساسا بالأزمة التضحوية اكثر من ارتباطها بالمنقذ للجماعة, وهذا يرجع الى زمن تكون فيه الازمنة مشوشة ولم تكن الالهة قد امتصت العنف بشكل قرباني بعد,والضحية الاسطورية تكون دائما من الفرق الضائعة وبشكل يرضي السلطة, وهكذا تمارس التراجيديا فعلتها باستخفاف ويكون سيزيف ضحية الهة الاولمب ,وهو حامل اسطوري ومعرفي ينفتح في مختلف المراحل في فضاء الحياة ,عندما تكون الثقافة متوارثة من الخطيئة الاصلية, فان اصل الكون سيكون خطيئة محايثة ,وبالتالي تستمر الذرائعيات تمسرح ذاتها وان الحداثة وما بعدها ما هي الا غواية وتلغيم الجسد بما هو شهوي, ينقل العدوى وهذه احدى خاصيات العقل العصابي لأنه يطابق التوليف الجنساني مع وهم معقلن, وزخم علاماتي يمتاز بالجمود اللامتناهي, لكن الحداثة في الواقع فعل مركب لها سمة الحبكة و تشكل ملحمة تنجز معناها, وهذا العالم موسوعة معارف قبل كل شيء.

الخميس، 19 أبريل 2012

معرض شخصي جديد للفنان كامل حسين



الخميس التاسع عشر من نيسان २०१२ افتتح في احدى قاعات الفنون التشكيلية في مدينة الحلة المعرض الشخصي للفنان كامل حسين بحضور بهي من نخبة من الجمهور الحلي واساتذة وطلاب كلية الفنون الجميلة في بابل ويبدو ان الفنان على اعتاب مرحلة جديدة في تجربته التشكيلية الا ان الملفت للنظر هي التسمية بانه معرض غير شخصي هل هي براءة من التجربة ام احالة..........؟ والثاني هو الحضور النسوي هل نسيت الانثى ذائقتها التشكيلية ام ماذا جرى........؟