الجمعة، 25 سبتمبر 2026

غالب المسعودي - اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القراءة ولاء الصواف نقد الفعل الثقافي القاصر

غالب المسعودي - اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القراءة ولاء الصواف نقد الفعل الثقافي القاصر: غالب المسعودي - اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القراءة ولاء الصواف نقد الفعل الثقافي القاصر

العين الشاخصة في عتمة الفناء: أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمار) غالب المسعودي

العين الشاخصة في عتمة الفناء: أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمار) غالب المسعودي تعود المنحوتات الحجرية في مَدار هذا التحليل إلى الكشف الأثري البارز المعروف باسم "كنز تل أسمار"، الذي استخرجته بعثة التنقيب التابعة للمعهد الشرقي بجامعة شيكاغو برئاسة عالم الآثار هنري فرانكفورت خلال موسم 1933-1934 في موقع "إشنونا" القديم (تل أسمار حاليًا) الواقع في حوض نهر ديالى شرقي بلاد الرافدين. كُشف عن هذه المجموعة مطمورةً بعناية فائقة داخل تجويف مستطيل بجوار المذبح الرئيس، أسفل بلاط أرضية ما يُعرف بـ"المعبد المربع"، وهو صرح ديني كُرّس لعبادة الإله "أبو"، ربّ الخضرة والري والنماء في مجمع الآلهة السومري. وتُرجع دراسة تعاقب الطبقات الأرضية هذا الأثر إلى عصري فجر السلالات الأول والثاني ضمن المدى الزمني التقريبي الممتد بين 2900 و2550 قبل الميلاد؛ وهي الحقبة التاريخية التي شهدت تبلور نظام دولة المدينة السومرية ونشوء لغة بصرية متمايزة عن النماذج التخطيطية المبكرة. تتألف المجموعة المكتشفة من اثني عشر تمثالاً مستقلاً؛ عشرة منها لشخوص ذكورية واثنان لأنثوية، تتراوح أطوالها في تدرج نسبي مقصود بين 21 سنتيمترًا للتمثال الأصغر و72 سنتيمترًا للتمثال الأكبر. وتتوزع هذه اللقى اليوم بين المتحف الوطني العراقي في بغداد، ومتحف المعهد الشرقي في شيكاغو، ومتحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك. وقد أثار التمثال الأضخم في المجموعة جدلاً أنثروبولوجيًا وتاريخيًا ممتدًا؛ إذ افترض فرانكفورت وثوركِلد ياكوبسن في البداية أنه تجسيد عياني للمعبود "أبو" أو الإله "نينغيشزيدا"؛ ارتكازًا على الحجم غير المعتاد والاتساع المفرط للحدقتين، فضلاً عن النقش البارز على قاعدته الذي يصور طائر "أنزو" برأس أسد وجناحين مفرودين يكتنفه وعلان رابضان. غير أن المراجعات النقدية الأحدث لآثار بلاد الرافدين أعادت موضعة هذا التمثال بوصفه تمثالاً نذريًا بشريًا يمثل كاهنًا أعظم أو حاكمًا محليًا؛ نظرًا لتطابق لغة جسده، وهيئة يديه المشبوكتين، ونمطه التعبيري مع سائر المنحوتات التعبدية المعاصرة له. الصورة النذرية في مواجهة الصنم المعبود يستدعي التفكيك الأنثروبولوجي فصلاً معرفيًا حاسمًا بين مفهوم "الأصنام" بوصفها ذواتًا معبودة في ذاتها، والتماثيل النذرية بوصفها "وسائط تعبدية خادمة". لم تكن وجوه تل أسمار موضوعًا للسجود أو القرابين، بل كانت أدوات تمثيلية للمتعبدين وُضعت في الفضاء الداخلي للمعبد لتؤدي دور الوكيل الطقسي المستديم عن المتبرع البشري أمام تمثال الإله المقيم في المحراب. وتؤيد هذا المعطى النقوشُ المسمارية المحفورة على ظهور بعض التماثيل وقواعدها؛ إذ تفصح عن أسماء المتعبدين وألقابهم مقرونةً بصيغ التضرع المباشر أو التوصيف الوظيفي للتمثال بوصفه "المُصلّي الدائم"؛ وهو ما ينفي عن هذه المنحوتات صفة الألوهية ويثبت طبيعتها النذرية التوسلية. يفتح هذا التمايز الباب لمقاربة نظرية التمثيل الصوري في حضارات المشرق القديم على النحو الذي أصلته الباحثة زينب بحراني في أطروحتها حول الصورة المنحوتة؛ حيث تبرز المقاربة الرافدينية للصورة من خلال المفهوم السومري المتمثل في الرمز والجوهر، ونظيره الأكادي المتمثل في كينونة الحضور التام؛ وهو تصور يباين جذريًا نظرية "المحاكاة" التي أرستها الفلسفة اليونانية اللاحقة. فالتمثال هنا لا يعمل بوصفه مجرد نسخة بصرية منقولة عن أصل طبيعي غائب، ولا يسعى إلى الخداع الإيهامي أو استحضار شبح مفارق، بل يُعد امتدادًا ماديًا يشارك وجوديًا في الكينونة العينية للشخص المنذور وفاعليته الشعائرية في العالم الواقعي. وبموجب هذه النظرة الوجودية، لا يقف تمثال تل أسمار موقف "النيابة الرمزية" المجردة عن المتعبد، بل يُحضره إحضارًا ماديًا يمنحه وجودًا واقعيًا داخل حرم المعبد، متجاوزًا الانفصال الثنائي التقليدي بين التمثيل والأصل، لتغدو المنحوتة جسدًا نذريًا مكافئًا لجسد الإنسان الحي. تقنيات الترصيع والبصريات الطقسية تكشف دراسة البنية المادية لتماثيل تل أسمار عن وعي تقني متقدم طوّع الموارد المحلية ومسالك التبادل التجاري البعيد لخدمة الغايات الماورائية. فقد نُحتت الأجساد والوجوه أساسًا من كتلة متجانسة من الحجر الجبسي الأبيض أو المرمر المتاح في الترسبات الطبيعية لحوض ديالى، في حين استُخدم الحجر الجيري في نماذج أخرى. غير أن المعالجة الفنية للرأس والوجه تُظهر انزياحًا واعيًا عن المحاكاة التشريحية لصالح تكثيف دلالي يتمحور حول ترصيع العينين بمواد متغايرة الملمس واللون؛ إذ تمثل الأعين المركز الثقلي في التكوين النحتي برُمته. تولّد التركيبة المادية للوجه تباينًا لونيًا لافتًا بين بياض الصدف العاكس ونقاط الظلال المعتمة التي يُحدثها حجر الحدقة المحاط بإطار دقيق من القار الأسود. وقد صُممت هذه الخصائص البصرية لتتفاعل حركيًا مع الفضاء المعتم للمعبد السومري؛ حيث كانت مشاعل النار ومصابيح الزيت الخافتة ترسل ارتدادات ضوئية متلألئة فوق أسطح الأصداف المطعمة، مما يبعث إيهامًا بالحركة وشعورًا بحياة كامنة تسكن الحجر. وفي المقابل، عولجت بقية الملامح عبر الاختزال والتجريد؛ فالأنوف قُدّت بزوايا حادة ثلاثية الأبعاد، والشفاه ضُمّت في خطوط أفقية مقتضبة تخلو من أي انفعال أو نزوع للنطق، بينما وُصلت الحواجب في شريط متصل مطعم بالقار ليعلو محجري العينين كقوس معماري يحمي النظرة ويؤطر ثباتها. سيميائية التحديق وظاهرة المعاينة المشحونة يحتل مفهوم "النظرة" موقع الصدارة في تحليل فنون بلاد الرافدين، ولا سيما في سياق ما صاغته مؤرخة الفن إيرين وينتر عبر مفهوم "المعاينة المشحونة وجدانيًا". تُبرهن وينتر على أن الإدراك البصري في التقاليد السومرية والأكادية لم يكن مجرد تلقٍّ حسي سلبي للأشكال المحيطة، بل كان فاعلية طقسية ومعرفية مكثفة محتدمة بالقوة الرمزية؛ فاللغات القديمة في بلاد النهرين تزخر بالمفردات التي تصل بين فعل النظر وبين منح الشرعية، وفيض البركة الروحية، وإسباغ الحماية أو حلول اللعنة. تكتسب الأعين الجاحظة في تماثيل تل أسمار وظيفة مزدوجة تجمع بين التيقظ الوجودي والارتهان الانبهاري؛ فالأعين الصخرية المركبة من الحجر والأصداف لا تطرف ولا تنام ولا يدركها الرمش أو الكلال الإنساني، وهو ما يجعل المنحوتة متعالية في ثباتها على الجسد الحي الهش المحكوم بدورة اليقظة والمنام. يقيم هذا التحديق المستمر حال يقظة أبدية لا تنقطع، تترقب دومًا أي بادرة أو إشارة تصدر عن الذات الإلهية المقابلة. وفي الوقت ذاته، يجسد الاتساع المفرط لحدقة العين مظهر الانبهار والمهابة القدسية أمام جلال الرب؛ فالحدقة المتسعة عضويًا هي استجابة للرعب والدهشة، وتحويلها إلى بنية دائمة في الحجر يخلد لحظة الهيبة الميتافيزيقية التي تنتاب الكائن الفاني عند مجابهة المقدس المتعالي. تفرض الوضعية الجبهية للرأس مسارًا بصريًا خطيًا لا يحيد؛ إذ لا تلتفت التماثيل التفاتًا جانبيًا، ولا تتواصل بصريًا فيما بينها داخل المجموع النذري، بل تترتب خطوط نظرها عموديًا وباتجاه نقطة بؤرية محددة في الفضاء المعماري. تلتقي هذه النظرات البشرية المشدودة مباشرة بنظرة تمثال الإله القائم على دكة المذبح. ولما كانت الميثولوجيا السومرية تؤكد أن الحياة والخصب ينبثقان من "التفاتة الإله ونظره الحاني"، فإن غاية التمثال النذري هي التماس تلك النظرة الإلهية والتعرض الدائم لفيضها، بما يضمن استمرار تدفق النعمة على المتعبد الغائب وأهله ومدينته. التموضع الجسدي والتراتبية الاجتماعية السياسية لا ينفصل التكوين الوجهي في تماثيل تل أسمار عن لغة الجسد الشاملة التي تكمل بنية الخضوع والامتثال؛ فالأيدي مشبوكة بإحكام قبالة الصدر حيث تقبض اليد اليمنى على اليسرى في حركة جسدية تتطابق تركيبيًا مع الأفعال الشعائرية المدونة في المعاجم الطقسية لبلاد الرافدين. يُعرف هذا التموضع بهيئة التضرع والاستكانة الدالة على المباركة، والتحية باليد، والدعاء الخافت، مقترنًا بهيئة الخشوع التام والامتثال الجسدي والاعتراف بالضعة أمام المقامات العليا والآلهة. وفي بعض النماذج، تتكامل اليدان المشبوكتان مع حمل كؤوس نذرية أسطوانية ذات قواعد مصمتة، وهي أوانٍ حقيقية اكتُشفت مئات النماذج الطينية والحجرية منها ملقاة في غرف المعبد المجاورة؛ مما يثبت أن التماثيل تخلد نحتيًا طقوس إراقة القرابين السائلة من الماء والخمر والزيت بين يدي الإله. يكشف التفاوت في مقاييس التماثيل عن المنظور المراتبي التنازلي الذي أطّر المجتمع السومري خلال عصر فجر السلالات؛ إذ لم يكن إهداء تمثال حجري مستورد، يُنحت في ورش المعبد ويُطعّم بمواد نفيسة مستجلبة عبر مسالك التجارة البعيدة، متاحًا لعامة السكان. بل اقتصرت هذه الممارسة على الصفوة الحاكمة، وكبار الإداريين، والكهنة، ووجوه ملاك الأراضي. ويترجم الحجم المتدرج لكل تمثال المكانةَ الاقتصادية والسياسية لصاحبه؛ فالأطول قامة والأوفر ترصيعًا وتفصيلاً يمثل قمة الهرم الطبقي، بينما تشير النماذج الأصغر إلى مراتب أدنى في الجهاز الإداري للمدينة، مما يحيل قدس أقداس المعبد إلى محراب رمزي تُعرض فيه الامتيازات الاجتماعية والسياسية وتستمد شرعيتها المطلقة من قربها المكاني والبصري من الإله. حضور الغائب، الأثر، والرعب الوجودي تتيح قراءة وجوه تل أسمار بمنظور التفكيك الدريدي المقارن وتاريخ الانفعالات والأنثروبولوجيا الدينية الكشف عن التناقضات الغائرة التي تحكم صلة الإنسان بالآلهة في فجر التاريخ المدون. يشتغل التمثال النذري في الفكر الرافديني كـ"مُلحق تعويضي" ومُكمّل إضافي؛ إذ يأتي ليرمم نقصًا أصيلاً في الكينونة البيولوجية للمتعبد البشري المرهون بالزوال، والمقيد بشواغل المعاش خارج أسوار المعبد. يعجز الجسد العضوي عن دوام المثول أمام الإله، فيقوم التمثال مقامه، غير أنه يظل في الآن ذاته شاهدًا على غياب هذا الجسد؛ إنه "أثر" مادي يؤجل حتمية الفناء في حركة إرجاء وإخلاف مكاني وزماني مستمر؛ إذ تجمد النظرة الشاخصة اللحظة الشعائرية وتنتزعها من التدفق الزمني المستنفِد، لتعيد إنتاج الوجود الإنساني داخل ثبات دائم لا يناله الموت. يتصل هذا التحديق الشاخص اتصالاً وثيقًا ببيئة بلاد الرافدين الطبيعية المتقلبة؛ فالسهل الرسوبي لدجلة والفرات عُرف بعنف تحولاته المناخية من فيضانات جارفة مباغتة، وتبدل فجائي في مجاري الأنهار، وموجات قحط ملّحت التربة وهددت استقرار الجماعات الأولى. وقد تجلت هذه الهشاشة في العقائد السومرية التي تصورت قوى الكون والآلهة بوصفها قدرًا عاصفًا لا يؤمن جانبه، ولا سبيل إلى التنبؤ بإرادته أو استرضائه بصورة قاطعة. تنحل في وجوه تل أسمار فكرة "السكينة الروحية" الهادئة؛ فهذه الوجوه المرتعدة والعيون الشاخصة تعكس وجلاً ورعبًا وجوديًا مقيمًا. إنها عيون كائن يعيش تحت هاجس الزوال الدائم، ويحدق في مجهول كوني مهيب لا يملك أمامه إلا إشهار الخضوع المادي الأبدي التماسًا للسلامة. تتعمق هذه الدلالة باستقراء المصير النهائي لهذه المنحوتات؛ فعندما غص المعبد بالنذور أو استدعى وضعه تجديدًا معماريًا، لم تُحطم التماثيل ولم تُطرح مع النفايات، بل جُمعت ودُفنت بنسق شعائري مدروس أسفل أرضية المعبد المربع. يبرهن هذا السلوك الأنثروبولوجي على أن التماثيل، بعدما اجتازت طقوس التكريس والفتح الرمزي للعيون والأفواه وغدت وعاءً لحضور المتعبد، حازت قداسة جوهرية وشحنة وجودية يتعذر نزعها عنها. لذا عُوملت عند استيفاء أمدها الوظيفي معاملة "الأجساد الميتة"، وحظيت بـ"مواراة جنائزية طقسية" تصون طاقتها الرمزية وتودعها في باطن الأرض المقدسة، لتبقى عيونها شاخصة في ظلمة الثرى، ماضية في أداء نذرها حتى بعد أن دثرت أسماء أصحابها من سجل الأحياء. في المآل الجمالي والنقدي تُثبت القراءة التحليلية والأنثروبولوجية لتماثيل كنز تل أسمار أن هذه المنحوتات لم تكن أصنامًا معبودة لذاتها، بل كانت بدائل نذرية حجرية تجسد مفهوم الحضور الوجودي التام في الفكرين السومري والأكادي؛ وهو مفهوم يأبى حصر الصورة في حدود المحاكاة الإيهامية، ويخلع عليها فاعلية كينونية تنوب ماديًا عن أصحابها الغائبين في صلتهم الدائمة بالإله. أدى التشكيل الوجهي وظيفة تواصلية ركّزت على توسيع مدارات العيون وتطعيمها بالأصداف والقار وحجر اللازورد، محوّلاً صفحة الوجه إلى وسيط بصري ينهض بفعل "المعاينة المشحونة وجدانيًا"؛ حيث تتخطى العين الصخرية حدود الجسد العضوي الزائل لتكفل رصدًا نذريًا خالدًا يتلقى إشراق النظرة الإلهية الواهبة للحياة والمنعة. تكامل هذا الأفق البصري مع لغة الجسد المتمثلة في ضم الأيدي وحمل كؤوس السكيب والتمايز في المقاييس الهندسية؛ مما جسّد تماهيًا عميقًا بين إظهار الامتثال التعبدي والخضوع للمقدس من جهة، وتثبيت الهيمنة الطبقية والوجاهة السياسية لنخب المدينة السومرية من جهة أخرى. وتتجلى في هذه المنحوتات مكابدات القلق الوجودي لإنسان فجر الحضارة؛ إذ ينبثق التحديق الشاخص من هشاشة بيئية وميثولوجية فرضتها طبيعة قلقة غير مأمونة، ليغدو التمثال أثرًا تعويضيًا يدرأ الفناء وكيانًا مشبعًا بالقداسة، ظل نابضًا بوظيفته الرمزية حتى وهو مسجّى في مدفنه الطقسي الأخير في باطن الأرض.

مرافعات العفن في مرايا بابل نص ميتاسريالي -غالب المسعودي

الخميس، 17 سبتمبر 2026

أسطورة كوكب الميزان ملحمة ميتاسريالية مستعادة من ألواح الرافدين الأولى غالب المسعودي

أسطورة كوكب الميزان ملحمة ميتاسريالية مستعادة من ألواح الرافدين الأولى غالب المسعودي غالب المسعودي كاتب وباحث عراقي ١٦ أيلول ٢٠٢٦ · 7 دقائق للقراءة 12 مشاهدة أسطورة كوكب الميزان مشاركة: واتساب تويتر/X فيسبوك تيليغرام نسخ الرابط اللوح الأول: صرخة في فواصل السنين أنا الصّدى المعلقُ في فجواتِ العصور، أنا الكاتبُ الذي انكسرَ قصبُهُ في مطلعِ الخلق فخطَّ ملامحَهُ بالرّيح، والموقّعُ بأختامِ النّورِ دونَ أصابعٍ ولا مداد. أنا هسيسُ الكواكبِ السّبعةِ حينَ تعانقتْ مساراتُها الصّافيةُ مع حمأةِ الجشعِ الآدمي. حكايتي هذه ليستْ حكايةً عابرةً تلوكُها ألسنةُ الأسواق، بل نَقشٌ أسطوريٌّ غائرٌ في جدارِ الغيب، لا يُفكُّ طلسمُهُ بحدقةٍ واحدة، بل بسبعِ عيونٍ مقدّسة: عينِ الكرامةِ المتأججة، وعينِ العدلِ المهيب، وعينِ المعنى المتمرّدِ على الصّمت، وعينِ السّلطةِ المصنوعةِ من وهمِ الفخّار، وعينِ الصّكوكِ التي تخنقُ التّراتيل، وعينِ الخوفِ الرّابضِ في الصّدور، وعينِ الإنسانِ المعلّقِ بينَ ترابِ الأرضِ وألواحِ السّماء. كانَ في البداياتِ ليلٌ أزليٌّ بهيم، وزمنٌ بدئيٌّ لم تكنْ تُسمّى فيه الكائناتُ بنفخاتِ أرواحِها، بل بأسعارِها المقدرةِ في ساحةِ المزايدة؛ وزنٌ للمسافةِ التي يقطعُها العبد، ووزنٌ لقبضةِ المحاربِ إذا سالَ منها الدّم، ووزنٌ لاسمِ العشيرةِ في أسفارِ الذهب، ووزنٌ محددٌ لخشبِ العرشِ ومساميرِ النّحاس. في ذلكَ الأوان، كانتِ الكرامةُ تتوارى خجلى، كشعلةِ كبريتٍ خفيّةٍ في لجّةِ عاصفة، لا يهتدي إلى نورِها إلا من صفا قلبُه من أوضارِ الحسابات. وهناك، في أعلى قبّةِ الفلك، حرّكتِ الأقدارُ مياهَ الآفاق، وتقدّمتْ كواكبُ الأنوناكي السّبعةُ إلى محفلٍ أثيريٍّ لا تطالهُ مداركُ الفانين. نظرتِ الكواكبُ إلى الأرضِ المحترقةِ بالصّفقات، وقالتْ بصوتٍ واحدٍ يشقّ مجرّةَ النّسيان: نحنُ أربابُ الأزمنةِ وحرّاسُ النّواميس؛ لا نعرفُ للخلودِ بقاءً إلا إذا استقامَ قسطاسُ الإنسان، ولا نرى في مُلكِ الأرضِ إلا كومةً من رمادٍ إن بيعَتْ فيها الروحُ بشيكلٍ من فضّة. اللوح الثاني: مدينةُ الرّقومِ الميتة في مهبّ الرّيح، شُيّدتْ مدينةٌ كأنّها خرجتْ من كابوسِ طينٍ أسود، أسوارُها بُنيتْ من صمتِ المقهورين وتراكمِ الدّيونِ الملعونة. ساحاتُها الواسعةُ لا تُبصرُ فيها وجوهاً، بل عملاتٍ معدنيةً متآكلةً تتقاذفُها الأرجل. كانَ يقبضُ على مصيرِها حاكمٌ ذو لسانٍ أملسَ كالحيّة، وعينينِ زجاجيتينِ لا تقرآنِ إلا جداولَ الخراج. سمّى نفسَهُ راعي الشّريعةِ وحامي الهيكل، وجعلَ من خزائنِ المعدنِ مزاراً تُذبحُ فيه البراءات، وثبّتَ فوقَ بواباتِ القصرِ رقيماً من فخّارٍ محروقٍ نُقشَ عليه: "بيدي تُوزنُ الأرزاق، وبخاتمي يُمنحُ العبيدُ حقَّ التّنفسِ والكرامة" لكنّ النّجومَ السّاهرةَ لم يغبْ عن بصيرتِها هذا الزّيفُ المقنّع انتفضَ "نيرغال"، إلهُ المريخِ وربُّ النّارِ والحديد، فدوّى صوتُهُ كصاعقةٍ تضربُ برجاً نائياً: إنّه لا يسوسُ الرّعايا برحمةٍ ولا يطعمُهم خبزاً شريفاً، بل يسقيهم وهمَ الخضوعِ في كؤوسِ العطش! يشتري ساعاتِ أعمارِهم بسياطِ الفزع، ويؤجّرُ لهم المعنى بثمنِ الانكسار. يحسبُ سيفَ العدلِ بضاعةً تُباعُ في دكاكينِ النّخّاسين!. ثمّ تقدّمَ "نابو"، إلهُ عطارد، كاتبُ ألواحِ القدرِ وحافظُ موازينِ الحكمة، وتكلّمَ ببلاغةٍ قاطعةٍ تلمعُ كشفرةِ إزميل: لقد حوّلَ الكائنَ الحيّ إلى مجرّدِ قيدٍ حسابيٍّ تافهٍ على لوحٍ مكسور! يظنّ هذا العاجزُ أنَّ جمعَ الفضّةِ وسَكبَ الرّصاصِ يمنحانِ الحياةَ لجسدٍ سلبتْ منه نضارةُ الروح!. عندَ الشّفق، تنهّدتْ "إنانا-عشتار"، سيّدةُ الزّهرةِ وإشراقةُ الحبّ البهيج، بنبرةٍ كأنّها سريانُ ندىً على حريرٍ ممزّق: لقد استبدلَ نبضَ المحبّةِ بنتنِ المنفعة، ودنّسَ طهرَ التّلاقي بحساباتِ الرّبحِ والخسارة، وأخفى مذابحَ الفقراءِ تحتَ بهارجِ الشّعاراتِ والمواكبِ البرّاقة. وحينَ تلاقتْ إرادةُ الآلهة، هوى من كبدِ السّماءِ حجرٌ نيزكيٌّ مشتعل، سقطَ في قلبِ المحفلِ كلوحٍ من زبرجد، وقد نُقشتْ فيه كلمتان: من سوّقَ للكرامةِ بسعرٍ فقد حطّمَ بوصلةَ الوجود، ومن كسرَ المعنى سقطتْ مملكتهُ في جوفِ التّرابِ ولو شادَها بالسّحاب. اللوح الثالث: وميضُ البراءةِ في قاعِ الزّقورة وفي غمرةِ هذا البذخِ المستعار، وُلدَ في قاعِ المدينة، بينَ أكواخِ القصبِ المنفيّةِ على ضفافِ الفرات، طفلٌ لم تسجّلْ صرختَهُ الأولى دفاترُ الضّرائب، ولم تحملهُ يدُ الوساطةِ إلى عتباتِ القصور. كانَ طفلاً غريباً، لا يملكُ في جعبتِهِ إلا عينينِ كمرآتي ماءٍ نقيّ، وسؤالاً واحداً يحرقُ أرديةَ الكهان: "من ذا الذي شرّعَ أن يكونَ بريقُ الذهبِ أغلى من نبضةِ الإنسان؟" كانَ الصّبيُّ يحدّجُ الحاكمَ المستبدّ بنظرةٍ تشبهُ نظرةَ النّهرِ الجارفِ إلى سدٍّ من طين؛ نظرةٌ لا تحملُ حقداً ولا تباهياً بالقوّة، بل تكشفُ حقيقةَ الزّمن: "أنَّ الطّغيانَ صخرٌ هشٌّ يفتّتهُ المسير، وأنَّ العدلَ ماءٌ دائمٌ لا يزول" ارتعدَتْ فرائصُ الحاكمِ حينَ بلغهُ صدى هذا التّساؤل؛ إذ رأى في صفاءِ الفكرةِ نسفاً لناموسِ السّوق. استشاطَ غضباً وصرخَ في جنده: كبّلوهُ بسلاسلِ القبور! فإنَّ السّؤالَ الحُرَّ يفسدُ علينا رواجَ البيع، ومن استيقظَ في صدرهِ المعنى، صادرَ من أيدينا هيبةَ العرش! أُطبقتِ الأغلالُ على معصمي الصّغير، وصارَ الصّمتُ عذاباً يُباعُ في الحوانيت، واعتادتِ الجموعُ أن تصفّقَ بأكفٍّ راعشةٍ كلّما صودرَ حلمٌ في مهده. وفي تلكَ اللّيلةِ الظّلماء، تجسّدتِ الفتنةُ في أبهى صورِها الشّيطانية: خرجَ إغواءُ الثّروةِ في هيئةِ امرأةٍ بالغةِ الفتنة، ترتدي وشاحاً منسوجاً من خيوطِ الشّمس، وتزيّنُ جيدَها بقلائدِ اللازوردِ المسروق، وراحتْ تطوفُ بالأزقّةِ هامسةً بمكرٍ ساحر: أنا جوهرُ الكرامةِ وغايةُ التّمجيد! خفّضوا من سقفِ أمانيكم، وألجموا ألسنتكمْ عن المطالبة، وامسحوا عرقَ جباهكمْ من أجلِ قبضةٍ من فتاتي.. وحينها فقط، ستصيرونَ سادةً مكرّمين!. فانخدعتْ جموعٌ غفيرة، وخرّتْ للأقدامِ تلثمُها. لكنّ المفارقةَ السرياليةَ تجلّتْ في تلكَ اللّحظة: فكلّما مسَّ إنسانٌ حاشيةَ ذلكَ الثّوبِ البرّاق، شعرَ بقفصٍ من حديدٍ صدئٍ ينغرسُ في أضلاعه، وأدركَ حينَ جفَّ ريقه أنَّ تلكَ الآلهةَ لم تكنْ قبساً حيّاً، بل كانتْ ظلّاً شبحيّاً صاغهُ الطّمعُ ليقودَهم إلى الذّبح. اللوح الرابع: ديوانُ القضاءِ الكوني دارَ فلكُ الميزانِ العظيمِ دورةً ثامنة، وتوقّفتْ دورةُ الأفلاكِ عندَ عتبةِ الحقيقة. نطقَ "سين-نانا"، قمرُ اللّيالي وحافظُ دوراتِ المدّ والجزر: إنّ السّلطانَ إذا تجرّدَ من حراسةِ الضعفاءِ تحوّلَ إلى سردابٍ للموتى، وإنّ المالَ إذا لم يُثمرْ قسطاً ورأفةً استحالَ لعنةً زؤاماً تأكلُ نخاعَ حائزيه! ثمّ جلجلَ "مردوخ"، كوكبُ المشتري الأكبر، سيّدُ الشّرائعِ وحاملُ الصّولجان: أيّها البشرُ التّائهونَ بينَ الوهمِ والرّمل: لقد نحتّمْ آلهةً من أرقامٍ وحسابات، لكنّ الأرقامَ مجرّدُ مقابرَ صامتة؛ هي لا تمنحُ حقّاً لمغبون، بل ترصدُ خيباتِكم في سجلّاتِ العدم! وتلاهُ "نينورتا-كيوان"، كوكبُ زحل، ربُّ الزّمنِ الصّارمِ وجمرِ الحصاد، بصوتٍ هادئٍ كوقعِ المصائر: تتوهمونَ أنّكم بصعودِكم فوقَ جثثِ الفقراءِ تبلغونَ ذرى المجد؟ خابَ سعيكم! إنّ صعوداً يخلو من شرفِ الضّميرِ هو انحدارٌ أعمى نحو قعرِ الهاوية. الإنسانُ هو المبتدأُ والغاية، وما عداهُ أدواتٌ سيبتلعُها الطّوفان!. أشرقتْ "شماش"، شمسُ الظّهيرةِ وعينُ الحقّ التي لا تنام: من صيّرَ أجسادَ البشرِ وقوداً لعرشه، صارَ هو نفسُهُ رماداً تذروهُ العواصفُ في صحراءِ النّدم! عندئذٍ، انفتحتْ بوّابةُ السّماءِ عن سؤالٍ لاهوتيٍّ لا يلتمسُ جواباً من شفة، بل يُلزمُ الوجودَ كلّهُ بالمحاكمة: ما نفعُ خزائنِ الذهبِ إن كانَ الطّفلُ يبيتُ مرتجفاً من البرد؟ وما وزنُ الجيوشِ والدّروعِ إن هُدّمتْ في الدّاخلِ كرامةُ النّاس؟ وأيُّ عرشٍ هذا الذي لا يجدُ له في قلوبِ الأحرارِ متّكأ؟ حينها، انطلقَ صوتُ ذلكَ الطّفلِ الأسيرِ من بينِ أقفاصِ القصر، وجاءَ كلامُهُ حاسماً كحدّ النّار: المعدنُ خادمٌ وضيعٌ إن أمسكتْ به يدٌ عديمةُ البصيرة، والسّلطةُ قسطاسٌ مقدّسٌ ما دامتْ قائمةً لحراسةِ كبرياءِ الرّوح. فإذا استعبدَ الخادمُ ربَّ الدّارِ هلكتِ المدينة، وإذا صارَ الحارسُ لصّاً عمّ البوار! اللوح الخامس: سقوطُ العِجلِ وقيامةُ المعنى ما إن تناهتْ كلماتُ الصّبيّ إلى مسامعِ الحشود، حتى تصدّعتْ أسسُ القصرِ الرّخاميّ، وانفصمتْ عرى الأختامِ المزوّرة. أدركَ النّاسُ الذينَ أمضوا حيواتِهم يصفّقونَ لهراوةِ الجلّادِ أنّ خوفَهم هو الذي منحَ تلكَ الهراوةَ ثِقَلَها. ارتبكَ الحاكمُ وتهاوى تاجهُ في بركةِ الوحل؛ إذ تيقّنَ في لحظةِ تجلٍّ مرعبةٍ أنَّ صرحَهُ لم يكنْ محميّاً بالمنَعة، بل كانَ قائماً على سرابِ الخنوع.ومع انبلاجِ خيوطِ فجرٍ رافدينيٍّ باهر، لا يُبقي للأوهامِ ستراً، تجلّى في كبدِ الأفقِ لوحُ القضاءِ الكونيّ الأخير، تحيطُ به أضواءُ الكواكبِ السّبعة، وقد كُتبتْ فيه هذه الوصيّةُ الخالدة: يا قارئَ هذا الرّقيمِ في مقبلِ الأزمان: اعلمْ أنَّ الثّراءَ ليسَ إلهاً يُعبد، وأنَّ الطّغيانَ ليسَ قدراً محتوماً على الجباه القيمُ لا تُشترى بأكياسِ الفضّة، ولا تُبنى الأوطانُ على عكّازِ الرّعب الكرامةُ إن غابتْ عن قلبِ الحضارة، استحالَ كلّ نصرٍ هزيمةً مقنّعة، وغدا كلّ قصرٍ مشيّدٍ ضريحاً محاطاً باللّعنات إذا استقامَ الإنسانُ غايةً عظمى في ميزانِ الحكم، صارَ المالُ جسراً للبناء، وصارتِ السّلطةُ درعاً للحقّ، وصارَ السّؤالُ قبساً ينيرُ دياجيرَ الظّلمات إنَّ من ينزعُ الكرامةَ من صدرِ أخيهِ يجرحُ كبدَ الكون، وإنَّ من يجعلُ الإنسانَ موئلاً للمعنى، ستظلُّ كواكبُ الميزانِ تحرسُ خطاهُ إلى أبدِ الآبدين.. حتى وإن دُكّتِ الحصونُ وعادتِ المدائنُ إلى الصّلصال الأول.

تحولات السؤال الأنطولوجي ومأزق الميتافيزيقا غالب المسعودي