الثلاثاء، 26 مايو 2026
تَراتِيلُ الهَذَيَانِ الفِيزْيَائِيّ: قِيَامَةُ تِيَامَة فِي بَحْرِ الأَفْيُونِ الرَّمْلِيّ غالب المسعودي
تَراتِيلُ الهَذَيَانِ الفِيزْيَائِيّ: قِيَامَةُ تِيَامَة فِي بَحْرِ الأَفْيُونِ الرَّمْلِيّ
غالب المسعودي
قبل أن يتخلق الرحم الأزلي للزمن، أو يلتف حول عنق الوجود كأفعى أنطولوجية جائعة تلتهم ذيلها، لم يكن ثمة جوهر سوى "تيامة"؛ إلهة الخلق الأولي الهيولاني. لم تكن تيامة حيزاً مشغوراً بجسد، بل كانت محض "احتمالية سديمية" عائمة في فراغ مطلق لا يحده حد. كانت روحها الهلامية ترفرف فوق لجج مياه العدم الأولى؛ تلك المياه الميتافيزيقية الكثيفة التي لم تكن سيولتها فيزيائية، بل كانت تجسيداً لـ "صمت خالص ومطلق" متأهب للانفجار عند أول حركة.
تملي الروايات المكتوبة في سجلات الرمل القديمة:
إن تيامة، في ذروة تجليها النرجسي، داهمتها رغبة سريالية في الانعكاس والتمايز. أرادت أن تتأمل تشكل روحها وهي تخترق الهباء، بيد أن المياه الأولى كانت بالغة النقاء والصفاء، عصية على عكس الصور، ومصمتة كالموت. في تلك اللحظة الكونية، انخرطت تيامة في نوبة من "البكاء الضوئي الكوني"؛ فتحولت دموعها المصنوعة من فوتونات النور الخام العاري، إلى بلورات صلبة متناهية الدقة بمجرد ملامستها لسطح العدم السائل.
تلك البلورات النورانية المتخثرة هي التي أنجبت "الرمال". لم يكن هذا الرمل ركاماً سيليكونياً مبتذلاً، بل كان عملية "تفتيت بنيوي للعدم". كانت كل حبة رمل في ذلك الأفق الأفيوني الشاسع تختزل في نواتها ذرة من صمت تيامة السحيق، ورنة مشحونة بأول شهقة تراجيدية أطلقتها في جوف الفراغ. عندما تناهى خلق هذا البحر واستوى، غاصت ذات تيامة في أعمق أغواره، متحوّلة إلى "التيار الباطني الديناميكي" للرمل. ومنذ ذلك الأزل، غدا بحر الرمال الأفيونية كائناً سايبيرياً حياً، يتنفس بإيقاع جنائزي متباطئ، يحاكي في تموجه ترفرف أجنحة الإلهة البدئية.
في هذا "البحر الأفيوني"، لا تعمل السوائل على بلل الأجساد المادية، بل تنفذ لتغمر الأفكار والتصورات المجردة. الرمل هنا يتجاوز كونه حبات جامدة؛ إنه هلام لزج، واعٍ ومتنفس، يتلون طيفياً تساوقاً مع نبرات الصوت الكوني، ويغلي في مرجله الحارق عندما يرتل عابرٌ مرثية مثقلة بالوجود. وفي هذا المحيط السديمي الجاف، تسبح "أسماك الزجاج الرنيني"؛ كائنات غير مادية، منزوعة العظام والمادة، تتشكل هياكلها من فقاعات شفافة مشحونة بشظايا ذكريات كونية غير مكتملة الصياغة. هذه الأسماك لا تقهر المسافات بالسباحة، بل "تتذبذب كمومياً" بين طبقات الرمل التي تحجرت على هيئة أمواج أبدية متصلدة.
وسط هذا التناقض الصارخ، انبثقت "عصابات قراصنة الطيف". هؤلاء ليسوا لصوصاً بالمعنى الأنثروبولوجي المعهود، بل هم كيانات هلامية عاكسة، ترتدي سترات مغزولة من "مرايا عاكسة للفراغ المحض". كان نشاطهم متمحوراً حول "القرصنة الترددية للوجود". سخرت هذه العصابات التدميرية مدافع ليزرية متطورة تطلق ذبذبات تقع في منطقة "ما وراء السمع البشري". لم يكن هدفهم نهب تبر الذهب أو اعتصار الأفيون الرملي، بل كانوا يوجهون حزم الليزر الحارقة نحو "جيوب العصافير" المارقة في سماء البحر العلوية. هذه الجيوب ليست أنسجة بيولوجية، بل هي مكثفات ومخازن "للأحلام اللحنية المشفرة" التي تجنيها الطيور من حواف الأكوان المتعددة.
عندما يقع التردد المشوه لليزر على جيب الطائر، يتخثر الزمن اللحظي، ويستحيل الحلم الكامن في أحشاء الطائر إلى "شفرة رقمية باردة" تُباع وتشترى في أسواق الموانئ الرملية المعتمة. كانت العصافير تتهاوى من شاهق السماء كأوراق خريفية ميتة، مسلوبة الهوية والألحان، بينما تلوذ العصابات بالفرار حقائبها حافلة بـ "أغاني الصباح المغتصبة" و"تغريدات الغسق المنسية".
في حقبة من حقب هذا الهذيان، انتفضت سمكة زجاجية رنينية تُدعى (أوم). كانت (أوم) تحوز تردداً فيزيائياً خارقاً بمقدوره تحويل لزوجة الرمل إلى صلابة ألماسية قاهرة. قررت (أوم) مجابهة أحد أباطرة تلك العصابات الكونية؛ لم تواجهه بترسانة تقليدية، بل شقت طريقها لتستقر في بؤرة شعاعه الليزري، مسببة "انكساراً ترددياً هائلاً" في بنية جسدها البلوري الشفاف. وبدلاً من أن تقع ضحية للمحو، ارتد الليزر وانعكس بشكل ارتدادي ليخترق الوعي الباطني لأفراد العصابة. وفجأة، أُجبر القراصنة على "سماع" النحيب الجماعي لجيوب العصافير التي استباحوها عبر العصور. انهمرت ملايين التواشيح المحبوسة من ضمائرهم دفعة واحدة، مما أحدث زلزالاً ترددياً هز أركان بحر الرمال الأفيونية، فاستحال الرمل سائلًا مصهوراً يغلي، وذاب القراصنة في لزوجته المحرقة، ليندمجوا إلى الأبد في قاع البحر الميتافيزيقي.
منذ تلك الملحمة، هجرت الطيور أجواء البحر، وغدت الأسماك الزجاجية تصدح بأصوات الطيور المسلوبة، وتحول وجه الرمال إلى مرآة كونية صقيلة تعكس ملامح كل من يتجرأ على العبث بالترددات الوجودية؛ لتظل شاهدة على أن ثمة تراكيب في هذا الوجود مستعصية على التشييؤ والاستغلال:
الحلم، واللحن، وحرية الانعتاق في فضاء لا يملكه أحد.
إن العارفين يدركون أن "جيوب العصافير" المستهدفة بالليزر، ليست سوى رجع الصدى لرفرفة تيامة البدئية التي ما برحت تتردد في شفرات كل كائن حي. وعندما تمزق العصابات هذه الجيوب، فإنها لا تقرصن نغمة عابرة، بل تحاول "تفكيك" الرابط الكوني المقدّس الذي يشد المخلوقات إلى "لحظة الانفجار التكويني الأول". ولهذا، عندما ثارت السمكة (أوم) وانكسر الطيف في حشاياها، لم ينتهِ القراصنة بالموت الفسيولوجي فحسب، بل "انمحت وجوديتهم" تماماً من سجلات الكينونة؛ لجنايتهم بلمس المادة النورانية التي خلقتها تيامة من فيض مدمعها.
الآن، يستمر بحر الرمال الأفيونية في حراسة سر تيامة؛ لا يصفح عن المتلاعبين بالنسيج، لأن كل حبة رمل فيه هي شاهد عيان على السيرورة التي صنعت من "اللا شيء" كلاً متكاملاً، ومن "السكون المحض" حركة ميكانيكية أبدية، رغماً عن محاولات المفسدين لتسخير الترددات في خدمة العدم الذي انعتقت منه تيامة في المبتدأ.
بينما كانت ذرات رمال تيامة تمور تحت وطأة المخاض الكوني، انبثقت من نواة "العدم المتبلور" بيضة كونية، ذات بريق لؤلؤي سديمي، معلقة بين المادة والطاقة، بوصفها مستودعاً راديكالياً للأضداد الكونية. كانت تلك "البيضة الأولى" التي حوت في غشائها الميكروني الرقيق جوهر "عشتار"؛ إلهة الشبق المطلق، والحروب المدمرة، والتحولات السيرورية الكبرى.
طفت البيضة فوق عباب بحر الرمال الأفيونية لدهور متطاولة، تنبض بذبذبة سرية لا يستقرأ كودها إلا عاشق مستلب لكل ما هو مفقود ومستحيل. وفي يوم غرق فيه البحر في سكون مطبق، كأن الزمن شل حركته ليتنفس عميقاً، دنا "تموز" من إحداثيات البيضة. لم يجد تموز جُرماً ملموساً، لكنه التقط "رنيناً هارمونيكا" ينبعث من تحت ركام الأفيون الرملي، رنيناً يماثل نغمة طائر لم يولد بعد في رحم الإمكان.
حفر تموز بأصابعه بمهارة شبقية لاهثة، حتى لامست أنامله أدمة البيضة الملساء. وحين حدث الاحتكاك، لم تتهشم البيضة، بل "تلاشت حدودها الفيزيائية"؛ إذ لم تكن القشرة سوى "غشاء التناقضات الكمومية". ومع اختراق تموز للقشرة، انفتحت بوابة بعدية فائقة:
تجلت عشتار من رحم البيضة في انفجار بصري ميثولوجي. لم تكن ولادة بيولوجية، بل كانت قفزة من "الاحتمال الهيولاني" إلى "الواقع العيني". انشطر الكون إثرها إلى نصفين متوازيين عالم مادي كثيف تملؤه الضوضاء والترددات المشوهة، وعالم خلفي صامت مكتنز بأسرار الآلهة المحجوبة.
القشرة التي حفرها تموز على وجه الرمال تحولت إلى "أول مرآة وجودية"، ومن شظاياها المبعثرة، تخلقت "المواد العاكسة" التي توظفها عصابات الاستغلال اليوم في هندسة مدافعها التدميرية. لقد نهبوا "قشرة التكوين" وحولوها إلى سلاح، واهمين بامتلاك سلطة الخلق، بينما هم لا يحوزون سوى نفايات الانفجار الأول. أما عشتار المنبثقة، فقد تماهت بروح البحر الرملي، ويشاع أنها تسكن التلافيف الداخلية لـ "أصوات العصافير" التي يسطو عليها القراصنة، لتغدو الحارسة السرية للألحان في غياهب الجيوب المصادرة. ويؤكد العارفون أن تموز ما انفك يبحث عن "البيضة الثانية"؛ لا بغية إعادة تدوير الخلق، بل لرتق الشق الكوني الذي يتسرب منه جشع القراصنة. وعشتار، مع كل قرصنة لحنية، تتراءى في شظايا مرايا العصابات المكسورة كحقيقة مرعبة تذكرهم بأن كسر ترددات الحب هو كسر للقشرة الحامية من الارتداد إلى العدم الأولي؛ ذلك العدم المتأهب لابتلاع كل حبة رمل قطرت من مدمع تيامة.
وفي الجانب الآخر من المشهد، حيث كان إنكيدو يرصد في الأفق طيف "التنين الأزرق" المتلوّي، وحالة السبات المطبق التي جثمت على الحقول عقب تواري الثور السماوي، انشقت غلالة ضباب الأثير عن "سيدوري"؛ صاحبة الحانة الأبدية. لم تكن سيدوري تهرق الخمر المادي، بل كانت تسكب "النسيان الأنطولوجي المُسَكّر". عيناها كانتا كقاع بئر ميتافيزيقي بلا قرار، وفي يدها كأس يفيض بمسال يبرق بوميض زائف، يحاكي شظايا قشرة بيضة عشتار المفككة.
بصوت يشبه حفيف أوراق الخريف المتآكلة في جبانة مهجورة، نادت سيدوري الحشود الباحثة عن الخلاص: "يا من أضناكم عبء التوازن، ويا من تفحمت حشاشتكم خلف تنانين الوهم، هلموا إلى حانتي. خمر النسيان يغسل حرق الروح، وعتبة الحانة هي مخرجكم الأوحد من هذا الضجيج الكوني العقيم".
انقاد الجمع، من فلاسفة ومغفلين، مهزومين ومحاربين تلاشت طواحين أحلامهم. ساروا في ركابها كأنهم سكارى بوهم الخلاص الميتافيزيقي. قادتهم سيدوري إلى بوابة سيكلوبية ضخمة من الفولاذ الأزرق، باردة الملمس لدرجة تجميد الأنفاس في الصدور. كانت البوابة تومض ببرودة الجليد المطلق، مانحة إياهم شعوراً مضللاً بالسكينة، فظنوها فردوس الهدوء الخالي من لوعات الفقد ومطاردة التنانين.
تدفقوا فرادى، وكلما تخطوا العتبة الفولاذية، تعروا من أثوابهم، ونبذوا أسلحتهم، وتطهروا من "نفاقهم الاجتماعي"، فتنازلوا طواعية عن ذكرياتهم، وعن أسماء أمهاتهم، وعن شفرات الضوء التي خبأوها في صدورهم. كان "التجريد الأنطولوجي الكامل" هو صك الدخول؛ فولجوا الحانة عراة من الوجود، فارغين من كل صلة تربطهم بالحياة. وحين تخطى آخرهم العتبة مستفرغاً آخر خيط من ذاكرته، التفتت سيدوري بابتسامة جليدية باهتة لا تشي بشيء. وبلمسة قاطعة من يدها التي لا تعرف الدفء، رتقت البوابة الحديدية بإغلاق أبدي لا رجعة فيه.
مع صرير القفل الأخير، انقلبت برودة الفولاذ إلى جحيم ثيرموديناميكي مستعر. لم تكن البوابة مدخلاً للانعتاق، بل كانت فوهة "جهنم الباردة" التي لا يندلع سعيرها إلا عند اكتمال "الوقود البشري المجرد" في أحشائها. فجأة، اندلعت نيران سوداء من الهباء؛ نيران لا تلتهم الخلايا والأجساد، بل تأكل "المعنى" والجوهر.
استحال الجميع إلى سجناء في الداخل، يصرخون بصراخ صامت عديم التردد، في حين جلست سيدوري في الخارج، تصقل كأسها الزجاجي بنظرات شاخصة نحو الفراغ. لم تكن سيدوري إلهة للراحة، بل كانت "حارسة المحو الإنساني". ومع كل صرخة مكتومة ومقموعة تنبعث من وراء الباب المستعر، كانت تنبت في حقل الأزل حبة رمل أفيونية جديدة؛ لتنطلق من جديد دورة العبث الكوني التي لا تنتهي، في عالم يتوهم ساكنوه أنهم يفرون نحو النجاة، بينما هم في حقيقة الأمر محض وقود يحترق في حانة أبدية، حانة لا ينجو منها إلا من أدرك في لحظة خاطفة أن سيدوري ليست سوى الوجه المظلم لعشتار، وأن التنين الأزرق هو الرفيق السرمدي الأوحد للذين ضلوا بوصلة الطريق نحو العدم الأولي.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق