الخميس، 17 سبتمبر 2026

أسطورة كوكب الميزان ملحمة ميتاسريالية مستعادة من ألواح الرافدين الأولى غالب المسعودي

أسطورة كوكب الميزان ملحمة ميتاسريالية مستعادة من ألواح الرافدين الأولى غالب المسعودي غالب المسعودي كاتب وباحث عراقي ١٦ أيلول ٢٠٢٦ · 7 دقائق للقراءة 12 مشاهدة أسطورة كوكب الميزان مشاركة: واتساب تويتر/X فيسبوك تيليغرام نسخ الرابط اللوح الأول: صرخة في فواصل السنين أنا الصّدى المعلقُ في فجواتِ العصور، أنا الكاتبُ الذي انكسرَ قصبُهُ في مطلعِ الخلق فخطَّ ملامحَهُ بالرّيح، والموقّعُ بأختامِ النّورِ دونَ أصابعٍ ولا مداد. أنا هسيسُ الكواكبِ السّبعةِ حينَ تعانقتْ مساراتُها الصّافيةُ مع حمأةِ الجشعِ الآدمي. حكايتي هذه ليستْ حكايةً عابرةً تلوكُها ألسنةُ الأسواق، بل نَقشٌ أسطوريٌّ غائرٌ في جدارِ الغيب، لا يُفكُّ طلسمُهُ بحدقةٍ واحدة، بل بسبعِ عيونٍ مقدّسة: عينِ الكرامةِ المتأججة، وعينِ العدلِ المهيب، وعينِ المعنى المتمرّدِ على الصّمت، وعينِ السّلطةِ المصنوعةِ من وهمِ الفخّار، وعينِ الصّكوكِ التي تخنقُ التّراتيل، وعينِ الخوفِ الرّابضِ في الصّدور، وعينِ الإنسانِ المعلّقِ بينَ ترابِ الأرضِ وألواحِ السّماء. كانَ في البداياتِ ليلٌ أزليٌّ بهيم، وزمنٌ بدئيٌّ لم تكنْ تُسمّى فيه الكائناتُ بنفخاتِ أرواحِها، بل بأسعارِها المقدرةِ في ساحةِ المزايدة؛ وزنٌ للمسافةِ التي يقطعُها العبد، ووزنٌ لقبضةِ المحاربِ إذا سالَ منها الدّم، ووزنٌ لاسمِ العشيرةِ في أسفارِ الذهب، ووزنٌ محددٌ لخشبِ العرشِ ومساميرِ النّحاس. في ذلكَ الأوان، كانتِ الكرامةُ تتوارى خجلى، كشعلةِ كبريتٍ خفيّةٍ في لجّةِ عاصفة، لا يهتدي إلى نورِها إلا من صفا قلبُه من أوضارِ الحسابات. وهناك، في أعلى قبّةِ الفلك، حرّكتِ الأقدارُ مياهَ الآفاق، وتقدّمتْ كواكبُ الأنوناكي السّبعةُ إلى محفلٍ أثيريٍّ لا تطالهُ مداركُ الفانين. نظرتِ الكواكبُ إلى الأرضِ المحترقةِ بالصّفقات، وقالتْ بصوتٍ واحدٍ يشقّ مجرّةَ النّسيان: نحنُ أربابُ الأزمنةِ وحرّاسُ النّواميس؛ لا نعرفُ للخلودِ بقاءً إلا إذا استقامَ قسطاسُ الإنسان، ولا نرى في مُلكِ الأرضِ إلا كومةً من رمادٍ إن بيعَتْ فيها الروحُ بشيكلٍ من فضّة. اللوح الثاني: مدينةُ الرّقومِ الميتة في مهبّ الرّيح، شُيّدتْ مدينةٌ كأنّها خرجتْ من كابوسِ طينٍ أسود، أسوارُها بُنيتْ من صمتِ المقهورين وتراكمِ الدّيونِ الملعونة. ساحاتُها الواسعةُ لا تُبصرُ فيها وجوهاً، بل عملاتٍ معدنيةً متآكلةً تتقاذفُها الأرجل. كانَ يقبضُ على مصيرِها حاكمٌ ذو لسانٍ أملسَ كالحيّة، وعينينِ زجاجيتينِ لا تقرآنِ إلا جداولَ الخراج. سمّى نفسَهُ راعي الشّريعةِ وحامي الهيكل، وجعلَ من خزائنِ المعدنِ مزاراً تُذبحُ فيه البراءات، وثبّتَ فوقَ بواباتِ القصرِ رقيماً من فخّارٍ محروقٍ نُقشَ عليه: "بيدي تُوزنُ الأرزاق، وبخاتمي يُمنحُ العبيدُ حقَّ التّنفسِ والكرامة" لكنّ النّجومَ السّاهرةَ لم يغبْ عن بصيرتِها هذا الزّيفُ المقنّع انتفضَ "نيرغال"، إلهُ المريخِ وربُّ النّارِ والحديد، فدوّى صوتُهُ كصاعقةٍ تضربُ برجاً نائياً: إنّه لا يسوسُ الرّعايا برحمةٍ ولا يطعمُهم خبزاً شريفاً، بل يسقيهم وهمَ الخضوعِ في كؤوسِ العطش! يشتري ساعاتِ أعمارِهم بسياطِ الفزع، ويؤجّرُ لهم المعنى بثمنِ الانكسار. يحسبُ سيفَ العدلِ بضاعةً تُباعُ في دكاكينِ النّخّاسين!. ثمّ تقدّمَ "نابو"، إلهُ عطارد، كاتبُ ألواحِ القدرِ وحافظُ موازينِ الحكمة، وتكلّمَ ببلاغةٍ قاطعةٍ تلمعُ كشفرةِ إزميل: لقد حوّلَ الكائنَ الحيّ إلى مجرّدِ قيدٍ حسابيٍّ تافهٍ على لوحٍ مكسور! يظنّ هذا العاجزُ أنَّ جمعَ الفضّةِ وسَكبَ الرّصاصِ يمنحانِ الحياةَ لجسدٍ سلبتْ منه نضارةُ الروح!. عندَ الشّفق، تنهّدتْ "إنانا-عشتار"، سيّدةُ الزّهرةِ وإشراقةُ الحبّ البهيج، بنبرةٍ كأنّها سريانُ ندىً على حريرٍ ممزّق: لقد استبدلَ نبضَ المحبّةِ بنتنِ المنفعة، ودنّسَ طهرَ التّلاقي بحساباتِ الرّبحِ والخسارة، وأخفى مذابحَ الفقراءِ تحتَ بهارجِ الشّعاراتِ والمواكبِ البرّاقة. وحينَ تلاقتْ إرادةُ الآلهة، هوى من كبدِ السّماءِ حجرٌ نيزكيٌّ مشتعل، سقطَ في قلبِ المحفلِ كلوحٍ من زبرجد، وقد نُقشتْ فيه كلمتان: من سوّقَ للكرامةِ بسعرٍ فقد حطّمَ بوصلةَ الوجود، ومن كسرَ المعنى سقطتْ مملكتهُ في جوفِ التّرابِ ولو شادَها بالسّحاب. اللوح الثالث: وميضُ البراءةِ في قاعِ الزّقورة وفي غمرةِ هذا البذخِ المستعار، وُلدَ في قاعِ المدينة، بينَ أكواخِ القصبِ المنفيّةِ على ضفافِ الفرات، طفلٌ لم تسجّلْ صرختَهُ الأولى دفاترُ الضّرائب، ولم تحملهُ يدُ الوساطةِ إلى عتباتِ القصور. كانَ طفلاً غريباً، لا يملكُ في جعبتِهِ إلا عينينِ كمرآتي ماءٍ نقيّ، وسؤالاً واحداً يحرقُ أرديةَ الكهان: "من ذا الذي شرّعَ أن يكونَ بريقُ الذهبِ أغلى من نبضةِ الإنسان؟" كانَ الصّبيُّ يحدّجُ الحاكمَ المستبدّ بنظرةٍ تشبهُ نظرةَ النّهرِ الجارفِ إلى سدٍّ من طين؛ نظرةٌ لا تحملُ حقداً ولا تباهياً بالقوّة، بل تكشفُ حقيقةَ الزّمن: "أنَّ الطّغيانَ صخرٌ هشٌّ يفتّتهُ المسير، وأنَّ العدلَ ماءٌ دائمٌ لا يزول" ارتعدَتْ فرائصُ الحاكمِ حينَ بلغهُ صدى هذا التّساؤل؛ إذ رأى في صفاءِ الفكرةِ نسفاً لناموسِ السّوق. استشاطَ غضباً وصرخَ في جنده: كبّلوهُ بسلاسلِ القبور! فإنَّ السّؤالَ الحُرَّ يفسدُ علينا رواجَ البيع، ومن استيقظَ في صدرهِ المعنى، صادرَ من أيدينا هيبةَ العرش! أُطبقتِ الأغلالُ على معصمي الصّغير، وصارَ الصّمتُ عذاباً يُباعُ في الحوانيت، واعتادتِ الجموعُ أن تصفّقَ بأكفٍّ راعشةٍ كلّما صودرَ حلمٌ في مهده. وفي تلكَ اللّيلةِ الظّلماء، تجسّدتِ الفتنةُ في أبهى صورِها الشّيطانية: خرجَ إغواءُ الثّروةِ في هيئةِ امرأةٍ بالغةِ الفتنة، ترتدي وشاحاً منسوجاً من خيوطِ الشّمس، وتزيّنُ جيدَها بقلائدِ اللازوردِ المسروق، وراحتْ تطوفُ بالأزقّةِ هامسةً بمكرٍ ساحر: أنا جوهرُ الكرامةِ وغايةُ التّمجيد! خفّضوا من سقفِ أمانيكم، وألجموا ألسنتكمْ عن المطالبة، وامسحوا عرقَ جباهكمْ من أجلِ قبضةٍ من فتاتي.. وحينها فقط، ستصيرونَ سادةً مكرّمين!. فانخدعتْ جموعٌ غفيرة، وخرّتْ للأقدامِ تلثمُها. لكنّ المفارقةَ السرياليةَ تجلّتْ في تلكَ اللّحظة: فكلّما مسَّ إنسانٌ حاشيةَ ذلكَ الثّوبِ البرّاق، شعرَ بقفصٍ من حديدٍ صدئٍ ينغرسُ في أضلاعه، وأدركَ حينَ جفَّ ريقه أنَّ تلكَ الآلهةَ لم تكنْ قبساً حيّاً، بل كانتْ ظلّاً شبحيّاً صاغهُ الطّمعُ ليقودَهم إلى الذّبح. اللوح الرابع: ديوانُ القضاءِ الكوني دارَ فلكُ الميزانِ العظيمِ دورةً ثامنة، وتوقّفتْ دورةُ الأفلاكِ عندَ عتبةِ الحقيقة. نطقَ "سين-نانا"، قمرُ اللّيالي وحافظُ دوراتِ المدّ والجزر: إنّ السّلطانَ إذا تجرّدَ من حراسةِ الضعفاءِ تحوّلَ إلى سردابٍ للموتى، وإنّ المالَ إذا لم يُثمرْ قسطاً ورأفةً استحالَ لعنةً زؤاماً تأكلُ نخاعَ حائزيه! ثمّ جلجلَ "مردوخ"، كوكبُ المشتري الأكبر، سيّدُ الشّرائعِ وحاملُ الصّولجان: أيّها البشرُ التّائهونَ بينَ الوهمِ والرّمل: لقد نحتّمْ آلهةً من أرقامٍ وحسابات، لكنّ الأرقامَ مجرّدُ مقابرَ صامتة؛ هي لا تمنحُ حقّاً لمغبون، بل ترصدُ خيباتِكم في سجلّاتِ العدم! وتلاهُ "نينورتا-كيوان"، كوكبُ زحل، ربُّ الزّمنِ الصّارمِ وجمرِ الحصاد، بصوتٍ هادئٍ كوقعِ المصائر: تتوهمونَ أنّكم بصعودِكم فوقَ جثثِ الفقراءِ تبلغونَ ذرى المجد؟ خابَ سعيكم! إنّ صعوداً يخلو من شرفِ الضّميرِ هو انحدارٌ أعمى نحو قعرِ الهاوية. الإنسانُ هو المبتدأُ والغاية، وما عداهُ أدواتٌ سيبتلعُها الطّوفان!. أشرقتْ "شماش"، شمسُ الظّهيرةِ وعينُ الحقّ التي لا تنام: من صيّرَ أجسادَ البشرِ وقوداً لعرشه، صارَ هو نفسُهُ رماداً تذروهُ العواصفُ في صحراءِ النّدم! عندئذٍ، انفتحتْ بوّابةُ السّماءِ عن سؤالٍ لاهوتيٍّ لا يلتمسُ جواباً من شفة، بل يُلزمُ الوجودَ كلّهُ بالمحاكمة: ما نفعُ خزائنِ الذهبِ إن كانَ الطّفلُ يبيتُ مرتجفاً من البرد؟ وما وزنُ الجيوشِ والدّروعِ إن هُدّمتْ في الدّاخلِ كرامةُ النّاس؟ وأيُّ عرشٍ هذا الذي لا يجدُ له في قلوبِ الأحرارِ متّكأ؟ حينها، انطلقَ صوتُ ذلكَ الطّفلِ الأسيرِ من بينِ أقفاصِ القصر، وجاءَ كلامُهُ حاسماً كحدّ النّار: المعدنُ خادمٌ وضيعٌ إن أمسكتْ به يدٌ عديمةُ البصيرة، والسّلطةُ قسطاسٌ مقدّسٌ ما دامتْ قائمةً لحراسةِ كبرياءِ الرّوح. فإذا استعبدَ الخادمُ ربَّ الدّارِ هلكتِ المدينة، وإذا صارَ الحارسُ لصّاً عمّ البوار! اللوح الخامس: سقوطُ العِجلِ وقيامةُ المعنى ما إن تناهتْ كلماتُ الصّبيّ إلى مسامعِ الحشود، حتى تصدّعتْ أسسُ القصرِ الرّخاميّ، وانفصمتْ عرى الأختامِ المزوّرة. أدركَ النّاسُ الذينَ أمضوا حيواتِهم يصفّقونَ لهراوةِ الجلّادِ أنّ خوفَهم هو الذي منحَ تلكَ الهراوةَ ثِقَلَها. ارتبكَ الحاكمُ وتهاوى تاجهُ في بركةِ الوحل؛ إذ تيقّنَ في لحظةِ تجلٍّ مرعبةٍ أنَّ صرحَهُ لم يكنْ محميّاً بالمنَعة، بل كانَ قائماً على سرابِ الخنوع.ومع انبلاجِ خيوطِ فجرٍ رافدينيٍّ باهر، لا يُبقي للأوهامِ ستراً، تجلّى في كبدِ الأفقِ لوحُ القضاءِ الكونيّ الأخير، تحيطُ به أضواءُ الكواكبِ السّبعة، وقد كُتبتْ فيه هذه الوصيّةُ الخالدة: يا قارئَ هذا الرّقيمِ في مقبلِ الأزمان: اعلمْ أنَّ الثّراءَ ليسَ إلهاً يُعبد، وأنَّ الطّغيانَ ليسَ قدراً محتوماً على الجباه القيمُ لا تُشترى بأكياسِ الفضّة، ولا تُبنى الأوطانُ على عكّازِ الرّعب الكرامةُ إن غابتْ عن قلبِ الحضارة، استحالَ كلّ نصرٍ هزيمةً مقنّعة، وغدا كلّ قصرٍ مشيّدٍ ضريحاً محاطاً باللّعنات إذا استقامَ الإنسانُ غايةً عظمى في ميزانِ الحكم، صارَ المالُ جسراً للبناء، وصارتِ السّلطةُ درعاً للحقّ، وصارَ السّؤالُ قبساً ينيرُ دياجيرَ الظّلمات إنَّ من ينزعُ الكرامةَ من صدرِ أخيهِ يجرحُ كبدَ الكون، وإنَّ من يجعلُ الإنسانَ موئلاً للمعنى، ستظلُّ كواكبُ الميزانِ تحرسُ خطاهُ إلى أبدِ الآبدين.. حتى وإن دُكّتِ الحصونُ وعادتِ المدائنُ إلى الصّلصال الأول.

تحولات السؤال الأنطولوجي ومأزق الميتافيزيقا غالب المسعودي