الأربعاء، 27 مايو 2026

مِشرحة الملح: الوعي يتقيأ جثته الأخيرة قصة ميتاسريالية-غالب المسعودي

مِشرحة الملح: الوعي يتقيأ جثته الأخيرة قصة ميتاسريالية-غالب المسعودي في قلب المحيط الهندي، حيث لا تحدد الخطوط الجغرافية وجهة الزمان، بل تذوب الجهات الأربع في نقطة مائعة، لم يكن البحر مجرد جزيئات من ماء، بل كان لوحاً محفوظاً تدون فيه الرياح سيرة الخلق الأولى قبل هبوط الكلمة إلى الأرض. هناك، في ذلك المدى اللامتناهي، كان بحارٌ يُدعى مالك؛ رجلٌ لم تكن زرقة عينيه انعكاساً للسماء، بل كانت السماء هي الكامنة في تلافيف حدقتيه، يمتزج فيها عبق الملح الأزل بملامح وجهه التي أعادت الرياح تشكيلها كأخدود قديم. قاربه، "نجمة الصباح"، لم يكن مجرد أخشاب متراصة شدّت وثائقها المسامير، بل كان امتداداً عصبياً لجسده، رفيقه الوجودي الوفي الذي يشق سكون الماء شقّاً، متوجهاً نحو مجهول لا تملك الخرائط البشرية جرأة التنبؤ بملامحه. ذات ليلة، انسلخت السماء عن وقارها الرياضي، فتلاشت النجوم التي كانت تتلألأ كجواهر مبعثرة على وشاح أسود، وحلّ مكانها سواد ميتاسريالي كثيف؛ سواد لا يكتفي بحجب الضوء، بل يلتهمه بنهم كوني. هبت عاصفة لم يشهد كوكب الأرض لها مثيلاً، عاصفة لم تكن تحرك الأمواج، بل كانت تقتلع قوانين الفيزياء من جذورها، فتداخلت الأبعاد، وصار الأعلى أسفل، وتلاطمت الأمواج كألوهة غاضبة هربت من أساطير ما قبل المادة. ابتلعت الظلمة كل بارقة من وعي، ولم يجد مالك نفسه إلا وهو يتصارع مع الفناء ذاته؛ إذ لم يكن يقاتل موجاً طاغياً، بل كان يواجه عدماً فيزيائياً يمد يديه اللامرئيتين لتجتذبه إلى السديم. تحطم قارب "نجمة الصباح"، فتطايرت شظاياه فوق الماء، تداخلت مع جزيئات الهواء لتصبح خيوطاً خشبية معلقة في الفراغ، بينما اندفع مالك إلى الأسفل، يبتلعه اليم العظيم في رحِمٍ مائي لا قاع له ولا قرار. لم يكن الغرق في شرعة هذا اليم نهاية للبيولوجيا، بل كان الانعتاق الأكبر، والعبور الشرعي إلى ما وراء الوعي الحسي. في عمق السحيق، حيث الصمت غياباً للصوت وهو تراكم للأصوات كلها حتى التزمّت، حيث تتراقص الألوان التي لا تملك العين البشرية مجسات لفك شفرتها ألوان تزاوج بين ما فوق البنفسجي وأحلام الكائنات الميتة أحاطت بمالك كائنات تسبح بسيولة ميتافيزيقية مذهلة. كانت دلافين في ظاهرها المرئي، لكنها في جوهرها كانت دفقات من الضوء السائل والوعي الخالص. لم تكن حيوانات بحرية تتحرك بغريزة البقاء، بل كانت تحمل في نظراتها حكمة ترقى إلى ما قبل الانفجار العظيم، وفي حركاتها تتجلى الرقصة الأولى للمادة وهي تحاول الاتصال بالروح. اقتربت الكائنات منه؛ لم يكن اقترابها مدفوعاً بفضول بيولوجي، بل بألفة أزلية تشبه ارتداد النهر إلى نبعه المفقود. هناك، في الثلث الأخير من الظلمة المضيئة، همست له الأرواح الأولى؛ أرواح الكائنات التي كانت مجرد خلايا وحيدة تتنفس في رحم اليم العظيم قبل مئات المليارات من السنين، قبل أن يفكر التطور في صياغة الشكل البشري، وقبل أن تتفرع الحياة إلى ثنائيات الخير والشر، والذكر والأنثى، والعبد والسيد. كانت هذه الدلافين تجسيداً حياً لتلك الأرواح البدائية التي رفضت مغادرة مهدها المائي، واحتفظت بنقاء الذاكرة الأولى: ذاكرة الأصل الواحد الشامل، حيث الكل هو الواحد، والواحد هو الكل. تحدثت الدلافين إلى مالك بلغة الروح التي تجاوزت اللسانيات والرموز؛ كانت تحدثه باهتزازات جزيئات الهيدروجين في دمه. أطلعته على الروح السارية في الكون، من أصغر بكتيريا تقطن الفوهات البركانية إلى أعظم مجرة تسبح في الفضاء الكوني. رأى في ومضة ميتاسريالية خاطفة لحظة التكوين الأولى؛ رأى البشرية جمعاء، بكل حروبها، ومقدساتها، ومجازرها، وحضاراتها، تعود مجرد نقطة بدائية، خلية واحدة تنبض بوعي كوني كلي، تحمل في طياتها كل إمكانات الوجود الممكنة والمستحيلة. تلاشت في تلك اللحظة مشاعر الخوف، وحل مكانها سلام مرعب في عمقه، إذ أدرك مالك أن الموت ليس عدماً، بل هو تفكيك للوهم الذي أسماه البشر "الحياة الفردية." لكن حسب قوانين السريالية التي لا تستقر على حال؛ استيقظ مالك فجأة ليجد نفسه ملقى على رمال جزيرة نائية، تحت شمس لم تشرق من الغرب من عين أصابها الرمد، كانت تنبثق من كل زوايا الأفق دفعة واحدة كعين نارية عملاقة. لم يكن يتذكر كيف نجا، أو كيف تخللت رمال الشاطئ مسام جلده، غير أنه استيقظ حاملاً في جوفه يقين المحيط. لم تكن هذه الجزيرة بقعة جغرافيّة من الأرض، بل كانت إسقاطاً نفسياً ومادياً غريباً؛ كانت أشجارها تتلوى كأذرع بشرية تقبض على الهواء في حالة من النزع الأبدي، وصخورها تتخذ هيئات وجوه مألوفة، كأنها أحلام متحجرة للبشرية أو خطايا تشكلت في قوالب جيولوجية. كان الهواء ثقيلاً، يخرق قوانين الفيزياء فيمزج بين ملوحة الموت وتراب المقابر الأولى، وهمس خفي يخرج من تشققات الأرض كأن الجزيرة تتنفس من رئة باطنية نخرة. نهض مالك مستنداً إلى النور الكوني الذي استقاه من عمق البحر، ولم يمضِ غير قليل حتى بدأ يشعر باضطراب حاد في الأثير المحيط به؛ وجود مناقض تماماً لسلام المحيط الأزل. من بين الظلال الكثيفة للأشجار المشوهة، بدأت تظهر كيانات داكنة، لم تكن وحوشاً بالمعنى العضوي، بل كانت "أرواح الشر الأزلية" إنها القوى الميتافيزيقية الكونية التي تعمل منذ الأزل على تمزيق الوحدة الأولى، وبث وهم الذاتية المنفصلة، وتغذية الشك والخوف في الوعي البشري لكي ينسى أصله الكوني ويغرق في صراعات الأنا والآخر. بدأت هذه الكيانات الضبابية تتراقص حول مالك في حركات دائرية تكسر قوانين الجاذبية، وتنفث في عقله أصواتاً تشبه حفيف الأفكار السوداء في لحظات اليأس المطلق. أظهرت له صوراً مشوهة لتاريخ الإنسان: دماء تسفك باسم الحدود، وحروباً تشتعل من أجل رايات من قماش، ونزاعات تغذيها الأنانية الفردية. حاولت هذه الأرواح بكل ثقلها العدمي أن تمتص منه النور الفسفوري الذي غنمه من الدلافين، وأن تجرده من يقين الاتحاد الشامل لترتد به إلى متاهة الذات الضيقة. قاوم مالك؛ رفع صوته الروحي مستجمعاً طاقة الوجود الأول، محاولاً إعادة دمج هذه الكيانات المشتتة في أصلها النقي قبل الانفصال، غير أن أرواح التشتت كانت مدججة بآلاف السنين من العصيان البشري. اخترقت دفاعاته الروحية، وزرعت في خلاياه بذور الشك، وأظهرت له عظمة الفردانية وتفاهة الذوبان في الكل. شعر مالك بقواه البيولوجية والروحية تخبو، وسقط على ركبتيه فوق الرمال التي بدأت تتحول تحت جسده إلى زجاج مكسور يعكس وجهه المشوه ملايين المرات، محاطاً بظلال اليأس والتشتت، كأن قوى الفرقة قد انتصرت مرة أخرى وكل مرة في هذه المعركة الأزلية. في اللحظة التي شارف فيها وعيه على الاصطفاء التام، وتحوله إلى شتات مظلم، اهتز خط الأفق الفاصل بين الوعي والمادة اهتزازاً عنيفاً. من عمق البحر الطاغي، بدأت تظهر أشكال مضيئة متحركة. كانت الدلافين ذاتها، لكنها في هذه المرة لم تكن تسبح في سائلها المثالي؛ لقد كانت تأتي بالفعل الأكثر رعباً وخروجاً عن نواميس الطبيعة والفيزياء: كانت تزحف! نعم، بدأت الدلافين تخرج من الماء، وتزحف على الرمال الجافة بأجسادها المائية الثقيلة التي لا تتناسب مع اليابسة. كان مشهداً ميتاسريالياً تتقيأ فيه البيولوجيا قوانينها؛ كائنات المحيط الأزل تتخلى عن فردوسها المائي، وتتكبد عذاباً ميتاديناميكياً لا يطاق، مضحية بجلودها النورانية التي كانت تتمزق وتتحلل على الحصى والرمال من أجل إنقاذ مالك من النسيان والتشتت. كان كل زحفه لها تترك وراءها خطاً فوسفورياً ساطعاً ينبثق منه ضياء يبدد الكيانات الضبابية، ومع كل متر تتقدمه هذه الكائنات المقدسة، كانت أرواح الشر الأزلية تصرخ رعباً وتتلاشى في العدم، عاجزة عن الصمود أمام الحقيقة العارية للتضحية الكونية. زحفت الدلافين حتى أحاطت بمالك المستسلم، لتضخ في روحه المنهكة يقين الوحدة الأولى، وتنتشله من هوة التشتت التي كادت تبتلعه. فجأة... توقفت فيزياء الكون عن الحركة كلياً. تجمّدت الرياح في منتصف هبوبها، وتلاشت الظلال، وتيبّست الدلافين الزاحفة في مكانها، وتحولت أجسادها المائية النورانية في ثانية واحدة إلى تماثيل صلبة من ملح أبيض جاف تذروه الرياح. نظر مالك إلى يديه ليمسح غبار المعركة عن وجهه، لم يجد يداً ولا وجهاً؛ نظر إلى الأسفل ليتفقد موضع قدميه، فلم يجد سوى زبد يطفو على سطح ماء أسود لا حصر له. تلاشت الجزيرة، وتبخرت الأشجار ذات الأذرع البشرية، واختفت الشمس النارية كحلم انقضى مع الفجر. في تلك اللحظة الوجودية الصادمة، انقشع الوهم الأخير ليعلن الحقيقة الرهيبة والمطلقة: لم تكن هناك جزيرة، ولم يكن هناك شاطئ، ولم يكن هناك شر يقاتل أو دلافين تزحف فوق الرمال لإنقاذه. الحقيقة الكوزمولوجية هي أن مالك لم ينجُ من العاصفة في البداية قط؛ وقبل ساعات طويلة، مات جسده مخنوقاً بالماء، واستقر في قاع المحيط الهندي المظلم كبقايا عضوية تافهة. وكل ما عاشه من حوارات مع الأرواح، ورحلات عبر زمن التكوين، ومعارك ميتاسريالية ضد التشتت، وزحف الدلافين المستحيل، لم يكن سوى الومضات الكيميائية الأخيرة، والنزع الأخير لدماغ بشري محتضر يحترق بسبب انقطاع الأكسجين في ثوانيه الخمس الأخيرة تحت الماء. لقد تبرع عقله الباطن بصياغة هذا الوهم الأسطوري الممتد، مستخدماً كل مخزونه الفلسفي ليخفي عنه بشاعة الموت خنقاً، وقبل أن تنطفئ النبضة الكهربائية الأخيرة في تلافيف دماغه، تلاشت "الأنا" الفردية ليعود رغماً عنه، وبقوة القوانين الطبيعية الصارمة، مجرد ذرات هيدروجين ميتة تذوب في رحم اليم الأزلي؛ دون ذكرى، دون وعي، ودون عودة إلى وهم الحياة.

ليست هناك تعليقات: